ذِكْرُ اسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

ذِكْرُ اسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

لَمَّا نَزَلَ بِأَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – الْمَوْتُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ غِلْظَةٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَرَانِي رَقِيقًا، وَلَوْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَمَقْتُهُ فَكُنْتُ إِذَا غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ أَرَانِي الرِّضَاءَ عَنْهُ، وَإِذَا لِنْتُ لَهُ أَرَانِي الشِّدَّةَ عَلَيْهِ. وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: سَرِيرَتُهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَلَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمَا: لَا تَذْكُرَا مِمَّا قُلْتُ لَكُمَا شَيْئًا، وَلَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُ عُثْمَانَ، وَالْخِيرَةُ لَهُ أَنْ لَا يَلِيَ مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ خِلْوًا، وَكُنْتُ فِيمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِكُمْ.
وَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَأَنْتَ مَعَهُ، وَكَيْفَ بِهِ إِذَا خَلَا بِهِمْ وَأَنْتَ لَاقٍ رَبَّكَ فَسَائِلُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي! إِذَا لَقِيتُ رَبِّي فَسَأَلَنِي قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَالِيًا لِيَكْتُبَ عَهْدَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ 000 – ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ – فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَلَمْ آلُكُمْ خَيْرًا. ثُمَّ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مُتُّ فِي غَشْيَتِي. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
فَلَمَّا كُتِبَ الْعَهْدُ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، فَجَمَعَهُمْ وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ مَوْلًى لَهُ وَمَعَهُ عُمَرُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: أَنْصِتُوا وَاسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنَّهُ لَمْ يَأْلُكُمْ نُصْحًا. فَسَكَنَ النَّاسُ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابُ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: أَتَرْضُونَ بِمَنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ؟ فَإِنِّي مَا اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَلَوْتُ مِنْ جُهْدِ الرَّأْيِ. فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. ثُمَّ أَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ نَافِلَةً حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ، أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَثِقْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا حَقٌّ أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا بَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّخَاءِ مَعَ آيَةِ الشِّدَّةِ، وَآيَةُ الشِّدَّةِ مَعَ آيَةِ الرَّخَاءِ؛ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ رَاغِبًا رَاهِبًا، لَا يَرْغَبُ رَغْبَةً يَتَمَنَّى فِيهَا عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَرْهَبُ رَهْبَةً يَلْقَى فِيهَا بِيَدَيْهِ. أَوَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَهْلَ النَّارِ بِأَسْوَأِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا أَكُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ أَيْنَ عَمَلِي مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟ فَإِنْ حَفِظْتَ وَصِيَّتِي فَلَا يَكُونَنَّ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ حَاضِرٍ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَسْتَ بِمُعْجِزِهِ.
وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا دُفِنَ صَعِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، وَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ!
وَكَانَ أَوَّلَ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِتَوْلِيَةِ جُنْدِ خَالِدٍ، وَبِعَزْلِ خَالِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ سَاخِطًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ كُلِّهَا؛ لِوَقْعَتِهِ بِابْنِ نُوَيْرَةَ، وَمَا كَانَ يَعْمَلُ فِي حَرْبِهِ، وَأَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَزْلُ خَالِدٍ وَقَالَ: لَا يَلِي لِي عَمَلًا أَبَدًا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: إِنْ أَكْذَبَ خَالِدٌ نَفْسَهُ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْذِبْ نَفْسَهُ فَأَنْتَ الْأَمِيرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَانْزِعْ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَقَاسِمْهُ مَالَهُ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ، فَاسْتَشَارَ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَتْ لَهُ: وَاللَّهِ لَا يُحِبُّكَ عُمَرُ أَبَدًا، وَمَا يُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَكَ ثُمَّ يَنْزِعُكَ. فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَقَالَ: صَدَقْتِ، فَأَبَى أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَنَزَعَ عِمَامَةَ خَالِدٍ وَقَاسَمَهُ مَالَهُ، ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَقَامَ بِالشَّامِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ أَصَحُّ.

ذِكْرُ فَتْحِ دِمَشْقَ

قِيلَ: وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ الْيَرْمُوكِ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْيَرْمُوكِ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالصُّفَّرِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَنَّ الْمُنْهَزِمِينَ اجْتَمَعُوا بِفِحْلٍ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَدَدَ قَدْ أَتَى أَهْلَ دِمَشْقَ مِنْ حِمْصَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِدِمَشْقَ، فَإِنَّهَا حِصْنُ الشَّامِ وَبَيْتُ مَلِكِهِمْ، وَأَنْ يَشْغَلَ أَهْلُ فِحْلٍ بِخَيْلٍ تَكُونُ بِإِزَائِهِمْ، وَإِذَا فَتَحَ دِمَشْقَ سَارَ إِلَى فِحْلٍ، فَإِذَا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ سَارَ هُوَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ، وَتَرَكَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ وَعَمْرًا بِالْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ.
فَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهَا، وَبَثَقَ الرُّومُ الْمَاءَ حَوْلَ فِحْلٍ فَوَحِلَتِ الْأَرْضُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَحْصُورٍ بِالشَّامِ أَهْلُ فِحْلٍ، ثُمَّ أَهْلُ دِمَشْقَ.
وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ جُنْدًا فَنَزَلُوا بَيْنَ حِمْصَ وَدِمَشْقَ، وَأَرْسَلَ جُنْدًا آخَرَ، فَكَانُوا بَيْنَ دِمَشْقَ وَفِلَسْطِينَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ فَقَدِمُوا عَلَى دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا نِسْطَاسُ، فَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَخَالِدٌ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَعَمْرٌو عَلَى نَاحِيَةٍ، وَكَانَ هِرَقْلُ قَرِيبَ حِمْصَ، فَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ سَبْعِينَ لَيْلَةً حِصَارًا شَدِيدًا، وَقَاتَلُوهُمْ بِالزَّحْفِ وَالْمَجَانِيقِ، وَجَاءَتْ خُيُولُ هِرَقْلَ مُغِيثَةً دِمَشْقَ، فَمَنَعَتْهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي عِنْدَ حِمْصَ، فَخُذِلَ أَهْلُ دِمَشْقَ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ.
وَوُلِدَ لِلْبِطْرِيقِ الَّذِي عَلَى أَهْلِهَا مَوْلُودٌ، فَصَنَعَ طَعَامًا، فَأَكَلَ الْقَوْمُ وَشَرِبُوا، وَتَرَكُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ حِبَالًا كَهَيْئَةِ السَّلَالِيمِ وَأَوْهَاقًا، فَلَمَّا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ نَهَدَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ الَّذِينَ قُدِّمَ عَلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَهُمْ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالُوا: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرًا عَلَى السُّورِ فَارْقَوْا إِلَيْنَا، وَاقْصُدُوا الْبَابَ. فَلَمَّا وَصَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى السُّورِ أَلْقَوُا الْحِبَالَ، فَعَلِقَ بِالشُّرَفِ مِنْهَا حَبْلَانِ، فَصَعِدَ فِيهِمَا الْقَعْقَاعُ وَمَذْعُورٌ وَأَثْبَتَا الْحِبَالَ بِالشُّرَفِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَحْصَنَ مَوْضِعٍ بِدِمَشْقَ، وَأَكْثَرَهُ مَاءً، فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ انْحَدَرَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ وَتُرِكَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ مَنْ يَحْمِيهِ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، فَكَبَّرُوا، فَأَتَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْبَابِ وَإِلَى الْحِبَالِ، وَانْتَهَى خَالِدٌ إِلَى مَنْ يَلِيهِ فَقَتَلَهُمْ، وَقَصَدَ الْبَابَ فَقَتَلَ الْبَوَّابِينَ، وَثَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَدْرُونَ مَا الْحَالُ، وَتَشَاغَلَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا يَلِيهِمْ، وَفَتَحَ خَالِدٌ الْبَابَ وَقَتَلَ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الرُّومِ.
فَلَمَّا رَأَى الرُّومُ ذَلِكَ قَصَدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ وَبَذَلُوا لَهُ الصُّلْحَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَفَتَحُوا لَهُ الْبَابَ وَقَالُوا لَهُ: ادْخُلْ وَامْنَعْنَا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَدَخَلَ أَهْلُ كُلِّ بَابٍ بِصُلْحٍ مِمَّا يَلِيهِمْ. وَدَخَلَ خَالِدٌ عَنْوَةً، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْقُوَّادُ فِي وَسَطِهَا، هَذَا قَتْلًا وَنَهْبًا، وَهَذَا صَفْحًا وَتَسْكِينًا، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ مَجْرَى الصُّلْحِ، وَكَانَ صُلْحُهُمْ عَلَى الْمُقَاسَمَةِ، وَقَسَمُوا مَعَهُمْ لِلْجُنُودِ الَّتِي عِنْدَ فِحْلٍ وَعِنْدَ حِمْصَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ رِدْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَوَصَلَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ جُنْدِ الْعِرَاقِ نَحْوَ الْعِرَاقِ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَرْسَلَهُمْ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ الْمِرْقَالَ، وَكَانُوا قَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِوَضَ مَنْ قُتِلَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَرْسَلَ الْأَشْتَرُ وَغَيْرُهُ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ.

ذِكْرُ غَزْوَةِ فِحْلٍ

فَلَمَّا فُتِحَتْ دِمَشْقُ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَى النَّاسِ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرِّجَالِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَانَ أَهْلُ فِحْلٍ قَدْ قَصَدُوا بَيْسَانَ، فَهَمَّ بِهَا، فَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ بِالنَّاسِ فِحْلًا، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ تِلْكَ الْمِيَاهُ وَالْأَوْحَالُ، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ الْغَزَاةَ ذَاتَ الرَّدَغَةِ وَبَيْسَانَ وَفِحْلٍ. وَأَقَامَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ كِتَابَ عُمَرَ، فَاعْتَرَّهُمُ الرُّومُ، فَخَرَجُوا وَعَلَيْهِمْ سَقَلَّارُ بْنُ مِخْرَاقٍ، فَأَتَوْهُمْ وَالْمُسْلِمُونَ حَذِرُونَ، وَكَانَ شُرَحْبِيلُ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِيَةٍ، فَلَمَّا هَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُنَاظِرُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ كَانَ لَهُمْ لَيْلَتَهُمْ وَيَوْمَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ حَارُوا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَهُمْ حَيَارَى، وَقَدْ أُصِيبَ رَئِيسُهُمْ سَقَلَّارُ وَالَّذِي يَلِيهِ فِيهِمْ نِسْطُورَسُ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَرَكِبُوهُمْ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرُّومُ مَأْخَذَهُمْ، فَانْتَهَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ إِلَى الْوَحْلِ فَرَكِبُوهُ، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُمْ، وَلَا يَمْنَعُونَ يَدَ لَامِسٍ، فَوَخَزُوهُمْ بِالرِّمَاحِ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِفِحْلٍ وَالْقَتْلُ بِالرِّدَاغِ، فَأُصِيبَ الرُّومُ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا، لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ يَصْنَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَرِهُوا الْبُثُوقَ وَالْوَحْلَ، فَكَانَتْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ فَاقْتَسَمُوهَا. وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى حِمْصَ.
وَمِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ السَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ.
(فِحْلٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ لَامٌ) .

ذِكْرُ فَتْحِ بِلَادِ سَاحِلِ دِمَشْقَ

لَمَّا اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ إِلَى فِحْلٍ – سَارَ يَزِيدُ إِلَى مَدِينَةِ صَيْدَا وَعِرْقَةَ وَجُبَيْلٍ وَبَيْرُوتَ، وَهِيَ سَوَاحِلُ دِمَشْقَ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَخُوهُ مُعَاوِيَةَ، فَفَتَحَهَا فَتْحًا يَسِيرًا، وَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَوَلَّى فَتْحَ عِرْقَةَ مُعَاوِيَةُ بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَةِ يَزِيدَ. ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ السَّوَاحِلِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَقَصَدَهُمْ مُعَاوِيَةُ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ رَمَّهَا وَشَحَنَهَا بِالْمُقَاتِلَةِ وَأَعْطَاهُمُ الْقَطَائِعَ.
وَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ الْخِلَافَةَ وَجَمَعَ لِمُعَاوِيَةَ الشَّامَ وَجَّهَ مُعَاوِيَةُ سُفْيَانَ بْنَ مُجِيبٍ الْأَزْدِيَّ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهِيَ ثَلَاثُ مُدُنٍ مُجْتَمِعَةٌ، ثُمَّ بَنَى فِي مَرْجٍ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا حِصْنًا سُمِّيَ حِصْنَ سُفْيَانَ، وَقَطَعَ الْمَادَّةَ عَنْ أَهْلِهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَحَاصَرَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ اجْتَمَعُوا فِي أَحَدِ الْحُصُونِ الثَّلَاثَةِ وَكَتَبُوا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُمِدَّهُمْ أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ يَهْرُبُونَ فِيهَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ رَكِبُوا فِيهَا لَيْلًا وَهَرَبُوا. فَلَمَّا أَصْبَحَ سُفْيَانُ، وَكَانَ يَبِيتُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي حِصْنِهِ ثُمَّ يَغْدُو عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَدَ الْحِصْنَ خَالِيًا فَدَخَلَهُ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَسْكَنَهُ مُعَاوِيَةُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْمِينَا الْيَوْمَ، ثُمَّ بَنَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَحَصَّنَهُ، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهُ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَهُ ابْنُهُ الْوَلِيدُ فِي زَمَانِهِ.

ذِكْرُ فَتْحِ بَيْسَانَ وَطَبَرِيَّةَ

لَمَّا قَصَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ حِمْصَ مِنْ فِحْلٍ أَرْسَلَ شُرَحْبِيلَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى بَيْسَانَ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ صَالَحَهُمْ مَنْ بَقِيَ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَدْ بَعَثَ بِالْأَعْوَرِ إِلَى طَبَرِيَّةَ يُحَاصِرُهَا، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ أَيْضًا، وَأَنْ يُشَاطِرُوا الْمُسْلِمِينَ الْمَنَازِلَ، فَنَزَلَهَا الْقُوَّادُ وَخُيُولُهَا، وَكَتَبُوا بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ كَانَ قَبْلَ الْأُخْرَى، فَقِيلَ مَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ أَجْنَادَيْنِ اجْتَمَعَ الْمُنْهَزِمُونَ بِفِحْلٍ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ فَظَفِرُوا بِهَا.
ثُمَّ لَحِقَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ فِحْلٍ بِدِمَشْقَ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ فَحَاصَرُوهَا وَفَتَحُوهَا، وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَزْلِ خَالِدٍ وَوِلَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُمْ مُحَاصِرُونَ دِمَشْقَ، فَلَمْ يُعَرِّفْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ صُلْحِ دِمَشْقَ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ بَاسِمِ خَالِدٍ، وَأَظْهَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَزْلَهُ، وَكَانَتْ فِحْلٌ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَفَتْحُ دِمَشْقَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ الْيَرْمُوكِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَلَمْ تَكُنْ لِلرُّومِ بَعْدَهَا وَقْعَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا لِقُرْبِ بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ.

 

ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ الصديق

ذِكْرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ الصديق

كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لِثَمَانِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ سَمَّهُ الْيَهُودُ فِي أَرُزٍّ، وَقِيلَ فِي حَرِيرَةٍ، وَهِيَ الْحَسْوُ، فَأَكَلَ هُوَ وَالْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ، فَكَفَّ الْحَارِثُ وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَكَلْنَا طَعَامًا مَسْمُومًا سُمَّ سَنَةً. فَمَاتَا بَعْدَ سَنَةٍ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتَسَلَ وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةٍ، فَأَمَرَ عُمَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. وَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لَهُ النَّاسُ: أَلَا نَدْعُوَ الطَّبِيبَ؟ قَالَ: قَدْ أَتَانِي وَقَالَ لِي: أَنَا فَاعِلٌ مَا أُرِيدُ. فَعَلِمُوا مُرَادَهُ وَسَكَتُوا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ.
وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا أَرْبَعَ لَيَالٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثِ سِنِينَ.
وَأَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ وَيُشْتَرَى مَعَهُمَا ثَوْبٌ ثَالِثٌ، وَقَالَ: الْحَيُّ أَحْوَجُ إِلَى الْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ وَالصَّدِيدِ.
وَدُفِنَ لَيْلًا وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَحُمِلَ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَخَلَ قَبْرَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيِّ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَلْصَقُوا لَحْدَهُ بِلَحْدِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجُعِلَ قَبْرُهُ مِثْلَ قَبْرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسَطَّحًا. وَأَقَامَتْ عَائِشَةُ عَلَيْهِ النَّوْحَ، فَنَهَاهُنَّ عَنِ الْبُكَاءِ عُمَرُ، فَأَبَيْنَ، فَقَالَ لِهِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ: ادْخُلْ فَأَخْرِجْ إِلَيَّ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أُمَّ فَرْوَةَ ابْنَةَ أَبِي قُحَافَةَ، فَعَلَاهَا بِالدِّرَّةِ ضَرَبَاتٍ، فَتَفَرَّقَ النَّوْحُ حِينَ سَمِعْنَ ذَلِكَ.
وَكَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.
وَكَانَ أَبْيَضَ خَفِيفَ الْعَارِضَتَيْنِ، أَحْنَى، لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارَهُ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، نَحِيفًا، أَقْنَى، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ أَبُوهُ حَيًّا بِمَكَّةَ لَمَّا تُوُفِّيَ.
وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَتِيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ، فَلَزِمَهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَتِيقٌ لِرِقَّةِ حُسْنِهِ وَجَمَالِهِ. وَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ قَدِيمًا بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُتَيْلَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَسْمَاءَ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أُمَّ رُومَانَ، وَاسْمُهَا دَعْدُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنَانِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةَ، وَتَزَوَّجَ فِي الْإِسْلَامِ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا فِي الْإِسْلَامِ حَبِيبَةَ بِنْتَ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أُمَّ كُلْثُومٍ.

أَسْمَاءُ قُضَاتِهِ وَعُمَّالِهِ وَكُتَّابِهِ

لَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَا أَكْفِيكَ الْمَالَ. وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ الْقَضَاءَ. فَمَكَثَ عُمَرُ سَنَةً لَا يَأْتِيهِ رَجُلَانِ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَكْتُبُ لَهُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ مَنْ حَضَرَ.
وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: مَاتَ بَعْدَهُ، وَكَانَ عَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى صَنْعَاءَ الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعَلَى حَضْرَمَوْتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى خَوْلَانَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى زَبِيدٍ وَرِمَعَ أَبُو مُوسَى، وَعَلَى الْجَنَدِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ. وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى نَجْرَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَوْرٍ إِلَى جُرَشَ، وَعِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ. وَكَانَ بِالشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَشُرَحْبِيلُ وَيَزِيدُ وَعَمْرٌو، وَكُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى جُنْدٍ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ. وَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَمَاتَ وَلَهُ سَبْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً.

ذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِهِ وَمَنَاقِبِهِ

كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ» . وَالَّذِي وَرَدَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْمَنَاقِبِ كَثِيرٌ، كَشَهَادَتِهِ لَهُ الْجَنَّةَ، وَعِتْقَهُ مِنَ النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِخِلَافَتِهِ تَعْرِيضًا، كَقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلْمَرْأَةِ: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ» ، وَكَقَوْلِهِ: «اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ» .
وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَعْتَقَ سَبْعَةَ نَفَرٍ كُلُّهُمْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ – تَعَالَى – مِنْهُمْ: بِلَالٌ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وُزِنِّيرَةُ، وَالنَّهْدِيَّةُ وَابْنُهَا، وَجَارِيَةُ بَنِي مُؤَمَّلٍ، وَأُمُّ عُبَيْسٍ وَأَسْلَمُ. وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا أَنْفَقَهَا فِي اللَّهِ مَعَ مَا كَسَبَ فِي التِّجَارَةِ.
وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ خَرَجَ شَاهِرًا سَيْفَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، فَجَاءَهُ عَلِيٌّ وَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -! أَقُولُ لَكَ مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ أُحُدٍ: شِمْ سَيْفَكَ، لَا تُفْجِعْنَا بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ أُصِبْنَا بِكَ لَا يَكُونُ لِلْإِسْلَامِ نِظَامٌ. فَرَجَعَ وَأَمْضَى الْجَيْشَ.
وَكَانَ لَهُ بَيْتُ مَالٍ بِالسُّنْحِ، وَكَانَ يَسْكُنُهُ إِلَى أَنِ انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ:
أَلَا نَجْعَلُ عَلَيْهِ مَنْ يَحْرُسُهُ؟ قَالَ: لَا. فَكَانَ يُنْفِقُ جَمِيعَ مَا فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَ بَيْتَ الْمَالِ مَعَهُ فِي دَارِهِ.
وَفِي خِلَافَتِهِ افْتَتَحَ مَعْدِنَ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَانَ يُسَوِّي فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَقِيلَ لَهُ: لِتُقَدِّمْ أَهْلَ السَّبْقِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَسْلَمُوا لِلَّهِ، وَوَجَبَ أَجْرُهُمْ عَلَيْهِ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بَلَاغٌ. وَكَانَ يَشْتَرِي الْأَكْسِيَةَ وَيُفَرِّقُهَا فِي الْأَرَامِلِ فِي الشِّتَاءِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ جَمَعَ عُمَرُ الْأُمَنَاءِ وَفَتَحَ بَيْتَ الْمَالِ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ دِينَارٍ سَقَطَ مِنْ غِرَارَةٍ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو صَالِحٍ الْغِفَارِيُّ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَهَّدُ امْرَأَةً عَمْيَاءَ فِي الْمَدِينَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَقُومُ بِأَمْرِهَا، فَكَانَ إِذَا جَاءَهَا وَجَدَ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَفَعَلَ مَا أَرَادَتْ. فَرَصَدَهُ عُمَرُ فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، كَانَ يَأْتِيهَا وَيَقْضِي أَشْغَالَهَا سِرًّا وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ لَعَمْرِي! قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا بَكْرٍ الْوَفَاةُ حَضَرَتْهُ عَائِشَةُ وَهُوَ يُعَالِجُ الْمَوْتَ فَتَمَثَّلَتْ:
لَعُمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى … إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
فَنَظَرَ إِلَيْهَا كَالْغَضْبَانِ ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ نَحَلْتُكِ حَائِطَ كَذَا وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، فَرُدِّيهِ عَلَى الْمِيرَاثِ، فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ. قَالَتْ: مَنِ الثَّانِيَةُ؟ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ. قَالَ: ذَاتُ بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، يَعْنِي زَوْجَتَهُ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَلَدَتْ أُمَّ كُلْثُومٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ لَهَا: أَمَا إِنَّا مُنْذُ وَلِينَا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ نَأْكُلْ لَهُمْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّا قَدْ أَكَلْنَا مِنْ جَرِيشِ طَعَامِهِمْ، وَلَبِسْنَا مَنْ خَشِنِ ثِيَابِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا هَذَا الْعَبْدُ وَهَذَا الْبَعِيرُ وَهَذِهِ الْقَطِيفَةُ، فَإِذَا مُتُّ فَابْعَثِي بِالْجَمِيعِ إِلَى عُمَرَ. فَلَمَّا مَاتَ بَعَثَتْهُ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ إِلَى الْأَرْضِ وَجَعَلَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ! لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ. وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ. وَأَمَرَ بِرَفْعِهِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَسْلُبُ عِيَالَ أَبِي بَكْرٍ عَبْدًا وَنَاضِحًا وَسَحَقَ قَطِيفَةٍ ثَمَنُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَلَوْ أَمَرْتَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَكُونُ هَذَا فِي وِلَايَتِي، وَلَا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُ وَأَتَقَلَّدُهُ أَنَا. وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُرَدَّ جَمِيعُ مَا أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفَقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ زَوْجَتَهُ اشْتَهَتْ حُلْوًا فَقَالَ: لَيْسَ لَنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَسْتَفْضِلُ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ مَا نَشْتَرِي بِهِ. قَالَ: افْعَلِي، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ لَهَا فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَلَمَّا عَرَّفَتْهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ حُلْوًا أَخَذَهُ، فَرَدَّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ: هَذَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِنَا، وَأَسْقَطَ مِنْ نَفَقَتِهِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَتْ كُلَّ يَوْمٍ، وَغَرَمَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ مِلْكٍ كَانَ لَهُ.
هَذَا وَاللَّهِ هُوَ التَّقْوَى الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَبِحَقٍّ قَدَّمَهُ النَّاسُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
وَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي بَكْرٍ بِالسُّنْحِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ خَارِجَةَ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَمَا بُويِعَ لَهُ، وَكَانَ يَغْدُو عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرُبَّمَا رَكِبَ فَرَسَهُ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ رَجَعَ إِلَى السُّنْحِ، وَكَانَ إِذَا غَابَ صَلَّى بِالنَّاسِ عُمَرُ. وَكَانَ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى السُّوقِ فَيَبِيعُ وَيَبْتَاعُ، وَكَانَتْ لَهُ قِطْعَةُ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا خَرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِيهَا، وَرُبَّمَا رُعِيَتْ لَهُ، وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ: الْآنَ لَا يَحْلِبُ لَنَا مَنَائِحَ دَارِنَا، فَسَمِعَهَا فَقَالَ: بَلَى لَعَمْرِي لَأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُغَيِّرَ بِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ. فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ وَقَالَ: مَا تَصْلُحُ أُمُورُ النَّاسِ مَعَ التِّجَارَةِ، وَمَا يَصْلُحُ إِلَّا التَّفَرُّغُ لَهُمْ وَالنَّظَرُ فِي شَأْنِهِمْ. فَتَرَكَ التِّجَارَةَ، وَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ وَعِيَالَهُ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ، فَكَانَ الَّذِي فَرَضُوا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقِيلَ: فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُبَاعَ أَرْضٌ لَهُ وَيُصْرَفَ ثَمَنُهَا عِوَضَ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ أَوَّلَ وَالٍ فَرَضَ لَهُ رَعِيَّتُهُ نَفَقَتَهُ، وَأَوَّلَ خَلِيفَةٍ وَلِيَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلَ مَنْ سَمَّى مُصْحَفَ الْقُرْآنِ مُصْحَفًا، وَأَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً.
(زِنِّيرَةُ بِكَسْرِ الزَّايِ، وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ. وَعُبَيْسٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَمُنْيَةُ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالْيَاءُ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) .

 

ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ

ذِكْرُ وَقْعَةِ أَجْنَادَيْنِ

قَدْ ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ عُقَيْبَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ، وَرَوَى خَبَرَهَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْأُمَرَاءِ وَمَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ: فَسَارَ خَالِدٌ مِنْ مَرْجِ رَاهِطٍ إِلَى بُصْرَى وَعَلَيْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ سَارُوا جَمِيعًا إِلَى فِلَسْطِينَ مَدَدًا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْعَرَبَاتِ، وَاجْتَمَعَتِ الرُّومُ بِأَجْنَادَيْنِ وَعَلَيْهِمْ تَذَارِقُ أَخُو هِرَقْلَ لِأَبَوَيْهِ، وَقِيلَ كَانَ عَلَى الرُّومِ الْقُبُقْلَارُ، وَأَجْنَادَيْنِ بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ جِبْرِينَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَسَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ سَمِعَ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُمْ، وَنَزَلُوا بِأَجْنَادَيْنِ وَعَسْكَرُوا عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الْقُبُقْلَارُ عَرَبِيًّا إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَدَخَلَ فِيهِمْ وَأَقَامَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ: بِاللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَبِالنَّهَارِ فُرْسَانٌ، وَلَوْ سَرَقَ ابْنُ مَلِكِهِمْ قَطَعُوهُ، وَلَوْ زَنَى رُجِمَ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِمْ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ لِقَاءِ هَؤُلَاءِ عَلَى ظَهْرِهَا.
وَالْتَقَوْا يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، وَقُتِلَ الْقُبُقْلَارُ وَتَذَارِقُ، وَاسْتُشْهِدَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّحَامُ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ
قَالَ: ثُمَّ جَمَعَ هِرَقْلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَالْتَقَوْا بِالْيَرْمُوكِ، وَجَاءَهُمْ خَبَرُ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُمْ مُصَافُّونَ، وَوِلَايَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي رَجَبٍ. هَذِهِ سِيَاقَةُ الْخَبَرِ
وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، وَمِمَّنْ قُتِلَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: قُتِلَ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ، وَقُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَهْمٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ الدَّوْسِيُّ، وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِذِي النُّورِ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ.
(أَجْنَادَيْنِ بَعْدَ الْجِيمِ نُونٌ، وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا، ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا سَاكِنَةٌ، وَآخِرُهُ نُونٌ) .
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ أَجْنَادَيْنِ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

 

ذِكْرُ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ

ذِكْرُ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ

فَلَمَّا تَكَامَلَ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ بِالْيَرْمُوكِ، وَكَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، قَدِمَ خَالِدٌ فِي تِسْعَةِ آلَافٍ، فَصَارُوا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا سِوَى عِكْرِمَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَثَلَاثَةَ آلَافٍ مِنْ فُلَّالِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَشَرَةَ آلَافٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَصَارُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا سِوَى سِتَّةِ آلَافٍ مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَقِيلَ فِي عَدَدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَ فِيهِمْ أَلْفُ صَحَابِيٍّ، مِنْهُمْ نَحْوُ مِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا. وَكَانَ الرُّومُ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَيَّدٍ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ لِلْمَوْتِ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مُرَبَّطُونَ بِالْعَمَائِمِ لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَقِيلَ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ، وَكَانَ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ عَلَى تَسَانُدٍ، كُلُّ أَمِيرٍ عَلَى أَصْحَابِهِ لَا يَجْمَعُهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ، وَكَانَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ يُحَرِّضُونَ الرُّومَ شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْقِتَالِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ قِتَالٌ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
فَلَمَّا أَحَسَّ الْمُسْلِمُونَ بِخُرُوجِهِمْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مُتَسَانِدِينَ، فَسَارَ فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، وَلَا تُقَاتِلُوا قَوْمًا عَلَى نِظَامٍ وَتَعْبِيَةٍ وَأَنْتُمْ مُتَسَانِدُونَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي، وَإِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ لَوْ يَعْلَمُ عِلْمَكُمْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَاعْمَلُوا فِيمَا لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ بِالَّذِي تَرَوْنَ أَنَّهُ رَأْيٌ مِنْ وَالِيكُمْ وَمَحَبَّتِهِ. قَالُوا: هَاتِ، فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَبْعَثْنَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّا سَنَتَيَاسَرُ، وَلَوْ عَلِمَ بِالَّذِي كَانَ وَيَكُونُ، لَقَدْ جَمَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ أَشَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِمَّا قَدْ غَشِيَهُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَمْدَادِهِمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الدُّنْيَا فَرَّقَتْ بَيْنَكُمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ! فَقَدْ أُفْرِدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِبَلَدٍ لَا يَنْتَقِصُهُ مِنْهُ إِنْ دَانَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَلَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ إِنْ دَانُوا لَهُ. إِنَّ تَأْمِيرَ بَعْضِكُمْ لَا يَنْتَقِصُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا عِنْدَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَلُمُّوا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَهَيَّئُوا، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمْ إِلَى خَنْدَقِهِمُ الْيَوْمَ لَمْ نَزَلْ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَمْ نُفْلِحْ بَعْدَهَا. فَهَلُمُّوا فَلْنَتَعَاوَرِ الْإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى تَتَأَمَّرُوا كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي أَتَأَمَّرُ الْيَوْمَ.
فَأَمَّرُوهُ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا كَخَرَجَاتِهِمْ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَطُولُ.
فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ يَرَ الرَّاءُونَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِيَةٍ لَمْ تُعِبَّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ تَعْبِيَةً أَكْثَرَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْكَرَادِيسِ. فَجَعَلَ الْقَلْبَ كَرَادِيسَ، وَأَقَامَ فِيهِ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْمَنَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَجَعَلَ الْمَيْسَرَةَ كَرَادِيسَ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَلَى كُرْدُوسٍ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ رَجُلًا مِنَ الشُّجْعَانِ، وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَكَانَ الْقَاصُّ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قَبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِخَالِدٍ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ! فَقَالَ خَالِدٌ: مَا أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَقَلَّ الرُّومِ، إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الْأَشْقَرَ – يَعْنِي فَرَسَهُ – بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ، وَأَنَّهُمْ أُضْعِفُوا فِي الْعَدَدِ. وَكَانَ قَدْ حَفِيَ فِي مَسِيرِهِ.
فَأَمَرَ خَالِدٌ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَأَنْشَبَا الْقِتَالَ، وَالْتَحَمَ النَّاسُ وَتَطَارَدَ الْفُرْسَانُ وَتَقَاتَلُوا، فَإِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَدِمُ الْبَرِيدُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْمُهُ مَحْمِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ، فَسَأَلُوهُ الْخَبَرَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِسَلَامَةٍ وَأَمْدَادٍ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ وَتَأْمِيرِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَبَلَّغُوهُ خَالِدًا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ أَبِي بَكْرٍ سِرًّا.
وَخَرَجَ جَرَجَةُ إِلَى بَيْنِ الصَّفَّيْنِ وَطَلَبَ خَالِدًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَآمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ اصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ، فَلَا تَسُلَّهُ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَفِيمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَقَاتَلَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ هَدَانِي فَتَابَعْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ سَيْفُ اللَّهِ، سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي إِلَى مَا تَدْعُونِي. قَالَ خَالِدٌ: إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْحَرْبِ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ مَنِ الَّذِي يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِيكُمْ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَهَلْ لَهُ مِثْلُكُمْ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّنَا اتَّبَعْنَا نَبِيَّنَا وَهُوَ حَيٌّ، يُخْبِرُنَا بِالْغَيْبِ وَنَرَى مِنْهُ الْعَجَائِبَ وَالْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مِثْلَنَا وَلَمْ تَسْمَعُوا مِثْلَنَا، فَمَنْ دَخَلَ بِنِيَّةٍ وَصِدْقٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَلَبَ جَرَجَةُ تُرْسَهُ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ وَأَسْلَمَ، وَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ خَالِدٍ فَقَاتَلَ الرُّومَ.
وَحَمَلَتِ الرُّومُ حَمْلَةً أَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ وَعَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَوْمَئِذٍ: قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي كُلِّ مَوْطِنٍ، ثُمَّ أَفِرُّ الْيَوْمَ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَرَأَ وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ. وَقَاتَلَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ جَرَجَةُ عِنْدَ آخِرِ النَّهَارِ، وَصَلَّى النَّاسُ الْأُولَى وَالْعَصْرَ إِيمَاءً، وَتَضَعْضَعَ الرُّومُ، وَنَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ خَيْلِهِ وَرَجْلِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسَانُ وَتَرَكُوا الرَّجَّالَةَ.
وَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ خَيْلَ الرُّومِ قَدْ تَوَجَّهَتْ لِلْمَهْرَبِ أَفْرَجُوا لَهَا، فَتَفَرَّقَتْ وَقُتِلَ
الرَّجَّالَةُ، وَاقْتَحَمُوا فِي خَنْدَقِهِمْ، فَاقْتَحَمَهُ عَلَيْهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى الْوَاقُوصَةِ حَتَّى هَوَى فِيهَا الْمُقْتَرِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، ثَمَانُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُقْتَرِنِينَ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ مُطْلَقٍ، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَتَجَلَّلَ الْفَيْقَارُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ بَرَانِسَهُمْ وَجَلَسُوا، فَقُتِلُوا مُتَزَمِّلِينَ. وَدَخَلَ خَالِدٌ الْخَنْدَقَ وَنَزَلَ فِي رِوَاقِ تَذَارِقَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا أُتِيَ خَالِدٌ بِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ جَرِيحًا، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَبِعَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ فَجَعَلَ رَأَسَهُ عَلَى سَاقِهِ، وَمَسَحَ وُجُوهَهُمَا وَقَطَّرَ فِي حُلُوقِهِمَا الْمَاءَ، وَقَالَ: زَعَمَ ابْنُ حَنْتَمَةَ – يَعْنِي عُمَرَ – أَنَّا لَا نُسْتَشْهَدُ! وَقَاتَلَ النِّسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَأَبْلَيْنَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بِالْيَرْمُوكِ وَأَنَا صَبِيٌّ لَا أُقَاتِلُ، فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ نَظَرْتُ إِلَى نَاسٍ عَلَى تَلٍّ لَا يُقَاتِلُونَ، فَرَكِبْتُ وَذَهَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَشْيَخَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْفَتْحِ، فَرَأَوْنِي حَدَثًا فَلَمْ يَتَّقُونِي، قَالَ: فَجَعَلُوا وَاللَّهِ إِذَا مَالَ الْمُسْلِمُونَ وَرَكِبَتْهُمُ الرُّومُ يَقُولُونَ: إِيهِ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَإِذَا مَالَتِ الرُّومُ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: وَيْحَ بَنِي الْأَصْفَرِ! فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ أَخْبَرْتُ أَبِي فَضْحِكَ فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! أَبَوْا إِلَّا ضِغْنًا، لَنَحْنُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الرُّومِ!
وَفِي الْيَرْمُوكِ أُصِيبَتْ عَيْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ.
وَلَمَّا انْهَزَمَتِ الرُّومُ كَانَ هِرَقْلَ بِحِمْصَ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ عَنْهَا قَرِيبًا، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا أَمِيرًا كَمَا أَمَّرَ عَلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ مَنْ أُصِيبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ، وَجُنْدُبُ بْنُ عَمْرٍو، وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَعِيَاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.
(عِيَاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ) .
وَفِيهَا قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ.
وَفِيهَا قُتِلَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ الْعَدَوِيُّ عَدِيُّ قُرَيْشٍ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ عُمَرَ.
وَفِيهَا قُتِلَ النُّضَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَخُو النَّضْرِ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ كَافِرًا.
وَقُتِلَ فِيهَا أَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ الْعَبْدَرِيُّ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، شَهِدَ أُحُدًا. وَقِيلَ: قُتِلُوا يَوْمَ أَجْنَادِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ذِكْرُ حَالِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ بِالْعِرَاقِ

وَأَمَّا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا وَدَّعَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَارَ خَالِدٌ إِلَى الشَّامِ فِيمَنْ مَعَهُ بِالْجُنْدِ، أَقَامَ بِالْحِيرَةِ وَوَضَعَ الْمَسْلَحَةَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ فَارِسٍ بَعْدَ مَسِيرِ خَالِدٍ مِنَ الْحِيرَةِ بِقَلِيلٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، عَلَى شَهْرِيرَانَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شَهْرَيَارَ سَابُورَ، فَوَجَّهَ إِلَى الْمُثَنَّى جُنْدًا عَظِيمًا عَلَيْهِمْ هُرْمُزُ جَاذَوَيْهِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ نَحْوَهُ وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ الْمُعَنَّى وَمَسْعُودٌ أَخَوَاهُ، فَأَقَامَ بِبَابِلَ، وَأَقْبَلَ هُرْمُزُ نَحْوَهُ، وَكَتَبَ كِسْرَى شَهْرِيرَانَ إِلَى الْمُثَنَّى كِتَابًا: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ جُنْدًا مِنْ وَخْشِ أَهْلِ فَارِسَ، إِنَّمَا هُمْ رِعَاءُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلَّا بِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى: إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إِمَّا بَاغٍ، فَذَلِكَ شَرٌّ لَكَ وَخَيْرٌ لَنَا، وَإِمَّا كَاذِبٌ، فَأَعْظَمُ الْكَاذِبِينَ فَضِيحَةً عِنْدَ اللَّهِ وَفِي النَّاسِ الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّنَا عَلَيْهِ الرَّأْيُ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَضْرَرْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ.
فَجَزِعَ الْفُرْسُ مِنْ كِتَابِهِ، فَالْتَقَى الْمُثَنَّى وَهُرْمُزُ بِبَابِلَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ فِيلُهُمْ يُفَرِّقُ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَدَبَ لَهُ الْمُثَنَّى وَمَعَهُ نَاسٌ فَقَتَلُوهُ، وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدَائِنِ يَقْتُلُونَهُمْ. وَمَاتَ شَهْرِيرَانُ لَمَّا انْهَزَمَ هُرْمُزُ جَاذَوَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ فَارِسَ، وَبَقِيَ مَا دُونَ دِجْلَةَ بِيَدِ الْمُثَنَّى.
ثُمَّ اجْتَمَعَتِ الْفُرْسُ عَلَى دُخْتَ زَنَانَ ابْنَةِ كِسْرَى، فَلَمْ يَنْفُذْ لَهَا أَمْرٌ وَخُلِعَتْ، وَمَلَكَ سَابُورُ بْنُ شَهْرِيرَانَ. فَلَمَّا مَلَكَ قَامَ بِأَمْرِهِ الْفَرُّخْزَادُ بْنُ الْبِنْذَوَانِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ آزَرْمِيدُخْتَ بِنْتَ كِسْرَى، فَأَجَابَهُ. فَغَضِبَتْ آزَرْمِيدُخْتَ فَأَرْسَلَتْ إِلَى سَيَاوَخَشْ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الْعُرْسِ أَقْبَلَ الْفَرُّخْزَادُ حَتَّى دَخَلَ، فَثَارَ بِهِ سَيَاوَخَشْ فَقَتَلَهُ، وَقَصَدَتْ آزَرْمِيدُخْتَ وَمَعَهَا سَيَاوَخَشْ سَابُورَ فَحَصَرُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَمَلَكَتْ آزَرْمِيدُخْتَ ثُمَّ تَشَاغَلُوا بِذَلِكَ.
وَأَبْطَأَ خَبَرُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْمُثَنَّى، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَ الْمُشْرِكِينَ، وَيَسْتَأْذِنَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِمَنْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّهُمْ أَنْشَطُ إِلَى الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَرِيضٌ قَدْ أَشَفَى، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَاسْتَدْعَى عُمَرَ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَمُوتَ يَوْمِي هَذَا، فَإِذَا مُتُّ فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَلَا تَشْغَلَنَّكُمْ مُصِيبَةٌ عَنْ أَمْرِ دِينِكُمْ وَوَصِيَّةِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُنِي مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَا صَنَعْتُ وَمَا أُصِيبَ الْخَلْقُ بِمِثْلِهِ، وَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَارْدُدْ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُهُ وَوُلَاةُ أَمْرِهِ وَأَهْلُ الْجُرْأَةِ عَلَيْهِمْ.
وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا فَدَفَنَهُ عُمَرُ وَنَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى، وَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَسُوءُنِي أَنْ أُؤَمِّرَ خَالِدًا، فَلِهَذَا أَمَرَنِي أَنْ أَرُدَّ أَصْحَابَ خَالِدٍ، وَتَرَكَ ذِكْرَهُ مَعَهُمْ.
وَإِلَى آزَرْمِيدُخْتَ انْتَهَى شَأْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَهَذَا حَدِيثُ الْعِرَاقِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

 

ذِكْرُ فُتُوحِ الشَّامِ

ذِكْرُ فُتُوحِ الشَّامِ

قِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الْحَجِّ، فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَيَّرَهُ لَمَّا سَيَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ أَوَّلَ لِوَاءٍ عَقَدَهُ إِلَى الشَّامِ لِوَاءُ خَالِدٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ.
وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّهُ تَرَبَّصَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ شَهْرَيْنِ، وَلَقِيَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَغُلِبْتُمْ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمُغَالَبَةً تَرَى أَمْ خِلَافَةً؟
فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُحْقِدْهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا عُمَرُ فَاضْطَغَنَهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَلَّاهُ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَزَلْ بِهِ عُمَرُ حَتَّى عَزَلَهُ عَنِ الْإِمَارَةِ، وَجَعَلَهُ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ بِتَيْمَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مَنِ ارْتَدَّ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ الرُّومَ فَضَرَبُوا الْبَعْثَ عَلَى الْعَرَبِ الضَّاحِيَةِ بِالشَّامِ مِنْ: بَهْرَاءَ، وَسَلِيحٍ، وَغَسَّانَ، وَكَلْبٍ، وَلَخْمٍ، وَجُذَامَ، فَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: أَقْدِمْ وَلَا تَقْتَحِمَنَّ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ تَفَرَّقُوا، فَنَزَلَ مَنْزِلَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ بِالْإِقْدَامِ بِحَيْثُ لَا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ. فَسَارَ حَتَّى جَازَهُ قَلِيلًا وَنَزَلَ، فَسَارَ إِلَيْهِ بَطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ يُدْعَى بَاهَانَ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ وَقَتَلَ مِنْ جُنْدِهِ، فَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَوَائِلُ مُسْتَنْفِرِي الْيَمَنِ وَفِيهِمْ ذُو الْكَلَاعِ، وَقَدِمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ تِهَامَةَ، وَعُمَانَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَالسَّرْوِ، فَكَتَبَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أُمَرَاءِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يُبْدِلُوا مَنِ اسْتَبْدَلَ، فَكُلُّهُمُ اسْتَبْدَلَ، فَسُمِّيَ جَيْشُ الْبِدَالِ، وَقَدِمُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ.
وَعَنْهَا اهْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِالشَّامِ وَعَنَاهُ أَمْرُهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ رَدَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَّاهُ إِيَّاهُ مِنْ صَدَقَاتِ سَعْدِ هُذَيْمٍ وَعُذْرَةَ وَغَيْرِهِمْ قَبْلَ ذَهَابِهِ إِلَى عُمَانَ، وَوَعَدَهُ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى عَمَلِهِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ عُمَانَ، فَأَنْجَزَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عِدَةَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى قَصْدِ الشَّامِ كَتَبَ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ رَدَدْتُكَ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي وَلَّاكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّةً، وَوَعَدَكَ بِهِ أُخْرَى؛ إِنْجَازًا لِمَوَاعِيدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ وَلَيْتَهُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُفْرِغَكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ أَحَبَّ إِلَيْكَ.
فَكَتَبَ عَمْرٌو: إِنِّي سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ بَعْدَ اللَّهِ الرَّامِي بِهَا وَالْجَامِعُ لَهَا، فَانْظُرْ أَشَدَّهَا وَأَخْشَاهَا وَأَفْضَلَهَا فَارْمِ بِهِ. فَأَمَرَهُ وَأَمَرَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَكَانَ عَلَى بَعْضِ صَدَقَاتِ قُضَاعَةَ، أَنْ يَجْمَعَا الْعَرَبَ، فَفَعَلَا، وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَمْرٍو بَعْضَ مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِطَرِيقٍ سَمَّاهَا لَهُ إِلَى فِلَسْطِينَ، وَأَمَرَ الْوَلِيدَ بِالْأُرْدُنِّ وَأَمَدَّهُ بِبَعْضِهِمْ، وَأَمَّرَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى جَيْشٍ عَظِيمٍ هُوَ جُمْهُورُ مَنِ انْتَدَبَ إِلَيْهِ، فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَشَيَّعَهُ مَاشِيًا، وَأَوْصَاهُ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ لِيَزِيدَ:
إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ لِأَبْلُوَكَ وَأُجَرِّبَكَ وَأُخَرِّجَكَ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ رَدَدْتُكَ إِلَى عَمَلِكَ وَزِدْتُكَ، وَإِنْ أَسَأْتَ عَزَلْتُكَ، فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ بَاطِنِكَ مِثْلَ الَّذِي مِنْ ظَاهِرِكَ، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ تَوَلِّيًا لَهُ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ أَشَدُّهُمْ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ عَمَلَ خَالِدٍ، فَإِيَّاكَ وَعُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُهَا وَيُبْغِضُ أَهْلَهَا، وَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى جُنْدِكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَابْدَأْهُمْ بِالْخَيْرِ وَعِدْهُمْ إِيَّاهُ، وَإِذَا وَعَظْتَهُمْ فَأَوْجِزْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ يُنْسِي بَعْضُهُ بَعْضًا، وَأَصْلِحْ نَفْسَكَ يَصْلُحْ لَكَ النَّاسُ، وَصَلِّ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا بِإِتْمَامِ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَالتَّخَشُّعِ فِيهَا، وَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رُسُلُ عَدُوِّكَ فَأَكْرِمْهُمْ، وَأَقْلِلْ لُبْثَهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ عَسْكَرِكَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ، وَلَا تُرِيَنَّهُمْ فَيَرَوْا خَلَلَكَ وَيَعْلَمُوا عِلْمَكَ، وَأَنْزِلْهُمْ فِي ثَرْوَةِ عَسْكَرِكَ، وَامْنَعْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ مُحَادَثَتِهِمْ، وَكُنْ أَنْتَ الْمُتَوَلِّي لِكَلَامِهِمْ، وَلَا تَجْعَلْ سِرَّكَ لِعَلَانِيَتِكَ فَيَخْلِطُ أَمْرُكُ، وَإِذَا اسْتَشَرْتَ فَاصْدُقِ الْحَدِيثَ تُصْدَقِ الْمَشُورَةَ، وَلَا تُخْزِنْ عَنِ الْمُشِيرِ خَبَرَكَ فَتُؤْتَى مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ، وَاسْمِرْ بِاللَّيْلِ فِي أَصْحَابِكَ تَأْتِكَ الْأَخْبَارُ وَتَنْكَشِفْ عِنْدَكَ الْأَسْتَارُ، وَأَكْثِرْ حَرَسَكَ وَبَدِّدْهُمْ فِي عَسْكَرِكَ، وَأَكْثِرْ مُفَاجَأَتَهُمْ فِي مَحَارِسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِكَ، فَمَنْ وَجَدْتَهُ غَفَلَ عَنْ مَحْرَسِهِ فَأَحْسِنْ أَدَبَهُ وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِفْرَاطٍ، وَأَعْقِبْ بَيْنَهُمْ بِاللَّيْلِ، وَاجْعَلِ النَّوْبَةَ الْأُولَى أَطْوَلَ مِنَ الْأَخِيرَةِ؛ فَإِنَّهَا أَيْسَرُهُمَا لِقُرْبِهَا مِنَ النَّهَارِ، وَلَا تَخَفْ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَلَا تَلِجَّنَّ فِيهَا، وَلَا تُسْرِعْ إِلَيْهَا، وَلَا تَخْذُلْهَا مَدْفَعًا، وَلَا تَغْفُلْ عَنْ أَهْلِ عَسْكَرِكَ فَتُفْسِدَهُ، وَلَا تَجَسَّسْ عَلَيْهِمْ فَتَفْضَحَهُمْ، وَلَا تَكْشِفِ النَّاسَ عَنْ أَسْرَارِهِمْ، وَاكْتَفِ بِعَلَانِيَتِهِمْ، وَلَا تُجَالِسِ الْعَبَّاثِينَ، وَجَالِسْ أَهْلَ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ، وَاصْدُقِ اللِّقَاءَ، وَلَا تَجْبُنْ فَيَجْبُنَ النَّاسُ، وَاجْتَنِبِ الْغُلُولَ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُ الْفَقْرَ وَيَدْفَعُ النَّصْرَ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ فَدَعْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ.
وَهَذِهِ مِنْ أَحْسَنِ الْوَصَايَا وَأَكْثَرِهَا نَفْعًا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ عَلَى مَنِ اجْتَمَعَ وَأَمَرَهُ بِحِمْصَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى بَابٍ مِنَ الْبَلْقَاءِ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ صَالَحُوهُ، فَكَانَ أَوَّلَ صُلْحٍ فِي الشَّامِ.
وَاجْتَمَعَ لِلرُّومِ جَمْعٌ بِالْعَرَبَةِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ فَهَزَمَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ قِتَالٍ بِالشَّامِ بَعْدَ سَرِيَّةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. ثُمَّ أَتَوُا الدَّائِنَ فَهَزَمَهُمْ أَبُو أُمَامَةَ أَيْضًا، ثُمَّ مَرْجَ الصُّفَّرِ اسْتُشْهِدَ فِيهَا ابْنٌ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقِيلَ: اسْتُشْهِدَ فِيهَا خَالِدٌ أَيْضًا، وَقِيلَ: بَلْ سَلِمَ وَانْهَزَمَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ تَوْجِيهَ الْأُمَرَاءِ بِالْجُنُودِ بَادَرَ لِقِتَالِ الرُّومِ، فَاسْتَطْرَدَ لَهُ بَاهَانُ فَاتَّبَعَهُ خَالِدٌ وَمَعَهُ ذُو الْكَلَاعِ وَعِكْرِمَةُ وَالْوَلِيدُ فَنَزَلَ مَرْجَ الصُّفَّرِ، فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَسَالِحُ بَاهَانَ وَأَخَذُوا الطُّرُقَ، وَخَرَجَ بَاهَانُ فَرَأَى ابْنَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَقَتَلَهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَسَمِعَ خَالِدٌ فَانْهَزَمَ، فَوَصَلَ فِي هَزِيمَتِهِ إِلَى ذِي الْمَرْوَةِ قَرِيبَ الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِالْمُقَامِ بِهَا، وَبَقِيَ عِكْرِمَةُ فِي النَّاسِ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ يَمْنَعُ مَنْ يَطْلُبُهُمْ.
وَكَانَ قَدْ قَدِمَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ مِنْ عِنْدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَافِدًا، فَأَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِالشَّامِ وَنَدَبَ مَعَهُ النَّاسَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى عَمَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. فَأَتَى شُرَحْبِيلُ عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَفَصَلَ عَنْهُ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ نَاسٌ فَأَرْسَلَهُمْ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَرَهُ بِاللَّحَاقِ بِأَخِيهِ يَزِيدَ، فَلَمَّا مَرَّ بِخَالِدٍ فَصَلَ عَنْهُ بِبَاقِي أَصْحَابِهِ. فَأَذِنَ أَبُو بَكْرٍ لِخَالِدٍ بِدُخُولِ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْأُمَرَاءُ إِلَى الشَّامِ نَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجَابِيَةَ، وَنَزَلَ يَزِيدُ الْبَلْقَاءَ، وَنَزَلَ شُرَحْبِيلُ الْأُرْدُنَّ، وَقِيلَ: بُصْرَى، وَنَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْعَرَبَةَ. فَبَلَغَ الرُّومُ ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ، وَكَانَ بِالْقُدْسِ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تُصَالِحُوا الْمُسْلِمِينَ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ تُصَالِحُوهُمْ عَلَى نِصْفِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الشَّامِ وَيَبْقَى لَكُمْ نَصِفُهُ مَعَ بِلَادِ الرُّومِ – أَحَبُّ إِلَيْكُمْ مِنْ أَنْ يَغْلِبُوكُمْ عَلَى الشَّامِ وَنِصْفِ بِلَادِ الرُّومِ. فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَعَصَوْهُ، فَجَمَعَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى حِمْصَ، فَنَزَلَهَا وَأَعَدَّ الْجُنُودَ وَالْعَسَاكِرَ، وَأَرَادَ إِشْغَالَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِطَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ؛ لِكَثْرَةِ جُنْدِهِ؛ لِتَضْعُفَ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَمَّنْ بِإِزَائِهِ، فَأَرْسَلَ تَذَارِقَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا إِلَى عَمْرٍو، وَأَرْسَلَ جَرَجَةَ بْنَ تُوذَرَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَعَثَ الْقَيْقَارَ بْنَ نَسْطُوسَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَبَعَثَ الدُّرَاقِصَ نَحْوَ شُرَحْبِيلَ، فَهَابَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَكَاتَبُوا عَمْرًا مَا الرَّأْيُ، فَأَجَابَهُمْ: إِنَّ الرَّأْيَ لِمِثْلِنَا الِاجْتِمَاعُ، فَإِنَّ مِثْلَنَا إِذَا اجْتَمَعْنَا لَا نُغْلَبُ مِنْ قِلَّةٍ، فَإِنَّ تَفَرُّقَنَا لَا يَقُومُ كُلُّ فِرْقَةٍ لَهُ بِمَنِ اسْتَقْبَلَهَا لِكَثْرَةِ عَدُوِّنَا.
وَكَتَبُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَجَابَهُمْ مِثْلَ جَوَابِ عَمْرٍو وَقَالَ: إِنَّ مِثْلَكُمْ لَا يُؤْتَى مِنْ قِلَّةٍ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى الْعَشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الذُّنُوبِ، فَاحْتَرِسُوا مِنْهَا، فَاجْتَمَعُوا بِالْيَرْمُوكِ مُتَسَانِدِينَ، وَلْيَصِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِأَصْحَابِهِ. فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْيَرْمُوكِ، وَالرُّومُ أَيْضًا وَعَلَيْهِمْ
التَّذَارِقُ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ، وَعَلَى الْمُجَنِّبَةِ بَاهَانُ، وَلَمْ يَكُنْ وَصَلَ بَعْدُ إِلَيْهِمْ، وَالدُّرَاقِصُ عَلَى الْأُخْرَى، وَعَلَى الْحَرْبِ الْقَيْقَارُ. فَنَزَلَ الرُّومُ وَصَارَ الْوَادِي خَنْدَقًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَتَأَنَّسَ الرُّومُ بِالْمُسْلِمِينَ لِتَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قُلُوبُهُمْ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى طَرِيقِهِمْ، لَيْسَ لِلرُّومِ طَرِيقٌ إِلَّا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَمْرٌو: أَبْشِرُوا! حُصِرَتِ الرُّومُ، وَقَلَّ مَا جَاءَ مَحْصُورٌ بِخَيْرٍ.
وَأَقَامُوا صَفَرًا عَلَيْهِمْ وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ لَا يَقْدِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْوَادِي وَالْخَنْدَقِ، وَلَا يَخْرُجُ الرُّومُ خَرْجَةً إِلَّا أُدِيلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ.

ذِكْرُ مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ

لَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ مُطَاوَلَةَ الرُّومِ اسْتَمَدُّوا أَبَا بَكْرٍ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، وَبِالْحَثِّ، وَأَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ النَّاسِ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى النِّصْفِ الْآخَرِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَلَا يَأْخُذَنَّ مَنْ فِيهِ نَجْدَةٌ إِلَّا وَيَتْرُكَ عِنْدَ الْمُثَنَّى مِثْلَهُ، وَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَجَعَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْعِرَاقِ.
فَاسْتَأْثَرَ خَالِدٌ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى الْمُثَنَّى، وَتَرَكَ لِلْمُثَنَّى عِدَادَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، ثُمَّ قَسَمَ الْجُنْدَ نِصْفَيْنِ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: وَاللَّهِ لَا أُقِيمُ إِلَّا عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ، وَبِاللَّهِ مَا أَرْجُو النَّصْرَ إِلَّا بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ ذَلِكَ أَرْضَاهُ.
وَقِيلَ: سَارَ مِنَ الْعِرَاقِ فِي ثَمَانِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي سِتِّمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي تِسْعَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: فِي سِتَّةِ آلَافٍ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْقُوَّةِ وَالنَّجْدَةِ، فَأَتَى حَدَوْدَاءَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَظَفِرَ بِهِمْ، وَأَتَى الْمُصَيَّخَ وَبِهِ جَمْعٌ مِنْ تَغْلِبَ فَقَاتَلَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ، وَسَبَى وَغَنِمَ.
وَكَانَ مِنَ السَّبْيِ الصَّهْبَاءُ بِنْتُ حَبِيبِ بْنِ بُجَيْرٍ، وَهِيَ أُمُّ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ فِي أَمْرِهَا مَا تَقَدَّمَ.
وَقِيلَ: سَارَ خَالِدٌ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قُرَاقِرَ، وَهُوَ مَاءٌ لِكَلْبٍ، أَغَارَ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَرَادَ أَنْ يَسِيرَ مِنْهُمْ مُفَوَّزًا إِلَى سُوَى، وَهُوَ مَاءٌ لِبَهْرَاءَ بَيْنَهُمَا خَمْسُ لَيَالٍ، فَالْتَمَسَ دَلِيلًا، فَدُلَّ عَلَى رَافِعِ بْنِ عَمِيرَةَ الطَّائِيِّ، فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: إِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ بِالْخَيْلِ وَالْأَثْقَالِ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّاكِبَ الْمُفْرَدَ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَابُدَّ لِي مِنْ ذَلِكَ لِأَخْرُجَ مِنْ وَرَاءِ جُمُوعِ الرُّومِ؛ لِئَلَّا يَحْبِسَنِي عَنْ غِيَاثِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَمَرَ صَاحِبَ كُلِّ جَمَاعَةٍ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ لِلشُّعْبَةِ لِخَمْسٍ، وَأَنْ يُعَطِّشَ مِنَ الْإِبِلِ الشُّرُفَ مَا يَكْتَفِي بِهِ، ثُمَّ يَسْقُوهَا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ – وَالْعَلَلُ الشَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ، وَالنَّهَلُ الْأُولَى – ثُمَّ يُصِرُّوا آذَانَ الْإِبِلِ وَيَشُدُّوا مَشَافِرَهَا؛ لِئَلَّا تَجْتَرَّ. ثُمَّ رَكِبُوا مِنْ قُرَاقِرَ، فَلَمَّا سَارُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً شَقُّوا لِعِدَّةٍ مِنَ الْخَيْلِ بُطُونَ عَشَرَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَمَزَجُوا مَاءً فِي كُرُوشِهَا بِمَا كَانَ مِنَ الْأَلْبَانِ، وَسَقَوُا الْخَيْلَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْعَلَمَيْنِ قَالَ لِلنَّاسِ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَجَرَةَ عَوْسَجٍ كَقَعْدَةِ الرَّجُلِ؟ فَقَالُوا: مَا نَرَاهَا. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَلَكْتُمْ وَاللَّهِ وَهَلَكْتُ مَعَكُمْ! وَكَانَ أَرْمَدَ. فَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا وَيْحَكُمْ! فَنَظَرُوا فَرَأَوْهَا قَدْ قُطِعَتْ وَبَقِيَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ. فَلَمَّا رَأَوْهَا كَبَّرُوا، فَقَالَ رَافِعٌ: احْفِرُوا فِي أَصْلِهَا. فَحَفَرُوا وَاسْتَخْرَجُوا عَيْنًا، فَشَرِبُوا حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ. فَقَالَ رَافِعٌ: وَاللَّهِ مَا وَرَدْتُ هَذَا الْمَاءَ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ. فَقَالَ شَاعِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: لِلَّهِ عَيْنَا رَافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى فَوَّزَ مِنْ قُرَاقِرَ إِلَى سُوَى خَمْسًا إِذَا مَا سَارَ الْجَيْشُ بَكَى مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسِيٌّ يُرَى فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ إِلَى سُوَى أَغَارَ عَلَى أَهْلِهَا – وَهُمْ بَهْرَاءُ – وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَمُغَنِّيهِمْ يَقُولُ:
أَلَا عَلِّلَانِي قَبْلَ جَيْشِ أَبِي بَكْرِ … لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَلَا نَدْرِي
أَلَا عَلِّلَانِي بِالزُّجَاجِ وَكَرِّرُوا … عَلَيَّ كُمَيْتَ اللَّوْنِ صَافِيَةً تَجْرِي
أَلَا عَلِّلَانِي مِنْ سُلَافَةِ قَهْوَةٍ تُسَلِّي … هُمُومَ النَّفْسِ مِنْ جَيِّدِ الْخَمْرِ
أَظُنُّ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ وَخَالِدًا … سَتَطْرُقُكُمْ قَبْلَ الصَّبَاحِ مَعَ النَّسْرِ
فَهَلْ لَكُمُ فِي السَّيْرِ قَبْلَ قِتَالِكُمْ … وَقَبْلَ خُرُوجِ الْمُعْصِرَاتِ مِنَ الْخِدْرِ
فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مُغَنِّيهِمْ وَسَالَ دَمُهُ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَقُتِلَ حُرْقُوصُ بْنُ النُّعْمَانِ الْبَهْرَانِيُّ. ثُمَّ أَتَى أَرَكَ فَصَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى تَدْمُرَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ ثُمَّ صَالَحُوهُ، ثُمَّ أَتَى الْقَرْيَتَيْنِ فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ وَغَنِمَ، وَأَتَى حُوَّارَيْنِ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ وَسَبَى، وَأَتَى قُصَمَ فَصَالَحَهُ بَنُو مَشْجَعَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَسَارَ فَوَصَلَ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ عِنْدَ دِمَشْقَ نَاشِرًا رَايَتَهُ، وَهِيَ رَايَةٌ سَوْدَاءُ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تُسَمَّى الْعُقَابُ، وَقِيلَ: كَانَتْ رَايَتُهُ تُسَمَّى الْعُقَابَ فَسُمِّيَتِ الثَّنْيَةُ بِهَا، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِعُقَابٍ مِنَ الطَّيْرِ سَقَطَتْ عَلَيْهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ثُمَّ سَارَ فَأَتَى مَرْجَ رَاهِطٍ فَأَغَارَ عَلَى غَسَّانَ فِي يَوْمِ فِصْحِهِمْ فَقَتَلَ وَسَبَى، وَأَرْسَلَ سَرِيَّةً إِلَى كَنِيسَةٍ بِالْغُوطَةِ، فَقَتَلُوا الرِّجَالَ وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَسَاقُوا الْعِيَالَ إِلَى خَالِدٍ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى بُصْرَى، فَقَاتَلَ مَنْ بِهَا فَظَفِرَ بِهِمْ وَصَالَحَهُمْ، فَكَانَتْ بُصْرَى أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ عَلَى يَدِ خَالِدٍ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ سَارَ فَطَلَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي رَبِيعِ الْآخَرِ، وَطَلَعَ بَاهَانُ عَلَى الرُّومِ وَمَعَهُ الشَّمَامِسَةُ وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ يُحَرِّضُونَ الرُّومَ عَلَى الْقِتَالِ، وَخَرَجَ بَاهَانُ كَالْمُعْتَذِرِ، فَوَلِيَ خَالِدٌ قِتَالَهُ، وَقَاتَلَ الْأُمَرَاءُ مَنْ بِإِزَائِهِمْ، وَرَجَعَ بَاهَانُ وَالرُّومُ إِلَى خَنْدَقِهِمْ وَقَدْ نَالَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ.
(عَمِيرَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ) .

 

ذِكْرُ مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ وَصُلْحِ الْحِيرَةِ

ذِكْرُ مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ وَصُلْحِ الْحِيرَةِ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَقِيلَ: بَلْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَسَيَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِبَانِقْيَا وَبَارُوسْمَا وَأُلَّيْسَ، وَصَالَحَهُ أَهْلُهَا. وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ عَلَيْهَا ابْنُ صَلُوبَا عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ سِوَى حَرَزَةِ كِسْرَى، وَكَانَتْ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُهَا مَعَ إِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا بَعْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَدَعَاهُمْ خَالِدٌ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْمُحَارَبَةِ، فَاخْتَارُوا الْجِزْيَةَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ أُخِذَتْ مِنَ الْفُرْسِ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ وَالْقُرَيَّاتِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأُبُلَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ أَنْ يَقْصِدَ الْعِرَاقَ وَيَبْدَأَ بِالْمُصَيَّحِ، وَيَدْخُلَ الْعِرَاقَ مِنْ أَعْلَاهُ، وَيَسِيرَ حَتَّى يَلْقَى خَالِدًا، وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ قَدِ اسْتَأْذَنَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَغْزُوَ بِالْعِرَاقِ فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ يَغْزُوهُمْ قَبْلَ قُدُومِ خَالِدٍ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا وَعِيَاضًا أَنْ يَسْتَنْفِرَا مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَأَنْ لَا يَغْزُوَنَّ مَعَهُمَا مُرْتَدٌّ، فَفَعَلَا وَكَتَبَا إِلَيْهِ يَسْتَمِدَّانِهِ، فَأَمَدَّ خَالِدًا بِالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُمِدُّهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا. وَأَمَدَّ عِيَاضًا بِعَبْدِ بْنِ غَوْثٍ الْحِمْيَرِيِّ. وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمُثَنَّى وَحَرْمَلَةَ وَمَعْذُورٍ وَسُلْمَى أَنْ يَلْحَقُوا بِخَالِدٍ بِالْأُبُلَّةِ. فَقَدِمَ خَالِدٌ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ مَعَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابِهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ.
وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ فَرَّقَ جُنْدَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْمُثَنَّى وَبَعْدَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَجَاءَ خَالِدٌ بَعْدَهُمَا، وَوَعَدَهُمَا الْحَفِيرَ لِيُصَادِمُوا عَدُوَّهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَعْظَمَ فُرُوجِ فَارِسَ وَأَشَدَّهَا شَوْكَةً، فَكَانَ صَاحِبَهُ أُسْوَارُ اسْمُهُ هُرْمُزُ، فَكَانَ يُحَارِبُ الْعَرَبَ فِي الْبَرِّ وَالْهِنْدَ فِي الْبَحْرِ. فَلَمَّا سَمِعَ هُرْمُزُ بِهِمْ كَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ الْمَلِكِ بِالْخَبَرِ، وَتَعَجَّلَ هُوَ إِلَى الْكَوَاظِمِ فِي سَرَعَانِ أَصْحَابِهِ، فَسَمِعَ أَنَّهُمْ تَوَاعَدُوا الْحَفِيرَ، فَسَبَقَهُمْ إِلَيْهِ وَنَزَلَ بِهِ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ قُبَاذَ وَأُنُوشَجَانَ، وَكَانَا مِنْ أَوْلَادِ أَرْدَشِيرَ الْأَكْبَرِ، وَاقْتَرَنُوا فِي السَّلَاسِلِ لِئَلَّا يَفْجُرُوا، فَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ، فَمَالَ بِالنَّاسِ إِلَى كَاظِمَةَ، فَسَبَقَهُ هُرْمُزُ إِلَيْهَا، وَكَانَ سَيِّئَ الْمُجَاوَرَةِ لِلْعَرَبِ، فَكُلُّهُمْ عَلَيْهِ حَنِقٌ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ مَثَلًا فَيَقُولُونَ: أَكْفَرُ مِنْ هُرْمُزَ.
وَقَدِمَ خَالِدٌ فَنَزَلَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ: مَا تَفْعَلُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَعَمْرِي لَيَصِيرَنَّ الْمَاءُ لِأَصْبَرِ الْفَرِيقَيْنِ، فَحَطُّوا أَثْقَالَهُمْ، وَتَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى الْفُرْسِ فَلَاقَاهُمْ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ – سُبْحَانَهُ – فَأَغْدَرَتْ وَرَاءَ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، فَقَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَخَرَجَ هُرْمُزُ وَدَعَا خَالِدًا إِلَى الْبِرَازِ، وَأَوْطَأَ أَصْحَابَهُ عَلَى الْغَدْرِ بِخَالِدٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ خَالِدٌ وَمَشَى نَحْوَهُ رَاجِلًا، وَنَزَلَ هُرْمُزُ أَيْضًا وَتَضَارَبَا، فَاحْتَضَنَهُ خَالِدٌ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ هُرْمُزَ، فَمَا شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِهِ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَأَزَاحَهُمْ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ فَارِسَ وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَسُمِّيَتِ الْوَقْعَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ، وَنَجَا قُبَاذُ وَأُنُوشَجَانُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ سَلَبَ هُرْمُزَ، وَكَانَتْ قَلَنْسُوَتُهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَمَّ شَرَفُهُ فِي الْفُرْسِ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَتُهُمْ، إِذَا تَمَّ شَرَفُ الْإِنْسَانِ تَكُونُ قَلَنْسُوَتُةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَبَعَثَ خَالِدٌ بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعِ الْجِسْرِ الْأَعْظَمِ بِالْبَصْرَةِ، وَبَعَثَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ فِي آثَارِهِمْ، وَأَرْسَلَ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ إِلَى الْأُبُلَّةِ فَفَتَحَهَا، فَجَمَعَ الْأَمْوَالَ بِهَا وَالسَّبْيَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ مَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ فَتْحَ الْأُبُلَّةِ كَانَ عَلَى يَدِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ.
وَحَاصَرَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ، وَأَسْلَمَتْ، وَلَمْ يَعْرِضْ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْفَلَّاحِينَ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ الثِّنْيِ

لَمَّا وَصَلَ كِتَابُ هُرْمُزَ إِلَى أَرْدَشِيرَ بِخَبَرِ خَالِدٍ أَمَدَّهُ بِقَارِنَ بْنِ قِرْيَانِسَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمِذَارِ لَقِيَهُ الْمُنْهَزِمُونَ، فَاجْتَمَعُوا وَرَجَعُوا وَمَعَهُمْ قُبَاذُ وَأُنُوشَجَانُ، وَنَزَلُوا الثِّنْيَ، وَهُوَ النَّهْرُ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ خَالِدٌ فَلَقِيَهُمْ وَاقْتَتَلُوا، فَبَرَزَ قَارِنُ فَقَتَلَهُ مَعْقِلُ بْنُ الْأَعْشَى بْنِ النَّبَّاشِ، وَقَتَلَ عَاصِمٌ أُنُوشَجَانَ، وَقَتَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قُبَاذَ، وَكَانَ شَرَفُ قَارِنَ انْتَهَى. وَلَمْ يُقَاتِلِ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ أَحَدًا انْتَهَى شَرَفُهُ، وَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ يَبْلُغُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، سِوَى مَنْ غَرِقَ، وَمَنَعَتِ الْمِيَاهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ طَلَبِهِمْ. وَقَسَّمَ الْفَيْءَ، وَأَنْفَذَ الْأَخْمَاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَعْطَى الْأَسْلَابَ مَنْ سَلَبَهَا، وَكَانَتِ الْغَنِيمَةُ عَظِيمَةً، وَسَبَى عِيَالَاتِ الْمُقَاتِلَةَ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْفَلَّاحِينَ وَصَارُوا ذِمَّةً. وَكَانَ فِي السَّبْيِ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَأَمَّرَ عَلَى الْجُنْدِ سَعِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَعَلَى الْجُنْدِ سُوِيدَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ، وَأَمَرَهُ بِنُزُولِ الْحَفِيرِ، وَأَقَامَ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ الْوَلَجَةِ

وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنَ الثِّنْيِ وَأَتَى الْخَبَرُ أَرْدَشِيرَ بَعَثَ الْأَنْدَرْزَعَزَّ، وَكَانَ فَارِسًا مِنْ مُوَلَّدِي السَّوَادِ، وَأَرْسَلَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ فِي أَثَرِهِ فِي جَيْشٍ، وَحَشَرَ إِلَى الْأَنْدَرْزَعَزَّ مِنْ بَيْنِ الْحِيرَةِ وَكَسْكَرَ وَمِنْ عَرَبِ الضَّاحِيَةِ وَالدَّهَاقِينِ وَعَسْكَرُوا بِالْوَلَجَةِ. وَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنَ الثِّنْيِ فَلَقِيَهُمْ بِالْوَلَجَةِ، وَكَمَنَ لَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ، حَتَّى ظَنَّ الْفَرِيقَانِ أَنَّ الصَّبْرَ قَدْ أُفْرِغَ، وَاسْتَبْطَأَ خَالِدٌ كَمِينَهُ، فَخَرَجُوا مِنْ نَاحِيَتَيْنِ، فَانْهَزَمَتِ الْأَعَاجِمُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَالْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَمَضَى الْأَنْدَرْزَعَزُّ مُنْهَزِمًا فَمَاتَ عَطَشًا، وَأَصَابَ خَالِدٌ ابْنًا لِجَابِرِ بْنِ وَائِلٍ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْوَلَجَةِ فِي صَفَرٍ، وَبَذَلَ الْأَمَانَ لِلْفَلَّاحِينَ، فَعَادُوا وَصَارُوا ذِمَّةً، وَسَبَى ذَرَارِيَّ الْمُقَاتِلَةِ وَمَنْ أَعَانَهُمْ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ أُلَّيْسَ وَهُوَ عَلَى الْفُرَاتِ

لَمَّا أَصَابَ خَالِدٌ يَوْمَ الْوَلَجَةِ مَا أَصَابَ مِنْ نَصَارَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ الَّذِينَ أَعَانُوا الْفُرْسَ – غَضِبَ لَهُمْ نَصَارَى قَوْمِهِمْ، فَكَاتَبُوا الْفُرْسَ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أُلَّيْسَ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ مُسْلِمُو بَنِي عِجْلٍ، مِنْهُمْ: عُتْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، وَسَعِيدُ بْنُ مُرَّةَ، وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالْمُثَنَّى بْنُ لَاحِقٍ – أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أُولَئِكَ النَّصَارَى. وَكَتَبَ أَرْدَشِيرُ إِلَى بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ، وَهُوَ بِقَشْيَنَاثَا، يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ بِأُلَّيْسَ، فَقَدِمَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ جَابَانَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْمُحَارَبَةِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ إِلَى أَرْدَشِيرَ لِيُشَاوِرَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، فَوَجَدَهُ مَرِيضًا، فَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ عَلَى جَابَانَ نَصَارَى عِجْلٍ، وَتَيْمُ اللَّاتِ وَضُبَيْعَةُ وَجَابِرُ بْنُ بُجَيْرٍ وَعَرَبُ الضَّاحِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ.
وَكَانَ خَالِدٌ لَمَّا بَلَغَهُ تَجَمُّعُ نَصَارَى بَكْرٍ وَغَيْرِهِمْ سَارَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَشْعُرُ بِدُنُوِّ جَابَانَ. فَلَمَّا طَلَعَ جَابَانُ بِأُلَّيْسَ قَالَتِ الْعَجَمُ لَهُ: أَنُعَاجِلُهُمْ أَمْ نُغَدِّي النَّاسَ وَلَا نُرِيهِمْ أَنَّا نَحْفَلُ بِهِمْ، ثُمَّ نُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَالَ جَابَانُ: إِنْ تَرَكُوكُمْ فَتَهَاوَنُوا بِهِمْ. فَعَصَوْهُ وَبَسَطُوا الطَّعَامَ، وَانْتَهَى خَالِدٌ إِلَيْهِمْ وَحَطَّ الْأَثْقَالَ، فَلَمَّا وُضِعَتْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ مُبَارَزَةَ عَبْدِ الْأَسْوَدِ وَابْنِ أَبْجَرَ وَمَالِكِ بْنِ قَيْسٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَقَتَلَهُ خَالِدٌ وَأَعْجَلَ الْأَعَاجِمَ عَنْ طَعَامِهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ جَابَانُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا دَخَلَتْنِي مِنْ مُقَدَّمِ جَيْشٍ وَحْشَةٌ إِلَّا هَذَا؟ وَقَالَ لَهُمْ: حَيْثُ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْأَكْلِ فَسُمُّوا الطَّعَامَ، فَإِنْ ظَفِرْتُمْ فَأَيْسَرُ هَالِكٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ هَلَكُوا بِأَكْلِهِ. فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَالْمُشْرِكُونَ يَزِيدُهُمْ ثُبُوتًا تَوَقُّعُهُمْ قُدُومَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ، فَصَابَرُوا الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ خَالِدٌ:: اللَّهُمَّ إِنْ هَزَمْتَهُمْ فَعَلَيَّ أَنْ لَا أَسْتَبْقِيَ مِنْهُمْ مَنْ أَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى أُجْرِيَ مِنْ دِمَائِهِمْ نَهْرَهُمْ.
فَانْهَزَمَتْ فَارِسُ فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ: الْأُسَرَاءُ الْأُسَرَاءُ إِلَّا مَنِ امْتَنَعَ فَاقْتُلُوهُ. فَأَقْبَلَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ أُسَرَاءَ، وَوَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً. فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ وَغَيْرُهُ: لَوْ قَتَلْتَ أَهْلَ الْأَرْضِ لَمْ تَجْرِ دِمَاؤُهُمْ، فَأَرْسِلْ عَلَيْهَا الْمَاءَ تُبِرَّ يَمِينَكَ، فَفَعَلَ، وَسُمِّيَ نَهْرُ الدَّمِ، وَوَقَفَ خَالِدٌ عَلَى الطَّعَامِ وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ نَفَّلْتُكُمُوهُ، فَتَعَشَّى بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَرَ الرُّقَاقَ يَقُولُ: مَا هَذِهِ الرِّقَاعُ الْبَيْضُ؟ !
وَبَلَغَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي صَفَرٍ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ أَمْغِيشِيَّا

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أُلَّيْسَ سَارَ إِلَى أَمْغِيشِيَّا، وَقِيلَ اسْمُهَا مَنِيشِيَّا، فَأَصَابُوا فِيهَا مَا لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا أَعْجَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَنْقُلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَثَاثَهُمْ وَكُرَاعَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْفَتْحِ وَمَبْلَغِ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ وَأَخْرَبَ أَمْغِيشِيَّا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: عَجَزَ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ خَالِدٍ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ يَوْمِ فُرَاتِ بَادَقْلَى، وَفَتْحِهِ الْحِيرَةَ

ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ مِنْ أَمْغِيشِيَّا إِلَى الْحِيرَةِ وَحَمَلَ الرِّحَالَ وَالْأَثْقَالَ فِي السُّفُنِ، فَخَرَجَ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ، وَهُوَ الْأَزَاذَبَهْ، فَعَسْكَرَ عِنْدَ الْغَرِيِّينَ، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ فَقَطَعَ الْمَاءَ عَنِ السُّفُنِ، فَبَقِيَتْ عَلَى الْأَرْضِ. فَسَارَ خَالِدٌ فِي خَيْلٍ نَحْوَ ابْنِ الْأَزَاذَبَهْ فَلَقِيَهُ عَلَى فُرَاتِ بَادَقْلَى، فَضَرَبَهُ وَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْحِيرَةِ، فَهَرَبَ مِنْهُ الْأَزَاذَبَهْ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ أَرْدَشِيرَ وَقَتْلُ ابْنِهِ، فَهَرَبَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْغَرِيِّينَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَحَصَرَهُمْ فِي قُصُورِهِمْ. وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مُحَاصِرًا الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ وَفِيهِ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَاصِرًا قَصْرَ الْغَرِيِّينَ وَفِيهِ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الْمَقْتُولُ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ عَاشِرَ عَشَرَةِ إِخْوَةٍ مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ مَازِنٍ وَفِيهِ ابْنُ أَكَّالٍ، وَكَانَ الْمُثَنَّى مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ بُقَيْلَةَ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ، فَدَعَوْهُمْ جَمِيعًا وَأَجْلَوْهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَأَبَى أَهْلُ الْحِيرَةِ، وَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَافْتَتَحُوا الدُّورَ وَالدِّيرَاتِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَنَادَى الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ: يَا أَهْلَ الْقَصْرِ، مَا يَقْتُلُنَا غَيْرُكُمْ! فَنَادَى أَهْلُ الْقُصُورِ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ قَبِلْنَا وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ، وَهِيَ إِمَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْجِزْيَةُ أَوِ الْمُحَارَبَةُ، فَكَفُّوا عَنْهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ قَيْسِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ بُقَيْلَةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بُقَيْلَةَ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَقَالُوا: مَا أَنْتَ إِلَّا بُقَيْلَةُ خَضْرَاءُ، فَأَرْسَلُوهُمْ إِلَى خَالِدٍ، فَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: مِئُو سِنِينَ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ الْقُرَى مَنْظُومَةً مَا بَيْنَ دِمَشْقَ وَالْحِيرَةِ، وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فَلَا تَتَزَوَّدُ إِلَّا رَغِيفًا. فَتَبَسَّمَ خَالِدٌ وَقَالَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ: أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكُمْ خَبَثَةٌ خَدَعَةٌ، فَمَا بَالُكُمْ تَتَنَاوَلُونَ حَوَائِجَكُمْ بِخَرِفٍ لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟
فَأَحَبَّ عَمْرٌو أَنْ يُرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَعْرِفُ بِهِ عَقْلَهُ وَصِحَّةَ مَا حَدَّثَهُ بِهِ، قَالَ: وَحَقِّكَ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ! قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي. قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَمَامِي. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْآخِرَةُ. قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أَقْصَى أَثَرِكَ؟ قَالَ: مِنْ صُلْبِ أَبِي. قَالَ: فَفِيمَ أَنْتَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي. قَالَ: أَتَعْقِلُ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ وَأُقَيِّدُ. قَالَ خَالِدٌ: إِنَّمَا أَسْأَلُكَ! قَالَ: فَأَنَا أُجِيبُكَ. قَالَ: أَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ؟ قَالَ: بَلْ سِلْمٌ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْحُصُونُ؟ قَالَ: بَنَيْنَاهَا لِلسَّفِيهِ نَحْبِسُهُ حَتَّى يَنْهَاهُ الْحَلِيمُ. قَالَ خَالِدٌ: قَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا، الْقَوْمُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِمْ.
وَكَانَ مَعَ ابْنِ بُقَيْلَةَ خَادِمٌ مَعَهُ كِيسٌ فِيهِ سُمٌّ، فَأَخَذَهُ خَالِدٌ وَنَثَرَهُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: لِمَ تَسْتَصْحِبُ هَذَا؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ تَكُونُوا عَلَى غَيْرِ مَا رَأَيْتُ، فَكَانَ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مَكْرُوهٍ أُدْخِلُهُ عَلَى قَوْمِي. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهَا لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا، وَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَابْتَلَعَ السُّمَّ. فَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ: وَاللَّهِ لَتَبْلُغُنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَكَذَا.
وَأَبَى خَالِدٌ أَنْ يُصَالِحَهُمْ إِلَّا عَلَى تَسْلِيمِ كَرَامَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَسِيحِ إِلَى شُوَيْلٍ، فَأَبَوْا، فَقَالَتْ: هَوِّنُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِمُونِي، فَإِنِّي سَأَفْتَدِي. فَفَعَلُوا، فَأَخَذَهَا شُوَيْلٌ، فَافْتَدَتْ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَامَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
وَكَانَ سَبَبُ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا ذَكَرَ اسْتِيلَاءَ أُمَّتِهِ عَلَى مُلْكِ فَارِسَ وَالْحِيرَةِ – سَأَلَهُ شُوَيْلٌ أَنْ يُعْطَى كَرَامَةَ ابْنَةَ عَبْدِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ رَآهَا شَابَّةً فَمَالَ إِلَيْهَا، فَوَعَدَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَلِكَ، فَلَمَّا فُتِحَتِ الْحِيرَةُ طَلَبَهَا وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ بِوَعْدِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ خَالِدٌ.
وَصَالَحَهُمْ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: عَلَى مِائَتَيْ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا. فَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْهَدَايَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْجَزَاءِ، وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَقِيَّةَ الْجِزْيَةِ، وَيَحْسِبَ لَهُمُ الْهَدِيَّةَ.
وَكَانَ فَتْحُ الْحِيرَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَكَتَبَ لَهُمْ خَالِدٌ كِتَابًا، فَلَمَّا كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ ضَيَّعُوا الْكِتَابَ، فَلَمَّا افْتَتَحَهُ الْمُثَنَّى ثَانِيَةً عَادَ بِشَرْطٍ آخَرَ، فَلَمَّا عَادُوا كَفَرُوا، وَافْتَتَحَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ.
قَالَ خَالِدٌ: مَا لَقِيتُ قَوْمًا كَأَهْلِ فَارِسَ، وَمَا لَقِيتُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ كَأَهْلِ أُلَّيْسَ.

ذِكْرُ مَا بَعْدُ الْحِيرَةِ
قِيلَ: كَانَ الدَّهَاقِينُ يَتَرَبَّصُونَ بِخَالِدٍ وَيَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا صَالَحَهُمْ وَاسْتَقَامُوا لَهُ أَتَتْهُ الدَّهَاقِينُ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي، أَتَاهُ دَهْقَانُ فُرَاتٍ سِرْيَا وَصَلُوبَا ابْنُ نَسْطُونَا وَنَسْطُونَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى مَا بَيْنَ الْفَلَالِيجِ إِلَى هُرْمُزْجَرْدَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ أَلْفٍ سِوَى مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى، وَبَعَثَ خَالِدٌ عُمَّالَهُ وَمَسَالِحَهُ، وَبَعَثَ ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ، وَضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، فَنَزَلُوا عَلَى السِّيبِ، وَهُمْ كَانُوا أُمَرَاءَ الثُّغُورِ مَعَ خَالِدٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ، فَمَخَرُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا حَارَبَهُمْ، فَكَانَ الْعَجَمُ مُخْتَلِفِينَ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ أُنْزِلُوا بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ بَهُرَسِيرَ وَمَعَهُ غَيْرُهُ كَأَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لَهُمْ، وَجَبَى خَالِدٌ الْخَرَاجَ فِي خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَعْطَاهُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ فَارِسَ فِيمَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَدِجْلَةَ أَمْرٌ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى حَرْبِ خَالِدٍ، وَخَالِدٌ مُقِيمٌ بِالْحِيرَةِ يَصْعَدُ وَيُصَوِّبُ سَنَةً قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ، وَالْفُرْسُ يَخْلَعُونَ وَيَمْلِكُونَ لَيْسَ إِلَّا الدَّفْعُ عَنْ بَهُرَسِيرَ، وَذَلِكَ أَنْ شِيرَى بْنَ كِسْرَى قَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ يُنَاسِبُهُ إِلَى أُنُوشُرْوَانَ، وَقَتَلَ أَهْلُ فَارِسٍ بَعْدَهُ وَبَعْدَ أَرْدَشِيرَ ابْنَهُ – مَنْ كَانَ بَيْنَ أُنُوشُرْوَانَ وَبَيْنَ بَهْرَامَ جُورَ، فَبَقُوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْ يُمَلِّكُونَهُ مِمَّنْ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَهُمْ كُتُبُ خَالِدٍ تَكَلَّمَ نِسَاءُ آلِ كِسْرَى عَلَى مَنْ يُمَلِّكُونَهُ إِنْ وَجَدُوهُ.
وَوَصَلَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ إِلَى خَالِدٍ بَعْدَ فَتْحِ الْحِيرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالشَّامِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُكَلِّمَهُ فِي قَوْمِهِ لِيَجْمَعَهُمْ لَهُ، وَكَانُوا أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْعَرَبِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَدَهُ بِهِ وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: تَرَى شُغْلَنَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِغَوْثِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ فَارِسَ وَالرُّومِ، ثُمَّ أَنْتَ تُكَلِّفُنِي مَا لَا يُغْنِي؟ ! وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ بَعْدَ فَتْحِ الْحِيرَةِ، وَلَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِمَّا قَبْلَهَا بِالْعِرَاقِ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ خَالِدٌ فِيهِ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ.
(عُتَيْبَةُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .

ذِكْرُ فَتْحِ الْأَنْبَارِ

ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ عَلَى تَعْبِيَتِهِ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَنْبَارُ لِأَنَّ أَهْرَاءَ الطَّعَامِ كَانَتْ بِهَا أَنَابِيرُ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ. فَلَمَّا بَلَغَهَا أَطَافَ بِهَا وَأَنْشَبَ الْقِتَالَ، وَكَانَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ إِلَى رُمَاتِهِ أَنْ يَقْصِدُوا عُيُونَهُمْ، فَرَمَوْا رَشْقًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَابَعُوا فَأَصَابُوا أَلْفَ عَيْنٍ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْوَقْعَةُ ذَاتَ الْعُيُونِ. وَكَانَ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ شِيرْزَادُ صَاحِبُ سَابَاطَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرْسَلَ يَطْلُبُ الصُّلْحَ عَلَى أَمْرٍ يَرْضَهُ خَالِدٌ، فَرَدَّ رُسُلَهُ وَنَحَرَ مِنْ إِبِلِ الْعَسْكَرِ كُلَّ ضَعِيفٍ وَأَلْقَاهُ فِي خَنْدَقِهِمْ، ثُمَّ عَبَرَهُ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِي الْخَنْدَقِ، فَأَرْسَلَ شِيرْزَادُ إِلَى خَالِدٍ وَبَذَلَ لَهُ مَا أَرَادَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُلْحِقَهُ بِمَأْمَنِهِ فِي جَرِيدَةٍ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ مَتَاعٍ شَيْءٌ، وَخَرَجَ شِيرْزَادُ إِلَى بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ، ثُمَّ صَالَحَ خَالِدٌ مَنْ حَوْلَ الْأَنْبَارِ وَأَهْلَ كَلْوَاذَى.

ذِكْرُ فَتْحِ عَيْنِ التَّمْرِ

وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنَ الْأَنْبَارِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَسَارَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَبِهَا مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَعَقَّةُ بْنُ أَبِي عَقَّةَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِخَالِدٍ قَالَ عَقَّةُ لِمِهْرَانَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ فَدَعْنَا وَخَالِدًا. قَالَ: صَدَقْتَ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، وَإِنَّكُمْ لَمِثْلُنَا فِي قِتَالِ الْعَجَمِ. فَخَدَعَهُ وَاتَّقَى بِهِ وَقَالَ: إِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أَعَنَّاكُمْ. فَلَامَهُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْفُرْسِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ قَتْلِ مُلُوكِكُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَفَلَّ حَدُّكُمْ، فَاتَّقَيْتُهُ بِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ عَلَى خَالِدٍ فَهِيَ لَكُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى لَمْ تَبْلُغُوا مِنْهُمْ حَتَّى يَهِنُوا، فَنُقَاتِلُهُمْ وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ. فَاعْتَرَفُوا لَهُ، وَسَارَ عَقَّةُ إِلَى خَالِدٍ فَالْتَقَوْا، فَحَمَلَ خَالِدٌ بِنَفْسِهِ عَلَى عَقَّةَ وَهُوَ يُقِيمُ صُفُوفَهُ، فَاحْتَضَنَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَأُسِرَ أَكْثَرُهُمْ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ مِهْرَانَ هَرَبَ فِي جُنْدِهِ وَتَرَكُوا الْحِصْنَ، فَلَمَّا انْتَهَى الْمُنْهَزِمُونَ إِلَيْهِ تَحَصَّنُوا بِهِ، فَنَازَلَهُمْ خَالِدٌ، فَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَبَى، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَأَخَذَهُمْ أَسْرَى وَقَتَلَ عَقَّةَ ثُمَّ قَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَسَبَى كُلَّ مَنْ فِي الْحِصْنِ وَغَنِمَ مَا فِيهِ، وَوَجَدَ فِي بَيْعَتِهِمْ أَرْبَعِينَ غُلَامًا يَتَعَلَّمُونَ الْإِنْجِيلَ، فَأَخَذَهُمْ فَقَسَّمَهُمْ فِي أَهْلِ الْبَلَاءِ، مِنْهُمْ: سِيرِينُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَنُصَيْرُ أَبُو مُوسَى، وَحُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانَ. وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ وَالْخُمْسِ.
وَفِي عَيْنِ التَّمْرِ قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ رِئَابٍ السَّهْمِيُّ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَمَاتَ بِهَا بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَالِدُ النُّعْمَانِ، فَدُفِنَ بِهَا إِلَى جَانِبِ عُمَيْرٍ.

ذِكْرُ خَبَرِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ

وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ أَتَاهُ كِتَابُ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ يَسْتَمِدُّهُ عَلَى مَنْ بِإِزَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسَارَ خَالِدٌ إِلَيْهِ، فَكَانَ بِإِزَائِهِ بَهْرَاءُ وَكَلْبٌ وَغَسَّانُ وَتَنُوخُ وَالضَّجَاعِمُ، وَكَانَتْ دُومَةُ عَلَى رَئِيسَيْنِ: أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْجُودِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، فَأَمَّا أُكَيْدِرُ فَلَمْ يَرَ قِتَالَ خَالِدٍ وَأَشَارَ بِصُلْحِهِ خَوْفًا، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، وَسَمِعَ خَالِدٌ بِمَسِيرِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِهِ فَأَخَذَهُ أَسِيرًا فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَهْلِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيَاضٍ. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ خَالِدٌ خَرَجَ إِلَيْهِ الْجُودِيُّ فِي جَمْعٍ مِمَّنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَرَبِ لِقِتَالِهِ، وَأَخْرَجَ طَائِفَةً أُخْرَى إِلَى عِيَاضٍ، فَقَاتَلَهُمْ عِيَاضٌ فَهَزَمَهُمْ، فَهَزَمَ خَالِدٌ مَنْ يَلِيهِ، وَأَخَذَ الْجُودِيَّ أَسِيرًا وَانْهَزَمُوا إِلَى الْحِصْنِ، فَلَمَّا امْتَلَأَ أَغْلَقُوا الْبَابَ دُونَ أَصْحَابِهِمْ فَبَقُوا حَوْلَهُ، فَأَخَذَهُمْ خَالِدٌ فَقَتَلَهُمْ حَتَّى سَدَّ بَابَ الْحِصْنِ، وَقَتَلَ الْجُودِيَّ وَقَتَلَ الْأَسْرَى إِلَّا أَسْرَى كَلْبٍ، فَإِنَّ تَمِيمًا قَالُوا لِخَالِدٍ: قَدْ أَمَّنَّاهُمْ، وَكَانُوا حُلَفَاءَهُمْ، فَتَرَكَهُمْ. ثُمَّ أَخَذَ الْحِصْنَ قَهْرًا فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَالسَّرْحَ، فَبَاعَهُمْ، وَاشْتَرَى خَالِدٌ ابْنَةَ الْجُودِيِّ، وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً.
وَأَقَامَ خَالِدٌ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَطَمِعَ الْأَعَاجِمُ، وَكَاتَبَهُمْ عَرَبُ الْجَزِيرَةِ غَضَبًا لِعَقَّةَ، فَخَرَجَ زُرْمِهْرُ وَرُوزْبَهْ يُرِيدَانِ الْأَنْبَارَ، وَاتَّعَدَا حُصَيْدًا وَالْخَنَافِسَ، فَسَمِعَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ خَلِيفَةُ خَالِدٍ عَلَى الْحِيرَةِ، فَأَرْسَلَ أَعْبَدَ بْنَ فَدَكِيٍّ وَأَمَرَهُ بِالْحُصَيْدِ، وَأَرْسَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ إِلَى الْخَنَافِسِ، فَخَرَجَا، فَحَالَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرِّيفِ، وَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى الْحِيرَةِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى مُصَادَمَةِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ كَرَاهِيَةُ مُخَالَفَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَعَجَّلَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو وَأَبَا لَيْلَى بْنَ فَدَكِيٍّ إِلَى رُوزْبَهْ وَزُرْمِهْرَ، وَوَصَلَ إِلَى خَالِدٍ أَنَّ الْهُذَيْلَ بْنَ عِمْرَانَ قَدْ عَسْكَرَ بِالْمُصَيَّخِ، فَنَزَلَ رَبِيعَةُ بْنُ بُجَيْرٍ بِالثِّنْيِ وَبِالْبِشْرِ غَضَبًا لِعَقَّةَ، يُرِيدَانِ زُرْمِهْرَ وَرُوزْبَهْ، فَخَرَجَ خَالِدٌ وَسَارَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَأَبِي لَيْلَى، فَاجْتَمَعَ بِهِمَا بِالْعَيْنِ، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعَ إِلَى حُصَيْدٍ، وَبَعَثَ أَبَا لَيْلَى إِلَى الْخَنَافِسِ.
ذِكْرُ وَقْعَةِ حُصَيْدٍ وَالْخَنَافِسِ
فَسَارَ الْقَعْقَاعُ نَحْوَ حُصَيْدٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا رُوزْبَهْ وَزُرْمِهْرُ، فَالْتَقَوْا بِحُصَيْدٍ، فَقُتِلَ مِنَ الْعَجَمِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَتَلَ الْقَعْقَاعُ زُرْمِهْرَ، وَقَتَلَ عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ طَرِيفٍ الضَّبِّيِّ رُوزْبَهْ – وَكَانَ عِصْمَةُ مِنَ الْبَرَرَةِ، وَهُمْ كُلُّ فَخِذٍ هَاجَرَتْ بِأَسْرِهَا، وَالْخَيِّرَةُ كُلُّ قَوْمٍ هَاجَرُوا مِنْ بَطْنٍ – وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا فِي حُصَيْدٍ، وَانْهَزَمَتِ الْأَعَاجِمُ إِلَى الْخَنَافِسِ، وَسَارَ أَبُو لَيْلَى بِمَنْ مَعَهُ إِلَى الْخَنَافِسِ وَبِهَا الْمَهْبُوذَانُ عَلَى الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ الْمَهْبُوذَانُ بِهِمْ هَرَبَ إِلَى الْمُصَيَّخِ إِلَى الْهُذَيْلِ بْنِ عِمْرَانَ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ مُصَيَّخِ بَنِي الْبَرْشَاءِ

وَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ بِمُصَابِ أَهْلِ الْحُصَيْدِ وَهَرَبَ أَهْلُ الْخَنَافِسِ – كَتَبَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَأَبِي لَيْلَى وَأَعْبَدَ وَعُرْوَةَ، وَوَاعَدَهُمْ لَيْلَةً وَسَاعَةً يَجْتَمِعُونَ فِيهَا إِلَى الْمُصَيَّخِ، وَخَرَجَ خَالِدٌ مِنَ الْعَيْنِ قَاصِدًا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمَوْعِدِ اتَّفَقُوا جَمِيعًا بِالْمُصَيَّخِ، فَأَغَارُوا عَلَى الْهُذَيْلِ وَمَنْ مَعَهُ وَهُمْ نَائِمُونَ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَفْلَتَ الْهُذَيْلُ فِي نَاسٍ قَلِيلٍ وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَكَانَ مَعَ الْهُذَيْلِ الْعُزَّى بْنُ أَبِي رُهْمٍ أَخُو أَوْسِ مَنَاةَ وَلِبَيْدُ بْنُ جَرِيرٍ، وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَمَعَهُمَا كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ بِإِسْلَامِهِمَا، فَقُتِلَا فِي الْمَعْرَكَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْلُ عَبْدِ الْعُزَّى:
أَقُولُ إِذْ طَرَقَ الصَّبَاحُ بِغَارَةٍ … سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدِ
سُبْحَانَ رَبِّي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ … رَبَّ الْبِلَادِ وَرَبَّ مَنْ يَتَوَرَّدُ
فَوَدَاهُمَا وَأَوْصَى بِأَوْلَادِهِمَا، فَكَانَ عُمَرُ يَعْتَدُّ بِقَتْلِهِمَا وَقَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ عَلَى خَالِدٍ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: كَذَلِكَ يَلْقَى مَنْ نَازَلَ أَهْلَ الشِّرْكِ. وَقَدْ كَانَ حُرْقُوصُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ النَّمِرِ قَدْ نَصَحَهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، فَجَلَسَ مَعَ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ يَشْرَبُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: اشْرَبُوا شَرَابَ مُوَدِّعٍ، هَذَا خَالِدٌ بِالْعَيْنِ وَجُنُودُهُ بِالْحَصِيدِ، ثُمَّ قَالَ:
أَلَا سَقِّيَانِي قَبْلَ خَيْلِ أَبِي بَكْرٍ … لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدْرِي
فَضُرِبَ رَأْسُهُ، فَإِذَا هُوَ فِي جَفْنَةٍ فِيهَا الْخَمْرُ، وَقَتَلُوا أَوْلَادَهُ وَأَخَذُوا بَنَاتَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَتْلَ حُرْقُوصَ، وَهَذِهِ الْوَقْعَةَ، وَوَقْعَةَ الثِّنْيِ – كَانَ فِي مَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنْ
الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، وَسَيُذْكَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ – تَعَالَى -.

ذِكْرُ وَقْعَةِ الثِّنْيِ وَالزُّمَيْلِ

وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ بُجَيْرٍ التَّغْلِبِيِّ بِالثِّنْيِ وَالْبِشْرِ، وَهُوَ الزُّمَيْلُ، وَهُمَا شَرْقِيِّ الرُّصَافَةِ – قَدْ خَرَجَ غَضَبًا لِعَقَّةَ، وَوَاعَدَ رُوزْبَهْ وَزُرْمِهْرَ وَالْهُذَيْلَ، وَلَمَّا أَصَابَ خَالِدٌ أَهْلَ الْمُصَيَّخِ وَاعَدَ الْقَعْقَاعَ وَأَبَا لَيْلَى لَيْلَةً، وَأَمَرَهُمَا بِالْمَسِيرِ لِيُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَسَارَ خَالِدٌ مِنَ الْمُصَيَّخِ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالثِّنْيِ، فَبَيَّتَهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَجَرَّدُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، وَغَنِمَ وَسَبَى وَبَعَثَ بِالْخَبَرِ وَالْخُمْسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاشْتَرَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ – كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ – بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرٍ التَّغْلِبِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُمَرَ وَرُقَيَّةَ.
وَلَمَّا انْهَزَمَ الْهُذَيْلُ بِالْمُصَيَّخِ لَحِقَ بِعَتَّابِ بْنِ فُلَانٍ، وَهُوَ بِالْبِشْرِ، فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ، فَبَيَّتَهُمْ خَالِدٌ بِغَارَةٍ شَعْوَاءَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ خَبَرُ رَبِيعَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ يُقْتَلُوا مِثْلَهَا، وَقَسَّمَ الْغَنَائِمَ، وَبَعَثَ الْخُمْسَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَسَارَ خَالِدٌ مِنَ الْبِشْرِ إِلَى الرُّضَابِ، وَبِهَا هِلَالُ بْنُ عَقَّةَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَسَارَ هِلَالٌ عَنْهُ فَلَمْ يَلْقَ خَالِدٌ بِهَا كَيْدًا.

ذِكْرُ وَقْعَةِ الْفِرَاضِ

ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ مِنَ الرُّضَابِ إِلَى الْفِرَاضِ، وَهِيَ تُخُومُ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، وَأَفْطَرَ بِهَا رَمَضَانَ لِاتِّصَالِ الْغَزَوَاتِ، وَحَمِيَتِ الرُّومُ وَاسْتَعَانُوا بِمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ مَسَالِحِ الْفُرْسِ فَأَعَانُوهُمْ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ تَغْلِبُ وَإِيَادٌ وَالنَّمِرُ، وَسَارُوا إِلَى خَالِدٍ. فَلَمَّا بَلَغُوا الْفُرَاتَ قَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ. قَالَ خَالِدٌ: اعْبُرُوا. قَالُوا لَهُ: تَنَحَّ عَنْ طَرِيقِنَا حَتَّى نَعْبُرَ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ، وَلَكِنِ اعْبُرُوا أَسْفَلَ مِنَّا، فَعَبَرُوا أَسْفَلَ مِنْ خَالِدٍ، وَعَظُمَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَقَالَتِ الرُّومُ: امْتَازُوا حَتَّى نَعْرِفَ الْيَوْمَ مَنْ يَثْبُتُ مِمَّنْ يُوَلِّي. فَفَعَلُوا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا وَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَمَرَ خَالِدٌ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَرْفَعُوا عَنْهُمْ، فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَفِي الطَّلَبِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَأَقَامَ خَالِدٌ عَلَى الْفِرَاضِ عَشْرًا، ثُمَّ أَذِنَ
بِالرُّجُوعِ إِلَى الْحِيرَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، وَجَعَلَ شَجَرَ بْنَ الْأَعَزِّ عَلَى السَّاقَةِ، وَأَظْهَرَ خَالِدٌ أَنَّهُ فِي السَّاقَةِ.

ذِكْرُ حَجَّةِ خَالِدٍ

ثُمَّ خَرَجَ خَالِدٌ حَاجًّا مِنَ الْفِرَاضِ سِرًّا وَمَعَهُ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَسِفُ الْبِلَادَ، فَأَتَى مَكَّةَ وَحَجَّ وَرَجَعَ، فَمَا تَوَافَى جُنْدُهُ بِالْخَبَرِ حَتَّى وَافَاهُمْ مَعَ صَاحِبِ السَّاقَةِ، فَقَدِمَا مَعًا وَخَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ مُحَلِّقُونَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَجِّهِ إِلَّا مَنْ أَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ، فَعَتَبَ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ عُقُوبَتُهُ إِيَّاهُ أَنْ صَرَفَهُ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْعِرَاقِ مُمِدًّا جُمُوعَ الْمُسْلِمِينَ بِالْيَرْمُوكِ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَيَّامَ عَلِيٍّ إِذَا بَلَغَهُمْ عَنْ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ يَقُولُونَ: نَحْنُ أَصْحَابُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَيُسَمُّونَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفِرَاضِ، وَلَا يَذْكُرُونَ مَا بَعْدَ الْفِرَاضِ احْتِقَارًا لِلَّذِي كَانَ بَعْدَهَا.
وَأَغَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ، وَوَجَّهَ الْمُثَنَّى فَأَغَارَ عَلَى سُوقٍ فِيهَا جَمْعٌ لِقُضَاعَةَ وَبَكْرٍ، وَأَغَارَ أَيْضًا عَلَى مَسْكِنَ وَقُطْرَبُّلَ، وَتَلِّ عَقْرَقُوفَ، وَبَادُورَيَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلِلْمُثَنَّى بِالْعَالِ مَعْرَكَةٌ … شَاهَدَهَا مِنْ قَبِيلِهِ بَشَرُ
كَتِيبَةٌ أَفْزَعَتْ بِوَقْعَتِهَا … كِسْرَى وَكَادَ الْإِيوَانُ يَنْفَطِرُ
وَشَجَّعَ الْمُسْلِمِينَ إِذْ حَذَرُوا … وَفِي صُرُوفِ التَّجَارِبِ الْعِبَرُ
سَهَّلَ نَهْجَ السَّبِيلِ فَاقْتَفَرُوا … آثَارَهُ وَالْأُمُورُ تُقْتَفَرُ
يَعْنِي بِالْعَالِ: الْأَنْبَارَ، وَمَسْكِنَ، وَقُطْرَبُّلَ، وَبَادُورَيَا.

وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدٍ.
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ فِي ذِي الْحَجَّةِ وَأَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ، وَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – ابْنَةَ أُمَامَةَ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِيهَا اشْتَرَى عُمَرُ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، فِي قَوْلٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ أَبُو بَكْرٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَقِيلَ: حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
الْوَفَيَاتُ
وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَكَانَ ابْنُهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ قَدْ قُتِلَ بِالرَّجِيعِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ أَيْضًا.

 

ذِكْرُ مُسَيْلِمَةَ وَأَهْلِ الْيَمَامَةِ

ذِكْرُ مُسَيْلِمَةَ وَأَهْلِ الْيَمَامَةِ

قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَجِيءَ مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ السَّرَايَا إِلَى الْمُرْتَدِّينَ، أَرْسَلَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي عَسْكَرٍ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَأَتْبَعَهُ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، فَعَجَّلَ عِكْرِمَةُ لِيَذْهَبَ بِصَوْتِهَا، فَوَاقَعَهُمْ فَنَكَبُوهُ، وَأَقَامَ شُرَحْبِيلُ بِالطَّرِيقِ حِينَ أَدْرَكَهُ الْخَبَرُ، وَكَتَبَ عِكْرِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَيَنَّكَ وَلَا تَرَانِي، لَا تَرْجِعَنَّ فَتُوهِنَ النَّاسَ، امْضِ إِلَى حُذَيْفَةَ وَعَرْفَجَةَ فَقَاتِلْ أَهْلَ عُمَانَ وَمَهْرَةَ، ثُمَّ تَسِيرُ أَنْتَ وَجُنْدُكَ تَسْتَبْرُونَ النَّاسَ، حَتَّى تَلْقَى مُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بِالْيَمَنِ
وَحَضْرَمَوْتَ. فَكَتَبَ إِلَى شُرَحْبِيلَ بِالْمُقَامِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ خَالِدٌ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ مُسَيْلِمَةَ تَلْحَقُ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تُعِينُهُ عَلَى قُضَاعَةَ.
فَلَمَّا رَجَعَ خَالِدٌ مِنَ الْبُطَاحِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ – قَبِلَ عُذْرَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَوَجَّهَهُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ، وَأَوْعَبَ مَعَهُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَعَلَى الْأَنْصَارِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَعَلَى الْمُهَاجِرِينَ أَبُو حُذَيْفَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بِالْبُطَاحِ يَنْتَظِرُ وُصُولَ الْبَعْثِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ سَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَبَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرُونَ، كَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَعَجَّلَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَبَادَرَ خَالِدًا بِقِتَالِ مُسَيْلِمَةَ، فَنُكِبَ، فَلَامَهُ خَالِدٌ، وَأَمَدَّ أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا بِسَلِيطٍ؛ لِيَكُونَ رِدْءًا لَهُ، لِئَلَّا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: لَا أَسْتَعْمِلُ أَهْلَ بَدْرٍ، أَدَعُهُمْ حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِهِمْ وَبِالصَّالِحِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَصِرُ بِهِمْ. وَكَانَ عُمَرُ يَرَى اسْتِعْمَالَهُمْ عَلَى الْجُنْدِ وَغَيْرِهِ.
وَكَانَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ نَهَارٌ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَفُقِّهَ فِي الدِّينِ، وَبَعَثَهُ مُعَلِّمًا لِأَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَلْيَشْغَبْ عَلَى مُسَيْلِمَةَ، فَكَانَ أَعْظَمَ فِتْنَةً عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ، شَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: إِنَّ مُسَيْلِمَةَ قَدْ أُشْرِكَ مَعَهُ، فَصَدَّقُوهُ وَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ يَنْتَهِي إِلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ، وَالَّذِي يُقِيمُ لَهُ حُجَيْرُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَكَانَ حُجَيْرٌ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: أَفْصِحْ حُجَيْرُ، فَلَيْسَ فِي الْمُجَمْجَمَةِ خَيْرٌ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا.
وَكَانَ مِمَّا جَاءَ بِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ وَحْيٌّ: يَا ضُفْدَعُ بِنْتَ ضُفْدَعْ، نُقِّي مَا تُنَقِّينْ، أَعْلَاكِ فِي الْمَاءْ، وَأَسْفَلُكِ فِي الطِّينْ، لَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينْ، وَلَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينْ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَالْمُبْدَيَاتِ زَرْعًا، وَالْحَاصِدَاتِ حَصْدًا، وَالذَّارِيَاتِ قَمْحًا، وَالطَّاحِنَاتِ طَحْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خُبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لُقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فُضِّلْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ، رِيقُكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْيِيَ فَأَوُّوهُ، وَالْبَاغِي فَنَاوِئُوهُ. وَأَتَتْهُ
امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ نَخَلْنَا لَسَحِيقٌ، وَإِنَّ آبَارَنَا لِجُرُزٌ، فَادْعُ اللَّهَ لِمَائِنَا وَنَخْلِنَا كَمَا دَعَا مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَهْلِ هَزْمَانَ. فَسَأَلَ نَهَارًا عَنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – دَعَا لَهُمْ وَأَخَذَ مِنْ مَاءِ آبَارِهِمْ فَتَمَضْمَضَ مِنْهُ وَمَجَّهُ فِي الْآبَارِ، فَفَاضَتْ مَاءً، وَأَنْجَبَتْ كُلُّ نَخْلَةٍ، وَأَطْلَعَتْ فَسِيلًا قَصِيرًا مُكَمَّمًا، فَفَعَلَ مُسَيْلِمَةُ ذَلِكَ، فَغَارَ مَاءُ الْآبَارِ وَيَبِسَ النَّخْلُ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ.
وَقَالَ لَهُ نَهَارٌ: أَمِرَّ يَدَكَ عَلَى أَوْلَادِ بَنِي حَنِيفَةَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَفَعَلَ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَحَنَّكَهُمْ، فَقَرَعَ كُلُّ صَبِيٍّ مَسَحَ رَأْسَهُ، وَلَثِغَ كُلُّ صَبِيٍّ حَنَّكَهُ، وَإِنَّمَا اسْتَبَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ.
وَقِيلَ: جَاءَهُ طَلْحَةُ النَّمِرِيُّ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ رَجُلٌ فِي ظُلْمَةٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الْكَاذِبُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنْ كَذَّابُ رَبِيعَةَ أَحَبُّ أَلْيَنَا مِنْ صَادِقِ مُضَرَ. فَقُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عُقْرَبَاءَ كَافِرًا.
وَلَمَّا بَلَغَ مُسَيْلِمَةَ دُنُوُّ خَالِدٍ ضَرَبَ عَسْكَرَهَ بِعُقْرَبَاءَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَخَرَجَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ فِي سَرِيَّةٍ يَطْلُبُ ثَأْرًا لَهُمْ فِي بَنِي عَامِرٍ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَصْحَابَهُ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ وَاسْتَبْقَاهُ؛ لِشَرَفِهِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ.
وَتَرَكَ مُسَيْلِمَةُ الْأَمْوَالَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسَيْلِمَةَ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، قَاتِلُوا؛ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ الْغَيْرَةِ، فَإِنِ انْهَزَمْتُمْ تُسْتَرْدَفُ النِّسَاءُ سَبِيَّاتٍ، وَيُنْكَحْنَ غَيْرَ خَطِيبَاتٍ، فَقَاتِلُوا عَنْ أَحِسَابِكُمْ، وَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ. فَاقْتَتَلُوا بِعُقْرَبَاءَ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غَانِمٍ، فَقُتِلَ، فَقَالُوا: تَخْشَى عَلَيْنَا مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا! وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَالْتَقَى النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ الْمُسْلِمِينَ نَهَارٌ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَلَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ حَرْبًا مِثْلَهَا قَطُّ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَخَلَصَ بَنُو حَنِيفَةَ إِلَى مَجَّاعَةَ وَإِلَى خَالِدٍ، فَزَالَ خَالِدٌ عَنِ الْفُسْطَاطِ، وَدَخَلُوا إِلَى مَجَّاعَةَ وَهُوَ عِنْدَ امْرَأَةِ خَالِدٍ، وَكَانَ سَلَّمَهُ إِلَيْهَا، فَأَرَادُوا قَتْلَهَا،
فَنَهَاهُمْ مَجَّاعَةُ عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: أَنَا لَهَا جَارٌ، فَتَرَكُوهَا، وَقَالَ لَهُمْ: عَلَيْكُمْ بِالرِّجَالِ، فَقَطَعُوا الْفُسْطَاطَ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ تَدَاعَوْا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي أَهْلَ الْيَمَامَةِ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا نَحُورُ بَعْدَ الرِّجَالِ، وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ حَتَّى نَهْزِمَهُمْ، أَوْ أُقْتَلَ فَأُكَلِّمَهُ بِحُجَّتِي. غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَعَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا.
وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ. وَحَمَلَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى أَبْعَدَ مِمَّا كَانُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَتَذَامَرَتْ بَنُو حَنِيفَةَ، وَقَاتَلَتْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتِ الْحَرْبُ يَوْمَئِذٍ تَارَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَارَةً لِلْكَافِرِينَ، وَقُتِلَ سَالِمٌ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أُولِي الْبَصَائِرِ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدٌ مَا النَّاسُ فِيهِ قَالَ: امْتَازُوا أَيُّهَا النَّاسُ لِنَعْلَمَ بَلَاءَ كُلِّ حَيٍّ، وَلِنَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ نُؤْتَى. فَامْتَازُوا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي قَدْ جَنَّبُوا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَجَنَّبَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. فَلَمَّا امْتَازُوا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: الْيَوْمَ يُسْتَحَى مِنَ الْفِرَارِ، فَمَا رُئِيَ يَوْمٌ كَانَ أَعْظَمَ نِكَايَةً مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ أَعْظَمَ نِكَايَةً، غَيْرَ أَنَّ الْقَتْلَ كَانَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ الْقُرَى أَكْثَرَ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْبَوَادِي.
وَثَبَتَ مُسَيْلِمَةُ فَدَارَتْ رَحَاهُمْ عَلَيْهِ، فَعَرَفَ خَالِدٌ أَنَّهَا لَا تَرْكُدُ إِلَّا بِقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، وَلَمْ تَحْفَلْ بَنُو حَنِيفَةَ بِمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ. ثُمَّ بَرَزَ خَالِدٌ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ وَنَادَى بِشِعَارِهِمْ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ: يَا مُحَمَّدَاهُ! فَلَمْ يَبْرُزْ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ.
وَدَارَتْ رَحَا الْمُسْلِمِينَ، وَدَعَا خَالِدٌ مُسَيْلِمَةَ فَأَجَابَهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِمَّا يَشْتَهِي مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ إِذَا هَمَّ بِجَوَابِهِ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ لِيَسْتَشِيرَ شَيْطَانَهُ، فَيَنْهَاهُ أَنْ يَقْبَلَ. فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ مَرَّةً، وَرَكِبَهُ خَالِدٌ وَأَرْهَقَهُ، فَأَدْبَرَ وَزَالَ أَصْحَابُهُ، وَصَاحَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ فَرَكِبُوهُمْ، فَكَانَتْ هَزِيمَتُهُمْ، وَقَالُوا لِمُسَيْلِمَةَ: أَيْنَ مَا كُنْتَ تَعِدُنَا؟ فَقَالَ: قَاتِلُوا عَنْ أَحْسَابِكُمْ. وَنَادَى الْمُحَكَّمُ: يَا بَنِي حَنِيفَةَ، الْحَدِيقَةَ الْحَدِيقَةَ! فَدَخَلُوهَا وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ بَابَهَا.
وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَخُو أَسَدِ بْنِ مَالِكٍ، إِذَا حَضَرَ الْحَرْبَ أَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، حَتَّى يَقْعُدَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ثُمَّ يَبُولُ، فَإِذَا بَالَ ثَارَ كَمَا يَثُورُ الْأَسَدُ، فَأَصَابَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَالَ وَثَبَ وَقَالَ: إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ! إِلَيَّ إِلَيَّ! وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الْحَدِيقَةَ قَالَ الْبَرَاءُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيقَةِ. فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَطْرَحُنَّنِي عَلَيْهِمْ بِهَا! فَاحْتُمِلَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْجِدَارِ فَاقْتَحَمَهَا عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلَ عَلَى الْبَابِ وَفَتَحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَدَخَلُوهَا عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ لَا سِيَّمَا فِي بَنِي حَنِيفَةَ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ مُسَيْلِمَةُ. وَاشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ وَحْشِيٌّ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَمَّا وَحْشَيٌّ فَدَفَعَ عَلَيْهِ حَرْبَتَهُ، وَضَرَبَهُ الْأَنْصَارِيُّ بِسَيْفِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَصَرَخَ رَجُلٌ: قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ، فَوَلَّتْ بَنُو حَنِيفَةَ عِنْدَ قَتْلِهِ مُنْهَزِمَةً، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأُخْبِرَ خَالِدٌ بِقَتْلِ مُسَيْلِمَةَ، فَخَرَجَ بِمَجَّاعَةَ يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ؛ لِيَدُلَّهُ عَلَى مُسَيْلِمَةَ، فَجَعَلَ يَكْشِفُ لَهُ الْقَتْلَى حَتَّى مَرَّ بِمُحَكَّمِ الْيَمَامَةِ، وَكَانَ وَسِيمًا، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ مَجَّاعَةُ: لَا، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَكْرَمُ، هَذَا مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ، ثُمَّ دَخَلَ الْحَدِيقَةَ فَإِذَا رُوَيْجِلٌ أُصَيْفِرٌ أُخَيْنِسٌ، فَقَالَ مَجَّاعَةُ: هَذَا صَاحِبُكُمْ قَدْ فَرَغْتُمْ مِنْهُ. وَقَالَ خَالِدٌ: هَذَا الَّذِي فَعَلَ بِكُمْ مَا فَعَلَ.
وَكَانَ الَّذِي قَتَلَ مُحَكَّمَ الْيَمَامَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ فِي نَحْرِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ وَيُحَرِّضُ النَّاسَ، فَقَتَلَهُ. وَقَالَ مَجَّاعَةُ لِخَالِدٍ: مَا جَاءَكَ إِلَّا سَرَعَانُ النَّاسِ، وَإِنَّ الْحُصُونَ مَمْلُوَّةٌ، فَهَلُمَّ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى مَا وَرَائِي. فَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ النُّفُوسِ، وَقَالَ: أَنْطَلِقُ إِلَيْهِمْ فَأُشَاوِرُهُمْ. فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ فِي الْحُصُونِ إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَمَشْيَخَةٌ فَانِيَةٌ وَرِجَالٌ ضَعْفَى، فَأَلْبَسَهُمُ الْحَدِيدَ، وَأَمَرَ النِّسَاءِ أَنْ يَنْشُرْنَ شُعُورَهُنَّ وَيُشْرِفْنَ عَلَى الْحُصُونِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ. فَرَجَعَ إِلَى خَالِدٍ فَقَالَ: قَدْ أَبَوْا أَنْ يُجِيزُوا مَا صَنَعْتُ، فَرَأَى خَالِدٌ الْحُصُونَ مَمْلُوَّةً وَقَدْ نَهَكَتِ الْمُسْلِمِينَ الْحَرْبُ وَطَالَ اللِّقَاءُ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَرْجِعُوا عَلَى الظَّفَرِ، وَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ كَائِنٌ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ غَيْرِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، وَقُتِلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، قَطَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رِجْلَهُ، فَأَخَذَهَا ثَابِتٌ وَضَرَبَهُ بِهَا فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بِعُقْرَبَاءَ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَبِالْحَدِيقَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الطَّلَبِ نَحْوٌ مِنْهَا. وَصَالَحَهُ خَالِدٌ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالسِّلَاحِ وَنِصْفِ السَّبْيِ، وَقِيلَ: رُبْعُهُ.
فَلَمَّا فُتِحَتِ الْحُصُونُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالضُّعَفَاءُ، فَقَالَ خَالِدٌ لِمَجَّاعَةَ: وَيْحَكَ! خَدَعْتَنِي! فَقَالَ: هُمْ قَوْمِي، وَلَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا مَا صَنَعْتُ.
وَوَصَلَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَقْتُلَ كُلَّ مُحْتَلِمٍ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ، فَوَفَى لَهُمْ وَلَمْ يَغْدِرْ. وَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَعَهُمْ: أَلَا هَلَكْتَ قَبْلَ زَيْدٍ؟ هَلَكَ زَيْدٌ وَأَنْتَ حَيٌّ! أَلَا وَارَيْتَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ فَأُعْطِيَهَا، وَجَهَدْتُ أَنْ تُسَاقَ إِلَيَّ فَلَمْ أُعْطَهَا.

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِئَلَّا يَذْهَبَ الْقُرْآنُ، وَسَيَرِدُ مُبَيَّنًا سَنَةَ ثَلَاثِينَ.
وَمِمَّنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا مِنَ الصَّحَابَةِ: عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا.
وَقُتِلَ عَبَّادُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ شَهِدَ أُحُدًا.
وَقُتِلَ بِهَا عُمَيْرُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ شَهِدَ أُحُدًا.
وَفِيهَا قُتِلَ عَامِرُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ.
وَفِيهَا قُتِلَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو عَمْرٍو، وَكَانَ بَدْرِيًّا.
وَفِيهَا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ لَهُ صُحْبَةٌ.
وَقُتِلَ بِهَا عَائِذُ بْنُ مَاعِصٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ.
وَقُتِلَ فِيهَا فَرْوَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَقِيلَ: ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا.
وَفِيهَا قُتِلَ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، عَمُّ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِأُحُدٍ.
وَقُتِلَ بِهَا سَعْدُ بْنُ جَمَّازٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ أُحُدًا.
وَقُتِلَ بِهَا أَبُو دُجَانَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ بَلْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقُتِلَ بِالْيَمَامَةِ سَلَمَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ.
وَقُتِلَ فِيهَا السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا.
وَقُتِلَ أَيْضًا السَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ أَخُو الزُّبَيْرِ لِأَبَوَيْهِ.
وَقُتِلَ بِهَا الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ، شَهِدَ خَيْبَرَ.
وَقُتِلَ بِهَا زُرَارَةُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ.
وَقُتِلَ فِيهَا مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَقُتِلَ مَالِكُ بْنُ أُمَيَّةَ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَمَالِكُ بْنُ عَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ أُحُدًا.
وَقُتِلَ بِهَا مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَغَيْرَهُمَا.
وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ الْأَسْوَدُ حَلِيفُ بَنِي غَانِمٍ، وَشَهِدَ أُحُدًا.
وَفِيهَا قُتِلَ النُّعْمَانُ بْنُ عَصَرِ بْنِ الرَّبِيعِ الْبَلَوِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
(وَقِيلَ: هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهِمَا) .
وَفِيهَا قُتِلَ صَفْوَانُ وَمَالِكٌ ابْنَا عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، وَهُمَا بَدْرِيَّانِ.
وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ بِأَمْرِ خَالِدٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، وَقِيلَ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بِالطَّائِفِ هُوَ وَأَخُوهُ السَّائِبُ.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْعَامِرِيُّ عَامِرُ قَيْسٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا.
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ قَاتِلُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَفِيهَا قُتِلَ شُجَاعُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ، شَهِدَ بَدْرًا.
وَهُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَّلِبِيُّ الْقُرَشِيُّ، وَأَخُوهُ جُنَادَةَ.
وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، ابْنُ عَمِّ خَالِدٍ.
وَقُتِلَ وَرَقَةُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَيَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ.
وَأَبُو حَبَّةَ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا.
وَأَبُو عَقِيلٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ.
وَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، شَهِدَ أُحُدًا.
وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
(الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ بِالرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَبِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقِيلَ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَمَجَّاعَةُ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ. وَمُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْكَافِ الْمُشَدَّدَةِ. وَسَعْدُ بْنُ جَمَّازٍ بِالْجِيمِ، وَالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَآخِرُهُ زَايٌ) .

ذِكْرُ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ

لَمَّا قَدِمَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَفَقَّهَ رَدَّهُ إِلَى قَوْمِهِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَكَانَ فِيهِمْ. فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْعَبْدِيُّ مَرِيضًا،
فَمَاتَ بَعْدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقَلِيلٍ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى ارْتَدَّ بَعْدَهُ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ، فَأَمَّا بَكْرٌ فَتَمَّتْ عَلَى رِدَّتِهَا، وَأَمَّا عَبْدُ الْقَيْسِ فَإِنَّهُمْ جَمَعَهُمُ الْجَارُودُ، وَكَانَ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلَّهِ أَنْبِيَاءٌ فِيمَا مَضَى؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا فَعَلُوا؟ قَالُوا: مَاتُوا. قَالَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ مَاتَ كَمَا مَاتُوا، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَأَسْلَمُوا وَثَبَتُوا عَلَى إِسْلَامِهِمْ.
وَحَصَرَهُمْ أَصْحَابُ الْمُنْذِرِ بَعْدَهُ حَتَّى اسْتَنْقَذَهُمُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ. وَاجْتَمَعَتْ رَبِيعَةُ بِالْبَحْرَيْنِ عَلَى الرِّدَّةِ إِلَّا الْجَارُودُ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالُوا: نَرُدُّ الْمُلْكَ فِي الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْغَرُورُ. فَلَمَّا أَسْلَمَ كَانَ يَقُولُ: أَنَا الْمَغْرُورُ، وَلَسْتُ بِالْغَرُورِ.
وَخَرَجَ الْحُطَمُ بْنُ ضُبَيْعَةَ أَخُو بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ مِمَّنْ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا، حَتَّى نَزَلَ الْقَطِيفَ وَهَجَرَ، وَاسْتَغَوَوُا الْخَطَّ وَمَنْ بِهَا مِنَ الزُّطِّ وَالسَّبَابِجَةِ، وَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى دَارِينَ، وَبَعَثَ إِلَى جُوَاثَا فَحَصَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ الْحَصْرُ عَلَى مَنْ بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذَفَ، وَقَدْ قَتَلَهُمُ الْجُوعُ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا … وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا
فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ … قُعُودٍ فِي جُوَاثَا مُحْصَرِينَا
كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجٍّ … شُعَاعُ الشَّمْسِ يَغْشَى النَّاظِرِينَا
تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا … وَجَدْنَا النَّصْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا
وَكَانَ سَبَبُ اسْتِنْقَاذِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِيَّاهُمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ بِحِيَالِ الْيَمَامَةِ لَحِقَ بِهِ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ فِي مُسْلِمَةِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَلَحِقَ بِهِ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، وَأَعْطَاهُ بَدَلَ مَا كَانَ قُسِمَ مِنَ الصَّدَقَةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عَمْرٌو وَالْأَبْنَاءُ وَسَعْدُ بْنُ تَمِيمٍ، وَالرَّبَابُ أَيْضًا لَحِقَتْهُ فِي مِثْلِ عُدَّتِهِ، فَسَلَكَ بِهِمُ الدَّهْنَاءَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي بُحْبُوحَتِهَا نَزَلَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالنُّزُولِ
فِي اللَّيْلِ، فَنَفَرَتْ إِبِلُهُمْ بِأَحْمَالِهَا، فَمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ بَعِيرٌ وَلَا زَادٌ وَلَا مَاءٌ، فَلَحِقَهُمْ مِنَ الْغَمِّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَوَصَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَدَعَاهُمُ الْعَلَاءُ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي غَلَبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْغَمِّ؟ فَقَالُوا: كَيْفَ نُلَامُ وَنَحْنُ إِنْ بَلَغْنَا غَدًا لَمْ تُحْمَ الشَّمْسُ حَتَّى نَهْلِكَ؟ ! فَقَالَ: لَنْ تُرَاعُوا، أَنْتُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْصَارُ اللَّهِ، فَأَبْشِرُوا، فَوَاللَّهِ لَنْ تُخْذَلُوا.
فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ دَعَا الْعَلَاءُ وَدَعَوْا مَعَهُ، فَلَمَعَ لَهُمُ الْمَاءُ، فَمَشَوْا إِلَيْهِ وَشَرِبُوا وَاغْتَسَلُوا. فَمَا تَعَالَى النَّهَارُ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْإِبِلُ تُجْمَعُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَنَاخَتْ إِلَيْهِمْ فَسَقَوْهَا. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِيهِمْ، فَلَمَّا سَارُوا عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ قَالَ لِمِنْجَابِ بْنِ رَاشِدٍ: كَيْفَ عِلْمُكَ بِمَوْضِعِ الْمَاءِ؟ قَالَ: عَارِفٌ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: كُنْ مَعِي حَتَّى تُقِيمَنِي عَلَيْهِ. قَالَ: فَرَجَعْتُ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَلَمْ نَجِدْ إِلَّا غَدِيرَ الْمَاءِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ لَوْلَا الْغَدِيرُ لَأَخْبَرْتُكَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَكَانُ، وَمَا رَأَيْتُ بِهَذَا الْمَكَانِ مَاءً قَبْلَ الْيَوْمِ، وَإِذَا إِدَاوَةٌ مَمْلُوَّةٌ مَاءً. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا وَاللَّهِ الْمَكَانُ، وَلِهَذَا رَجَعْتُ بِكَ، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي ثُمَّ وَضَعْتُهَا عَلَى شَفِيرِ الْغَدِيرِ وَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مَنَّا مِنَ الْمَنِّ عَرَفْتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا عَرَفْتُهُ، فَإِذَا مَنٌّ مِنَ الْمَنِّ. فَحَمِدَ اللَّهَ.
ثُمَّ سَارُوا فَنَزَلُوا بِهَجَرَ، وَأَرْسَلَ الْعَلَاءُ إِلَى الْجَارُودِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْزِلَ بِعَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى الْحُطَمِ مِمَّا يَلِيهِ، وَسَارَ هُوَ فِيمَنْ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِي هَجَرَ، فَاجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ إِلَى الْحُطَمِ إِلَّا أَهْلَ دَارِينَ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْعَلَاءِ، وَخَنْدَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكَانُوا يَتَرَاوَحُونَ الْقِتَالَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ، فَكَانُوا كَذَلِكَ شَهْرًا. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ضَوْضَاءَ هَزِيمَةٍ أَوْ قِتَالٍ، فَقَالَ الْعَلَاءُ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذْفٍ: أَنَا، فَخَرَجَ حَتَّى دَنَا مِنْ خَنْدَقِهِمْ، فَأَخَذُوهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عِجْلِيَّةً، فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا أَبْجَرَاهُ! فَجَاءَ أَبْجَرُ بْنُ بُجَيْرٍ فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: عَلَامَ أُقْبِلُ وَحَوْلِي عَسَاكِرُ مِنْ عِجْلٍ وَتَيْمِ اللَّاتِ وَغَيْرِهِمَا؟ فَخَلَّصَهُ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ بِئْسَ ابْنُ أُخْتٍ أَتَيْتَ اللَّيْلَةَ أَخْوَالَكَ. فَقَالَ: دَعْنِي مِنْ هَذَا وَأَطْعِمْنِي؛ فَقَدْ مُتُّ جُوعًا. فَقَرَّبَ لَهُ طَعَامًا فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: زَوِّدْنِي وَاحْمِلْنِي، يَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ السُّكْرُ، فَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ وَزَوَّدَهُ وَجَوَّزَهُ، فَدَخَلَ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْقَوْمَ سُكَارَى، فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ كَيْفَ شَاءُوا، وَهَرَبَ الْكُفَّارُ،
فَمِنْ بَيْنِ مُرْتَدٍّ وَنَاجٍ وَمَقْتُولٍ وَمَأْسُورٍ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْعَسْكَرِ، وَلَمْ يُفْلِتْ رَجُلٌ إِلَّا بِمَا عَلَيْهِ.
فَأَمَّا أَبْجَرُ فَأَفْلَتَ، وَأَمَّا الْحُطَمُ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ التَّيْمِيُّ رِجْلَهُ. وَطَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَسَرَ عَفِيفٌ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْغَرُورَ فَأَسْلَمَ. وَأَصْبَحَ الْعَلَاءُ فَقَسَّمَ الْأَنْفَالَ، وَنَفَّلَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ ثِيَابًا، فَأَعْطَى ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ خَمِيصَةً ذَاتَ أَعْلَامٍ كَانَتْ لِلْحُطَمِ يُبَاهِي بِهَا. فَلَمَّا رَجَعَ ثُمَامَةُ بَعْدَ فَتْحِ دَارِينَ رَآهَا بَنُو قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَ الْحُطَمَ! فَقَالَ: لَمْ أَقْتُلْهُ، وَلَكِنِّي اشْتَرَيْتُهَا مِنَ الْمَغْنَمِ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
وَقَصَدَ عُظْمُ الْفُلَّالِ إِلَى دَارِينَ، فَرَكِبُوا إِلَيْهَا السُّفُنَ، وَلَحِقَ الْبَاقُونَ بِبِلَادِ قَوْمِهِمْ، فَكَتَبَ الْعَلَاءُ إِلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَى إِسْلَامِهِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْهُمْ عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ وَغَيْرُهُمَا، يَأْمُرُهُمْ بِالْقُعُودِ لِلْمُنْهَزِمِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَفَعَلُوا، وَجَاءَتْ رُسُلُهُمْ إِلَى الْعَلَاءِ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَنَدَبَ حِينَئِذٍ النَّاسَ إِلَى دَارِينَ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَرَاكُمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْبَرِّ لِتَعْتَبِرُوا بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَانْهَضُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ وَاسْتَعْرِضُوا الْبَحْرَ.
وَارْتَحَلَ وَارْتَحَلُوا حَتَّى اقْتَحَمَ الْبَحْرَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْحَمِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِمُ الرَّاجِلُ، وَدَعَا وَدَعَوْا. وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا كَرِيمُ، يَا حَلِيمُ، يَا صَمَدُ، يَا حَيُّ، يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبَّنَا! فَاجْتَازُوا ذَلِكَ الْخَلِيجَ بِإِذْنِ اللَّهِ يَمْشُونَ عَلَى مِثْلِ رَمْلَةٍ فَوْقَهَا مَاءٌ يَغْمُرُ أَخْفَافَ الْإِبِلِ، وَبَيْنَ السَّاحِلِ وَدَارِينَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِسُفُنِ الْبَحْرِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ الْقَتْلَ فِيهِمْ فَمَا تَرَكُوا بِهَا مُخْبِرًا وَغَنِمُوا وَسَبَوْا، فَلَمَّا فَرَغُوا رَجَعُوا حَتَّى عَبَرُوا، وَضَرَبَ الْإِسْلَامُ فِيهَا بِجِرَانِهِ.
وَكَتَبَ الْعَلَاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعَرِّفُهُ هَزِيمَةَ الْمُرْتَدِّينَ وَقَتْلَ الْحُطَمِ. وَكَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ رَاهِبٌ مِنْ أَهْلِ هَجَرَ، فَأَسْلَمَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ خَشِيتُ أَنْ يَمْسَخَنِي اللَّهُ بَعْدَهَا: فَيْضٌ فِي الرِّمَالِ، وَتَمْهِيدُ أَثْبَاجِ الْبَحْرِ، وَدُعَاءٌ سَمِعْتُهُ فِي عَسْكَرِهِمْ فِي الْهَوَاءِ سَحَرًا: اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَالْبَدِيعُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَالدَّائِمُ غَيْرُ الْغَافِلِ، الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَخَالِقُ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَكُلُّ
يَوْمٍ أَنْتَ فِي شَأْنٍ، عَلِمْتَ كُلَّ شَيْءٍ بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ – فَعَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُعَانُوا بِالْمَلَائِكَةِ إِلَّا وَهُمْ عَلَى حَقٍّ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْمَعُونَ هَذَا مِنْهُ بَعْدُ.
(عُتَيْبَةُ بَعْدَ الْعَيْنِ تَاءٌ مُعْجَمَةٌ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقِهَا، وَيَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَحَارِثَةُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَثَاءٍ مُثُلَّثَةٍ) .

ذِكْرُ رِدَّةَ أَهْلِ عُمَانَ وَمَهْرَةَ

قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَارِيخِ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ فَتْحُ الْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ وَبَعْثُ الْجُنُودِ إِلَى الشَّامِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: إِنَّ فُتُوحَ الرِّدَّةِ كُلَّهَا لِخَالِدٍ وَغَيْرِهِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، إِلَّا أَمْرَ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقِصَّتُهُ: أَنَّهُ بَلَغَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنَّ رَبِيعَةَ بِالْمُصَيِّخِ وَالْحَصِيدِ فِي جَمْعٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، فَقَاتَلَهُ وَغَنِمَ وَسَبَى وَأَصَابَ ابْنَةً لِرَبِيعَةَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَصَارَتْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَأَمَّا عُمَانُ فَإِنَّهُ نَبَغَ بِهَا ذُو التَّاجِ لَقِيطُ بْنُ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، وَكَانَ يُسَامِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجُلُنْدَى، وَادَّعَى بِمِثْلِ مَا ادَّعَى مَنْ تَنَبَّأَ، وَغَلَبَ عَلَى عُمَانَ مُرْتَدًّا، وَالْتَجَأَ جَيْفَرٌ وَعِيَاذٌ إِلَى الْجِبَالِ، وَبَعَثَ جَيْفَرٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُهُ وَيَسْتَمِدُّهُ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ حُذَيْفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيَّ مِنْ حِمْيَرَ، وَعَرْفَجَةَ الْبَارِقِيَّ مِنَ الْأَزْدِ؛ حُذَيْفَةَ إِلَى عُمَانَ، وَعَرْفَجَةَ إِلَى مَهْرَةَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِهِ فِي وَجْهِهِ، فَإِذَا قَرُبَا مِنْ عُمَانَ يُكَاتِبَانِ جَيْفَرًا. فَسَارَ إِلَى عُمَانَ، وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَأُصِيبَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَلْحَقَ بِحُذَيْفَةَ وَعَرْفَجَةَ بِمَنْ مَعَهُ يُسَاعِدُهُمَا عَلَى أَهْلِ عُمَانَ وَمَهْرَةَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْهُمْ سَارَ إِلَى الْيَمَنِ. فَلَحِقَهُمَا عِكْرِمَةُ قِبَلَ عُمَانَ، فَلَمَّا وَصَلُوا رِجَامًا، وَهِيَ قَرِيبٌ
مِنْ عُمَانَ، كَاتَبُوا جَيْفَرًا وَعِيَاذًا، وَجَمَعَ لَقِيطٌ جُمُوعَهُ وَعَسْكَرَ بِدَبَا، وَخَرَجَ جَيْفَرٌ وَعِيَاذٌ وَعَسْكَرَا بِصُحَارٍ، وَأَرْسَلَا إِلَى حُذَيْفَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَرْفَجَةَ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِمَا، وَكَاتَبُوا رُؤَسَاءَ مِنْ لَقِيطٍ وَارْفَضُّوا عَنْهُ، ثُمَّ الْتَقَوْا عَلَى دَبَا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَاسْتَعْلَى لَقِيطٌ، وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ الْخَلَلَ، وَرَأَى الْمُشْرِكُونَ الظَّفَرَ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ جَاءَتِ الْمُسَلِمِينَ مَوَادُّهُمُ الْعُظْمَى مِنْ بَنِي نَاجِيَةَ، وَعَلَيْهِمُ الْخِرِّيتُ بْنُ رَاشِدٍ، وَمِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَعَلَيْهِمْ سَيْحَانُ بْنُ وُصْحَانَ، وَغَيْرِهِمْ، فَقَوَّى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ الْأَدْبَارَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَرَكِبُوهُمْ حَتَّى أَثْخَنُوا فِيهِمْ، وَسَبَوُا الذَّرَارِيَّ وَقَسَّمُوا الْأَمْوَالَ، وَبَعَثُوا بِالْخُمْسِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ عَرْفَجَةَ، وَأَقَامَ حُذَيْفَةُ بِعُمَانَ يُسَكِّنُ النَّاسَ.
وَأَمَّا مَهْرَةُ فَإِنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ سَارَ إِلَيْهِمْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ عُمَانَ وَمَعَهُ مَنِ اسْتَنْصَرَ مِنْ نَاجِيَةَ وَعَبْدِ الْقَيْسِ وَرَاسِبٍ وَسَعْدٍ، فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمْ بِلَادَهُمْ، فَوَافَقَ بِهَا جَمْعَيْنِ مِنْ مَهْرَةَ؛ أَحَدُهُمَا مَعَ سِخْرِيتٍ، رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَالثَّانِي مَعَ الْمُصَبَّحِ، أَحَدُ بَنِي مُحَارِبٍ، وَمُعْظَمُ النَّاسِ مَعَهُ، وَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ. فَكَاتَبَ عِكْرِمَةُ سِخْرِيتًا، فَأَجَابَهُ وَأَسْلَمَ، وَكَاتَبَ الْمُصَبَّحَ يَدْعُوهُ فَلَمْ يُجِبْ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُرْتَدُّونَ وَقُتِلَ رَئِيسُهُمْ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوا مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ، وَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ الْغَنَائِمِ، وَبَعَثَ الْأَخْمَاسَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ سِخْرِيتٍ، وَازْدَادَ عِكْرِمَةُ وَجُنْدُهُ قُوَّةً بِالظَّهْرِ وَالْمَتَاعِ، وَأَقَامَ عِكْرِمَةُ حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى الَّذِي يُحِبُّ، وَبَايَعُوا عَلَى الْإِسْلَامِ.
(دَبَا بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ. وَالْخِرِّيتُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتِهَا، وَآخِرُهُ تَاءٌ. وَسَيْحَانُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ) .

ذِكْرُ خَبَرِ رِدَّةِ الْيَمَنِ

لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَلَى مَكَّةَ وَأَرْضِهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَعَلَى عَكٍّ وَالْأَشْعَرِيِّينَ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وَعُثْمَانُ عَلَى الْمُدُنِ، وَمَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَبِصَنْعَاءَ فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ يُسَانِدُهُ،
وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، وَعَلَى الْجُنْدِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى مَأْرِبَ أَبُو مُوسَى، وَكَانَ مِنْهُمْ مَعَ الْأَسْوَدِ الْكَذَّابِ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ بَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَحَدٍ. وَمَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ فَارْتَدَّ النَّاسُ، فَكَتَبَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعَرِّفُهُ خَبَرَ مَنِ ارْتَدَّ فِي عَمَلِهِ، وَبَعَثَ عَتَّابٌ أَخَاهُ خَالِدًا إِلَى أَهْلِ تِهَامَةَ، وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُدْلِجٍ وَخُزَاعَةَ وَأَبْنَاءِ كِنَانَةَ.
وَأَمَّا كِنَانَةُ عَلَيْهِمْ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى، فَالْتَقَوْا بِالْأَبَارِقِ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ وَفَرَّقَهُمْ، وَأَفْلَتَ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى وَعَادَ، وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَعْثًا إِلَى شَنُوءَةَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَبَجِيلَةُ، وَخَثْعَمُ، وَعَلَيْهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَاسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ عَلَى السَّرِيَّةِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَالْتَقَوْا بِشَنُوءَةَ، فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَفَرَّقُوا، وَهَرَبَ حُمَيْضَةُ فِي الْبِلَادِ.
وَأَمَّا الْأَخَابِثُ مِنَ الْعَكِّ فَكَانُوا أَوَّلَ مُنْتَقِضٍ بِتِهَامَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ تَجَمَّعَ عَكٌّ وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَأَقَامُوا عَلَى الْأَعْلَابِ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ وَمَعَهُ مَسْرُوقٌ وَقَوْمُهُ مِنْ عَكٍّ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَالْتَقَوْا عَلَى الْأَعْلَابِ، فَانْهَزَمَتْ عَكٌّ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا. وَوَرَدَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الطَّاهِرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِهِمْ، وَسَمَّاهُمُ الْأَخَابِثَ، وَسَمَّى طَرِيقَهُمْ طَرِيقَ الْأَخَابِثِ، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْآنَ.
وَأَمَّا أَهْلُ نَجْرَانَ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَرْسَلُوا وَفْدًا لِيُجَدِّدُوا عَهْدَهُمْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا.
وَأَمَّا بَجِيلَةُ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَدَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنْفِرَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقَاتِلَ بِهِمْ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَأْتِيَ خَثْعَمَ فَيُقَاتِلَ مَنْ خَرَجَ غَضَبًا لِذِي الْخَلَصَةِ، فَخَرَجَ جَرِيرٌ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَقَتَلَهُمْ وَتَتَبَّعَهُمْ.
(حُمَيْضَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ) .

ذِكْرُ خَبَرِ رِدَّةِ الْيَمَنِ ثَانِيَةً
وَكَانَ مِمَّنِ ارْتَدَّ ثَانِيَةً قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ مَكْشُوحٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ
النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَمِلَ فِي قَتْلِ فَيْرُوزَ وَجِشْنَسَ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ ذِي مُرَّانَ، وَإِلَى سَعِيدٍ ذِي زُودٍ، وَإِلَى الْكَلَاعِ، وَإِلَى حَوْشَبٍ ذِي ظُلَيْمٍ، وَإِلَى شَهْرٍ ذِي نِيَافٍ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِعَانَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، وَالسَّمْعِ لِفَيْرُوزَ، وَكَانَ فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسٌ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَسَانِدِينَ. فَلَمَّا سَمِعَ قَيْسٌ بِذَلِكَ كَتَبَ إِلَى ذِي الْكُلَاعِ وَأَصْحَابِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى قَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِمْ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْأَبْنَاءَ. فَاسْتَعَدَّ لَهُمْ قَيْسٌ، وَكَاتَبَ أَصْحَابَ الْأَسْوَدِ الْمُتَرَدِّدِينَ فِي الْبِلَادِ سِرًّا، يَدْعُوهُمْ لِيَجْتَمِعُوا مَعَهُ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ، فَسَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ صَنْعَاءَ، فَقَصَدَ قَيْسٌ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ، فَاسْتَشَارَهُمَا فِي أَمْرِهِ خَدِيعَةً مِنْهُ لِيُلَبِّسَ عَلَيْهِمَا، فَاطْمَأَنَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ قِيْسًا صَنَعَ مِنَ الْغَدِ طَعَامًا وَدَعَا دَاذَوَيْهِ وَفَيْرُوزَ وَجِشْنَسَ، فَخَرَجَ دَاذَوَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ فَيْرُوزُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ سَمِعَ امْرَأَتَيْنِ تَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: هَذَا مَقْتُولٌ كَمَا قُتِلَ دَاذَوَيْهِ، فَخَرَجَ. فَطَلَبَهُ أَصْحَابُ قَيْسٍ، فَخَرَجَ يَرْكُضُ، وَلَقِيَهُ جِشْنَسُ فَرَجَعَ مَعَهُ، فَتَوَجَّهَا نَحْوَ جَبَلِ خَوْلَانَ، وَهُمْ أَخْوَالُ فَيْرُوزَ، فَصَعِدَا الْجَبَلَ، وَرَجَعَتْ خُيُولُ قَيْسٍ فَأَخْبَرُوهُ، فَثَارَ بِصَنْعَاءَ وَمَا حَوْلَهَا، وَأَتَتْهُ خُيُولُ الْأَسْوَدِ.
وَاجْتَمَعَ إِلَى فَيْرُوزَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى قَيْسٍ عَوَامُّ قَبَائِلِ مَنْ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ، وَاعْتَزَلَ الرُّؤَسَاءُ، وَعَمَدَ قَيْسٌ إِلَى الْأَنْبَاءِ فَفَرَّقَهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: مَنْ أَقَامَ أَقَرَّ عِيَالَهُ، وَالَّذِينَ سَارُوا مَعَ فَيْرُوزَ فَرَّقَ عِيَالَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَوَجَّهَ إِحْدَاهَا إِلَى عَدَنَ لِيَحْمِلُوا فِي الْبَحْرِ، وَحَمَلَ الْأُخْرَى فِي الْبَرِّ، وَقَالَ لَهُمْ جَمِيعِهِمْ: الْحَقُوا بِأَرْضِكُمْ.
فَلَمَّا عَلِمَ فَيْرُوزُ ذَلِكَ جَدَّ فِي حَرْبِهِ وَتَجَرَّدَ لَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي عُقَيْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ يَسْتَمِدُّهُمْ، وَإِلَى عَكٍّ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَرَكِبَتْ عُقَيْلٌ، فَلَقُوا خَيْلَ قَيْسِ بْنِ عَامِرٍ وَمَعَهُمْ عِيَالَاتُ الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُمْ قَيْسٌ، فَاسْتَنْقَذُوهُمْ وَقَتَلُوا خَيْلَ قَيْسٍ. وَسَارَتْ عَكٌّ فَاسْتَنْقَذُوا طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ عِيَالَاتِ الْأَبْنَاءِ، وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ قَيْسٍ، وَأَمَدَّتْ عُقَيْلٌ وَعَكٌّ فَيْرُوزَ بِالرِّجَالِ. فَلَمَّا أَتَتْهُ أَمْدَادُهُمْ خَرَجَ بِهِمْ وَبِمَنِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ، فَلَقُوا قَيْسًا دُونَ صَنْعَاءَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ، وَتَذَبْذَبَ أَصْحَابُ الْعَنْسِيِّ وَقَيْسٌ مَعَهُمْ فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ.
قِيلَ: وَكَانَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْلِمًا، فَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى صَدَقَاتِ مُرَادٍ، وَمَنْ نَازَلَهُمْ وَنَزَلَ دَارَهُمْ.
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ قَدْ فَارَقَ قَوْمَهُ سَعْدَ الْعَشِيرَةِ، وَانْحَازَ إِلَيْهِمْ وَأَسْلَمَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا ارْتَدَّ الْعَنْسِيُّ وَمَعَهُ مَذْحِجٌ ارْتَدَّ عَمْرٌو فِيمَنِ ارْتَدَّ، وَكَانَ عَمْرٌو مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا ارْتَدَّ سَارَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَلَقِيَهُ، فَضَرَبَهُ خَالِدٌ عَلَى عَاتِقِهِ فَهَرَبَ مِنْهُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ سَيْفَهُ الصَّمْصَامَةَ وَفَرَسَهُ، فَلَمَّا ارْتَدَّ عَمْرٌو جَعَلَهُ الْعَنْسِيُّ بِإِزَاءِ فَرْوَةَ، فَامْتَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْبَرَاحِ لِمَكَانِ صَاحِبِهِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ قَدِمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ أَبْيَنَ مِنْ مَهْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِتَالِ مَهْرَةَ، وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ مَهْرَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَاسْتَبْرَى النَّخْعَ وَحِمْيَرَ، وَقَدِمَ أَيْضًا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَبَجِيلَةَ مَعَ جَرِيرٍ إِلَى نَجْرَانَ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ، فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ مُسْتَجِيبًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمُهَاجِرِ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ، فَأَوْثَقَهُ الْمُهَاجِرُ، وَأَخَذَ قَيْسًا أَيْضًا فَأَوْثَقَهُ، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا قَيْسُ، قَتَلْتَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاتَّخَذْتَ الْمُرْتَدِّينَ وَلِيَجِةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ! فَانْتَفَى قَيْسٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَارَفَ مِنْ أَمْرِ دَاذَوَيْهِ شَيْئًا، وَكَانَ قَتَلَهُ سِرًّا، فَتَجَافَى لَهُ عَنْ دَمِهِ، وَقَالَ لِعَمْرٍو: أَمَا تَسْتَحِي أَنَّكَ كُلَّ يَوْمٍ مَهْزُومٌ أَوْ مَأْسُورٌ؟ لَوْ نَصَرْتَ هَذَا الدِّينَ لَرَفَعَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: لَا جَرَمَ، لَأُقْبِلَّنَ وَلَا أَعُودُ. وَرَجَعَا إِلَى عَشَائِرِهِمَا. فَسَارَ الْمُهَاجِرُ مِنْ نَجْرَانَ وَالْتَقَتِ الْخُيُولُ عَلَى أَصْحَابِ الْعَنْسِيِّ، فَاسْتَأْمَنُوا فَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ، وَقَتَلَهُمْ بِكُلِّ سَبِيلٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ فَدَخَلَهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ.

ذِكْرُ رِدَّةِ حَضْرَمَوْتَ وَكِنْدَةَ

لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعُمَّالُهُ عَلَى بِلَادِ حَضْرَمَوْتَ: زِيَادُ بْنُ أَبِي لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى حَضْرَمَوْتَ، وَعَكَّاشَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى السَّكَاسِكِ وَالسَّكُونِ «وَالْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى كِنْدَةَ، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَى قِتَالِ مَنْ بِالْيَمَنِ، ثُمَّ الْمَسِيرُ بَعْدُ إِلَى عَمَلِهِ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِتَبُوكَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ عَاتِبٌ عَلَيْهِ، فَبَيْنَمَا أُمُّ سَلَمَةَ تَغْسِلُ رَأْسَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَتْ: كَيْفَ يَنْفَعُنِي عَيْشٌ وَأَنْتَ عَاتِبٌ عَلَى أَخِي؟ فَرَأَتْ
مِنْهُ رِقَّةً، فَأَوْمَأَتْ إِلَى خَادِمِهَا فَدَعَتْهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْكُرُ عُذْرَهُ حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى كِنْدَةَ. فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَسِرْ إِلَى عَمَلِهِ، ثُمَّ سَارَ بَعْدَهُ» .
وَكَانَ سَبَبُ رِدَّةِ كِنْدَةَ وَإِجَابَتِهِمُ الْأَسْوَدَ الْكَذَّابَ حَتَّى لَعَنَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمُلُوكَ الْأَرْبَعَةَ مِنْهُمْ – أَنَّهُمْ لَمَّا أَسْلَمُوا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُوضَعَ بَعْضُ صَدَقَةِ حَضْرَمَوْتَ فِي كِنْدَةَ، وَبَعْضُ صَدَقَةِ كِنْدَةَ فِي حَضْرَمَوْتَ، وَبَعْضُ صَدَقَةِ حَضْرَمَوْتَ فِي السَّكُونِ، وَبَعْضُ صَدَقَةِ السَّكُونِ فِي حَضْرَمَوْتَ، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي وَلَيْعَةَ: مِنْ كِنْدَةَ لِحَضْرَمَوْتَ لَيْسَ لَنَا ظَهْرٌ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَبْعَثُوا إِلَيْنَا بِذَلِكَ عَلَى ظَهْرٍ. قَالُوا: فَإِنَّا نَنْظُرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ ظَهْرٌ فَعَلْنَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَتْ بَنُو وَلَيْعَةَ: أَبْلِغُونَا كَمَا وَعَدْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -! فَقَالُوا: إِنْ لَكُمْ ظَهْرًا فَاحْتَمِلُوا، فَقَالُوا لِزِيَادٍ: أَنْتَ مَعَهُمْ عَلَيْنَا. فَأَبَى الْحَضْرَمِيُّونَ، وَلَحَّ الْكِنْدِيُّونَ وَرَجَعُوا إِلَى دَارِهِمْ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَأَمْسَكَ عَنْهُمْ زِيَادٌ انْتِظَارًا لِلْمُهَاجِرِ.
وَكَانَ الْمُهَاجِرُ لَمَّا تَأَخَّرَ بِالْمَدِينَةِ قَدِ اسْتَخْلَفَ زِيَادًا عَلَى عَمَلِهِ، وَسَارَ الْمُهَاجِرُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى عَمَلِهِ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ أَيْضًا، فَنَزَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَسْوَدِ، وَالْآخَرُ عَلَى وَائِلٍ، وَكَانَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ قَدْ وَلِيَ صَدَقَاتِ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِنْدَةَ بِنَفْسِهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى مِنْهُمْ شَيْطَانُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ بَكْرَةً وَوَسَمَهَا، فَإِذَا النَّاقَةُ لِلْعَدَّاءِ بْنِ حُجْرٍ أَخِي شَيْطَانٍ، وَكَانَ أَخُوهُ قَدْ أُوهِمَ حِينَ أَخْرَجَهَا، وَكَانَ اسْمُهَا شَذْرَةً، وَظَنَّهَا غَيْرَهَا. فَقَالَ الْعَدَّاءُ: هَذِهِ نَاقَتِي. فَقَالَ شَيْطَانٌ: صَدَقَ، فَأَطْلِقْهَا وَخُذْ غَيْرَهَا. فَاتَّهَمَهُ زِيَادٌ بِالْكُفْرِ وَمُبَاعَدَةِ الْإِسْلَامِ. فَمَنَعَهُمَا عَنْهَا وَقَالَ: صَارَتْ فِي حَقِّ اللَّهِ. فَلَجَأَ فِي أَخْذِهَا، فَقَالَ لَهَا: لَا تَكُونَنَّ شَذْرَةً عَلَيْكُمْ كَالْبَسُوسِ. فَنَادَى الْعَدَّاءُ: يَا آلَ عَمْرٍو، أُضَامُ وَأُضْطَهَدُ! إِنَّ الذَّلِيلَ مَنْ أُكِلَ فِي دَارِهِ! وَنَادَى حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، فَأَقْبَلَ إِلَى زِيَادٍ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَقَالَ: أَطْلِقْ بَكْرَةَ الرَّجُلِ وَخُذْ غَيْرَهَا. فَقَالَ زِيَادٌ: مَا لِي إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ. فَقَالَ حَارِثَةُ: ذَاكَ إِذَا كُنْتَ يَهُودِيًّا، وَأَطْلَقَ عِقَالَهَا وَبَعَثَهَا وَقَامَ دُونَهَا، فَأَمَرَ زِيَادٌ شَبَابًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَالسَّكُونِ فَمَنَعُوهُ وَكَتَّفُوهُ، وَكَتَّفُوا أَصْحَابَهُ وَأَخَذُوا الْبَكْرَةَ، وَتَصَايَحَتْ كِنْدَةُ، وَغَضِبَتْ بَنُو مُعَاوِيَةَ لِحَارِثَةَ وَأَظْهَرُوا أَمْرَهُمْ، وَغَضِبَتْ حَضْرَمَوْتُ وَالسَّكُونُ لِزِيَادٍ، وَتَوَافَى عَسْكَرَانِ عَظِيمَانِ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يُحْدِثْ بَنُو مُعَاوِيَةَ شَيْئًا لِمَكَانِ أُسَرَائِهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ أَصْحَابُ زِيَادٍ سَبِيلًا يَتَعَلَّقُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ زِيَادٌ بِوَضْعِ السِّلَاحِ
فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَطَلَبُوا أُسَرَاءَهُمْ فَلَمْ يُطْلِقْهُمْ، وَنَهَدَ إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَتَفَرَّقُوا، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا أَطْلَقَ حَارِثَةَ وَمَنْ مَعَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ الْأَسْرَى إِلَى أَصْحَابِهِمْ حَرَّضُوهُمْ عَلَى زِيَادٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ، وَنَادَوْا بِمَنْعِ الصَّدَقَةِ، فَأَرْسَلَ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ، وَسَكَنَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَأَقَامُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرًا.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ كِنْدَةَ نَزَلُوا الْمَحَاجِرَ، وَهِيَ أَحْمَاءٌ حَمَوْهَا، فَنَزَلَ جَمَدٌ مَحْجَرًا، وَمِخْوَصٌ مَحْجَرًا، وَمِشْرَحٌ مَحْجَرًا، وَأَبْضَعَةُ مَحْجَرًا، وَأُخْتُهُمُ الْعَمَرَّدَةُ مَحْجَرًا، وَهُمُ الْمُلُوكُ الْأَرْبَعَةُ رُؤَسَاءُ عَمْرٍو الَّذِينَ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ ذُكِرُوا قَبْلُ. وَنَزَلَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَحَاجِرَهَا، فَنَزَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مَحْجَرًا، وَالسِّمْطُ بْنُ الْأَسْوَدِ مَحْجَرًا، وَأَطْبَقَتْ بَنُو مُعَاوِيَةَ كُلُّهَا عَلَى مَنْعِ الصَّدَقَةِ، إِلَّا شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ وَابْنَهُ، فَإِنَّهُمَا قَالَا لِبَنِي مُعَاوِيَةَ: إِنَّهُ لَقَبِيحٌ بِالْأَحْرَارِ التَّنَقُّلُ، إِنَّ الْكِرَامَ لَيَلْزَمُونَ الشُّبْهَةَ فَيَتَكَرَّمُونَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى أَوْضَحَ مِنْهَا مَخَافَةَ الْعَارِ، فَكَيْفَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْأَمْرِ الْحَسَنِ الْجَمِيلِ وَالْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَالْقَبِيحِ! اللَّهُمَّ إِنَّا نُمَالِئُ قَوْمَنَا عَلَى ذَلِكَ. وَانْتَقَلَ وَنَزَلَ مَعَ زِيَادٍ وَمَعَهُمَا امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ، وَقَالَا لَهُ: بَيِّتِ الْقَوْمَ؛ فَإِنَّ أَقْوَامًا مِنَ السَّكَاسِكِ وَالسَّكُونِ قَدِ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ شُذَّاذٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ خَشِينَا أَنْ تَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنَّا إِلَيْهِمْ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى تَبْيِيتِ الْقَوْمِ، فَاجْتَمَعُوا وَطَوَّقُوهُمْ فِي مَحَاجِرِهِمْ، فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا حَوْلَ نِيرَانِهِمْ، فَأَكَبُّوا عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَفِيهِمُ الْعَدَدُ وَالشَّوْكَةُ – مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ، فَأَصَابُوا مِشْرَحًا وَمِخْوَصًا وَجَمَدًا وَأَبْضَعَةَ وَأُخْتَهُمُ الْعَمَرَّدَةَ، وَأَدْرَكَتْهُمْ لَعْنَةُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَهَرَبَ مَنْ أَطَاقَ الْهَرَبَ، وَعَادَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ بِالْأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ، وَاجْتَازُوا بِالْأَشْعَثِ، فَثَارَ فِي قَوْمِهِ، فَاسْتَنْقَذَهُمْ وَجَمَعَ الْجُمُوعَ.
وَكَتَبَ زِيَادٌ إِلَى الْمُهَاجِرِ يَسْتَحِثُّهُ، فَلَقِيَهُ الْكِتَابُ بِالطَّرِيقِ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجُنْدِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَتَعَجَّلَ فِي سَرَعَانِ النَّاسِ، وَقَدِمَ عَلَى زِيَادٍ وَسَارَ إِلَى كِنْدَةَ، فَالْتَقَوْا بِمَحْجَرِ الزُّرْقَانِ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ كِنْدَةُ وَقُتِلَتْ، وَخَرَجُوا هُرَّابًا فَالْتَجَئُوا إِلَى النُّجَيْرِ، وَقَدْ رَمُّوهُ وَأَصْلَحُوهُ. وَسَارَ الْمُهَاجِرُ فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعَتْ كِنْدَةُ فِي النُّجَيْرِ فَتَحَصَّنُوا بِهِ، فَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدِمَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ، فَاشْتَدَّ الْحَصْرُ عَلَى كِنْدَةَ، وَتَفَرَّقَتِ السَّرَايَا فِي طَلَبِهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، وَخَرَجَ مَنْ بِالنُّجَيْرِ مِنْ كِنْدَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، فَرَجَعُوا إِلَى حِصْنِهِمْ، وَخَشَعَتْ نُفُوسُهُمْ وَخَافُوا الْقَتْلَ،
وَخَافَ الرُّؤَسَاءُ عَلَى نُفُوسِهِمْ. فَخَرَجَ الْأَشْعَثُ وَمَعَهُ تِسْعَةُ نَفَرٍ، فَطَلَبُوا مِنْ زِيَادٍ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ وَأَهْلِيَهُمْ عَلَى أَنْ يَفْتَحُوا لَهُ الْبَابَ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ: اكْتُبُوا مَا شِئْتُمْ ثُمَّ هَلُمُّوا الْكِتَابَ حَتَّى أَخْتِمَهُ. فَفَعَلُوا، وَنَسِيَ الْأَشْعَثُ أَنْ يَكْتُبَ نَفْسَهُ لِأَنَّ جَحْدَمًا وَثَبَ عَلَيْهِ بِسِكِّينٍ، فَقَالَ: تَكْتُبُنِي أَوْ أَقْتُلُكَ؟ فَكَتَبَهُ وَنَسِيَ نَفْسَهُ، فَفَتَحُوا الْبَابَ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَدَعُوا مُقَاتِلًا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَضَرَبُوا أَعْنَاقَهُمْ صَبْرًا، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَالسَّبْيَ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُمْ دَعَا الْأَشْعَثُ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَالْكِتَابَ مَعَهُمْ فَعَرَضَهُمْ، فَأَجَارَ مَنْ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا الْأَشْعَثُ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَطَّأَ فَاكَ يَا أَشْعَثُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! قَدْ كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يُخْزِيَكَ اللَّهُ! وَشَدَّهُ كِتَافًا، فَقِيلَ لَهُ: أَخِّرْهُ وَسَيِّرْهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحُكْمِ فِيهِ. فَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَعَ السَّبْيِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْحِصَارَ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَى مَنْ بِالنُّجَيْرِ نَزَلَ الْأَشْعَثُ إِلَى الْمُهَاجِرِ وَزِيَادٍ وَالْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَهُمُ الْأَمَانَ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَقْدَمُوا بِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُمُ النُّجَيْرَ وَيُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَنْ فِيهِ، وَغَدَرَ بِأَصْحَابِهِ، فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَفَتَحَ لَهُمُ الْحِصْنَ، فَاسْتَنْزَلُوا مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُلُوكِ فَقَتَلُوهُمْ وَأَوْثَقُوا الْأَشْعَثَ وَأَرْسَلُوهُ مَعَ السَّبْيِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَلْعَنُونَهُ وَيَلْعَنُهُ سَبَايَا قَوْمِهِ، وَسَمَّاهُ نِسَاءُ قَوْمِهِ عُرْفَ النَّارِ، وَهُوَ اسْمُ الْغَادِرِ عِنْدَهُمْ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: مَا تَرَانِي أَصْنَعُ بِكَ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنِّي أَقْتُلُكَ. قَالَ: فَأَنَا الَّذِي رَاوَضْتُ الْقَوْمَ فِي عَشْرَةٍ فَمَا يَحِلُّ دَمِي. قَالَ: إِنَّمَا وَجَبَ الصُّلْحُ بَعْدَ خَتْمِ الصَّحِيفَةِ عَلَى مَنْ فِيهَا، وَإِنَّمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ مُرَاوِضًا. فَلَمَّا خَشِيَ الْقَتْلَ قَالَ: أَوَتَحْتَسِبُ فِيَّ خَيْرًا، فَتُطْلِقُ إِسَارِيْ وَتُقِيلُنِي عَثْرَتِي، وَتَفْعَلُ بِي مِثْلَ مَا فَعَلْتَ بِأَمْثَالِي، وَتَرُدُّ عَلَيَّ زَوْجَتِي؟ – وَقَدْ كَانَ خَطَبَ أُمَّ فَرْوَةَ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَخَّرَهَا إِلَى أَنْ يَقْدَمَ الثَّانِيَةَ، فَمَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَارْتَدَّ – فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ تَجِدُنِي خَيْرَ أَهْلِ بِلَادِي لِدِينِ اللَّهِ. فَحَقَنَ دَمَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقَ، وَقَسَّمَ الْغَنَائِمَ بَيْنَ النَّاسِ.
وَقِيلَ: إِنَّ عِكْرِمَةَ قَدِمَ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقَالَ زِيَادٌ وَالْمُهَاجِرُ لِمَنْ مَعَهُمَا: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدِمُوا مَدَدًا لَكُمْ، فَأَشْرِكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَفَعَلُوا وَأَشْرَكُوهُمْ.
وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّهُ لَقَبِيحٌ بِالْعَرَبِ أَنْ يَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – وَفَتَحَ الْأَعَاجِمَ. وَاسْتَشَارَ فِي فِدَاءِ سَبَايَا الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،
إِلَّا امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسَيِّدِهَا، وَجَعَلَ فِدَاءً لِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتَّةَ أَبْعِرَةٍ أَوْ سَبْعَةً، إِلَّا حَنِيفَةَ وَكِنْدَةَ، فَإِنَّهُ خَفَّفَ عَلَيْهِمْ لِقَتْلِ رِجَالِهِمْ، فَتَتَبَّعَ النِّسَاءُ بِكُلِّ مَكَانٍ فَقَدُوهُنَّ.
وَفِيهَا انْصَرَفَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنَ الْيَمَنِ.
وَفِيهَا اسْتَقْضَى أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ خِلَافَتَهُ كُلَّهَا.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
(النُّجَيْرُ – بِضَمِّ النُّونِ، وَفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ: حِصْنٌ بِالْيَمَنِ مَنِيعٌ) .

 

ذِكْرُ أَخْبَارِ الرِّدَّةِ

ذِكْرُ أَخْبَارِ الرِّدَّةِ

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ قُمْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَقَامًا كِدْنَا نَهْلِكُ فِيهِ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْنَا بِأَبِي بَكْرٍ، أَجْمَعْنَا عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَ عَلَى ابْنَةِ مَخَاضٍ وَابْنَةِ لَبُونٍ، وَأَنْ نَأْكُلَ قُرًى عَرَبِيَّةً، وَنَعْبُدَ اللَّهَ حَتَّى يَأْتِيَنَا الْيَقِينُ، فَعَزَمَ اللَّهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا رَضِيَ مِنْهُمْ إِلَّا بِالْخُطَّةِ الْمُخْزِيَةِ أَوِ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ؛ فَأَمَّا الْخُطَّةُ الْمُخْزِيَةُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي النَّارِ، وَمَنْ قُتِلَ مِنَّا فِي الْجَنَّةِ، وَأَنْ يَدُوا قَتْلَانَا وَنَغْنَمَ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ، وَأَنَّ مَا أَخَذُوا مِنَّا مَرْدُودٌ عَلَيْنَا. وَأَمَّا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ فَأَنْ يُخْرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ.
وَأَمَّا أَخْبَارُ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَسَيَّرَ أَبُو بَكْرٍ جَيْشَ أُسَامَةَ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَتَضَرَّمَتِ الْأَرْضُ نَارًا، وَارْتَدَّتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ، عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً، إِلَّا قُرَيْشًا وَثَقِيفًا، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ، وَاجْتَمَعَ عَلَى طُلَيْحَةَ عَوَامُّ طَيِّئٍ وَأَسَدٍ، وَارْتَدَّتْ غَطَفَانُ تَبَعًا لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: نَبِيٌّ مِنَ الْحَلِيفَيْنِ – يَعْنِي أَسَدًا وَغَطَفَانَ – أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ نَبِيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَطُلَيْحَةُ حَيٌّ. فَاتَّبَعَهُ وَتَبِعَتْهُ غَطَفَانُ. وَقَدِمَتْ رُسُلُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْيَمَامَةِ وَأَسَدٍ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ مَاتَ، فَدَفَعُوا كُتُبَهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ، وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ عَنْ مُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ، فَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى تَجِيءَ رُسُلُ أُمَرَائِكُمْ وَغَيْرِهِمْ بِأَدْهَى مِمَّا وَصَفْتُمْ، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَقَدِمَتْ كُتُبُ أُمَرَاءِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ كُلِّ مَكَانٍ بِانْتِفَاضِ الْعَرَبِ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً، وَتَسَلُّطِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحَارَبَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بِمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُحَارِبُهُمْ؛ بِالرُّسُلِ، فَرَدَّ رُسُلَهُمْ بِأَمْرِهِ، وَأَتْبَعَ رُسُلَهُمْ رُسُلًا، وَانْتَظَرَ بِمُصَادَمَتِهِمْ قُدُومَ أُسَامَةَ، فَكَانَ عُمَّالُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى قُضَاعَةَ وَكَلْبٍ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيُّ، وَعَلَى الْقَيْنِ: عَمْرُو بْنُ الْحَكَمِ، وَعَلَى سَعْدِ هُذَيْمٍ: مُعَاوِيَةُ الْوَالِبِيُّ، فَارْتَدَّ وَدِيعَةُ الْكَلْبِيُّ فِيمَنْ تَبِعَهُ، وَبَقِيَ امْرُؤُ الْقَيْسِ عَلَى دِينِهِ، وَارْتَدَّ زُمَيْلُ بْنُ قُطْبَةَ الْقَيْنِيُّ، وَبَقِيَ عَمْرٌو، وَارْتَدَّ مُعَاوِيَةُ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ سَعْدِ هُذَيْمٍ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى امْرِئِ الْقَيْسِ، وَهُوَ جَدُّ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، فَسَارَ بِوَدِيعَةَ إِلَى عَمْرٍو، فَأَقَامَ لِزُمَيْلٍ، وَإِلَى مُعَاوِيَةَ الْعُذْرِيِّ، وَتَوَسَّطَتْ خَيْلُ أُسَامَةَ بِبِلَادِ قُضَاعَةَ، فَشَنَّ الْغَارَةَ فِيهِمْ، فَغَنِمُوا وَعَادُوا سَالِمِينَ.

ذِكْرُ خَبَرِ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ

وَكَانَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ قَدْ تَنَبَّأَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَجَّهَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ عَامِلًا عَلَى بَنِي أَسَدٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ عَلَى مَنِ ارْتَدَّ، فَضَعُفَ أَمْرُ طُلَيْحَةَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَخْذُهُ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ، فَلَمْ يَصْنَعْ فِيهِ شَيْئًا، فَظَهَرَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ السِّلَاحَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ. وَمَاتَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ طُلَيْحَةُ يَقُولُ: إِنَّ جِبْرَائِيلَ يَأْتِينِي، وَسَجَعَ لِلنَّاسِ الْأَكَاذِيبَ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِتَرْكِ السُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِتَعَفُّرِ وُجُوهِكُمْ وَتَقَبُّحِ أَدْبَارِكُمْ – شَيْئًا، اذْكُرُوا اللَّهَ أَعِفَّةً قِيَامًا. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ عَصَبِيَّةً، فَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ أَتْبَاعِهِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَطَيِّئٍ. فَسَارَتْ فَزَارَةُ وَغَطَفَانُ إِلَى جَنُوبِ طِيبَةَ، وَأَقَامَتْ طَيِّئُ عَلَى حُدُودِ أَرَاضِيهِمْ، وَأَسَدٌ بِسُمَيْرَاءَ، وَاجْتَمَعَتْ عَبْسٌ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ وَمُرَّةُ بِالْأَبْرَقِ مِنَ الرِّبْذَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَلَمْ تَحْمِلْهُمُ الْبِلَادُ فَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ، أَقَامَتْ فِرْقَةٌ بِالْأَبْرَقِ، وَسَارَتْ فِرْقَةٌ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، وَأَمَدَّهُمْ طُلَيْحَةُ بِأَخِيهِ حِبَالٍ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ مَعَهُمْ مِنِ الدُّئِلِ وَلَيْثٍ وَمُدْلِجٍ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ يَبْذُلُونَ الصَّلَاةَ وَيَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. وَكَانَ عَقَلَ الصَّدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَةِ وَرَدَّهُمْ، فَرَجَعَ وَفْدُهُمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِقِلَّةِ مَنْ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْمَعُوهُمْ فِيهَا.
وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَسِيرَةِ الْوَفْدِ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَأَلْزَمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ خَوْفَ الْغَارَةِ مِنَ الْعَدُوِّ لِقُرْبِهِمْ، فَمَا لَبِثُوا إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى طَرَقُوا الْمَدِينَةَ غَارَةً مَعَ اللَّيْلِ، وَخَلَّفُوا بَعْضَهُمْ بِذِي حُسًى؛ لِيَكُونُوا لَهُمْ رِدْءًا، فَوَافَوْا لَيْلًا الْأَنْقَابَ وَعَلَيْهَا الْمُقَاتِلَةُ فَمَنَعُوهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْخَبَرِ، فَخَرَجَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى النَّوَاضِحِ، فَرَدُّوا الْعَدُوَّ وَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى بَلَغُوا ذَا حُسًى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الرِّدْءُ بِأَنْحَاءَ قَدْ نَفَخُوهَا وَفِيهَا الْحِبَالُ، ثُمَّ دَهْدَهُوهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَنَفَرَتْ إِبِلُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ عَلَيْهَا، وَرَجَعَتْ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُصْرَعْ مُسْلِمٌ.
وَظَنَّ الْكُفَّارُ بِالْمُسْلِمِينَ الْوَهَنَ، وَبَعَثُوا إِلَى أَهْلِ ذِي الْقَصَّةِ بِالْخَبَرِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهَا،
وَبَاتَ أَبُو بَكْرٍ يُعَبِّي النَّاسَ، وَخَرَجَ عَلَى تَعْبِيَةٍ يَمْشِي، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُقَرِّنٍ وَعَلَى أَهْلِ السَّاقَةِ سُوِيدُ بْنُ مُقَرِّنٍ. فَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ إِلَّا وَهُمْ وَالْعَدُوُّ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَمَا شَعَرُوا بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى وَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى وَلَّوْهُمُ الْأَدْبَارَ، وَغَلَبُوهُمْ عَلَى عَامَّةِ ظَهْرِهِمْ، وَقُتِلَ رِجَالٌ، وَاتَّبَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى نَزَلَ بِذِي الْقَصَّةِ، وَكَانَ أَوَّلَ الْفَتْحِ، وَوَضَعَ بِهَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ فِي عَدَدٍ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَذَلَّ لَهُ الْمُشْرِكُونَ. فَوَثَبَ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانَ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمْ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لَيَقْتُلَنَّ فِي الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَزِيَادَةً، وَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ قُوَّةً وَثَبَاتًا.
وَطَرَقَتِ الْمَدِينَةَ صَدَقَاتُ نَفَرٍ كَانُوا عَلَى صَدَقَةِ النَّاسِ، بِهِمْ صَفْوَانُ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَذَلِكَ لِتَمَامِ سِتِّينَ يَوْمًا مِنْ مَخْرَجِ أُسَامَةَ، وَقَدِمَ أُسَامَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ غَزْوَتُهُ وَعَوْدُهُ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَلَمَّا قَدِمَ أُسَامَةُ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمَدِينَةِ وَجُنْدُهُ مَعَهُ؛ لِيَسْتَرِيحُوا وَيُرِيحُوا ظَهْرَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ، فَنَاشَدَهُ الْمُسْلِمُونَ لِيُقِيمَ، فَأَبَى وَقَالَ: لَأُوَاسِيَنَّكُمْ بِنَفْسِي. وَسَارَ إِلَى ذِي حُسًى وَذِي الْقَصَّةِ حَتَّى نَزَلَ بِالْأَبْرَقِ، فَقَاتَلَ مَنْ بِهِ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَأُخِذَ الْحُطَيْئَةُ أَسِيرًا، فَطَارَتْ عَبْسٌ وَبَنُو بَكْرٍ، وَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ بِالْأَبْرَقِ أَيَّامًا، وَغَلَبَ عَلَى بَنِي ذُبْيَانَ وَبِلَادِهِمْ، وَحَمَاهَا لِدَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ وَصَدَقَاتِهِمْ.
وَلَمَّا انْهَزَمَتْ عَبْسٌ وَذُبْيَانُ رَجَعُوا إِلَى طُلَيْحَةَ وَهُوَ بِبُزَاخَةَ، وَكَانَ رَحَلَ مِنْ سُمَيْرَاءَ إِلَيْهَا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا، وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتَرَاحَ أُسَامَةُ وَجُنْدُهُ، وَكَانَ قَدْ جَاءَهُمْ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تُفْضَلُ عَلَيْهِمْ – قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةِ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً، عَقَدَ لِوَاءً لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ سَارَ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ بِالْبُطَاحِ إِنْ أَقَامَ لَهُ، وَعَقَدَ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَأَمَرَهُ بِمُسَيْلِمَةَ، وَعَقَدَ لِلْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَمَرَهُ بِجُنُودِ الْعَنْسِيِّ، وَمَعُونَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ، ثُمَّ يَمْضِي إِلَى كِنْدَةَ بِحَضْرَمَوْتَ، وَعَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَبَعَثَهُ إِلَى مَشَارِفِ الشَّامِ، وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَرْسَلَهُ إِلَى قُضَاعَةَ، وَعَقَدَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيِّ وَأَمَرَهُ بِأَهْلِ دَبَا، وَعَقَدَ لِعَرْفَجَةَ
بْنِ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِمَهْرَةَ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَجْتَمِعَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي عَمَلِهِ. وَبَعَثَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ فِي أَثَرِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَقَالَ: إِذَا فَرَغَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَالْحَقْ بِقُضَاعَةَ وَأَنْتَ عَلَى خَيْلِكَ تُقَاتِلُ أَهْلَ الرِّدَّةِ. وَعَقَدَ لِمَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ وَأَمَرَهُ بِبَنِي سُلَيْمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ، وَعَقَدَ لِسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَأَمَرَهُ بِتِهَامَةَ بِالْيَمَنِ، وَعَقَدَ لِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَمَرَهُ بِالْبَحْرَيْنِ، فَفَصَلَتِ الْأُمَرَاءُ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ، وَلَحِقَ بِكُلِّ أَمِيرٍ جُنْدُهُ، وَعَهِدَ إِلَى كُلِّ أَمِيرٍ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ الْمُرْتَدِّينَ نُسْخَةً وَاحِدَةً، يَأْمُرُهُمْ بِمُرَاجَعَةِ الْإِسْلَامِ وَيُحَذِّرُهُمْ، وَسَيَّرَ الْكُتُبَ إِلَيْهِمْ مَعَ رُسُلِهِ. وَلَمَّا انْهَزَمَتْ عَبْسٌ وَذُبْيَانُ وَرَجَعُوا إِلَى طُلَيْحَةَ بِبُزَاخَةَ أَرْسَلَ إِلَى جَدِيلَةَ وَالْغَوْثِ مِنْ طَيِّئٍ يَأْمُرُهُمْ بِاللَّحَاقِ بِهِ، فَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَأَمَرُوا قَوْمَهُمْ بِاللَّحَاقِ بِهِمْ، فَقَدِمُوا عَلَى طُلَيْحَةَ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَبْلَ خَالِدٍ إِلَى طَيِّئٍ، وَأَتْبَعَهُ خَالِدًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بَطَيِّئٍ، وَمِنْهُمْ يَسِيرُ إِلَى بُزَاخَةَ، ثُمَّ يُثَلِّثُ بِالْبُطَاحِ، وَلَا يَبْرَحُ إِذَا فَرَغَ مِنْ قَوْمٍ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ. وَأَظْهَرَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ أَنَّهُ خَارِجٌ إِلَى خَيْبَرَ بِجَيْشٍ حَتَّى يُلَاقِيَ خَالِدًا، يُرْهِبُ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ.
وَقَدِمَ عَدِيٌّ عَلَى طَيِّئٍ فَدَعَاهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، فَأَجَابُوهُ وَقَالُوا لَهُ: اسْتَقْبِلِ الْجَيْشَ فَأَخِّرْهُ عَنَّا حَتَّى نَسْتَخْرِجَ مَنْ عِنْدَ طُلَيْحَةَ مِنَّا؛ لِئَلَّا يَقْتُلَهُمْ. فَاسْتَقْبَلَ عَدِيٌّ خَالِدًا وَأَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ، فَتَأَخَّرَ خَالِدٌ، وَأَرْسَلَتْ طَيِّئٌ إِلَى إِخْوَانِهِمْ عِنْدَ طُلَيْحَةَ فَلَحِقُوا بِهِمْ، فَعَادَتْ طَيِّئٌ إِلَى خَالِدٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ أَلْفُ رَاكِبٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ خَيْرَ مَوْلُودٍ فِي أَرْضِ طَيِّئٍ وَأَعْظَمَهُ بَرَكَةً عَلَيْهِمْ.
وَأَرْسَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيَّ طَلِيعَةً، فَلَقِيَهُمَا حِبَالٌ أَخُو طُلَيْحَةَ فَقَتَلَاهُ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ طُلَيْحَةَ، فَخَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ، فَقَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكَّاشَةَ، وَقَتَلَ أَخُوهُ ثَابِتًا، وَرَجَعَا.
وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِالنَّاسِ فَرَأَوْا عُكَّاشَةَ وَثَابِتًا قَتِيلَيْنِ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْصَرَفَ بِهِمْ خَالِدٌ نَحْوَ طَيِّئٍ، فَقَالَتْ لَهُ طَيِّئٌ: نَحْنُ نَكْفِيكَ قَيْسًا، فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ حُلَفَاؤُنَا. فَقَالَ: أَيُّ الطَّائِفَتَيْنِ شِئْتُمْ. فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: لَوْ نَزَلَ هَذَا عَلَى الَّذِينَ هُمْ أُسْرَتِي الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا أَمْتَنِعُ عَنْ جِهَادِ بَنِي أَسَدٍ لِحِلْفِهِمْ. فَقَالَ لَهُ
خَالِدٌ: إِنَّ جِهَادَ الْفَرِيقَيْنِ جِهَادٌ، لَا تُخَالِفْ رَأْيَ أَصْحَابِكَ، وَامْضِ بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ هُمْ لِقِتَالِهِمْ أَنْشَطُ، ثُمَّ تَعَبَّى لِقِتَالِهِمْ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى بُزَاخَةَ، وَبَنُو عَامِرٍ قَرِيبًا يَتَرَبَّصُونَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ، قَالَ: فَاقْتَتَلَ النَّاسُ عَلَى بُزَاخَةَ.
وَكَانَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ مَعَ طُلَيْحَةَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَطُلَيْحَةُ مُتَلَفِّفٌ فِي كِسَائِهِ يَتَنَبَّأُ لَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ كَرَّ عُيَيْنَةُ عَلَى طُلَيْحَةَ وَقَالَ لَهُ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرَائِيلُ بَعْدُ؟ قَالَ: لَا، فَرَجَعَ فَقَاتَلَ، ثُمَّ كَرَّ عَلَى طُلَيْحَةَ فَقَالَ لَهُ: لَا أَبَا لَكَ! أَجَاءَكَ جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: حَتَّى مَتَى؟ قَدْ وَاللَّهِ بَلَغَ مِنَّا! ثُمَّ رَجَعَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ كَرَّ عَلَى طُلَيْحَةَ فَقَالَ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَاذَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي: إِنَّ لَكَ رَحًا كَرَحَاهُ، وَحَدِيثًا لَا تَنْسَاهُ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ حَدِيثٌ لَا تَنْسَاهُ، انْصَرِفُوا يَا بَنِي فَزَارَةَ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، فَانْصَرَفُوا وَانْهَزَمَ النَّاسُ.
وَكَانَ طُلَيْحَةُ قَدْ أَعَدَّ فَرَسَهُ وَرَاحِلَتَهُ لِامْرَأَتِهِ النَّوَّارِ، فَلَمَّا غَشَوْهُ رَكِبَ فَرَسَهُ وَحَمَلَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ نَجَا بِهَا وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ فَزَارَةَ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ هَكَذَا وَيَنْجُوَ بِامْرَأَتِهِ فَلْيَفْعَلْ. ثُمَّ انْهَزَمَ فَلَحِقَ بِالشَّامِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى كَلْبٍ، فَأَسْلَمَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ أَسَدًا وَغَطَفَانَ قَدْ أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا فِي كَلْبٍ حَتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ.
وَكَانَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَمَرَّ بِجَنَبَاتِ الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا طُلَيْحَةُ! فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ؟ قَدْ أَسْلَمَ! ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَبَايَعَهُ حِينَ اسْتُخْلِفَ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ قَاتِلُ عُكَّاشَةَ وَثَابِتٍ؟ وَاللَّهِ لَا أُحِبُّكَ أَبَدًا! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُهِمُّكَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَكْرَمَهُمَا اللَّهُ بِيَدِي، وَلَمْ يُهِنِّي بِأَيْدِيهِمَا! فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَقَالَ لَهُ: مَا بَقِيَ مِنْ كَهَانَتِكَ؟ فَقَالَ؟ نَفْخَةٌ أَوْ نَفْخَتَانِ بِالْكِيرِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ.
وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ طُلَيْحَةَ أُسِرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، فَقُدِمَ بِهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ لَهُ وَهُوَ مَكْتُوفٌ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَكَفَرْتَ بَعْدَ إِيمَانِكَ؟ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا آمَنْتُ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَتَجَاوَزَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَحَقَنَ دَمَهُ.
وَأُخِذَ مِنْ أَصْحَابِ طُلَيْحَةَ رَجُلٌ كَانَ عَالِمًا بِهِ، فَسَأَلَهُ خَالِدٌ عَمَّا كَانَ يَقُولُ، فَقَالَ:
إِنَّ مِمَّا أَتَى بِهِ: وَالْحَمَامُ وَالْيَمَامُ، وَالصُّرَدُ الصُّوَّامُ، قَدْ صُمْنَ قَبْلَكُمْ بِأَعْوَامٍ، لَيَبْلُغَنَّ مُلْكُنَا الْعِرَاقَ وَالشَّامَ.
قَالَ: وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ سَبْيٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَحْرَزُوا حَرِيمَهُمْ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا أَقَرُّوا بِالْإِسْلَامِ خَشْيَةً عَلَى عِيَالَاتِهِمْ، فَآمَنَهُمْ.
(حِبَالٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ لَامٌ. وَذُو الْقَصَّةِ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. وَذُو حُسًى بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ. وَدَبَا بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءَ الْمُوَحَّدَةِ. وَبُزَاخَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالزَّايِ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ) .

ذِكْرُ رِدَّةِ بَنِي عَامِرٍ وَهَوَازِنَ وَسُلَيْمٍ

وَكَانَتْ بَنُو عَامِرٍ تُقَدِّمُ إِلَى الرِّدَّةِ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَتَنْظُرُ مَا تَصْنَعُ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِهِمْ وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ – كَانَ قُرَّةُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي كَعْبٍ وَمَنْ لَافَّهَا، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ فِي كِلَابٍ وَمَنْ لَافَّهَا، وَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَحِقَ بِالشَّامِ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَقْبَلَ مُسْرِعًا حَتَّى عَسْكَرَ فِي بَنِي كَعْبٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً عَلَيْهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: بَلْ قَعْقَاعُ بْنُ سَوْرٍ، وَقَالَ لَهُ لِيُغِيرَ عَلَى عَلْقَمَةَ لَعَلَّهُ يَقْتُلُهُ أَوْ يَسْتَأْسِرُهُ. فَخَرَجَ حَتَّى أَغَارَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ عَلْقَمَةُ، وَكَانَ لَا يَبْرَحُ إِلَّا مُسْتَعِدًّا، فَسَابَقَهُمْ عَلَى فَرَسِهِ فَسَبَقَهُمْ، وَأَسْلَمَ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، وَأَخَذَهُمُ الْقَعْقَاعُ وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَحَدُوا أَنْ يَكُونُوا عَلَى حَالِ عَلْقَمَةَ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَبَا بَكْرٍ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَارَقُوا دَارَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: مَا ذَنْبُنَا فِيمَا صَنَعَ عَلْقَمَةُ؟ فَأَرْسَلَهُمْ. ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَأَقْبَلَتْ بَنُو عَامِرٍ بَعْدَ هَزِيمَةِ أَهْلِ بُزَاخَةَ يَقُولُونَ: نَدْخُلُ فِيمَا خَرَجْنَا مِنْهُ، وَنُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَتَوْا خَالِدًا فَبَايَعَهُمْ عَلَى مَا بَايَعَ أَهْلَ بُزَاخَةَ، وَأَعْطَوْهُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَتُؤْمِنُنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَتُقِيمُنَّ الصَّلَاةَ، وَلَتُؤْتُنَّ الزَّكَاةَ، وَتُبَايِعُونَ عَلَى ذَلِكَ أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعَمْ
وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، وَطَيِّئٍ، وَسُلَيْمٍ، وَعَامِرٍ – إِلَّا أَنْ يَأْتُوهُ بِالَّذِينَ حَرَّقُوا وَمَثَّلُوا وَعَدَوْا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَالِ رِدَّتِهِمْ، فَأَتَوْهُ بِهِمْ، فَمَثَّلَ بِهِمْ وَحَرَّقَهُمْ وَرَضَخَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَرَمَى بِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ، وَنَكَّسَهُمْ فِي الْآبَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعْلِمُهُ مَا فَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُرَّةَ بْنَ هُبَيْرَةَ وَنَفَرًا مَعَهُ مُوَثَّقِينَ، وَزُهَيْرًا أَيْضًا.
وَأَمَّا أُمُّ زَمْلٍ فَاجْتَمَعَ فُلَّالُ غَطَفَانَ وَطَيِّئٍ وَسُلَيْمٍ وَهَوَازِنَ وَغَيْرِهَا إِلَى أُمِّ زَمْلٍ سَلْمَى بِنْتِ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهَا أُمَّ قِرْفَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّ زَمْلٍ قَدْ سُبِيَتْ أَيَّامَ أُمِّهَا أُمِّ قِرْفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْغَزْوَةُ، فَوَقَعَتْ لِعَائِشَةَ، فَأَعْتَقَتْهَا وَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا وَارْتَدَّتْ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهَا الْفَلُّ، فَأَمَرَتْهُمْ بِالْقِتَالِ، وَكَثُفَ جَمْعُهَا وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهَا. فَلَمَّا بَلَغَ خَالِدًا أَمْرُهَا سَارَ إِلَيْهَا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَوَّلَ يَوْمٍ وَهِيَ وَاقِفَةٌ عَلَى جَمَلٍ كَانَ لِأُمِّهَا، وَهِيَ فِي مِثْلِ عِزِّهَا، فَاجْتَمَعَ عَلَى الْجَمَلِ فَوَارِسٌ فَعَقَرُوهُ وَقَتَلُوهَا، وَقُتِلَ حَوْلَ جَمَلِهَا مِائَةُ رَجُلٍ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ.
وَأَمَّا خَبَرُ الْفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ، وَاسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: أَعِنِّي بِالسِّلَاحِ، أُقَاتِلُ بِهِ أَهْلَ الرِّدَّةِ. فَأَعْطَاهُ سِلَاحًا وَأَمَّرَهُ إِمْرَةً، فَخَالَفَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ بِالْجِوَاءِ، وَبَعَثَ نُخْبَةَ بْنَ أَبِي الْمَيْثَاءِ مِنْ بَنِي الشَّرِيدِ وَأَمَرَهُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي سُلَيْمٍ، وَعَامِرٍ، وَهَوَازِنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى طُرَيْفَةَ بْنِ حَاجِزٍ،، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ وَيَسِيرَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْحَاسِيَّ عَوْنًا، فَنَهَضَا إِلَيْهِ وَطَلَبَاهُ، فَلَاذَ مِنْهُمَا، ثُمَّ لَقِيَاهُ عَلَى الْجِوَاءِ فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ نُخْبَةُ وَهَرَبَ الْفُجَاءَةُ، فَلَحِقَهُ طُرَيْفَةُ فَأَسَرَهُ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُوقَدَ لَهُ نَارٌ فِي مُصَلَّى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِيهِ مَقْمُوطًا.
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي شَجَرَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيِّ، وَهُوَ ابْنُ الْخَنْسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ ارْتَدَّ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنْ سُلَيْمٍ، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ، وَكَانَ أَمِيرًا لِأَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا سَارَ خَالِدٌ إِلَى طُلَيْحَةَ كَتَبَ إِلَى مَعْنٍ أَنْ يَلْحَقَهُ فِيمَنْ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ أَخَاهُ طُرَيْفَةَ بْنَ حَاجِزٍ. فَقَالَ أَبُو شَجَرَةَ حِينَ ارْتَدَّ:
صَحَا الْقَلْبُ عَنْ مَيٍّ هَوَاهُ وَأَقْصَرَا … وَطَاوَعَ فِيهَا الْعَاذِلِينَ فَأَبْصَرَا
أَلَا أَيُّهَا الْمُدْلِي بِكَثْرَةِ قَوْمِهِ
وَحَظُّكَ مِنْهُمْ أَنْ تُضَامَ وَتُقْهَرَا … سَلِ النَّاسَ عَنَّا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ
إِذَا مَا الْتَقَيْنَا دَارِعِينَ وَحُسَّرًا … أَلَسْنَا نُعَاطِي ذَا الطِّمَاحِ لِجَامَهُ
وَنَطْعَنُ فِي الْهَيْجَا إِذَا الْمَوْتُ أَقْفَرَا … فَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ
وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أَعُمَّرَا
ثُمَّ إِنَّ أَبَا شَجَرَةَ أَسْلَمَ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى عُمَرَ وَهُوَ يُقَسِّمُ فِي الْمَسَاكِينِ، فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ، فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيُّ. قَالَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ! أَلَسْتَ الَّذِي تَقُولُ:
فَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ … وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أَعُمِّرَا
؟
وَجَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى سَبَقَهُ عَدْوًا إِلَى نَاقَتِهِ، فَرَكِبَهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ وَقَالَ:
ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ … وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ
فِي أَبْيَاتٍ.

ذِكْرُ قُدُومِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ عُمَانَ

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ أَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَمْرٌو بِعُمَانَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَوَجَدَ الْمُنْذِرَ بْنَ سَاوَى فِي الْمَوْتِ. ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ إِلَى بِلَادِ بَنِي عَامِرٍ فَنَزَلَ بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَقُرَّةُ يَقُدِّمُ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَمَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَذَبَحَ لَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ خَلَا بِهِ قُرَّةُ وَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَطِيبُ لَكُمْ نَفْسًا بِالْإِتَاوَةِ، فَإِنْ أَعْفَيْتُمُوهَا مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهَا فَسَتَسْمَعُ لَكُمْ وَتُطِيعُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَا تَجْتَمِعُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَكَفَرْتَ يَا قُرَّةُ؟ أَتُخَوِّفُنَا بِالْعَرَبِ؟ فَوَاللَّهِ لَأُوطِئَنَّ عَلَيْكَ الْخَيْلَ فِي حِفْشِ أُمِّكَ.
وَالْحِفْشُ: بَيْتٌ تَنْفَرِدُ فِيهِ النُّفَسَاءُ.
وَقَدِمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَطَافُوا بِهِ يَسْأَلُونَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ مُعَسْكِرَةٌ مِنْ دَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ. فَتَفَرَّقُوا وَتَحَلَّقُوا حِلَقًا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى عَمْرٍو، فَمَرَّ عَلَى حِلْقَةٍ فِيهَا عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ. فَلَمَّا دَنَا عُمَرُ مِنْهُمْ سَكَتُوا، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا أَخَوْفَنَا عَلَى قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ! قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: فَلَا تَخَافُوهُمْ، أَنَا وَاللَّهِ مِنْكُمْ عَلَى الْعَرَبِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الْعَرَبِ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَوْ تَدْخُلُونَ، مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، جُحْرًا لَدَخَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي آثَارِكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيهِمْ.
وَمَضَى عُمَرُ، فَلَمَّا قُدِمَ بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَسِيرًا، اسْتَشْهَدَ بِعَمْرٍو عَلَى إِسْلَامِهِ، فَأَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عَمْرًا فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ قُرَّةَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى ذِكْرِ الزَّكَاةِ فَقَالَ قُرَّةُ: مَهْلًا يَا عَمْرُو! فَقَالَ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ بِجَمِيعِهِ.
فَعَفَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ.

ذِكْرُ بَنِي تَمِيمٍ وَسَجَاحَ

وَأَمَّا بَنُو تَمِيمٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَّقَ فِيهِمْ عُمَّالَهُ، فَكَانَ الزِّبْرِقَانُ مِنْهُمْ، وَسَهْلُ بْنُ مِنْجَابٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ صَفْوَانَ، وَسَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَوَكِيعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ. فَلَمَّا وَقَعَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَارَ صَفْوَانُ بْنُ صَفْوَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِصَدَقَاتِ بَنِي عَمْرٍو، وَأَقَامَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يَنْظُرُ مَا الزِّبْرِقَانُ صَانِعٌ لِيُخَالِفَهُ، فَقَالَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الزِّبْرِقَانُ فِي عَمَلِهِ: وَاوَيْلَتَاهُ مِنِ ابْنِ الْعُكْلِيَّةِ! وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، لَئِنْ أَنَا بَعَثْتُ بِالصَّدَقَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَبَايَعْتُهُ، لَيَنْحَرَنَّ مَا مَعَهُ فِي بَنِي سَعْدٍ، فَيُسَوِّدُنِي عِنْدَهُ، فَقَسَّمَهَا عَلَى الْمَقَاعِسِ وَالْبُطُونِ، وَوَافَى الزِّبْرِقَانُ فَاتَّبَعَ صَفْوَانَ بْنَ صَفْوَانَ بِصَدَقَاتِ عَوْفٍ وَالْأَبْنَاءِ، وَهَذِهِ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ. ثُمَّ نَدِمَ قَيْسٌ، فَلَمَّا أَظَلَّهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَخْرَجَ الصَّدَقَةَ فَتَلَقَّاهُ بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ وَتَشَاغَلَتْ تَمِيمٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَكَانَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ تَأْتِيهِ أَمْدَادُ تَمِيمٍ، فَلَمَّا حَدَثَ هَذَا الْحَدَثُ أَضَرَّ ذَلِكَ بِثُمَامَةَ، وَكَانَ مُقَاتِلًا لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ بِبِلَادِ تَمِيمٍ مُسْلِمِهِمْ بِإِزَاءِ مَنْ أَرَادَ الرِّدَّةَ وَارْتَابَ – إِذْ جَاءَتْهُمْ سَجَاحُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ عُقْفَانَ التَّمِيمِيَّةُ، قَدْ أَقْبَلَتْ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَادَّعَتِ النُّبُوَّةَ، وَكَانَ وَرَهْطُهَا فِي أَخْوَالِهَا مِنْ تَغْلِبَ تَقُودُ أَفَنَاءَ رَبِيعَةَ، مَعَهَا الْهُذَيْلُ بْنُ عِمْرَانَ فِي بَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَتَرَكَ دِينَهُ وَتَبِعَهَا، وَعَقَّةُ بْنُ هِلَالٍ فِي النَّمِرِ، وَتَادُ بْنُ فُلَانٍ فِي إِيَادٍ، وَالسَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ فِي شَيْبَانَ، فَأَتَاهُمْ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِمَّا هُمْ فِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ.
وَكَانَتْ سَجَاحُ تُرِيدُ غَزْوَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ تَطْلُبُ الْمُوَادَعَةَ، فَأَجَابَهَا وَرَدَّهَا عَنْ غَزْوِهَا، وَحَمَلَهَا عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَجَابَتْهُ وَقَالَتْ: أَنَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، فَإِنْ كَانَ مُلْكٌ فَهُوَ لَكُمْ. وَهَرَبَ مِنْهَا عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَسَادَةُ بَنِي مَالِكٍ، وَحَنْظَلَةُ – إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ، وَكَرِهُوا مَا صَنَعَ وَكِيعٌ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَهَا، وَهَرَبَ مِنْهَا أَشْبَاهُهُمْ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَكَرِهُوا مَا صَنَعَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَاجْتَمَعَ مَالِكٌ وَوَكِيعٌ وَسَجَاحُ فَسَجَعَتْ لَهُمْ سَجَاحُ وَقَالَتْ: ” أَعِدُّوا الرِّكَابْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلنِّهَابْ، ثُمَّ أَغِيرُوا عَلَى الرِّبَابْ، فَلَيْسَ دُونَهُمْ حِجَابْ “. فَسَارُوا إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ ضَبَّةُ وَعَبْدُ مَنَاةٍ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةٌ، وَأُسِرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ تَصَالَحُوا، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ شِعْرًا ظَهَرَ فِيهِ نَدَمُهُ عَلَى تَخَلُّفِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِصَدَقَتِهِ.
ثُمَّ سَارَتْ سَجَاحُ فِي جُنُودِ الْجَزِيرَةِ حَتَّى بَلَغَتِ النِّبَاجَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ أَوْسُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْهُجَيْمِيُّ فِي بَنِي عَمْرٍو، فَأَسَرَ الْهُذَيْلَ وَعَقَّةَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يُطْلِقَ أَسْرَى سَجَاحَ، وَلَا يَطَأَ أَرْضَ أَوْسٍ وَمَنْ مَعَهُ.
ثُمَّ خَرَجَتْ سَجَاحُ فِي الْجُنُودِ وَقَصَدَتِ الْيَمَامَةَ، وَقَالَتْ: عَلَيْكُمْ بِالْيَمَامَهْ، وَدُفُّوا دَفِيفَ الْحَمَامَهْ، فَإِنَّهَا غَزْوَةٌ صَرَّامَهْ، لَا يَلْحَقُكُمْ بَعْدَهَا مَلَامَهْ. فَقَصَدَتْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُسَيْلِمَةَ، فَخَافَ إِنْ هُوَ شُغِلَ بِهَا أَنْ يَغْلِبَ ثُمَامَةُ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَالْقَبَائِلُ التى حَوْلَهُمْ عَلَى حَجْرٍ، وَهِيَ الْيَمَامَةُ، فَأَهْدَى لَهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ يَسْتَأْمِنُهَا عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَأْتِيَهَا، فَآمَنَتْهُ، فَجَاءَهَا فِي أَرْبَعِينَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: لَنَا نِصْفُ الْأَرْضِ، وَكَانَ لِقُرَيْشٍ نِصْفُهَا لَوْ عَدَلَتْ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكِ النِّصْفَ الَّذِي رَدَّتْ قُرَيْشٌ.
وَكَانَ مِمَّا شَرَعَ لَهُمْ أَنَّ مَنْ أَصَابَ وَلَدًا وَاحِدًا ذَكَرًا لَا يَأْتِي النِّسَاءَ حَتَّى يَمُوتَ ذَلِكَ الْوَلَدُ، فَيَطْلُبُ الْوَلَدَ حَتَّى يُصِيبَ ابْنًا ثُمَّ يُمْسِكُ.
وَقِيلَ: بَلْ تَحَصَّنَ مِنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ، فَقَالَ لَهَا: أَبْعِدِي أَصْحَابَكِ. فَفَعَلَتْ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهَا قُبَّةً وَجَمَّرَهَا لِتَذْكُرَ بِطِيبِ الرِّيحِ الْجِمَاعَ، وَاجْتَمَعَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: مَا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ فَعَلَ بِالْحُبْلَى. أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، بَيْنَ صِفَاقٍ وَحَشًى؟ قَالَتْ: وَمَاذَا أَيْضًا؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النِّسَاءَ أَفَرَاجَا، وَجَعَلَ الرِّجَالَ لَهُنَّ أَزْوَاجًا، فَتُولِجُ فِيهِنَّ قُعْسًا إِيلَاجًا، ثُمَّ تُخْرِجُهَا إِذْ تَشَاءُ إِخْرَاجًا، فَيُنْتِجْنَ لَنَا سِخَالًا إِنْتَاجًا. قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: هَلْ لَكِ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَآكُلَ بِقَوْمِي وَقَوْمِكِ الْعَرَبَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ:
أَلَا قُومِي إِلَى النَّيْكِ فَقَدْ هُيِّئَ لَكِ الْمَضْجَعْ فَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْبَيْتِ وَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْمَخْدَعْ وَإِنْ شِئْتِ سَلَقْنَاكِ وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ
قَالَتْ: بَلْ بِهِ أَجْمَعَ فَإِنَّهُ أَجْمَعُ لِلشَّمْلِ. قَالَ: بِذَلِكَ أُوحِيَ إِلَيَّ. فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ انْصَرَفَتْ إِلَى قَوْمِهَا، فَقَالُوا لَهَا: مَا عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ عَلَى الْحَقِّ فَتَبِعْتُهُ وَتَزَوَّجْتُهُ. قَالُوا: هَلْ أَصْدَقَكِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا. قَالُوا: فَارْجِعِي فَاطْلُبِي الصَّدَاقَ، فَرَجَعَتْ. فَلَمَّا رَآهَا أَغْلَقَ بَابَ الْحِصْنِ وَقَالَ: مَا لَكِ؟ قَالَتْ: أَصْدِقْنِي. قَالَ: مَنْ مُؤَذِّنُكِ؟ قَالَتْ: شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ الرِّيَاحِيُّ، فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: نَادِ فِي أَصْحَابِكَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ صَلَاتَيْنِ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ: صَلَاةَ الْفَجْرِ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. فَانْصَرَفَتْ وَمَعَهَا أَصْحَابُهَا، مِنْهُمْ: عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ،
وَغَيْلَانُ بْنُ خَرَشَةَ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَقَالَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ:
أَمْسَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نَطُوفُ بِهَا … وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا
وَصَالَحَهَا مُسَيْلِمَةُ عَلَى غَلَّاتِ الْيَمَامَةِ، سَنَةً تَأْخُذُ النِّصْفَ وَتَتْرُكُ عِنْدَهُ مَنْ يَأْخُذُ النِّصْفَ، فَأَخَذَتِ النِّصْفَ وَانْصَرَفَتْ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَخَلَّفَتِ الْهُذَيْلَ وَعَقَّةَ وَزِيَادًا لِأَخْذِ النِّصْفِ الْبَاقِي، فَلَمْ يُفَاجِئْهُمْ إِلَّا دُنُوُّ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ فَارْفَضُّوا.
فَلَمْ تَزَلْ سَجَاحُ فِي تَغْلِبَ حَتَّى نَقَلَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَامَ الْجَمَاعَةِ، وَجَاءَتْ مَعَهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ وَإِسْلَامُهَا، وَانْتَقَلَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَمَاتَتْ بِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِمُعَاوِيَةَ، قَبْلَ قُدُومِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَتِهِ الْبَصْرَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا لَمَّا قُتِلَ مُسَيْلِمَةُ سَارَتْ إِلَى أَخْوَالِهَا تَغْلِبَ بِالْجَزِيرَةِ، فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهَا بِذِكْرٍ.

ذِكْرُ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ

لَمَّا رَجَعَتْ سَجَاحُ إِلَى الْجَزِيرَةِ ارْعَوَى مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَنَدِمَ وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ، وَعَرَفَ وَكِيعٌ وَسَمَاعَةُ قُبْحَ مَا أَتَيَا، فَرَاجَعَا رُجُوعًا حَسَنًا وَلَمْ يَتَجَبَّرَا، وَأَخْرَجَا الصَّدَقَاتِ فَاسْتَقْبَلَا بِهَا خَالِدًا. وَسَارَ خَالِدٌ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ فَزَارَةَ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ وَطَيِّئٍ يُرِيدُ الْبُطَاحَ، وَبِهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ قَدْ تَرَدَّدَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَتَخَلَّفَتِ الْأَنْصَارُ عَنْ خَالِدٍ وَقَالُوا: مَا هَذَا بِعَهْدِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْنَا، إِنْ نَحْنُ فَرَغْنَا مِنْ بُزَاخَةَ أَنْ نُقِيمَ حَتَّى يَكْتُبَ إِلَيْنَا. فَقَالَ خَالِدٌ: قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أَمْضِيَ، وَأَنَا الْأَمِيرُ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ كِتَابٌ بِمَا رَأَيْتُهُ فُرْصَةً وَكُنْتُ إِنْ أَعْلَمْتُهُ فَاتَتْنِي – لَمْ أُعْلِمْهُ، وَكَذَلِكَ لَوِ ابْتُلِينَا بِأَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ عَهْدٌ؛ لَمْ نَدَعْ أَنْ نَرَى أَفْضَلَ مَا يَحْضُرُنَا، ثُمَّ نَعْمَلَ بِهِ، فَأَنَا قَاصِدٌ إِلَى مَالِكٍ وَمَنْ مَعِي، وَلَسْتُ أُكْرِهُهُمْ. وَمَضَى خَالِدٌ وَنَدِمَتِ الْأَنْصَارُ وَقَالُوا: إِنْ أَصَابَ الْقَوْمُ خَيْرًا حُرِمْتُمُوهُ، وَأَنْ أُصِيبُوا لَيَجْتَنِبَنَّكُمُ النَّاسُ. فَلَحِقُوهُ.
ثُمَّ سَارَ حَتَّى قَدِمَ الْبُطَاحَ، فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ قَدْ فَرَّقَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاجْتِمَاعِ، وَقَالَ: يَا بَنِي يَرْبُوعٍ، إِنَّا دُعِينَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ فَأَبْطَأْنَا عَنْهُ فَلَمْ نُفْلِحْ،
وَقَدْ نَظَرْتُ فِيهِ فَرَأَيْتُ الْأَمْرَ يَتَأَتَّى لَهُمْ بِغَيْرِ سِيَاسَةٍ، وَإِذَا الْأَمْرُ لَا يَسُوسُهُ النَّاسُ، فَإِيَّاكُمْ وَمُنَاوَأَةَ قَوْمٍ صُنِعَ لَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا وَادْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ الْبُطَاحَ بَثَّ السَّرَايَا، وَأَمَرَهُمْ بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَإِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَكَانَ قَدْ أَوْصَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُؤَذِّنُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا، فَإِنَّ أَذَّنَ الْقَوْمُ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنُوا فَاقْتُلُوا وَانْهَبُوا، وَإِنْ أَجَابُوكُمْ إِلَى دَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ فَسَائِلُوهُمْ عَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ أَقَرُّوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ.
قَالَ: فَجَاءَتْهُ الْخَيْلُ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، فَاخْتَلَفَتِ السَّرِيَّةُ فِيهِمْ، وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَكَانَ فِيمَنْ شَهِدَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا وَصَلَّوْا، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَمَرَ بِهِمْ فَحُبِسُوا فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ، فَأَمَرَ خَالِدٌ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَدْفِئُوا أَسْرَاكُمْ، وَهِيَ فِي لُغَةِ كِنَانَةَ الْقَتْلُ، فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الدِّفْءَ، فَقَتَلُوهُمْ، فَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مَالِكًا، وَسَمِعَ خَالِدٌ الْوَاعِيَةَ، فَخَرَجَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَصَابَهُ، وَتَزَوَّجَ خَالِدٌ أُمَّ تَمِيمٍ امْرَأَةَ مَالِكٍ. فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ سَيْفَ خَالِدٍ فِيهِ رَهَقٌ، وَأَكْثَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: هِيهِ يَا عُمَرُ! تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدٍ، فَإِنِّي لَا أَشِيمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ.
وَوَدَى مَالِكًا، وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ وَقَدْ غَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ أَسْهُمًا، فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَنَزَعَهَا وَحَطَّمَهَا وَقَالَ لَهُ: قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِمًا، ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَاللَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ! وَخَالِدٌ لَا يُكَلِّمُهُ، يَظُنُّ أَنْ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ مِثْلُهُ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَعَذَرَهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ، وَعَنَّفَهُ فِي التَّزْوِيجِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ كَرَاهَةِ أَيَّامِ الْحَرْبِ. فَخَرَجَ خَالِدٌ وَعُمَرُ جَالِسٌ فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمِّ سَلَمَةَ. فَعَرَفَ عُمَرُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا غَشَوْا مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ لَيْلًا – أَخَذُوا السِّلَاحَ فَقَالُوا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ. فَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ. قَالُوا لَهُمْ: ضَعُوا السِّلَاحَ، فَوَضَعُوهُ ثُمَّ صَلَّوْا، وَكَانَ يَعْتَذِرُ فِي قَتْلِهِ أَنَّهُ قَالَ: مَا إِخَالُ صَاحِبَكُمْ إِلَّا قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ: أَوَمَا تَعُدُّهُ لَكَ صَاحِبًا؟ ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَقَدِمَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَطْلُبُ بِدَمِ أَخِيهِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ،
فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِرَدِّ السَّبْيِ، وَوَدَى مَالِكًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ قَالَ لَهُ: مَا بَلَغَ بِكَ الْوَجْدُ عَلَى أَخِيكَ؟ قَالَ: بَكَيْتُهُ حَوْلًا حَتَّى أَسْعَدَتْ عَيْنِي الذَّاهِبَةَ عَيْنِي الصَّحِيحَةُ، وَمَا رَأَيْتُ نَارًا قَطُّ إِلَّا كِدْتُ أَنْقَطِعُ أَسَفًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُوقِدُ نَارَهُ إِلَى الصُّبْحِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ ضَيْفٌ وَلَا يَعْرِفَ مَكَانَهُ. قَالَ: فَصِفْهُ لِي. قَالَ: كَانَ يَرْكَبُ الْفَرَسَ الْحَرُونَ، وَيَقُودُ الْجَمَلَ الثِّقَالَ، وَهُوَ بَيْنَ الْمَزَادَتَيْنِ النَّضُوخَتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ، وَعَلَيْهِ شَمْلَةٌ فَلُوتٌ، مُعْتَقِلًا رُمْحًا خَطِلًا، فَيَسْرِي لَيْلَتَهُ ثُمَّ يُصْبِحُ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ. قَالَ: أَنْشَدَنِي بَعْضَ مَا قُلْتَ فِيهِ، فَأَنْشَدَهُ مَرْثِيَّتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ كُنْتُ أَقُولُ الشِّعْرَ لَرَثَيْتُ أَخِي زَيْدًا. فَقَالَ مُتَمِّمٌ: وَلَا سَوَاءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ كَانَ أَخِي صُرِعَ مَصْرَعَ أَخِيكَ لَمَا بَكَيْتُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا عَزَّانِي أَحَدٌ بِأَحْسَنَ مِمَّا عَزَّيْتَنِي بِهِ.
وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ قُتِلَ الْوَلِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ابْنَا عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُمَا ابْنَا أَخِي خَالِدٍ، لَهُمَا صُحْبَةٌ.

 

ذِكْرُ إِنْفَاذِ جَيْشِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

ذِكْرُ إِنْفَاذِ جَيْشِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِعْمَالَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ، وَأَمْرَهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى
الشَّامِ، وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ الْبَعْثَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَسِرِ الْجَيْشُ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ إِمَّا عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَظَهَرَ النِّفَاقُ، وَاشْرَأَبَّتْ يَهُودُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَبَقِيَ الْمُسْلِمُونَ كَالْغَنَمِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ؛ لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ، وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ. فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ هَؤُلَاءِ – يَعْنُونَ جَيْشَ أُسَامَةَ – جُنْدُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَرَبُ عَلَى مَا تَرَى قَدِ انْتَقَضَتْ بِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَرِّقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ عَنْكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ تَخْتَطِفُنِي لَأَنْفَذْتُ جَيْشَ أُسَامَةَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَخَاطَبَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغَزْوِ، وَأَنْ يَخْرُجَ كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ جَيْشِ أُسَامَةَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ بِالْجُرُفِ، فَخَرَجُوا كَمَا أَمَرَهُمْ، وَجَيَّشَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمُ الْهِجْرَةُ فِي دِيَارِهِمْ، فَصَارُوا مَسَالِحَ حَوْلَ قَبَائِلِهِمْ، وَهُمْ قَلِيلٌ.
فَلَمَّا خَرَجَ الْجَيْشُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ بِالْجُرُفِ وَتَكَامَلُوا – أَرْسَلَ أُسَامَةُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ، وَقَالَ: إِنَّ مَعِي وُجُوهَ النَّاسِ وَحْدَهُمْ، وَلَا آمَنُ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَحُرُمِ رَسُولِ اللَّهِ وَالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَقَالَ مَنْ مَعَ أُسَامَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ نَمْضِيَ فَأَبْلِغْهُ عَنَّا، وَاطْلُبْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَ أَمْرَنَا رَجُلًا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ.
فَخَرَجَ عُمَرُ بِأَمْرِ أُسَامَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أُسَامَةُ. فَقَالَ: لَوْ خَطَفَتْنِي الْكِلَابُ وَالذِّئَابُ لَأَنْفَذْتُهُ كَمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَا أَرُدُّ قَضَاءً قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْقُرَى غَيْرِي لَأَنْفَذْتُهُ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّ الْأَنْصَارَ تَطْلُبُ رَجُلًا أَقْدَمَ سِنًّا مِنْ أُسَامَةَ. فَوَثَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ جَالِسًا، وَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُمَرَ وَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَأْمُرُنِي أَنْ أَعْزِلَهُ؟ !
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَتَاهُمْ وَأَشْخَصَهُمْ وَشَيَّعَهُمْ، وَهُوَ مَاشٍ وَأُسَامَةُ رَاكِبٌ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَتَرْكَبَنَّ أَوْ لَأَنْزِلَنَّ! فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا نَزَلْتَ وَلَا أَرْكَبُ، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغَبِّرَ قَدَمَيَّ سَاعَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ! فَإِنَّ لِلْغَازِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ تُكْتَبُ لَهُ، وَسَبْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ تُرْفَعُ لَهُ، وَسَبْعَمِائَةِ سَيِّئَةٍ تُمْحَى عَنْهُ.
فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ لِأُسَامَةَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعِينَنِي بِعُمَرَ فَافْعَلْ، فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ وَصَّاهُمْ فَقَالَ: لَا تَخُونُوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَتُحْرِقُوهُ، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَقَرَةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَوْفَ تَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ قَدْ فَحَصُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، وَتَرَكُوا حَوْلَهَا مِثْلَ الْعَصَائِبِ، فَاخْفِقُوهُمْ بِالسَّيْفِ خَفْقًا. انْدَفِعُوا بِاسْمِ اللَّهِ.
وَأَوْصَى أُسَامَةَ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَسَارَ وَأَوْقَعَ بِقَبَائِلَ مِنْ نَاسِ قُضَاعَةَ الَّتِي ارْتَدَّتْ، وَغَنِمَ وَعَادَ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: سَبْعِينَ يَوْمًا.
وَكَانَ إِنْفَاذُ جَيْشِ أُسَامَةَ أَعْظَمَ الْأُمُورِ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْعَرَبَ قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ قُوَّةٌ لَمَا أَرْسَلُوا هَذَا الْجَيْشَ، فَكَفُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلُوهُ.

ذِكْرُ أَخْبَارِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِالْيَمَنِ

وَاسْمُهُ عَيْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ الْعَنْسِيُّ، بِالنُّونِ، وَعَنْسٌ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ، وَكَانَ يُلَقَّبُ ذَا الْخِمَارِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَمًّا مُتَخَمِّرًا أَبَدًا.
وَكَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ جَمَعَ لِبَاذَانَ حِينَ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَهْلُ الْيَمَنِ – عَمَلَ الْيَمَنِ جَمِيعَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى جَمِيعِ مُخَالِفِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَامِلًا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. فَلَمَّا مَاتَ بَاذَانُ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَرَاءَهُ فِي الْيَمَنِ، فَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى مَا بَيْنَ نَجْرَانَ وَزَبِيدَ، وَعَامِرَ بْنَ شَهْرٍ عَلَى هَمْدَانَ، وَعَلَى صَنْعَاءَ شَهْرَ بْنَ بَاذَانَ، وَعَلَى عَكٍّ وَالْأَشْعَرِيِّينَ الطَّاهِرَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَعَلَى مَأْرِبَ أَبَا مُوسَى، وَعَلَى الْجَنَدِ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، وَكَانَ مُعَاذُ مُعَلِّمًا يَتَنَقَّلُ فِي عَمَالَةِ كُلِّ عَامِلٍ بِالْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ.
وَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَعْمَالِ حَضْرَمَوْتَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَلَى السَّكَاسِكِ وَالسَّكُونِ عُكَّاشَةَ بْنَ ثَوْرٍ، وَعَلَى بَنِي مُعَاوِيَةَ ابْنَ كِنْدَةَ عَبْدَ اللَّهِ أَوِ الْمُهَاجِرَ، فَاشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمْ يَذْهَبْ حَتَّى وَجَّهَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهَؤُلَاءِ عُمَّالُهُ عَلَى الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اعْتَرَضَ الْأَسْوَدَ الْكَاذِبَ – شَهْرُ، وَفَيْرُوزُ، وَدَاذَوَيْهِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَتَمَرَّضَ مِنَ السَّفَرِ غَيْرَ مَرَضِ مَوْتِهِ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَكَانَ مُشَعْبِذًا يُرِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ، فَاتَّبَعَتْهُ مَذْحِجٌ، وَكَانَتْ رِدَّةُ الْأَسْوَدِ أَوَّلَ رِدَّةٍ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَغَزَا نَجْرَانَ، فَأَخْرَجَ عَنْهَا عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، وَوَثَبَ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ مَكْشُوحٍ عَلَى فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، وَهُوَ عَلَى مُرَادٍ، فَأَجْلَاهُ وَنَزَلَ مَنْزِلَهُ، وَسَارَ الْأَسْوَدُ عَنْ نَجْرَانَ إِلَى صَنْعَاءَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ شَهْرُ بْنُ بَاذَانَ فَلَقِيَهُ، فَقُتِلَ شَهْرٌ لِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ خُرُوجِ الْأَسْوَدِ، وَخَرَجَ مُعَاذٌ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأَبِي مُوسَى وَهُوَ بِمَأْرِبَ، فَلَحِقَا بِحَضْرَمَوْتَ، وَلَحِقَ بِفَرْوَةَ مَنْ تَمَّ عَلَى إِسْلَامِهِ مِنْ مَذْحِجٍ.
وَاسْتَتَبَّ لِلْأَسْوَدِ مُلْكُ الْيَمَنِ، وَلَحِقَ أُمَرَاءُ الْيَمَنِ إِلَى الطَّاهِرِ بْنِ أَبِي هَالَةَ، إِلَّا عَمْرًا وَخَالِدًا؛ فَإِنَّهُمَا رَجَعَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالطَّاهِرُ بِجِبَالِ عَكٍّ وَجِبَالِ صَنْعَاءَ، وَغَلَبَ الْأَسْوَدُ عَلَى مَا بَيْنَ مَفَازَةِ حَضْرَمَوْتَ إِلَى الطَّائِفِ، إِلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْأَحْسَاءِ، إِلَى عَدَنَ، وَاسْتَطَارَ أَمْرُهُ كَالْحَرِيقِ، وَكَانَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ يَوْمَ لَقِيَ شَهْرًا سِوَى الرُّكْبَانِ، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي مَذْحِجٍ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَكَانَ خَلِيفَتَهُ عَلَى جُنْدِهِ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأَمْرُ الْأَبْنَاءِ إِلَى فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ.
وَكَانَ الْأَسْوَدُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ شَهْرِ بْنِ بَاذَانَ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ فَيْرُوزَ. وَخَافَ مَنْ بِحَضْرَمَوْتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، أَوْ يَظْهَرَ بِهَا كَذَّابٌ مِثْلُ الْأَسْوَدِ، فَتَزَوَّجَ مُعَاذٌ إِلَى السَّكُونِ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ.
وَجَاءَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَنْ بِالْيَمَنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كُتُبُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَأْمُرُهُمْ بِقِتَالِ الْأَسْوَدِ، فَقَامَ مُعَاذٌ فِي ذَلِكَ، وَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الَّذِي قَدِمَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَبَرُ بْنُ يُحَنَّسَ الْأَزْدِيُّ، قَالَ جِشْنَسُ الدَّيْلَمِيُّ: فَجَاءَتْنَا كُتُبُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَأْمُرُنَا بِقِتَالِهِ، إِمَّا مُصَادَمَةً أَوْ غِيلَةً – يَعْنِي إِلَيْهِ، وَإِلَى فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ – وَأَنْ نُكَاتِبَ مَنْ عِنْدَهُ دِينٌ. فَعَمِلْنَا فِي ذَلِكَ، فَرَأَيْنَا أَمْرًا كَثِيفًا، وَكَانَ قَدْ تَغَيَّرَ لِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقُلْنَا: إِنَّ قَيْسًا يَخَافُ عَلَى دَمِهِ، فَهُوَ لِأَوَّلِ دَعْوَةٍ، فَدَعَوْنَاهُ وَأَبْلَغْنَاهُ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَأَنَّمَا نَزَلْنَا عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَجَابَنَا، وَكَاتَبْنَا النَّاسَ. فَأَخْبَرَهُ الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَدَعَا قَيْسًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّ شَيْطَانَهُ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ؛ لِمَيْلِهِ إِلَى عَدُوِّهِ، فَحَلَفَ قَيْسٌ: لَأَنْتَ أَعْظَمُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ نَفْسِي بِذَلِكَ. ثُمَّ أَتَانَا فَقَالَ: يَا جِشْنَسُ، وَيَا فَيْرُوزُ، وَيَا دَاذَوَيْهِ، فَأَخْبَرَنَا بِقَوْلِ الْأَسْوَدِ. فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَهُ يُحَدِّثُنَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَتَهَدَّدَنَا، فَاعْتَذَرْنَا إِلَيْهِ وَنَجَوْنَا مِنْهُ وَلَمْ نَكَدْ، وَهُوَ مُرْتَابٌ بِنَا وَنَحْنُ نُحَذِّرُهُ. فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَتْنَا كُتُبُ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ، وَذِي زُودٍ، وَذِي مُرَّانَ، وَذِي الْكُلَاعِ، وَذِي ظُلَيْمٍ، يَبْذُلُونَ لَنَا النَّصْرَ، فَكَاتَبْنَاهُمْ وَأَمَرْنَاهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا شَيْئًا حَتَّى نُبْرِمَ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا اهْتَاجُوا لِذَلِكَ حِينَ كَاتَبَهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَتَبَ أَيْضًا إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ فَأَجَابُوهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْأَسْوَدُ، وَأَحَسَّ بِالْهَلَاكِ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى آزَادَ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ قَتْلِ زَوْجِهَا شَهْرِ بْنِ بَاذَانَ، فَدَعَوْتُهَا إِلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَذَكَّرْتُهَا قَتْلَ زَوْجِهَا شَهْرٍ وَإِهْلَاكَ عَشِيرَتِهَا، وَفَضِيحَةَ النِّسَاءِ. فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَخْصًا أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، مَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ، وَلَا يَنْتَهِي عَنْ مُحَرَّمٍ، فَأَعْلِمُونِي أَمْرَكُمْ أُخْبِرْكُمْ بِوَجْهِ الْأَمْرِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ وَأَخْبَرْتُ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسًا. قَالَ: وَإِذْ قَدْ جَاءَ رَجُلٌ فَدَعَا قَيْسًا إِلَى الْأَسْوَدِ، فَدَخَلَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ مَذْحِجٍ وَهَمْدَانَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَهُمْ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ الْحَقَّ، وَتُخْبِرُنِي الْكَذِبَ؟ إِنَّهُ – يَعْنِي شَيْطَانَهُ – يَقُولُ لِي: إِلَّا تَقْطَعْ مِنْ قَيْسٍ يَدَهُ يَقْطَعْ رَقَبَتَكَ. فَقَالَ قَيْسٌ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ أَهْلَكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِمَا أَحْبَبْتَ أَوِ اقْتُلْنِي، فَمَوْتُةُ أَهْوَنُ مِنْ مَوْتَاتٍ.
فَرَقَّ لَهُ وَتَرَكَهُ، وَخَرَجَ قَيْسٌ فَمَرَّ بِنَا وَقَالَ: اعْمَلُوا عَمَلَكُمْ. وَلَمْ يَقْعُدْ عِنْدَنَا.
فَخَرَجَ عَلَيْنَا الْأَسْوَدُ فِي جَمْعٍ، فَقُمْنَا لَهُ وَبِالْبَابِ مِائَةٌ، مَا بَيْنَ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ، فَنَحَرَهَا ثُمَّ خَلَّاهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ؟ – وَبَوَّأَ لَهُ الْحَرْبَةَ – لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْحَرَكَ. فَقَالَ: اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ وَفَضَّلْتَنَا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا لَمَا بِعْنَا نَصِيبَنَا مِنْكَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا بِكَ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ! فَقَالَ لَهُ: اقْسِمْ هَذِهِ، فَقَسَمَهَا، وَلَحِقَ بِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ سَعَايَةَ رَجُلٍ بِفَيْرُوزَ، وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: أَنَا قَاتِلُهُ غَدًا وَأَصْحَابَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا فَيْرُوزُ، فَأَخْبَرَهُ بِقِسْمَتِهَا، وَدَخَلَ الْأَسْوَدُ وَرَجَعَ فَيْرُوزُ فَأَخْبَرَنَا الْخَبَرَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَى قَيْسٍ فَجَاءَنَا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَنْ أَعُودَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأُخْبِرَهَا بِعَزِيمَتِنَا وَنَأْخُذُ رَأْيَهَا، فَأَتَيْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: هُوَ مُتَحَرِّزٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْقَصْرِ شَيْءٌ إِلَّا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّ ظَهْرَهُ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ مِنْ دُونِ الْحَرَسِ، وَلَيْسَ دُونَ قَتْلِهِ شَيْءٌ، وَسَتَجِدُونَ فِيهِ سِرَاجًا وَسِلَاحًا.
فَتَلَقَّانِي الْأَسْوَدُ خَارِجًا مِنْ بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَقَالَ: مَا أَدْخَلَكَ عَلَيَّ؟ وَوَجَأَ رَأْسِي حَتَّى سَقَطْتُ، وَكَانَ شَدِيدًا، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَأَدْهَشَتْهُ، وَقَالَتْ: جَاءَنِي ابْنُ عَمِّي زَائِرًا فَفَعَلْتَ بِهِ هَذَا؟ فَتَرَكَنِي، فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءُ! الْهَرَبُ! وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ.
فَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ حَيَارَى إِذْ جَاءَنَا رَسُولُهَا يَقُولُ: لَا تَدَعَنَّ مَا فَارَقْتُكَ عَلَيْهِ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى اطْمَأَنَّ. فَقُلْنَا لِفَيْرُوزَ: إِيتِهَا فَتَثَبَّتْ مِنْهَا. فَفَعَلَ، فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ قَالَ: نُنَقِّبُ عَلَى بُيُوتٍ مُبَطَّنَةٍ، فَدَخَلَ فَاقْتَلَعَ الْبِطَانَةَ، وَجَلَسَ عِنْدَهَا كَالزَّائِرِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا الْأَسْوَدُ فَأَخَذَتْهُ غَيْرَةٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِرَضَاعٍ وَقَرَابَةٍ مِنْهَا عِنْدَهُ مَحْرَمٌ، فَأَخْرَجَهُ. فَلَمَّا أَمْسَيْنَا عَمِلْنَا فِي أَمْرِنَا، وَأَعْلَمْنَا أَشْيَاعَنَا، وَعَجِلْنَا عَنْ مُرَاسِلَةِ الْهَمْدَانِيِّينَ وَالْحِمْيَرِيِّينَ فَنَقَبْنَا الْبَيْتَ وَدَخَلْنَا، وَفِيهِ سِرَاجٌ تَحْتَ جَفْنَةٍ، وَاتَّقَيْنَا بِفَيْرُوزَ، كَانَ أَشَدَّنَا، فَقُلْنَا: انْظُرْ مَاذَا تَرَى، فَخَرَجَ وَنَحْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَسِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ بَابِ الْبَيْتِ سَمِعَ غَطِيطًا شَدِيدًا، وَالْمَرْأَةُ قَاعِدَةٌ، فَلَمَّا قَامَ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ أَجْلَسَهُ الشَّيْطَانُ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَالَ: مَا لِي وَلَكَ يَا فَيْرُوزُ! فَخَشِيَ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَهْلِكَ وَتَهْلِكَ الْمَرْأَةُ، فَعَاجَلَهُ وَخَالَطَهُ وَهُوَ مِثْلُ الْجَمَلِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَقَتَلَهُ وَدَقَّ عُنُقَهُ، وَوَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي ظَهْرِهِ فَدَقَّهُ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِهِ وَهِيَ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ. فَقَالَ: قَدْ قَتَلْتُهُ وَأَرَحْتُكِ مِنْهُ، وَخَرَجَ فَأَخْبَرَنَا، فَدَخَلْنَا مَعَهُ، فَخَارَ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، فَقَطَعْتُ رَأْسَهُ بِالشَّفْرَةِ، وَابْتَدَرَ الْحَرَسُ الْمَقْصُورَةَ يَقُولُونَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ فَخَمَدُوا، وَقَعَدْنَا نَأْتَمِرُ بَيْنَنَا، فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسٌ، كَيْفَ نُخْبِرُ أَشْيَاعَنَا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى النِّدَاءِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَيْنَا بِشِعَارِنَا الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا، فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ، ثُمَّ نَادَيْنَا بِشِعَارِنَا بِالْأَذَانِ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ عَيْهَلَةَ كَذَّابٌ! وَأَلْقَيْنَا إِلَيْهِمْ رَأَسَهُ، وَأَحَاطَ بِنَا أَصْحَابُهُ وَحَرَسُهُ، وَشَنُّوا الْغَارَةَ، وَأَخَذُوا صِبْيَانًا كَثِيرَةً وَانْتَهَبُوا. فَنَادَيْنَا أَهْلَ صَنْعَاءَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْهُمْ فَأَمْسِكْهُ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُهُ فَقَدُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، فَرَاسَلُونَا، وَرَاسَلْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا لَنَا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَنَتْرُكَ مَا فِي أَيْدِينَا، فَفَعَلْنَا، وَلَمْ يَظْفَرُوا مِنَّا بِشَيْءٍ، وَتَرَدَّدُوا فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ. وَتَرَاجَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَكَانَ يُصَلِّي بِنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَكَتَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِخَبَرِهِ، وَذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ.
وَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَقَدِمَتْ رُسُلُنَا، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَجَابَنَا أَبُو بَكْرٍ. «قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَتَى الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي لَيْلَتِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، فَقَالَ: قُتِلَ الْعَنْسِيُّ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ، قِيلَ: مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالَ: قَتَلَهُ فَيْرُوزُ» .
قِيلَ: كَانَ أَوَّلُ أَمْرِ الْعَنْسِيِّ إِلَى آخِرِهِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ قُدُومُ الْبَشِيرِ بِقَتْلِهِ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ أَوَّلَ بِشَارَةٍ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ فَيْرُوزُ: لَمَّا قَتَلْنَا الْأَسْوَدَ عَادَ أَمْرُنَا كَمَا كَانَ، وَأَرْسَلْنَا إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَصَلَّى بِنَا وَنَحْنُ رَاجُونَ مُؤَمِّلُونَ، لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ نَكْرَهُهُ إِلَّا تِلْكَ الْخُيُولُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَسْوَدِ، فَأَتَى مَوْتُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَانْتَقَضَتِ الْأُمُورُ وَاضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ.
(الْعَنْسِيُّ بِالْعَيْنِ وَالنُّونِ)
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوِهَا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَصَلَّى عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَدَخَلَ قَبْرَهَا الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِالطَّائِفِ وَهُوَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَمَاهُ بِهِ أَبُو مِحْجَنٍ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ فَمَاتَ فِي شَوَّالٍ.
وَفِي هَذَا الْعَامِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ مَلَكَ يَزْدَجِرْدُ بِلَادَ فَارِسَ.
وَفِيهِ، أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، اشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَوْلَاهُ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ مِنْ نَاسٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ.

 

حَدِيثُ السَّقِيفَةِ وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

حَدِيثُ السَّقِيفَةِ وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِيُبَايِعُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَتَاهُمْ وَمَعَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّكُمْ يَطِيبُ نَفْسًا أَنْ يَخْلُفَ قَدَمَيْنِ قَدَّمَهُمَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ. فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ أَوْ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: لَا نُبَايِعُ إِلَّا عَلِيًّا. قَالَ: وَتَخَلَّفَ عَلِيٌّ، وَبَنُو هَاشِمٍ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ – عَنِ الْبَيْعَةِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ: لَا أُغْمِدُ سَيْفًا حَتَّى يُبَايَعَ عَلِيٌّ. فَقَالَ عُمَرُ: خُذُوا سَيْفَهُ وَاضْرِبُوا بِهِ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ عُمَرُ، فَأَخَذَهُمْ لِلْبَيْعَةِ.
وَقِيلَ: لَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ فِي قَمِيصٍ مَا عَلَيْهِ إِزَارٌ وَلَا رِدَاءٌ عَجِلًا، حَتَّى بَايَعَهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَى إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ فَتَجَلَّلَهُ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَايَعَ إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرَى عَجَاجَةً لَا يُطْفِئُهَا إِلَّا دَمٌ! يَا آلَ عَبْدِ مَنَافٍ، فِيمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمُورِكُمْ؟ أَيْنَ الْمُسْتَضْعَفَانِ؟ أَيْنَ الْأَذَلَّانِ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ؟ مَا بَالُ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَقَلِّ حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ؟ ثُمَّ قَالَ لَعَلِيٍّ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتَ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْهِ خَيْلًا وَرَجْلًا. فَأَبَى عَلِيٌّ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ الْمُتَلَمِّسِ:
وَلَنْ يُقِيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرَادُ بِهِ … إِلَّا الْأَذَلَّانِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ بِرُمَّتِهِ … وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَبْكِي لَهُ أَحَدُ
فَزَجَرَهُ عَلِيٌّ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا إِلَّا الْفِتْنَةَ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ طَالَمَا بَغَيْتَ لِلْإِسْلَامِ شَرًّا! لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الْقُرْآنَ، فَحَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْنَا مَعَهُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: شَهِدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ بِمِنًى، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ فُلَانًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ أُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْتَصِبُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، وَأَخَافُ أَنْ تَقُولَ مَقَالَةً لَا يَعُوهَا وَلَا يَحْفَظُوهَا وَيَطَّيَّرُوا بِهَا، وَلَكِنْ أَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةِ، وَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَتَقُولَ مَا قُلْتَ، فَيَعُوا مَقَالَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهَا أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ هَجَرْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا جَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرَّجْمَ وَمَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِيهِ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغُرَّنَّ امْرَأً أَنْ يَقُولَ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فِتْنَةً، فَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّهُ كَانَ خَيْرَنَا حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَتَخَلَّفَ عَنَّا الْأَنْصَارُ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَهُمْ، فَلَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَحَدُهُمَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَالثَّانِي مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ، فَقَالَا لَنَا: ارْجِعُوا اقْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ. قَالَ: فَأَتَيْنَا الْأَنْصَارَ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَبَيْنَ أَظْهُرِهُمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَجِعٌ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ الْأَنْصَارُ، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ بَيْنَنَا، وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُونَا الْأَمْرَ. فَلَمَّا سَكَتَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أَقُولُهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ! فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَمَا تَرَكَ شَيْئًا كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي إِلَّا جَاءَ بِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ لَا تَذْكُرُونَ فَضْلًا إِلَّا وَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِقُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَنَسَبًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. وَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِنْ كَلَامِهِ كَلِمَةً غَيْرَهَا، إِنْ كُنْتُ أُقَدَّمُ فَتُضْرَبُ عُنُقِي فِيمَا لَا يُقَرِّبُنِي إِلَى إِثْمٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ.
فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ كَلَامَهُ قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَاللَّغَطُ، فَلَمَّا خِفْتُ الِاخْتِلَافَ قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ، ثُمَّ نَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا. فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا. وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا أَمْرًا هُوَ أَقْوَى مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِيتُ إِنْ فَارَقْتُ الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً، فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى بِهِ، وَإِمَّا أَنْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونُ فَسَادًا.
وَقَالَ أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَأَخْرَجُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لِيُوَلُّوهُ الْأَمْرَ، وَكَانَ مَرِيضًا فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، لَكُمْ سَابِقَةٌ وَفَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ، إِنَّ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَبِثَ فِي قَوْمِهِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ، فَمَا آمَنَ إِلَّا الْقَلِيلُ، مَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى مَنْعِهِ وَلَا عَلَى إِعْزَازِ دِينِهِ، وَلَا عَلَى دَفْعِ ضَيْمٍ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ بِكُمُ الْفَضِيلَةَ سَاقَ إِلَيْكُمُ الْكَرَامَةَ، وَرَزَقَكُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْمَنْعَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَالْإِعْزَازَ لَهُ وَلِدِينِهِ، وَالْجِهَادَ لِأَعْدَائِهِ، فَكُنْتُمْ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى عَدُوِّهِ حَتَّى اسْتَقَامَتِ الْعَرَبُ لِأَمْرِ اللَّهِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَأَعْطَى الْبَعِيدُ الْمُقَادَةَ صَاغِرًا، فَدَانَتْ لِرَسُولِهِ بِأَسْيَافِكُمُ الْعَرَبُ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ قَرِيرُ الْعَيْنِ. اسْتَبِدُّوا بِهَذَا الْأَمْرِ دُونَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لَكُمْ دُونَهُمْ.
فَأَجَابُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ: أَنْ قَدْ وُفِّقْتَ وَأَصَبْتَ الرَّأْيَ، وَنَحْنُ نُوَلِّيكَ هَذَا الْأَمْرَ، فَإِنَّكَ مَقْنَعٌ وَرِضًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَادُّوا الْكَلَامَ فَقَالُوا: وَإِنْ أَبَى الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: نَحْنُ الْمُهَاجِرُونَ وَأَصْحَابُهُ الْأَوَّلُونَ، وَعَشِيرَتُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ؟ ! فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: فَإِنَّا نَقُولُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، وَلَنْ نَرْضَى بِدُونِ هَذَا أَبَدًا. فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا أَوَّلُ الْوَهَنِ.
وَسَمِعَ عُمَرُ الْخَبَرَ فَأَتَى مَنْزِلَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبُو بَكْرٍ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ اخْرُجْ إِلَيَّ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنِّي مُشْتَغِلٌ. فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ لَابُدَّ لَكَ مِنْ حُضُورِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، فَمَضَيَا مُسْرِعِينَ نَحْوَهُمْ وَمَعَهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْنَاهُمْ وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ كَلَامًا أَقُولُهُ لَهُمْ، فَلَمَّا دَنَوْتُ أَقُولُ أَسْكَتَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ فِينَا رَسُولًا شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً شَتَّى مِنْ حَجَرٍ وَخَشَبٍ، فَعَظُمَ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ يَتْرُكُوا دِينَ آبَائِهِمْ. فَخَصَّ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ قَوْمِهِ بِتَصْدِيقِهِ وَالْمُوَاسَاةِ لَهُ، وَالصَّبْرِ مَعَهُ عَلَى شِدَّةِ أَذَى قَوْمِهِمْ لَهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَكُلُّ النَّاسِ لَهُمْ مُخَالِفٌ زَارٍ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَوْحِشُوا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَشَنَفِ النَّاسِ لَهُمْ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ، وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، لَا يُنَازِعُهُمْ إِلَّا ظَالِمٌ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَنْ لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُمْ فِي الدِّينِ وَلَا سَابِقَتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، رَضِيَكُمُ اللَّهُ أَنْصَارًا لِدِينِهِ وَرَسُولِهِ، وَجَعَلَ إِلَيْكُمْ هِجْرَتَهُ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَتِكُمْ، فَنَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، لَا تُفَاوَتُونَ بِمَشُورَةٍ، وَلَا تُقْضَى دُونَكُمُ الْأُمُورُ.
فَقَامَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، امْلِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْرَكُمْ،
فَإِنَّ النَّاسَ فِي ظِلِّكُمْ، وَلَنْ يَجْتَرِئَ مُجْتَرِئٌ عَلَى خِلَافِكُمْ، وَلَا يَصْدُرُوا إِلَّا عَنْ رَأْيِكُمْ، أَنْتُمْ أَهْلُ الْعِزِّ وَأُولُو الْعَدَدِ وَالْمَنْعَةِ وَذَوُو الْبَأْسِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ النَّاسُ مَا تَصْنَعُونَ، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيَفْسَدَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ، أَبَى هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا سَمِعْتُمْ، فَمِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.
فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ، لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ فِي قَرْنٍ! وَاللَّهِ لَا تَرْضَى الْعَرَبُ أَنْ تُؤَمِّرَكُمْ وَنَبِيُّنَا مِنْ غَيْرِكُمْ، وَلَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ أَنْ تُوَلِّيَ أَمْرَهَا مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، وَلَنَا بِذَلِكَ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ، مَنْ يُنَازِعُنَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَشِيرَتُهُ؟ !
فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، امْلِكُوا عَلَى أَيْدِيكُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مَقَالَةَ هَذَا وَأَصْحَابِهِ فَيَذْهَبُوا بِنَصِيبِكُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْكُمْ فَأَجْلُوهُمْ عَنْ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَتَوَلُّوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأُمُورَ، فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ بِأَسْيَافِكُمْ دَانَ النَّاسُ لِهَذَا الدِّينِ، أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ! أَنَا أَبُو شِبْلٍ فِي عَرِينَةِ الْأَسَدِ، وَاللَّهِ لَئِنْ شِئْتُمْ لَنُعِيدَنَّهَا جَذَعَةً.
فَقَالَ عُمَرُ: إِذًا لَيَقْتُلُكَ اللَّهُ! فَقَالَ: بَلْ إِيَّاكَ يَقْتُلُ.
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ نَصَرَ، فَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ! فَقَامَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو النُّعْمَانِ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّا وَاللَّهِ وَإِنْ كُنَّا أُولِي فَضِيلَةٍ فِي جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَسَابِقَةٍ فِي الدِّينِ، مَا أَرَدْنَا بِهِ إِلَّا رِضَى رَبِّنَا، وَطَاعَةَ نَبِيِّنَا، وَالْكَدْحَ لِأَنْفُسِنَا، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ، وَلَا نَبْتَغِيَ بِهِ الدُّنْيَا، أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَوْمُهُ أَوْلَى بِهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَرَانِي اللَّهُ أُنَازِعُهُمْ هَذَا الْأَمْرَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخَالِفُوهُمْ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَبَايِعُوا. فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَفْضَلُ الْمُهَاجِرِينَ وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الصَّلَاةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ. فَلَمَّا ذَهَبَا يُبَايِعَانِهِ سَبَقَهُمَا بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ فَبَايَعَهُ، فَنَادَاهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: عَقَّتْكَ عَقَاقِ! أَنَفِسْتَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ الْإِمَارَةَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَ الْقَوْمَ حَقَّهُمْ.
وَلَمَّا رَأَتِ الْأَوْسُ مَا صَنَعَ بَشِيرٌ وَمَا تَطْلُبُ الْخَزْرَجُ مِنْ تَأْمِيرِ سَعْدٍ – قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَفِيهِمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَكَانَ نَقِيبًا: وَاللَّهِ لَئِنْ وَلِيَتْهَا الْخَزْرَجُ مَرَّةً لَا زَالَتْ لَهُمْ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ، وَلَا جَعَلُوا لَكُمْ فِيهَا نَصِيبًا أَبَدًا، فَقُومُوا فَبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ. فَبَايَعُوهُ، فَانْكَسَرَ عَلَى سَعْدٍ وَالْخَزْرَجِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ يُبَايِعُونَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ إِلَى دَارِهِ فَبَقِيَ أَيَّامًا، وَأُرْسِلَ إِلَيْهِ لِيُبَايِعَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، حَتَّى أَرْمِيَكُمْ بِمَا فِي كِنَانَتِي، وَأَخْضِبَ سِنَانَ رُمْحِي، وَأَضْرِبَ بِسَيْفِي، وَأُقَاتِلَكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي وَمَنْ أَطَاعَنِي، وَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَكُمُ الْجِنُّ وَالْأِنْسُ مَا بَايَعْتُكُمْ حَتَّى أُعْرَضَ عَلَى رَبِّي. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَدْعُهُ حَتَّى يُبَايِعَ. فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّهُ قَدْ لَجَّ وَأَبَى، وَلَا يُبَايِعُكُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَيْسَ بِمَقْتُولٍ حَتَّى يُقْتَلَ مَعَهُ أَهْلُهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَلَا يَضُرُّكُمْ تَرْكُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ. فَتَرَكُوهُ.
وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَبَايَعَتْ، فَقَوِيَ أَبُو بَكْرٍ بِهِمْ، وَبَايَعَ النَّاسُ بَعْدُ.
قِيلَ إِنَّ عُمَرَ بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ: مَتَى بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَرِهُوا أَنْ يَبْقُوا بَعْضَ يَوْمٍ وَلَيْسُوا فِي جَمَاعَةٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَقِيَ عَلِيٌّ وَبَنُو هَاشِمٍ وَالزُّبَيْرُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – فَبَايَعُوهُ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَيْعَةً عَامَّةً، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ وُلِّيتَ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ لَهُ حَقَّهُ، وَالْقَوِيُّ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَا يَدَعُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجِهَادَ، فَإِنَّهُ لَا يَدَعُهُ قَوْمٌ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصْيَتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ – رَحِمَكُمُ اللَّهُ -.
(أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ) .

ذِكْرُ تَجْهِيزِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَفْنِهِ

فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَقِيلَ: بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُدْفَنْ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَكَانَ الَّذِي يَلِي غَسْلَهُ: عَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ ابْنَا الْعَبَّاسِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَحَضَرَهُمْ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَابْنَاهُ يُقَلِّبُونَهُ، وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَعَلِيٌّ يَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَطْيَبُكَ حَيًّا وَمَيِّتًا! وَلَمْ يُرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا يُرَى مِنْ مَيِّتٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْلِهِ فِي ثِيَابِهِ أَوْ مُجَرَّدًا، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّوَّمَ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ: أَنْ غَسِّلُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ.
وَكُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ: ثَوْبَيْنِ صُحَارِيِّيْنِ، وَبُرْدِ حِبَرَةٍ أُدْرِجَ فِيهَا إِدْرَاجًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ» ، فَرُفِعَ فِرَاشُهُ وَدُفِنَ مَوْضِعَهُ، وَحَفَرَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ
لَحْدًا، وَدَخَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا: الرِّجَالُ، ثُمَّ النِّسَاءُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْعَبِيدُ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ.
وَكَانَ الَّذِي نَزَلَ قَبْرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ ابْنَا الْعَبَّاسِ، وَشُقْرَانُ. وَقَالَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ لِعَلِيٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَمَرَهُ بِالنُّزُولِ فَنَزَلَ.
وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَدَّعِي أَنَّهُ أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيَقُولُ: أَلْقَيْتُ خَاتَمِي فِي قَبْرِهِ عَمْدًا فَنَزَلْتُ لِآخُذَهُ، وَسَأَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِالْعِرَاقِ عَلِيًّا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَذَبَ الْمُغِيرَةُ، أَحْدَثُنَا عَهْدًا بِهِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْرِهِ يَوْمَ مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَدَغْفَلُ بْنُ حَنْظَلَةَ: كَانَ عُمْرُهُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَ عُمْرُهُ سِتِّينَ سَنَةً.

 

ذِكْرُ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَوَفَاتِهِ

ذِكْرُ أَحْدَاثِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ ذِكْرُ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَوَفَاتِهِ

فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ «ضَرَبَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْثًا إِلَى الشَّامِ، وَأَمِيرُهُمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ تُخُومَ الْبَلْقَاءِ وَالدَّارُومِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، فَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ فِي إِمَارَتِهِ، وَقَالُوا: أَمَّرَ غُلَامًا عَلَى جِلَّةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّهُ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ خَلِيقًا لَهَا. وَأَوْعَبَ مَعَ أُسَامَةَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ابْتُدِئَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَضُهُ.
ذِكْرُ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَوَفَاتِهِ
ابْتُدِئَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَضُهُ أَوَاخِرَ صَفَرٍ، فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى اشْتَدَّ مَرَضُهُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَجَمَعَ نِسَاءَهُ، فَأَسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يَتَمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، وَوَصَلَتْ أَخْبَارٌ بِظُهُورِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ بِالْيَمَنِ، وَمُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَطُلَيْحَةَ فِي بَنِي أَسَدٍ، وَعَسْكَرَ بِسُمَيْرَاءَ، وَسَيَجِيءُ ذِكْرُ أَخْبَارِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ – تَعَالَى -.
فَتَأَخَّرَ مَسِيرُ أُسَامَةَ لِمَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلِخَبَرِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَمُسَيْلِمَةَ، «فَخَرَجَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَاصِبًا رَأْسَهُ مِنَ الصُّدَاعِ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ فِي عَضُدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا بِكَذَّابِ الْيَمَامَةِ وَكَذَّابِ صَنْعَاءَ. وَأَمَرَ بِإِنْفَاذِ جَيْشِ أُسَامَةَ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» .
وَخَرَجَ أُسَامَةُ فَضَرَبَ الْجُرُفَ الْعَسْكَرُ وَتَمَهَّلَ النَّاسُ، وَثُقِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَشْغَلْهُ شِدَّةُ مَرَضِهِ عَنْ إِنْفَاذِ أَمْرِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَمْرِ الْأَسْوَدِ، فَأُصِيبَ الْأَسْوَدُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَوْمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ يَحُثُّهُمْ عَلَى جِهَادِ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ.
«وَقَالَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْقَظَنِي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَيْلَةً وَقَالَ: إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لِيَهْنِئْكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ، قَدْ أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَالْخُلْدِ بِهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي. ثُمَّ اسْتَغْفَرْ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ بِمَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ» .
«قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الْبَقِيعِ وَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ! قَالَ: بَلْ أَنَا وَاللَّهِ يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ! ثُمَّ قَالَ: مَا ضَرَّكِ لَوْ مُتِّ قَبْلِي، فَقُمْتُ عَلَيْكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟ فَقُلْتُ: كَأَنِّي بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ بِبَعْضِ نِسَائِكَ. فَتَبَسَّمَ، وَتَتَامَّ بِهِ وَجَعُهُ، وَتَمَرَّضَ فِي بَيْتِي.
فَخَرَجَ مِنْهُ يَوْمًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَالْآخَرُ عَلِيٌّ، قَالَ الْفَضْلُ: فَأَخْرَجْتُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ، فَأَكْثَرَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقُ مَنْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَلَا يَخْشَ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِي، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، أَلَا وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ مِنِّي حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ رَبِّي وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ.
ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ الْأُولَى. فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَأَعْطَاهُ عِوَضًا. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُؤَدِّهِ، وَلَا يَقُلْ: فُضُوحُ الدُّنْيَا، أَلَا وَإِنَّ فُضُوحَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ صَلَّى عَلَى أَصْحَابِ أُحُدٍ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِأَنْفُسِنَا وَآبَائِنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَبْقَيَّنَ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَفْضَلَ فِي الصُّحْبَةِ عِنْدِي مِنْهُ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ أَوْصَى بِالْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ، وَأَصْبَحَتِ الْأَنْصَارُ لَا تَزِيدُ، وَالْأَنْصَارُ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ» .
«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَعَى إِلَيْنَا نَبِيُّنَا وَحَبِيبُنَا نَفْسَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ. فَلَمَّا دَنَا الْفِرَاقُ جَمَعَنَا فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا فَشَدَّدَ، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللَّهُ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، آوَاكُمُ اللَّهُ، حَفِظَكُمُ اللَّهُ، رَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَفَّقَكُمُ اللَّهُ، سَلَّمَكُمُ اللَّهُ، قَبِلَكُمُ اللَّهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِي اللَّهَ بِكُمْ، وَأَسْتَخْلِفُهُ عَلَيْكُمْ، وَأُؤَدِّيكُمْ إِلَيْهِ، إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ لِي وَلَكُمْ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] . قُلْنَا: فَمَتَى أَجَلُكَ؟ قَالَ: دَنَا الْفِرَاقُ، وَالْمُنْقَلَبُ إِلَى اللَّهِ، وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَجَنَّةِ الْمَأْوَى. فَقُلْنَا: مَنْ يُغَسِّلُكَ؟ قَالَ: أَهْلِي. قُلْنَا: فِيمَ نُكَفِّنُكَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي أَوْ فِي بَيَاضٍ. قُلْنَا: فَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: مَهْلًا، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ خَيْرًا.
فَبَكَيْنَا وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: ضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، ثُمَّ اخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً لِيُصَلِّيَ عَلَيَّ جِبْرَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ ادْخُلُوا عَلَيَّ فَوْجًا فَصَلُّوا عَلَيَّ، وَلَا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَةٍ وَلَا رَنَّةٍ، أَقْرِئُوا أَنْفُسَكُمْ مِنِّي السَّلَامَ، وَمَنْ غَابَ مِنْ أَصْحَابِي فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَمَنْ تَابَعَكُمْ عَلَى دِينِي فَأَقْرِئُوهُ السَّلَامَ» .
«قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! – ثُمَّ جَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ – اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَضُهُ وَوَجَعُهُ، فَقَالَ: ايتُونِي بِدَوَاةٍ وَبَيْضَاءَ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدِي أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا – وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ – فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَهْجُرُ. فَجَعَلُوا يُعِيدُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي، فَمَا أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ. فَأَوْصَى بِثَلَاثٍ: أَنْ يُخْرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَنْ يُجَازَ الْوَفْدُ بِنَحْوٍ مِمَّا كَانَ يُجِيزُهُمْ. وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ عَمْدًا، أَوْ قَالَ: نَسِيتُهَا» .
وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي مَرَضِهِ. فَقَالَ النَّاسُ: كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا. فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: أَنْتَ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَيَتَوَفَّى فِي مَرَضِهِ هَذَا، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ الْمَوْتَ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاسْأَلْهُ فِيمَنْ يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ، فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمْرُهُ أَوْصَى بِنَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَمَنَعَنَاهَا، لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبَدًا.
قَالَ: فَمَا اشْتَدَّ الضُّحَى حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: مَا وَجَعُهُ إِلَّا ذَاتُ الْجَنْبِ، فَلَوْ لَدَدْتُمُوهُ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: لِمَ فَعَلْتُمْ هَذَا؟ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ. قَالَ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهَا عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: لَا تُبْقُنَّ أَحَدًا لَدَدْتُمُوهُ إِلَّا عَمِّي، وَكَانَ الْعَبَّاسُ حَاضِرًا، فَفَعَلُوا» .
قَالَ أُسَامَةُ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَبَطْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَقَدْ صَمَتَ فَلَا يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَيَّ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي.
«قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ كَثِيرًا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا احْتُضِرَ كَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: بَلِ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى. قَالَتْ: قُلْتُ: إِذًا وَاللَّهِ لَا يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ تُخُيِّرَ» .
وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَذَّنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ قُمْ مَقَامَكَ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ جَالِسًا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيِّ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ سَبْعَ عَشْرَةَ صَلَاةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ إِلَى النَّاسِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَادَ النَّاسُ يَفْتَتِنُونَ فِي صَلَاتِهِمْ؛ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَحًا لِمَا رَأَى مِنْ هَيْئَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ أَفَاقَ مِنْ وَجَعِهِ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالسُّنْحِ.
«قَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَفِي يَدِهِ سِوَاكٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرًا عَرَفْتُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، فَأَخَذْتُهُ فَلَيَّنْتُهُ، ثُمَّ نَاوَلْتُهُ إِيَّاهُ، فَاسْتَنَّ بِهِ ثُمَّ وَضَعَهُ، ثُمَّ ثَقُلَ فِي حِجْرِي، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا بَصَرُهُ قَدْ شَخَصَ وَهُوَ يَقُولُ: بَلِ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى. فَقُبِضَ» .
قَالَتْ: تُوُفِّيَ وَهُوَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قُبِضَ فِي حِجْرِي، فَوَضَعْتُ رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَقُمْتُ أَلْتَدِمُ مَعَ النِّسَاءِ وَأَضْرِبُ وَجْهِي.
«وَلَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجَعُهُ، وَنَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ – جَعَلَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدِهِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: وَاكَرْبَاهُ! فَتَقُولُ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبِي لِكَرْبِكَ يَا أَبَتِي! فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ جَزَعِهَا اسْتَدْنَاهَا وَسَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَأَلَتْهَا عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَتْ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، فَضَحِكْتُ» .
وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ثُمَّ سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، وَأَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَضَحِكْتُ.
وَكَانَ مَوْتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ نِصْفَ النَّهَارِ، وَقِيلَ: مَاتَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ بِمَنْزِلِهِ بِالسُّنْحِ، وَعُمَرُ حَاضِرٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تُوُفِّيَ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَاللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَاتَ.
وَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ مُسَجًّى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ، وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ ذُقْتَهَا. ثُمَّ رَدَّ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَأَمَرَهُ بِالسُّكُوتِ فَأَبَى، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] . قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ مَا سَمِعُوهَا إِلَّا مِنْهُ. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا إِذْ سَمِعْتُهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ عَلَى الْأَرْضِ مَا تَحْمِلُنِي رِجْلَايَ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ مَاتَ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَوَصَلَ خَبَرُهُ إِلَى مَكَّةَ، وَعَامِلِهِ عَلَيْهَا عَتَّابِ بْنِ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، اسْتَخْفَى عَتَّابُ وَارْتَجَّتْ مَكَّةُ، وَكَادَ أَهْلُهَا يَرْتَدُّونَ، فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَصَاحَ بِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَكُونُوا آخِرَ مَنْ أَسْلَمَ وَأَوَّلَ مَنِ ارْتَدَّ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ قَائِمًا مَقَامِي هَذَا وَحْدَهُ وَهُوَ يَقُولُ: قُولُوا مَعِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَدِنْ لَكُمُ الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّ إِلَيْكُمُ الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ، وَاللَّهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ – فَمِنْ بَيْنِ مُسْتَهْزِئٍ وَمُصَدِّقٍ، فَكَانَ مَا رَأَيْتُمْ، وَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ الْبَاقِي. فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الرِّدَّةِ. وَهَذَا الْمَقَامُ الَّذِي قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا أُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي بَدْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدْ ذُكِرَ هُنَاكَ.

ذِكْرُ عَدَدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ عَدَدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَسَرَارِيِّهِ وَأَوْلَادِهِ

قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَزَوَّجَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَجَمَعَ بَيْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ.
وَأَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَهُ عَتِيقُ بْنُ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَمَاتَ عَنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عَتِيقٍ أَبُو هَالَةَ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ نَبَّاشٍ التَّمِيمِيُّ، فَوَلَدَتْ لَهُ هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَلَدَتْ لَهُ ثَمَانِيَةً: الْقَاسِمُ، وَالطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَزَيْنَبُ، وَرُقَيَّةُ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةُ، فَأَمَّا الذُّكُورُ فَمَاتُوا وَهُمْ صِغَارٌ، وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَبَلَغْنَ وَنَكَحْنَ وَوَلَدْنَ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَى خَدِيجَةَ فِي حَيَاتِهَا أَحَدًا، وَكَانَ مَوْتُهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَمْ يُولَدْ لَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا إِلَّا إِبْرَاهِيمُ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ نَكَحَ بَعْدَهَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمَعَةَ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، فَأَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ يَوْمَ تَزَوَّجَهَا صَغِيرَةً بِنْتَ سِتِّ سِنِينَ، وَأَمَّا سَوْدَةُ فَكَانَتِ امْرَأَةً ثَيِّبًا، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ
السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ أَخِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ بِهَا وَمَاتَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ الَّذِي خَطَبَهَا عَلَيْهِ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ زَوْجَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَدَخَلَ بِسَوْدَةَ بِمَكَّةَ، زَوَّجَهَا مِنْهُ أَبُوهَا زَمَعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا كَانَ أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ غَائِبًا، فَلَمَّا قَدِمَ جَعَلَ يَحْثِي التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: إِنِّي سَفِيهٌ حَيْثُ فَعَلْتُ ذَلِكَ، وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ.
وَأَمَّا عَائِشَةُ فَدَخَلَ بِهَا بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ ابْنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَمَاتَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ (خُنَيْسٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنُّونِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ) وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَلَمْ يَشْهَدْ مِنْ بَنِي سَهْمٍ بَدْرًا غَيْرُهُ، وَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا أُمَّ سَلَمَةَ ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ زَادَ الرَّكْبِ الْمَخْزُومِيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَمَاتَ مِنْهَا، وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْلَ الْأَحْزَابِ، وَمَاتَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَيُقَالُ لَهَا: أُمُّ الْمَسَاكِينِ، وَتُوُفِّيَتْ فِي حَيَاتِهِ، وَلَمْ يَمُتْ فِي حَيَاتِهِ غَيْرُهَا، وَغَيْرُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ قَبْلَهُ عِنْدَ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ عَامَ الْمُرَيْسِيعِ جُوَيْرِيَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّةَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ صَفْوَانَ الْمُصْطَلِقِيِّ، لَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ فَتَنَصَّرَ وَمَاتَ بِهَا، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى النَّجَاشِيِّ فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ، وَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِالْحَبَشَةِ، وَزَوَّجَهَا مِنْهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَقِيلَ: بَلْ خَطَبَهَا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، وَبَعَثَ فِيهَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَسَاقَ مِنْهُ الْمَهْرَ أَرْبَعَمِائَةِ
دِينَارٍ وَأَرْسَلَهَا إِلَيْهِ، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ أَخِيهَا مُعَاوِيَةَ، فَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، فَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، فَزَوَّجَهَا اللَّهُ إِيَّاهُ وَبَعَثَ فِي ذَلِكَ جِبْرَائِيلَ، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَقُولُ: أَنَا أَكْرَمُهُنَّ وَلِيًّا وَسَفِيرًا، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ أَزْوَاجِهِ، تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ عَامَ خَيْبَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا، وَخَلَفَ عَلَيْهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ صَبْرًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ أَعْتَقَهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَزَوَّجَهَا سَنَةَ سِتٍّ، وَمَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُمَيْرِ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ، وَلَمْ تَلِدْ لَهُ شَيْئًا، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو زُهَيْرِ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى بَعْدَ عُمَيْرٍ، ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَهُ، وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَتَزَوَّجَهَا فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِسَرِفَ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي كِلَابٍ يُقَالُ لَهَا النَّشَا بِنْتُ رِفَاعَةَ، وَقِيلَ: هِيَ شَنَبَا ابْنَةُ أَسْمَاءِ بْنِ الصَّلْتِ، وَقِيلَ: ابْنَةُ الصَّلْتِ بْنِ حَبِيبٍ، وَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ الشَّنَبَا ابْنَةَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّةَ، وَقِيلَ الْكِنَانِيَّةُ، فَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا مَاتَ ابْنُهُ، فَطَلَّقَهَا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ غَزِيَّةَ ابْنَةَ جَابِرٍ الْكِلَابِيَّةَ، خَطَبَهَا عَلَيْهِ أَبُو أُسَيْدٍ – بِضَمِّ الْهَمْزَةِ – السَّاعِدِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اسْتَعَاذَتْ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَفَارَقَهَا.
ثُمَّ تَزَوَّجَ أَسْمَاءَ ابْنَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكِنْدِيِّ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا وَجَدَ
بِهَا بَيَاضًا، فَمَتَّعَهَا وَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَقِيلَ: بَلِ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ أَيْضًا، فَرَدَّهَا.
وَالْعَالِيَةَ ابْنَةَ ظَبْيَانَ، فَجَمَعَهَا، ثُمَّ فَارَقَهَا.
وَقُتَيْلَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أُخْتَ الْأَشْعَثِ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَارْتَدَّتْ.
وَفَاطِمَةَ ابْنَةَ شُرَيْحٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: غَزِيَّةُ هِيَ أُمُّ شَرِيكٍ. قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ تَزَوَّجَ خَوْلَةَ ابْنَةَ الْهُذَيْلِ بْنِ هُبَيْرَةَ.
وَلَيْلَى ابْنَةَ الْخُطَيْمِ الْأَنْصَارِيَّةَ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا، فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، فَقَالُوا: أَنْتَ غَيُورٌ وَلَهُ نِسَاءٌ، فَاسْتَقِيلِيهِ، فَأَقَالَتْهُ، فَفَارَقَهَا.
وَأَمَّا مَنْ خَطَبَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ النِّسَاءِ وَلَمْ يَنْكِحْهَا، فَمِنْهُنَّ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، خَطَبَهَا وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا.
وَمِنْهُنَّ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرٍ مِنْ بَنِي قُشَيْرٍ.
وَمِنْهُنَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ بَشَّامَةَ أُخْتُ الْأَعْوَرِ الْعَنْبَرِيِّ.
وَمِنْهُنَّ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَةُ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ، فَوَجَدَ الْعَبَّاسَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَتَرَكَهَا.
وَمِنْهُنَّ جَمْرَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ، خَطَبَهَا، فَقَالَ أَبُوهَا: بِهَا سُوءٌ، وَلَمْ يَكُنْ
بِهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَدْ بَرِصَتْ.
وَأَمَّا سَرَارِيُّهِ، فَهِيَ مَارِيَةُ ابْنَةُ شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّةُ، وَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ. وَرَيْحَانَةُ ابْنَةُ زَيْدٍ الْقُرَظِيَّةُ، وَقِيلَ: هِيَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ.

ذِكْرُ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
فَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَابْنُهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَثَوْبَانُ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَصْلُهُ مِنَ السَّرَاةِ، وَسَكَنَ حِمْصَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَكَنَ الرَّمْلَةَ، وَلَا عَقِبَ لَهُ.
وَشُقْرَانُ، وَكَانَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَقِيلَ مِنَ الْفُرْسِ، وَاسْمُهُ صَالِحُ بْنُ عَدِيٍّ، وَاخْتُلِفَ فِي أَمْرِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَعْقَبَ.
وَأَبُو رَافِعٍ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: أُوَيْقِعُ، فَقِيلَ: كَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقِيلَ: كَانَ لِأَبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَأَعْتَقَ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِيهِ أَنْصِبَاءَهُمْ مِنْهُ، وَشَهِدَ مَعَهُمْ بَدْرًا وَهُمْ كُفَّارٌ، وَقُتِلُوا يَوْمَئِذٍ، وَوَهَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ نَصِيبَهُ مِنْهُ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْتَقَهُ وَابْنَهُ الْبَهِيَّ، وَاسْمُهُ رَافِعٌ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، كَانَ يَكْتُبُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ، أَصَابَهُ سَبْيًا بَعْضٌ مِنْ كَلْبٍ، وَبِيعَ مِنْ يَهُودِيٍّ بِوَادِي الْقُرَى، فَكَاتَبَ الْيَهُودِيَّ، وَأَعَانَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى عُتِقَ.
وَسَفِينَةُ، كَانَ لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَعْتَقَتْهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ خِدْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَيَاتَهُ. قِيلَ: اسْمُهُ مِهْرَانُ، وَقِيلَ: رَبَاحٌ، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ عَجَمِ الْفُرْسِ.
وَأَنَسَةُ يُكَنَّى أَبَا مَسْرُوحٍ، وَهُوَ مِنْ مُوَلَّدِي السَّرَاةِ، وَكَانَ يَأْذَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْفُرْسِ.
وَأَبُو كَبْشَةَ، وَاسْمُهُ سُلَيْمٌ، قِيلَ: كَانَ مِنْ مَوَالِي مَكَّةَ، وَقِيلَ: كَانَ مِنْ مُوَلَّدِي أَرْضِ دَوْسٍ، اشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَعْتَقَهُ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
وَرُوَيْقِعُ أَبُو مُوَيْهِبَةَ، كَانَ مِنْ مُوَلَّدِي مُزَيْنَةَ، فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَعْتَقَهُ.
وَرَبَاحٌ الْأَسْوَدُ، كَانَ يَأْذَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفَضَالَةُ نَزَلَ الشَّامَ.
وَمِدْعَمُ قُتِلَ بِوَادِي الْقُرَى.
وَأَبُو ضُمَيْرَةَ، قِيلَ: كَانَ مِنَ الْفُرْسِ مِنْ وَلَدِ بَشْتَاسَبِ الْمَلِكِ، فَأَصَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي بَعْضِ وَقَائِعِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ جَدُّ أَبِي حُسَيْنٍ.
وَيَسَارٌ – وَكَانَ نُوبِيًّا – أَصَابَهُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ الْعُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِهْرَانُ مَوْلَاهُ، حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَكَانَ لَهُ خَصِيٌّ يُقَالُ لَهُ: مَابُوزُ، أَهْدَاهُ لَهُ الْمُقَوْقِسُ مَعَ مَارِيَةَ وَشِيرِينَ، قِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي قُذِفَتْ مَارِيَةُ بِهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيًّا لِيَقْتُلَهُ، فَرَآهُ خَصِيًّا فَتَرَكَهُ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ
مِنَ الطَّائِفِ وَهُوَ مُحَاصِرُهُمْ، أَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ فَأَعْتَقَهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ.

ذِكْرُ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذُكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ أَحْيَانًا، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَحْيَانًا، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ، وَالْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ. وَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَكَتَبَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَتَبَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَكَتَبَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَنْظَلَةُ الْأُسَيِّدِيُّ (بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، كَذَلِكَ يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، بِالتَّشْدِيدِ، إِجْمَاعًا.

ذِكْرُ أَسْمَاءِ خَيْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قِيلَ: أَوَّلُ فَرَسٍ مَلَكَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَسٌ اشْتَرَاهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَعْرَابِيٍّ مِنْ فَزَارَةَ بِعَشْرِ أَوَاقٍ، وَسَمَّاهُ السَّكْبَ، وَأَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا عَلَيْهِ أُحُدٌ. وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ اسْمُهُ مُلَاوِحٌ.
وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُدْعَى الْمُرْتَجِزُ، وَهُوَ الْفَرَسُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَانَ صَاحِبُهُ مِنْ بَنِي مُرَّةَ.
وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَفْرَاسٍ: لِزَازُ، وَالظَّرِبُ، وَاللَّحِيفُ؛ فَأَمَّا لِزَازٌ فَأَهْدَاهُ لَهُ الْمُقَوْقِسُ، وَأَمَّا اللَّحِيفُ فَأَهْدَاهُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي الْبَرَاءِ، وَأَمَّا الظَّرِبُ فَأَهْدَاهُ لَهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ.
وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: الْوَرْدُ، أَهْدَاهُ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، فَوَهَبَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ. وَقِيلَ: كَانَ لَهُ فَرَسٌ اسْمُهُ الْيَعْسُوبُ.
تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: السَّكْبُ: الْكَثِيرُ الْجَرْيِ، كَأَنَّمَا يُصَبُّ جَرْيُهُ صَبًّا. وَاللَّحِيفُ: سُمِّيَ بِهِ لِطُولِ ذَنَبِهِ، كَأَنَّهُ يُلْحِفُ الْأَرْضَ بِذَنَبِهِ، أَيْ يُغَطِّيهَا. وَلِزَازٌ: سُمِّيَ بِهِ لِشِدَّةِ تَلَزُّزِهِ، وَالظَّرِبُ: سُمِّيَ بِهِ لِشِدَّةِ خَلْقِهِ، سُمِّي بِالْجَبَلِ الصَّغِيرِ. وَالْمُرْتَجِزُ: سُمِّيَ بِهِ لِحُسْنِ صَهِيلِهِ. وَالْيَعْسُوبُ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أَجْوَدُ خَيْلِهِ، لِأَنَّ الْيَعْسُوبَ الرَّئِيسُ.
ذِكْرُ بِغَالِهِ وَحَمِيرِهِ وَإِبِلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
كَانَتْ لَهُ دُلْدُلُ، وَهِيَ أَوَّلُ بَغْلَةٍ رُؤِيَتْ فِي الْإِسْلَامِ، أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ وَمَعَهَا حِمَارٌ اسْمُهُ عُفَيْرٌ، وَبَقِيَتِ الْبَغْلَةُ إِلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَهْدَى لَهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو بَغْلَةً يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ، فَوَهَبَهَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَحِمَارُهُ يَعْفُورُ بَقِيَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَأَمَّا إِبِلُهُ فَكَانَتْ لَهُ الْقَصْوَى، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهَاجَرَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ مِنْ نَعَمِ بَنِي الْحُرَيْشِ، وَبَقِيَتْ مُدَّةً، وَهِيَ الْعَضْبَاءُ وَالْجَدْعَاءُ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ فِي أَطْرَافِ أُذُنِهَا جَدْعٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بِهَا جَدْعٌ.
وَأَمَّا لِقَاحُهُ فَكَانَ لَهُ عِشْرُونَ لِقْحَةً بِالْغَابَةِ، وَهِيَ الَّتِي أَغَارَ عَلَيْهَا الْقَوْمُ، يَأْتِي لَبَنُهَا أَهْلَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَكَانَ لَهُ لِقَاحٌ غِزَارٌ، مِنْهُنَّ: الْحِنَّاءُ، وَالسَّمْرَاءُ، وَالْعَرِيسُ، وَالسَّعْدِيَّةُ، وَالْبَغُومُ، وَالْيَسِيرَةُ، وَالرَّيَّا، وَمُهْرَةُ، وَالشَّقْرَاءُ.
وَأَمَّا مَنَائِحُهُ فَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مَنَائِحَ مِنَ الْغَنَمِ: عَجْوَةُ، وَزَمْزَمُ، وَسُقْيَا، وَبَرَكَةُ، وَوَرَسَةُ، وَأَطْلَالُ، وَأَطْرَافُ، وَسَبْعُ أَعْنُزٍ يَرْعَاهُنَّ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ.
تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: عُفَيْرٌ: تَصْغِيرُ تَرْخِيمِ الْأَعْفَرِ، وَهُوَ الْأَبْيَضُ بَيَاضًا غَيْرَ خَالِصٍ، وَمِنْهُ أَيْضًا اسْمُ حِمَارِهِ يَعْفُورُ، كَأَخْضَرَ وَيَخْضُورَ. الْبَغَامُ: صَوْتُ الْإِبِلِ، وَمِنْهُ الْبَغُومُ. وَالْبَاقِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ.

ذِكْرُ أَسْمَاءِ سِلَاحِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

كَانَ لَهُ ذُو الْفَقَارِ، غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ لِغَيْرِهِ، وَغَنِمَ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ: سَيْفًا قَلَعِيًّا، وَسَيْفًا يُدْعَى بَتَّارًا، وَسَيْفًا يُدْعَى الْحَتْفَ.
وَكَانَ لَهُ الْمِخْذَمُ، وَرَسُوبُ، وَقَدِمَ مَعَهُ الْمَدِينَةَ سَيْفَانِ، شَهِدَ بِأَحَدِهِمَا بَدْرًا، يُسَمَّى الْعَضْبُ.
وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْمَاحٍ، وَثَلَاثُ قِسِيٍّ، قَوْسٌ اسْمُهَا الرَّوْحَاءُ، وَقَوْسٌ تُدْعَى الْبَيْضَاءَ، وَقَوْسٌ نَبْعٌ تُدْعَى الصَّفْرَاءَ.
وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ يُقَالُ لَهَا: الصُّعْدِيَّةُ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ يُقَالُ لَهَا: فِضَّةُ، غَنِمَهَا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ تُسَمَّى ذَاتَ الْفُضُولِ، كَانَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ، هِيَ وَفِضَّةُ.
وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ فِيهِ تِمْثَالُ رَأْسِ كَبْشٍ، فَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَصْبَحَ وَقَدْ أَذْهَبَهُ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -.
تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: سُمِّيَ السَّيْفُ ذُو الْفَقَارِ لِحُفَرٍ فِيهِ، وَالسَّيْفُ الْمِخْذَمُ: الْقَاطِعُ. وَالرَّسُوبُ: الَّذِي يَمْضِي فِي الضَّرْبَةِ، وَيَثْبُتُ فِيهَا.

ذِكْرُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ

ذِكْرُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْحَجِّ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، لَا يُذَكِّرُ النَّاسَ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرِفَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُحِلُّوا بِعُمْرَةٍ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ وَنَاسٌ مَعَهُ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ لَقِيَهُ مُحْرِمًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حِلَّ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ. فَبَقِيَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْهَدْيَ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فَأَرَاهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ سُنَنَ حَجِّهِمْ، وَخَطَبَ خُطْبَتَهُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا لِلنَّاسِ مَا بَيَّنَ، وَكَانَ الَّذِي يُبَلِّغُ عَنْهُ بِعَرَفَةَ رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، لِكَثْرَةِ النَّاسِ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ:
«أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي، فَلَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكُلُّ رِبًا مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَكُلُّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ – وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلُ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ يُطَاعُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَضِيَ بِمَا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ، {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَ {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36] . أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» . وَهِيَ خُطْبَةٌ طَوِيلَةٌ.
وَقَالَ حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ: «هَذَا الْمَوْقِفُ – لِلْجَبَلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ – وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ» . وَقَالَ بِالْمُزْدَلِفَةِ: «هَذَا الْمَوْقِفُ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ» . وَلَمَّا نَحَرَ بِمِنَى قَالَ: «هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ مِنَى مَنْحَرٌ» . فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْحَجَّ، وَكَانَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ وَحَجَّةُ الْبَلَاغِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا، وَأَرَى النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ، وَعَلَّمَهُمْ حَجَّهُمْ.

ذِكْرُ عَدَدِ غَزَوَاتِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَسَرَايَاهُ

وَكَانَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِنَفْسِهِ – غَزْوَةُ تَبُوكَ، وَجَمِيعُ غَزَوَاتِهِ بِنَفْسِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هَكَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ زَيْدًا غَزَا مُؤْتَةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَهُوَ رَدِيفُهُ عَلَى رَحْلِهِ، وَلَمْ يَغْزُ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – غَيْرَ ثَلَاثِ غَزَوَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سِتًّا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، وَقِيلَ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ، فَمَنْ قَالَ سِتًّا وَعِشْرِينَ جَعَلَ غَزْوَةَ خَيْبَرَ وَوَادِيَ الْقُرَى وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا جَعَلَ غَزَوَاتِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ، وَجَعَلَ خَيْبَرَ غَزْوَةً، وَوَادِيَ الْقُرَى غَزْوَةً.
وَأَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَدَّانُ، وَهِيَ الْأَبْوَاءُ، ثُمَّ بُوَاطُ بِنَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمَّ الْعَشِيرَةُ، ثُمَّ بَدْرٌ الْأُولَى لِطَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، ثُمَّ بَدْرٌ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا قُرَيْشًا، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ السَّوِيقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرٍّ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَحْرَانَ بِالْحِجَازِ، ثُمَّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، ثُمَّ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ، ثُمَّ غَزْوَةُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي لَحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمَّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، ثُمَّ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ الطَّائِفِ، ثُمَّ غَزْوَةُ تَبُوكَ، قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَالْمُصْطَلِقِ، وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ.
وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ سَرَايَاهُ، فَقِيلَ: كَانَتْ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ مَا بَيْنَ سَرِيَّةٍ وَبَعْثٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي رَمَضَانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ فَهَدَمَهَا، وَكَانَ مِنْ حَجَرٍ أَبْيَضَ بِتَبَالَةَ، وَهُوَ صَنَمُ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ وَأَزْدِ السَّرَاةِ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَبَرُ هَدْمِهِ سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ – تَعَالَى -.
وَفِيهَا أَسْلَمَ بَاذَانُ بِالْيَمَنِ، وَبَعَثَ بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

ذِكْرُ عَدَدِ حَجَّ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعُمَرِهِ

«قَالَ جَابِرٌ: حَجَّ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَجَّتَيْنِ، حَجَّةً قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ، مَعَهَا عُمْرَةٌ» . «وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثَلَاثَ عُمَرٍ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ» .

ذِكْرُ صِفَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَسْمَائِهِ وَخَاتَمِ النُّبُوَّةِ
«قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، مُشْرَبًا وَجْهُهُ حُمْرَةً، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، سَبْطَ الشَّعْرِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ذَا وَفْرَةٍ، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا، كَأَنَّ الْعَرَقَ فِي وَجْهِهِ اللُّؤْلُؤُ الرَّطْبُ لِطِيبِ عَرَقِهِ وَرِيحِهِ» .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، يَعْنِي أَنَّهُمَا إِلَى الْغِلَظِ أَقْرَبُ، وَقَوْلُهُ: ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، يَعْنِي أَلْوَاحَ الْأَكْتَافِ، وَالْمَسْرُبَةُ: الشَّعْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَاللَّبَّةِ،
وَالصَّبَبُ: الِانْحِدَارُ، وَالدَّعَجُ فِي الْعَيْنِ السَّوَادُ، وَالسَّبْطُ مِنَ الشَّعْرِ ضِدُّ الْجَعْدِ.
وَكَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ حَوْلَهَا شَعْرٌ.
وَأَمَّا أَسْمَاؤُهُ فَهِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَالْمُقَفَّى، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَالْعَاقِبُ، وَالْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ.
وَالْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِهِ. وَالْعَاقِبُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ» .
وَأَمَّا شَعْرُهُ وَشَيْبُهُ فَقَالَ أَنَسٌ: لَمْ يَشِنْهُ اللَّهُ بِالشَّيْبِ، وَقِيلَ: كَانَ فِي مُقَدَّمِ لِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَلَمْ يَخْضِبْ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: وَكَانَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، إِذَا دَهَنَهُ غَطَّاهُنَّ الدُّهْنُ، وَأَخْرَجَتْ أُمُّ سَلَمَةَ شَعْرَهُ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.
وَقَالَ أَبُو رِمْثَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخْضِبُ، وَكَانَ شَعْرُهُ يَبْلُغُ كَتِفَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ» .
وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: كَانَ لَهُ ضَفَائِرُ أَرْبَعُ.

ذِكْرُ شَجَاعَتِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجُودِهِ

قَالَ أَنَسٌ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَسْمَحَ النَّاسِ، وَأَحْسَنَ النَّاسِ، وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَرَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا، فَسَبَقَ النَّاسَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» .
«وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كُنَّا إِذَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ أَقْرَبَنَا إِلَى الْعَدُوِّ» . وَكَفَى بِهَذَا شَجَاعَةً أَنَّ مِثْلَ عَلِيٍّ الَّذِي هُوَ هُوَ فِي شَجَاعَتِهِ يَقُولُ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزَوَاتِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُقَارِبْهُ فِيهَا أَحَدٌ.

ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ

ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ

لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الطَّائِفِ مَا بَيْنَ ذِي الْحَجَّةِ إِلَى رَجَبٍ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ مَقْصِدَهُمْ لِبُعْدِ الطَّرِيقِ، وَشِدَّةِ الْحَرِّ، وَقُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَلَغَهُ أَنَّ هِرَقْلَ مِلْكَ الرُّومِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ مُتَنَصِّرَةِ الْعَرَبِ – قَدْ عَزَمُوا عَلَى قَصْدِهِ، فَتَجَهَّزَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَارُوا إِلَى الرُّومِ. وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، وَالْبِلَادُ مُجْدِبَةٌ، وَالنَّاسُ فِي عُسْرَةٍ، وَكَانَتِ الثِّمَارُ قَدْ طَابَتْ، فَأَحَبَّ النَّاسُ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ، فَتَجَهَّزُوا عَلَى كُرْهٍ، فَكَانَ ذَلِكَ الْجَيْشُ يُسَمَّى جَيْشَ الْعُسْرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُنَافِقِينَ: هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي حُبِّي لِلنِّسَاءِ، وَأَخْشَى أَنْ لَا أَصْبِرَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي وَلَا تَفْتِنِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] الْآيَةَ، وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ – تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [التوبة: 81] .
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَجَهَّزَ وَأَمَرَ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْفَقَ أَهْلُ الْغِنَى، وَأَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ جَمِيعَ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْهَا، قِيلَ: كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ.
ثُمَّ إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوُا النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ، وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ، فَاسْتَحْمَلُوهُ. فَقَالَ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. فَتَوَلَّوْا يَبْكُونَ، فَلَقِيَهُمْ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النَّضْرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ عَمَّا يُبْكِيهِمْ فَأَعْلَمُوهُ، فَأَعْطَى أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ بَعِيرًا، فَكَانَا يَعْتَقِبَانِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ فَاعْتَذَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ، وَكَانَ عِدَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، مِنْهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ.
فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ فِيمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، «وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ، وَعَلَى أَهْلِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ ذَلِكَ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالَ: كَذَبُوا، وَإِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» . فَرَجَعَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ أَقَامَ أَيَّامًا، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، وَقَدْ رَشَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ مَاءً، وَصَنَعَتْ طَعَامًا، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْحَرِّ وَالرِّيحِ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ، وَالْمَاءِ الْبَارِدِ مُقِيمٌ! مَا هَذَا بِالنَّصَفِ، وَاللَّهِ مَا أَحَلُّ عَرِيشًا مِنْهَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَيَّأَ زَادَهُ وَخَرَجَ إِلَى نَاضِحِهِ فَرَكِبَهُ، وَطَلَبَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَدْرَكَهُ بِتَبُوكَ، فَقَالَ النَّاسُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَاكِبٌ مُقْبِلٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ. فَقَالُوا: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ، فَدَعَا لَهُ» .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ، وَهُوَ بِطَرِيقِهِ، وَهُوَ مَنْزِلُ ثَمُودَ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا تَشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ شَيْئًا، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ فَأَلْقُوهُ وَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ إِلَّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ» . فَفَعَلَ ذَلِكَ النَّاسُ وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَةٍ فَأَصَابَهُ جُنُونٌ، وَأَمَّا الَّذِي طَلَبَ بِعِيرَهُ فَاحْتَمَلَهُ الرِّيحُ إِلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ إِلَّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ» ؟ فَأَمَّا الَّذِي خُنِقَ فَدَعَا لَهُ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الَّذِي حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فَأَهْدَتْهُ طَيِّئٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ بِالْحِجْرِ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَدَعَا اللَّهَ، فَأَرْسَلَ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ.
وَكَانَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا جَاءَ الْمَطَرُ قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: هَلْ بَعُدَ هَذَا الشَّيْءُ؟ قَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ.
وَضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلَقُوا فَأَتَوْهُ بِهَا، فَرَجَعَ عُمَارَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَخَبَّرَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ النَّاقَةِ تَعَجُّبًا مِمَّا رَأَى. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ الْقَيْنُقَاعِيُّ مُنَافِقًا، وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ قَدْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَأُخْبِرَ عُمَارَةُ بِأَنَّ زَيْدًا قَدْ قَالَهَا، فَقَامَ عُمَارَةُ يَطَأُ عُنُقَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فِي رَحْلِي دَاهِيَةٌ وَلَا أَدْرِي! اخْرُجْ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَزَلْ مُتَّهَمًا حَتَّى هَلَكَ.
وَوَقَفَ بِأَبِي ذَرٍّ جَمَلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ: ذَرُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، فَكَانَ يَقُولُهَا لِكُلِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَوَقَفَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى جَمَلِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ رَحْلَهُ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَتَبِعَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَاشِيًا. فَنَظَرَ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ أَبَا ذَرٍّ. فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ النَّاسُ قَالُوا: هُوَ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ. وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، وَيَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
فَلَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ أَصَابَهُ بِهَا أَجَلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ يُغَسِّلَاهُ وَيُكَفِّنَاهُ، ثُمَّ يَضَعَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِهِمَا يَسْتَعِينَانِ بِهِمْ عَلَى دَفْنِهِ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَاجْتَازَ بِهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَعْلَمَتْهُ امْرَأَةُ أَبِي ذَرٍّ بِمَوْتِهِ. فَبَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، ثُمَّ وَارَوْهُ.
وَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى تَبُوكَ، فَأَتَى يُوحَنَّا بْنَ رُؤْبَةَ صَاحِبَ أَيْلَةَ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، فَبَلَغَتْ جِزْيَتُهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ زَادَ فِيهَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ غَيْرَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَالَحَ أَهْلَ أَذْرُحَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَبٍ. وَصَالَحَ أَهْلَ جَرْبَاءَ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَصَالَحَ أَهْلَ مَقْنَا عَلَى رُبْعِ ثِمَارِهِمْ.
«وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَاحِبِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ كِنْدَةَ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ تَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ» . فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ عَلَى مَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَأُكَيْدِرُ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ، فَبَاتَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْحِصْنِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَطْلُبُ الْبَقَرَ، فَتَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَخَذَتْهُ، وَقَتَلُوا أَخَاهُ حَسَّانًا، «وَأَخَذَ خَالِدٌ مِنْ أُكَيْدِرَ قَبَاءَ دِيبَاجٍ مُخَوَّصٍ بِالذَّهَبِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا» . وَقَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدِرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ الرُّومُ وَالْعَرَبُ الْمُتَنَصِّرَةُ، فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ لَا يَرْوِي إِلَّا الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي الْمُشَقَّقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَبَقَنَا فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ. فَسَبَقَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخْبَرُوهُ بِفِعْلِهِمْ، فَلَعَنَهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَهُ، وَجَعَلَ يَصُبُّ إِلَيْهَا يَسِيرًا مِنَ الْمَاءِ، فَدَعَا فِيهِ وَنَضَحَهُ فِي الْوَشَلِ، فَانْخَرَقَ الْمَاءُ جَرْيًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا» . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى قَارَبَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَأَرْسَلَ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ فَحَرَقَهُ وَهَدَمَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] الْآيَاتِ. وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ دَارِ خِذَامِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَأَتَوْهُ يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتَخَلَّفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ، وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، تَخَلَّفُوا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا نِفَاقٍ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ كَلَامِهِمْ، فَاعْتَزَلَهُمُ النَّاسُ، فَبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118]
الْآيَاتِ، إِلَى قَوْلِهِ: صَادِقِينَ، وَكَانَ قُدُومُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ.
(يَامِينُ النَّضْرِيُّ بِالنُّونِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ. وَزَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ بِاللَّامِ الْمَضْمُومَةِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا. وَخِذَامُ بْنُ خَالِدٍ بِالْخَاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. وَأُكَيْدِرٌ بِالْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ) .

ذِكْرُ قُدُومِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَفِيهَا قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْلِمًا، وَقِيلَ: بَلْ أَدْرَكَهُ فِي الطَّرِيقِ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، فَقَالَ: أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ، وَرَجَا أَنْ يُوَافِقُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ صَعِدَ إِلَى عِلِّيَّةٍ لَهُ، وَأَشْرَفَ مِنْهَا عَلَيْهِمْ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَرَى فِي دَمِكَ؟ فَقَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا إِلَيَّ، لَيْسَ فِيَّ إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ. فَلَمَّا مَاتَ دَفَنُوهُ مَعَهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيهِ: إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ» .

ذِكْرُ قُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ رَأَوْا مَنْ يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ نَصَبُوا لَهُمُ الْقِتَالَ، وَشَنُّوا الْغَارَاتِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ مَالٌ إِلَّا نُهِبَ، وَلَا إِنْسَانٌ إِلَّا أُخِذَ، فَلَمَّا رَأَوْا عَجْزَهُمُ اجْتَمَعُوا وَأَرْسَلُوا عَبْدَ يَا لَيْلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ، وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحْلَافِ، وَأَرْسَلُوا مِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ، فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَنْزَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَهُ مَعَ خَالِدٍ، وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا حَتَّى يَأْكُلَ خَالِدٌ مِنْهُ، حَتَّى أَسْلَمُوا.
وَكَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَدَعَ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللَّاتُ، لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَتَسَلَّمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَنَزَلُوا إِلَى شَهْرٍ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ» . فَأَجَابُوا وَأَسْلَمُوا. وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَهُمُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ؛ لِيَهْدِمَا الطَّاغِيَةَ، فَتَقَدَّمَ الْمُغِيرَةُ فَهَدَمَهَا، وَقَامَ قَوْمُهُ مِنْ بَنِي شُعَيْبٍ دُونَهُ؛ خَوْفًا أَنْ يُرْمَى بِسَهْمٍ، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسَّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا، وَأُخِذَ حُلِيُّهَا وَمَالُهَا.
وَكَانَ أَبُو مَلِيحِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ – قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا قُتِلَ عُرْوَةُ وَالْأَسْوَدُ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَقْضِيَا مِنْهُ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ ابْنَيْ مَسْعُودٍ، فَفَعَلَا، «وَكَانَ الْأَسْوَدُ مَاتَ كَافِرًا، فَسَأَلَ ابْنُهُ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ أَبِيهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَافِرٌ. فَقَالَ: يَصِلُ مُسْلِمٌ ذَا قَرَابَتِهِ» . يَعْنِي أَنَّهُ أَسْلَمَ فَيَصِلُ أَبَاهُ وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا.

ذِكْرُ غَزْوَةِ طَيِّئٍ وَإِسْلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ أَرْسَلَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى دِيَارِ طَيِّئٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَهْدِمَ صَنَمَهُمُ الْفَلْسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَغَنِمَ وَسَبَى وَكَسَرَ الصَّنَمَ، وَكَانَ مُتَقَلِّدًا سَيْفَيْنِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: مِخْذَمُ، وَلِلْآخَرِ: رَسُوبُ، فَأَخَذَهُمَا عَلِيٌّ وَحَمَلَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ أَهْدَى السَّيْفَيْنِ لِلصَّنَمِ، فَعُلِّقَا عَلَيْهِ، وَأَسَرَ بِنْتًا لِحَاتِمٍ الطَّائِيِّ، وَحُمِلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْمَدِينَةِ، فَأَطْلَقَهَا.
وَأَمَّا إِسْلَامُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَقَالَ عَدِيٌّ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخَذُوا أُخْتِي وَنَاسًا، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَتْ أُخْتِي: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ،
فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! فَمَنَّ عَلَيْهَا، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا. فَسَأَلَتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا بِهِ وَكَسَاهَا، وَأَعْطَاهَا نَفَقَةً» . قَالَ عَدِيٌّ: وَكُنْتُ مَلِكَ طَيِّئٍ آخُذُ مِنْهُمُ الْمِرْبَاعَ وَأَنَا نَصْرَانِيٌّ، فَلَمَّا قَدِمَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَرَبْتُ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقُلْتُ: أَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ دِينِي، فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جَاءَتْ أُخْتِي، وَأَخَذَتْ تَلُومُنِي عَلَى تَرْكِهَا وَهَرَبِي بِأَهْلِي دُونَهَا، ثُمَّ قَالَتْ لِي: أَرَى أَنْ تَلْحَقَ بِمُحَمَّدٍ سَرِيعًا، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَانَ لِلسَّابِقِ فَضْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا كُنْتَ فِي عِزٍّ وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ: «فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّفْتُهُ نَفْسِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ، فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِمَلِكٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَهُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى وِسَادَةٍ، وَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا هَذَا مَلِكٌ. فَقَالَ لِي: يَا عَدِيُّ، إِنَّكَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ وَهُوَ لَا يَحِلُّ فِي دِينِكَ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِنَا وَكَثْرَةِ عَدُوِّنَا، وَاللَّهِ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ بِالْمَرْأَةِ تَسِيرُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ بَابِلَ وَقَدْ فُتِحَتْ. قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَقَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ وَقَدْ فُتِحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ إِلَى الْبَيْتِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَوَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» .

ذِكْرُ قُدُومِ الْوُفُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَكَّةَ وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ – ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْتَظِرُ بِإِسْلَامِهَا قُرَيْشًا؛ إِذْ كَانُوا أَمَامَ النَّاسِ، وَأَهْلَ الْحَرَمِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – لَا تُنْكِرُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي نَصَبَتِ الْحَرْبَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَخِلَافَهُ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهَا لَا طَاقَةَ لَهَا بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ – تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ – وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا – فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 – 3] .
وَقَدِمَتْ وُفُودُهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَدِمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ قَبْلَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17] ، الْآيَةَ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَلِيٍّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ، وَهُمْ عَشَرَةُ نَفَرٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ مَعَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسٍ، وَفِيهِمْ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَالْخَتَّاتُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ زَيْدٍ، فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ، وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: جِئْنَا نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَامَ عُطَارِدُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُمْ عَدَدًا، فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فَلْيُعَدِّدْ مِثْلَ عَدَدِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: أَجِبِ الرَّجُلَ. فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ عِلْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ – تَعَالَى – مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَآمَنَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ نَسَبًا، وَأَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعَالًا. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ اسْتِجَابَةً لِلَّهِ حِينَ دَعَاهُ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا … مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ … عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعُرْبِ يُتَّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا … مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ
بِمَا تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمُ … مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوِيًّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرُومَتِنَا … لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ … إِلَّا اسْتَقَادُوا وَكَادَ الرَّأْسُ يُقْتَطَعُ
إِنَّا أَبَيْنَا وَلَنْ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ … إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ يَعْرِفُنَا … فَيَرْجِعُ الْقَوْلُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
قَالَ: وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُجِيبَ شَاعِرَهُمْ. قَالَ حَسَّانُ: فَلَمَّا سَمِعْتُ قَوْلَهُ قُلْتُ عَلَى نَحْوِهِ:
إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ … قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ … أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ … تَقْوَى الْإِلَهِ، وَكُلُّ الْبِرِّ يُصْطَنَعُ
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ … إِنَّ الْخَلَائِقَ، فَاعْلَمْ، شَرُّهَا الْبِدَعُ
إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ … فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
لَا يُرْقِعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمُ … عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ … أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا
أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ … لَا يَطْعَبُونَ وَلَا يُزْرِي بِهِمْ طَمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ … وَلَا يَمَسُّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمُ
كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ … كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتِ مُكْتَنِعُ
أُسْدٌ بِحَلْيَةَ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ … أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ
إِذَا تَفَرَّقَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ … فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ
إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لِمُؤْتًى لَهُ، خَطِيبُهُمْ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَشَاعِرُهُمْ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] الْآيَاتِ.
(الْخَتَّاتُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَاءَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ، وَنُونٍ) .
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كُتُبُ مُلُوكِ حِمْيَرَ مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، مَعَ رَسُولِهِمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالنُّعْمَانِ – قِيلَ: ذِي رُعَيْنٍ – وَهَمْدَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرُّهَاوِيَّ بِإِسْلَامِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَأْمُرُهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَهْرَاءَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَنَزَلُوا عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي الْبَكَّاءِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ، فِيهِمْ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُنْقِذٍ.
وَفِيهَا «قَدِمَ وَفْدُ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَ وَافِدُهُمْ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى! فَقَالُوا: اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ وَالْجُنُونَ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إِنَّهُمَا لَا يَضُرَّانِ وَلَا
يَنْفَعَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدِ اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ. وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، فَمَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ مُشْرِكٌ وَلَا امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ، فَمَا سُمِعَ بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.

ذِكْرُ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

وَفِيهَا «حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَمَعَهُ عِشْرُونَ بَدَنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلِنَفْسِهِ خَمْسُ بَدَنَاتٍ، وَكَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي أَثَرِهِ عَلِيًّا، وَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ ” بَرَاءَةٌ ” عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَعَادَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، أَلَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ قَالَ: بَلَى، فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ، فَأَقَامَ النَّاسُ الْحَجَّ، وَحَجَّتِ الْعَرَبُ الْكُفَّارُ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلِيٌّ يُؤَذِّنُ بِ ” بَرَاءَةٌ “، فَنَادَى يَوْمَ الْأَضْحَى: لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَهْدٌ؛ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ» . وَرَجَعَ الْمُشْرِكُونَ، فَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَالُوا: مَا تَصْنَعُونَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟ فَأَسْلَمُوا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَتِ الصَّدَقَاتُ، وَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيهَا عُمَّالَهُ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهِيَ زَوْجُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَغَسَّلَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: غَسَّلَتْهَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُنَّ أُمُّ عَطِيَّةَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا أَبُو طَلْحَةَ.
وَفِيهَا «مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ فِي شَوَّالٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَأَلَهُ قَمِيصَهُ، فَأَعْطَاهُ فَكَفَّنَهُ فِيهِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ يُعَدِّدُ أَيَّامَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَبَسَّمُ ثُمَّ قَالَ: أَخِّرْ عَنِّي عُمَرُ، قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]
وَلَوْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ زِدْتُ عَلَى السَبْعِينِ غُفِرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] الْآيَةَ» .
وَفِيهَا نَعَى النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – النَّجَاشِيَّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ.

ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ
ذِكْرُ وَفْدِ نَجْرَانَ مَعَ الْعَاقِبِ وَالسَّيِّدِ

وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابُوا أَقَامَ فِيهِمْ وَعَلَّمَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلَهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَقَامَ فِيهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعْلِمُهُ إِسْلَامَهُمْ، وَعَادَ خَالِدٌ وَمَعَهُ وَفْدُهُمْ، فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْنَانَ ذِي الْغُصَّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ عَادُوا عَنْهُ فِي بَقِيَّةِ شَوَّالٍ أَوْ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَمْرُو بْنُ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ.
وَأَمَّا نَصَارَى نَجْرَانَ فَإِنَّهُمْ أَرْسَلُوا الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ فِي نَفَرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَرَادُوا مُبَاهَلَتَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَالُوا: هَذِهِ وُجُوهٌ لَوْ أَقْسَمَتْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُزِيلَ الْجِبَالَ لَأَزَالَهَا، وَلَمْ يُبَاهِلُوهُ، وَصَالَحُوهُ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، ثَمَنُ كُلِّ حُلَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى أَنْ يُضِيفُوا رُسُلَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجَعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ – تَعَالَى – وَعَهْدَهُ أَلَّا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَلَا يُعَشَّرُوا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا يَتَعَامَلُوا بِهِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ عَامَلَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ الْكِتَابِ عَنِ الْحِجَازِ، وَأَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى نَجْرَانِيَّةِ الْكُوفَةِ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ عَقَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ كَثُرُوا، فَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَتَحَاسَدُوا بَيْنَهُمْ، فَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَالُوا: أَجْلِنَا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَنَمَهَا، فَأَجْلَاهُمْ، فَنَدِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَقَالُوهُ فَأَبَى، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ. فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ أَتَوْهُ وَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ خَطَّكَ بِيَمِينِكَ. فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَأَنَا أَكْرَهُ خِلَافَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وَكَانَ صَاحِبُ النَّجْرَانِيَّةِ بِالْكُوفَةِ يَبْعَثُ إِلَى مَنْ بِالشَّامِ وَالنَّوَاحِي مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يَجْبُونَهُمُ الْحُلَلَ.
فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ شَكَوْا إِلَيْهِ تَفَرُّقَهُمْ، وَمَوْتَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَإِسْلَامَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ قَلُّوا، وَأَرَوْهُ كِتَابَ عُثْمَانَ، فَوَضَعَ عَنْهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ تَكْمِلَةَ أَرْبَعِمِائَةِ حُلَّةٍ. فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ الْعِرَاقَ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ – اتَّهَمَ الدَّهَاقِينَ بِمُوَالَاتِهِ، وَاتَّهَمَهُمْ مَعَهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ حُلَّةٍ، وَأَخَذَهُمْ بِحُلَلٍ وَشَيْءٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَوْا إِلَيْهِ فَنَاءَهُمْ وَنَقْصَهُمْ، وَإِلْحَاحَ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ بِالْغَارَةِ، وَظُلْمَ الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُحْصَوْا، وَوُجِدُوا عَلَى الْعُشْرِ مِنْ عِدَّتِهِمُ الْأُولَى، فَقَالَ: أَرَى هَذَا الصُّلْحَ جِزْيَةً، وَلَيْسَ عَلَى أَرْضِهِمْ شَيْءٌ، وَجِزْيَةُ الْمُسْلِمِ وَالْمَيِّتِ سَاقِطَةٌ، فَأَلْزَمَهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. فَلَمَّا تَوَلَّى يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ رَدَّهُمْ إِلَى أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ عَصَبِيَّةً لِلْحَجَّاجِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ السَّفَّاحُ عَمَدُوا إِلَى طَرِيقِهِ يَوْمَ ظُهُورِهِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَأَلْقَوْا فِيهَا الرَّيْحَانَ وَنَثَرُوا عَلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، ثُمَّ رَفَعُوا إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِأَخْوَالِهِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، فَرَدَّهُمْ إِلَى مِائَتَيْ حُلَّةٍ. فَلَمَّا وَلِيَ الرَّشِيدُ شَكَوْا إِلَيْهِ الْعُمَّالَ فَأَمَرَ أَنْ يُعْفَوْا مِنَ الْعُمَّالِ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَدَّاهُمْ بَيْتَ الْمَالِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ سَلَامَانَ فِي شَوَّالٍ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ، رَأَسَهُمْ حَبِيبٌ السَّلَامَانِيُّ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ غَسَّانَ فِي رَمَضَانَ، وَوَفْدُ غَامِدٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَيْضًا.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الْأَزْدِ، رَأَسَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَسْلَمَ، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ الْمُشْرِكِينَ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ جُرَشَ، وَفِيهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ فِيهِمْ خَثْعَمُ، فَحَاصَرَهُمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، فَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَرَجَعَ حَتَّى كَانَ بِجَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: كَشَرُ، فَظَنَّ أَهْلُ جُرَشَ أَنَّهُ مُنْهَزِمٌ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ «كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَنْظُرَانِ حَالَهُ. فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَهُ إِذْ قَالَ: بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ؟ فَقَالَا: بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشَرُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَرَ، وَلَكِنَّهُ شَكَرُ، وَإِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُثْمَانُ: وَيْحَكُمَا! إِنَّهُ يَنْعِي لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ يَرْفَعُ عَنْهُمْ، فَفَعَلَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَاهُمْ قَدْ أُصِيبُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَالَهُمْ، وَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَسْلَمُوا» .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ مُرَادٍ مَعَ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ ظَفِرَتْ فِيهَا هَمْدَانُ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي مُرَادٍ، وَكَانَ يُقَالُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ: يَوْمُ الرَّزْمِ، وَكَانَ رَئِيسَ هَمْدَانَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ وَالِدُ مَسْرُوقٍ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَرْوَةُ:
فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدْمًا … وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا
وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ … مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ … تَكُرُّ صُرُوفُهُ حِينًا وَحِينَا
فَبَيْنَا مَا يُسَرُّ بِهِ وَيُرْضَى … وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا
إِذِ انْقَلَبَتْ بِهِ كُرَّاتُ دَهْرٍ … فَأَلْفَى لِلْأُولَى غَبَطُوا طَحِينًا
وَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ … يَجِدْ رَيْبَ الزَّمَانِ لَهُ خَئُونًا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا … وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَاكُمُ سَرَوَاتِ قَوْمٍ
كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا
وَلَمَّا تَوَّجَهَ فَرْوَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُفَارِقًا لِقَوْمِهِ قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ … كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقَ نَسَائِهَا
يَمَّمْتُ رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا … أَرْجُو فَضَائِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لَهُ: يَا فَرْوَةُ، هَلْ سَاءَكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ يَوْمَ الرِّزْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِي، وَلَمْ يَسُؤْهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَزِيدُ قَوْمَكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرًا. فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَكَانَ عَلَى الصَّدَقَاتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِيهَا أَرْسَلَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ، ثُمَّ النُّفَاثِيُّ، رَسُولًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِإِسْلَامِهِ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرُّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مُعَانَ فِي أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ إِسْلَامُهُ طَلَبُوهُ حَتَّى أَسَرُوهُ، فَحَبَسُوهُ، فَقَالَ فِي مَحْبَسِهِ ذَلِكَ:
طَرَقَتْ سُلَيْمِي مُوهِنًا فَشَجَانِي … وَالرُّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقُرْبَانِ
صَدَّ الْخَيَالُ وَسَاءَهُ مَا قَدْ رَأَى … وَهَمَمْتُ أَنْ أُغْفِيَ وَقَدْ أَبْكَانِي
لَا تُكْحِلِنَّ الْعَيْنَ بَعْدِي إِثْمِدًا … سَلْمَى وَلَا تَدْنِنَّ لِلْإِنْسَانِ
فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الرُّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: عِفْرَى، بِفِلَسْطِينَ قَالَ:
أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنَّ خَلِيلَهَا … عَلَى مَاءِ عِفْرَى فَوْقَ إِحْدَى الرَّوَاحِلِ
عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يُلَقِّحِ الْفَحْلُ أُمَّهَا … مُشَذَّبَةٍ أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ
وَهَذَا مِنْ أَبْيَاتِ الْمَعَانِي. فَلَمَّا قَدَّمُوهُ لِيَصْلُبُوهُ قَالَ:
بَلِّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنِّنِي … سَلْمٌ لِرَبِّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي
ثُمَّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ، وَصَلَبُوهُ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى زُبَيْدٍ وَمُرَادٍ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ قُدُومِ عَمْرٍو، فَلَمَّا عَادَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَقَامَ فِي قَوْمِهِ بَنِي زُبَيْدٍ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ارْتَدَّ عَمْرٌو.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفِيهِمُ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَنْ مَعَهُ، وَكَانَ الْجَارُودُ حَسَنَ الْإِسْلَامِ، نَهَى قَوْمَهُ عَنِ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا ارْتَدُّوا مَعَ الْغَرُورِ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ الْفَتْحِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَبْلَ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ أَمِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَفِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ فِي دَارِ ابْنَةِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَاجْتَمَعَ مُسَيْلِمَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَامَةِ وَتَنَبَّأَ، وَتَكَذَّبَ لَهُمْ، وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيكُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي النُّبُوَّةِ، فَاتَّبَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا «قَدِمَ وَفْدُ كِنْدَةَ مَعَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، فَقَالَ الْأَشْعَثُ: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمِرَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ مُحَارِبٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الرَّهَاوِيِّينَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ (وَرَهَاءُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ) .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْسٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ صَدِفٍ، وَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ خَوْلَانَ، وَكَانُوا عَشْرَةً.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ، وَجَبَّارُ بْنُ سُلْمَى – بِضَمِّ السِّينِ وَبِالْإِمَالَةِ – بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ عَامِرٌ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ. فَقَالَ: لَا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى، ثُمَّ قَالَ لِأَرْبَدَ: إِذَا قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَإِنِّي شَاغِلُهُ عَنْكَ، فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ مِنْ خَلْفِهِ. فَلَمَّا قَدِمُوا جَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَشْغَلُهُ لِيَفْتِكَ بِهِ أَرْبَدُ، فَلَمْ يَفْعَلْ أَرْبَدُ شَيْئًا، فَقَالَ عَامِرٌ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرًا» . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ عَامِرٌ لِأَرْبَدَ: لِمَ لَمْ تَقْتُلْهُ؟ قَالَ: كُلَّمَا هَمَمْتُ بِقَتْلِهِ دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟ وَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّهُ لَفِي بَيْتِ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَمَاتَ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ، أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ! وَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُ، وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمِّهِ.
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفْدُ طَيِّئٍ فِيهِمْ زِيدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ زَيْدِ الْخَيْلِ. ثُمَّ سَمَّاهُ زَيْدُ الْخَيْرِ» ، وَأَقْطَعَ لَهُ فَيْدَ وَأَرَضِينَ مَعَهَا. فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى بِقَرْيَةٍ مِنْ نَجْدٍ، فَمَاتَ بِهَا.
وَفِيهَا كَتَبَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْكُرُ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي النُّبُوَّةِ، وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ رَسُولَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْهُ فَصَدَّقَاهُ. فَقَالَ لَهُمَا: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا.
وَكَانَ كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ مَعَكَ فِي الْأَمْرِ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، أَمَّا بَعْدُ، فَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .
وَقِيلَ: إِنِّ دَعْوَى مُسَيْلِمَةَ وَغَيْرِهِ النُّبُوَّةَ كَانَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَمَرْضَتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا. فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِمَرَضِهِ وَثَبَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، وَمُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَطُلَيْحَةُ فِي بَنِي أَسَدٍ.

ذِكْرُ إِرْسَالِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ وَإِسْلَامِ هَمْدَانَ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ كَانَ أَرْسَلَ قَبْلَهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَأَرْسَلَ عَلِيًّا وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْقِلَ خَالِدًا وَمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفَعَلَ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ، يَقُولُهُ ثَلَاثًا» . ثُمَّ تَتَابَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ – تَعَالَى -.

ذِكْرُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَرَاءَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ

وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيُّ وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى حَضْرَمَوْتَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ عَلَى صَدَقَاتِ طَيِّئٍ وَأَسَدٍ، وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَجَعَلَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ، لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَجِزْيَتَهُمْ وَيَعُودَ، فَفَعَلَ وَعَادَ، وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَبَقَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ، فَعَقَدَ الرَّجُلُ إِلَى الْجَيْشِ، فَكَسَاهُمْ، كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ الْبَزِّ الَّذِي مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَنَا الْجَيْشُ خَرَجَ عَلِيٌّ لِيَتَلَقَّاهُمْ، فَرَأَى عَلَيْهِمُ الْحُلَلَ، فَنَزَعَهَا عَنْهُمْ، فَشَكَاهُ الْجَيْشُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَامَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَطِيبًا فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَشْكُوا عَلِيًّا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» .

 

ذِكْرُ غَزْوَةِ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ

ذِكْرُ غَزْوَةِ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ

وَكَانَتْ فِي شَوَّالٍ، وَسَبَبُهَا أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ مَكَّةَ جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ أَنْ يَغْزُوَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَالُوا: لَا مَانِعَ لَهُ مِنْ غَزْوِنَا، وَالرَّأْيُ أَنْ نَغْزُوَهُ
قَبْلَ أَنْ يَغْزُوَنَا. وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَقِيفٌ يَقُودُهَا قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ سَيِّدُ الْأَحْلَافِ، وَذُو الْخِمَارِ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَخُوهُ الْأَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ سَيِّدُ بَنِي مَالِكٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إِلَّا نَصْرٌ وَجُشَمُ وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَفِي جُشَمَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا التَّيَمُّنُ بِرَأْيِهِ، وَكَانَ شَيْخًا مُجَرِّبًا
فَلَمَّا أَجْمَعَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ الْمَسِيرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَطَّ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلُوا أَوْطَاسَ جَمَعَ النَّاسَ، وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ، فَقَالَ دُرَيْدٌ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ فَقَالُوا: بِأَوْطَاسَ. قَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ، لَا حَزْنٌ شَرِسٌ، وَلَا سَهْلٌ دَهِسٌ، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَيُعَارَ الشَّاءِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ؟ قَالُوا: سَاقَ مَالِكٌ مَعَ النَّاسِ ذَلِكَ. فَقَالَ: يَا مَالِكُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: سُقْتُهُمْ مَعَ النَّاسِ لِيُقَاتِلَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْ حَرِيمِهِ وَمَالِهِ. قَالَ دُرَيْدٌ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، هَلْ يَرُدُّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ. وَقَالَ: مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ. قَالَ: غَابَ الْجِدُّ وَالْحَدُّ، لَوْ كَانَ يَوْمُ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَا. ثُمَّ قَالَ: يَا مَالِكُ، ارْفَعْ مَنْ مَعَكَ إِلَى عُلْيَا بِلَادِهِمْ، ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَّاءَ عَلَى الْخَيْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ لَحِقَ بِكَ مَنْ وَرَاءَكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إِنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ وَكَبِرَ عِلْمُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لَأَتَّكِيَّنَ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي. وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدٍ فِيهَا ذِكْرٌ. فَقَالَ دُرَيْدٌ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ يَفُتْنِي.
ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، وَشُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
وَبَعَثَ مَالِكٌ عُيُونَهُ لِيَأْتُوهُ بِالْخَبَرِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُمْ، فَقَالَ: مَا
شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، فَوَاللَّهِ مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ حَلَّ بِنَا مَا تَرَى! فَلَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ.
وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَبَرُ هَوَازِنَ أَجْمَعَ الْمَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَبَلَغَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ: أَعِرْنَا سِلَاحَكَ نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا. فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ نُؤَدِّيهَا إِلَيْكَ. قَالَ: لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا يُصْلِحُهَا مِنَ السِّلَاحِ. ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ مَعَ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ قَالَ: لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25] ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَهَا رَجُلٌ مِنْ بَكْرٍ.
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَنْ بِمَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ.
قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِي حُنَيْنٍ انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ أَجْوَفَ حَطُوطٍ، إِنَّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ، وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ سَبَقُونَا إِلَى الْوَادِي، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَمَضَايِقِهِ، قَدْ تَهَيَّئُوا وَأَعَدُّوا، فَوَاللَّهِ مَا رَاعَنَا وَنَحْنُ مُنْحَطُّونَ إِلَّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدَّتْ عَلَيْنَا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَانْحَازَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَيَّ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» ، قَالَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ احْتَمَلَتِ الْإِبِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَفَرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ، وَابْنُهُ الْفَضْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.
قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ أَمَامَ النَّاسِ، فَإِذَا أَدْرَكَ رَجُلًا طَعَنَهُ ثُمَّ رَفَعَ رَايَتَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ فَاتَّبَعُوهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ.
وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَالْأَزْلَامُ مَعَهُ. وَقَالَ كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ، وَهُوَ أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا: الْآنَ بَطَلَ السِّحْرُ.
فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ!
وَقَالَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ: الْيَوْمَ أُدْرِكُ ثَأْرِي مِنْ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ بِأُحُدٍ، قَالَ: فَأَدَرْتُ بِهِ لِأَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَ شَيْءٌ حَتَّى تَغَشَّ فُؤَادِي، فَلَمْ أُطِقْ ذَلِكَ.
وَكَانَ الْعَبَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – آخِذًا بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ دُلْدُلَ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَكَانَ الْعَبَّاسُ جَسِيمًا شَدِيدَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ! فَفَعَلَ، فَأَجَابُوهُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! فَكَانَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُثْنِيَ بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ، فَيَأْخُذُ سِلَاحَهُ ثُمَّ يَنْزِلُ عَنْهُ وَيَؤُمُّ الصَّوْتَ، فَاجْتَمَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِائَةُ رَجُلٍ فَاسْتَقْبَلَ بِهِمُ الْقَوْمَ وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – شِدَّةَ الْقِتَالِ قَالَ:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا. وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِبَغْلَتِهِ دُلْدُلٍ: الْبُدِي دُلْدُلُ، فَوَضَعَتْ بَطْنَهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ، فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، فَمَا رَجَعَ النَّاسُ إِلَّا وَالْأُسَارَى فِي الْحِبَالِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقِيلَ: بَلْ أَقْبَلَ شَيْءٌ أَسْوَدُ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلُ الْبِجَادِ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ.
وَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ قُتِلَ مِنْ ثَقِيفٍ وَبَنِي مَالِكٍ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَأَمَّا الْأَخْلَافُ مِنْ ثَقِيفٍ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُمُ انْهَزَمُوا سَرِيعًا. وَقَصَدَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ الطَّائِفَ وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَاتَّبَعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَبِيعَةُ بْنُ يَرْبُوعٍ السُّلَمِيُّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي شِجَارٍ لِكِبَرِهِ، وَأَنَاخَ بِعِيرَهُ
فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَقْتُلُكَ. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا. فَقَالَ دُرَيْدٌ: بِئْسَ مَا سَلَّحَتْكَ أُمُّكَ، خُذْ سَيْفِي فَاضْرِبْ بِهِ، ثُمَّ ارْفَعْ عَنِ الْعِظَامِ وَاخْفِضْ عَنِ الدِّمَاغِ، فَإِنِّي كَذَلِكَ كُنْتُ أَقْتُلُ الرِّجَالَ، وَإِذَا أَتَيْتَ أُمَّكَ فَأَخْبِرْهَا أَنَّكَ قَتَلْتَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَرُبَّ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْتُ فِيهِ نِسَاءَكَ. فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا أَخْبَرَ أُمَّهُ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْتَقَ أُمَّهَاتٍ لَكَ ثَلَاثًا. وَاسْتَلَبَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَحْدَهُ، وَقَتَلَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» .
وَقَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَتِيلًا، وَأَجْهَضَهُ الْقِتَالُ عَنْ أَخْذِ سَلَبِهِ، فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَلِكَ قَامَ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: قَتَلْتُ قَتِيلًا وَأَخَذَ غَيْرِي سَلَبَهُ. فَقَالَ الَّذِي أَخَذَ السَّلَبَ: هُوَ عِنْدِي فَارْضِهِ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا وَاللَّهِ، لَا تَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ تُقَاسِمُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَبَ.
وَكَانَ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ، فَقُتِلَ، فَبَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْتَلِبُ قَتْلَى ثَقِيفٍ إِذْ كَشَفَ الْعَبْدَ فَرَآهُ أَغْرَلَ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، إِنَّ ثَقِيفًا لَا تَخْتَتِنُ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، إِنَّمَا هُوَ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ، وَأَرَاهُ قَتْلَى ثَقِيفٍ مُخْتَتِنِينَ.
«وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الطَّرِيقِ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَهَا؟ قَالُوا: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَقَالَ لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ: أَدْرِكْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ امْرَأَةً أَوْ وَلِيدًا أَوْ عَسِيفًا.» وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ.
وَكَانَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ بِأَوْطَاسٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ، عَمَّ أَبِي مُوسَى، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ بِسَهْمٍ، قِيلَ رَمَاهُ سَلَمَةُ بْنُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ، وَقَتَلَ أَبُو مُوسَى سَلَمَةَ هَذَا بِعَمِّهِ أَبِي عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ بِأَوْطَاسٍ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ
وَالسَّبَايَا، فَسَاقُوا فِي السَّبْيِ الشَّيْمَاءَ ابْنَةَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، فَقَالَتْ لَهُمْ: إِنِّي وَاللَّهِ أُخْتُ صَاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهَا حَتَّى أَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي أُخْتُكَ. قَالَ: «وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ. فَعَرَفَهَا وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا فَقَالَ: إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُكَرَّمَةٌ مُحَبَّبَةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ. قَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي، فَفَعَلَ» .
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالسَّبَايَا وَالْأَمْوَالِ، فَجُمِعَتْ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ.
وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِحُنَيْنٍ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَغَيْرُهُمَا.

ذِكْرُ حِصَارِ الطَّائِفِ

لَمَّا قَدِمَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ ثَقِيفٍ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَى الطَّائِفِ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ مَدِينَتَهُمْ، وَاسْتَحْصَرُوا، وَجَمَعُوا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. فَسَارَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا كَانَ بِبُحْرَةِ الرُّغَاءِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الطَّائِفِ قَتَلَ بِهَا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ قِصَاصًا، كَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَارَ إِلَى ثَقِيفٍ فَحَصَرَهُمْ بِالطَّائِفِ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ مَنْجَنِيقًا أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطَّائِفِ، دَخَلَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَحْتَ دَبَّابَةٍ عَمِلُوهَا، ثُمَّ زَحَفُوا بِهَا إِلَى جِدَارِ الطَّائِفِ، فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ الْمُحْمَاةِ، فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا، فَرَمَاهُمْ مَنْ بِالطَّائِفِ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا رِجَالًا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَقُطِعَتْ. وَنَزَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَفَرٌ مِنْ رَقِيقِ أَهْلِ الطَّائِفِ
فَأَعْتَقَهُمْ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: أَبُو بَكْرَةَ بِبَكْرَةٍ نَزَلَ فِيهَا، وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ تَكَلَّمَتْ سَادَاتُ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ فِي أَنْ يَرُدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الرِّقِّ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ.
ثُمَّ إِنَّ خُوَيْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الطَّائِفَ حُلِيَّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، أَوْ حُلِيَّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ، وَكَانَتَا مِنْ أَكْثَرِ النِّسَاءِ حُلِيًّا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتِ إِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ؟ فَخَرَجَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ أَنَّكَ قَدْ قُلْتَهُ؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُهُ. قَالَ: أَفَلَا أُؤَذِّنُ بِالرَّحِيلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ.
وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اسْتَشَارَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدُّثْلِيَّ فِي الْمُقَامِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ، فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ. فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ عَلَى ثَقِيفٍ. قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ» . فَلَمَّا رَأَتْ ثَقِيفٌ النَّاسَ قَدْ رَحَلُوا عَنْهُمْ نَادَى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ: أَلَا إِنَّ الْحَيَّ مُقِيمٌ. فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَجَلْ وَاللَّهِ، مَجَدَةً كِرَامًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا عُيَيْنَةُ، أَتَمْدَحُهُمْ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جِئْتُ لِأُقَاتِلَ مَعَكُمْ ثَقِيفًا، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنْ ثَقِيفٍ جَارِيَةً، لَعَلَّهَا تَلِدُ لِي رَجُلًا، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَنَاكِيرُ.
وَاسْتُشْهِدَ بِالطَّائِفِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رُمِيَ بِسَهْمٍ فَمَاتَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ.
(وَهَذِهِ بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ قَالَ فِيهَا هِيتٌ الْمُخَنَّثُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ فَسَلْ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُنَفِّلَكَ بَادِيَةَ بِنْتَ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا هَيْفَاءُ شَمُوعٌ نَجْلَاءُ، إِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ، وَإِنْ قَامَتْ تَثَنَّتْ، وَإِنْ مَشَتِ ارْتَجَّتْ، وَإِنْ قَعَدَتْ تَبَنَّتْ، تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، بِثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ، بَيْنَ رِجْلَيْهَا كَالْقَعْبِ الْمُكْفَأِ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ عَلِمْتَ
الصِّفَةَ. وَمَنَعَهُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى نِسَائِهِ) .

ذِكْرُ قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ

لَمَّا رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الطَّائِفِ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، وَأَتَتْهُ وُفُودُ هَوَازِنَ بِالْجِعْرَانَةِ وَقَدْ أَسْلَمُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَقَامَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَرْضَعُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ، وَلَوْ أَنَّا أَرْضَعْنَا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيَّ أَوِ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ لَرَجَوْنَا عَطْفَهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ! ثُمَّ قَالَ:
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
فِي أَبْيَاتٍ. فَخَيَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَيْنَ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، فَاخْتَارُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا أَنَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا، فَسَأُعْطِيكُمْ وَأَسْأَلُ فِيكُمْ. فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ. وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي تَمِيمٍ فَلَا. وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: مَا كَانَ لِي وَلِفَزَارَةَ فَلَا. وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: مَا كَانَ لِي وَلِسُلَيْمٍ فَلَا. فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: وَهَّنْتُمُونِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَمَسَّكَ بِحَقِّهِ مِنَ السَّبْيِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ، مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ نُصِيبُهُ، فَرَدُّوا عَلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ، فَقِيلَ: إِنَّهُ بِالطَّائِفِ. فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةَ بَعِيرٍ. فَأُخْبِرَ مَالِكٌ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنَ الطَّائِفِ سِرًّا وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ –
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى قَوْمِهِ، وَعَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ الَّتِي حَوْلَ الطَّائِفِ، فَأَعْطَاهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَمِائَةَ بَعِيرٍ. وَكَانَ يُقَاتِلُ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ ثُمَالَةَ وَفَهْمٍ وَسَلَمَةَ – ثَقِيفًا، لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إِلَّا أَغَارَ عَلَيْهِ، حَتَّى ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.
«وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ رَدِّ سَبَايَا هَوَازِنَ رَكِبَ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا، حَتَّى أَلْقَوْهُ إِلَى شَجَرَةٍ، فَاخْتُطِفَ رِدَاؤُهُ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ شَجَرِ تِهَامَةَ نَعَمٌ لَقَسَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا. ثُمَّ رَفَعَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِ بَعِيرٍ وَقَالَ: لَيْسَ لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ، إِلَّا الْخُمْسُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» . ثُمَّ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، وَكَانُوا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، يَتَأَلَّفُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ وَابْنَهُ مُعَاوِيَةَ وَحَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، وَالْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ، وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَمَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّصْرِيَّ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةَ بَعِيرٍ، وَأَعْطَى دُونَ الْمِائَةِ رِجَالًا، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ، وَأَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَبَاعِرَ، فَسَخِطَهَا وَقَالَ:
كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا … بِكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا … إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْ … دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَأِ … فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
إِلَّا أَفَائِلَ أُعْطِيتُهَا عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ … وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ
يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ … وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا
وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
فَأَعْطَاهُ حَتَّى رَضِيَ.
«وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ، وَتَرَكْتَ جُعَيْلَ بْنَ
سُرَاقَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ رِجَالًا، كُلُّهُمْ مِثْلُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ. وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلًا إِلَى إِسْلَامِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ لَمْ تَعْدِلِ الْيَوْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ ! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَلَا نَقْتُلُهُ؟ ! فَقَالَ: دَعُوهُ، سَتَكُونُ لَهُ شِيعَةٌ يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهُ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» .
وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ فِي مَالٍ بَعَثَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَسَّمَهُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: عُيَيْنَةُ، وَالْأَقْرَعُ، وَزَيْدُ الْخَيْلِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْغَنَائِمِ فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يُعْطَ الْأَنْصَارُ شَيْئًا – وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْمَهُ. فَأَخْبَرَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَنَا مِنْ قَوْمِي. قَالَ: فَاجْمَعْ قَوْمَكَ لِي، فَجَمَعَهُمْ. فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَفُقَرَاءَ، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَأَعْدَاءَ، فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟ قَالُوا: بَلَى – وَاللَّهِ – يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ. فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ قَالُوا: بِمَاذَا نُجِيبُكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، فَصَدَقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَوَاسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا. وَتَفَرَّقُوا» .
ثُمَّ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْجِعْرَانَةِ، وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وَتَرَكَ مَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُفَقِّهُ النَّاسَ، وَحَجَّ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ بِالنَّاسِ، وَحَجَّ
النَّاسُ تِلْكَ السَّنَةَ عَلَى مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ أَوْ ذِي الْحَجَّةِ.
وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعِيَاذٍ ابْنَيِ الْجُلَنْدَى مِنَ الْأَزْدِ بِعُمَانَ مُصَدِّقًا، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ، وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الْبَلَدِ وَكَانَ الْعَرَبُ حَوْلَهَا. وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْكِلَابِيَّةَ، وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، فَاخْتَارَتِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَفَارَقَهَا.
وَفِيهَا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي ذِي الْحَجَّةِ، فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّ بُرْدَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةِ فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، وَزَوْجُهَا الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَكَانَتْ قَابِلَتَهَا سَلْمَى مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَرْسَلَتْ أَبَا رَافِعٍ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُبَشِّرُهُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَوَهَبَ لَهُ مَمْلُوكًا، وَغَارَ نِسَاءُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَظُمَ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَتْ مَارِيَةُ مِنْهُ وَلَدًا.
وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَعْبَ بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى ذَاتِ إِطْلَاحٍ مِنَ الشَّامِ، إِلَى نَفَرٍ مِنْ قُضَاعَةَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، وَكَانَ رَئِيسُ قُضَاعَةَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سَدُوسٌ، فَقَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ وَنَجَا عُمَيْرٌ، فَتَقَدَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا بَعَثَ أَيْضًا عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ تَمِيمٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَسَبَى مِنْهُمْ نِسَاءً، وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا سَبْيُ بَنِي الْعَنْبَرِ يَقْدَمُ عَلَيْنَا، فَنُعْطِيكِ إِنْسَانًا فَتُعْتِقِينَهُ.

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ ذِكْرُ إِسْلَامِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ

قِيلَ: خَرَجَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَأَبُو سُلْمَى رَبِيعَةُ الْمُزَنِيُّ، وَمَعَهُ أَخُوهُ بُجَيْرٌ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعَزَّافَ، فَقَالَ لَهُ بُجَيْرٌ: اثْبُتْ فِي غَنَمِنَا حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَسْمَعَ مِنْهُ. فَأَقَامَ كَعْبٌ وَسَارَ بُجَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَسْلَمَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا فَقَالَ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً … عَلَى أَيِّ شَيْءٍ وَيْبَ غَيْرِكَ دَلَّكًا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا … عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا
سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ … فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُورُ مِنْهَا وَعَلَّكَا
فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْلُهُ غَضِبَ وَأَهْدَرَ دَمَهُ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ بُجَيْرٍ إِلَى أَخِيهِ بَعْدَ عَوْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الطَّائِفِ، وَقَالَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ، وَمَا أَدْرِي أَنْ تَتَفَلَّتَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ، وَأَقْبِلْ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَعَ الْإِسْلَامِ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ. فَأَسْلَمَ كَعْبٌ، وَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ أَصْحَابِهِ، قَالَ كَعْبٌ: فَعَرَفْتُهُ بِالصِّفَةِ، فَتَخَطَّيْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ وَقُلْتُ: الْأَمَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ. قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ. قَالَ: الَّذِي يَقُولُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ قَالَ؟ فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْيَاتَ الَّتِي أَوَّلُهَا:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً
فَقَالَ كَعْبٌ: مَا هَكَذَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قُلْتُ:
سَقَاكَ أَبُو بَكْرٍ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ … فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَأْمُونٌ وَاللَّهِ. فَتَجَهَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ وَأَغْلَظَتْ لَهُ، وَلَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَأَحَبَّتْ إِسْلَامَهُ، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي أَوَّلُهَا:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ:
وَقَالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ … لَا أُلْهِينَكَ إِنِّي عَنْهُ مَشْغُولُ
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي … وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ … بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ … عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمْ … وَمَا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى قُرَيْشٍ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنِ اسْمَعُوا، حَتَّى قَالَ:
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ … ضَرْبٌ إِذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ
يُعَرِّضُ بِالْأَنْصَارِ لِغِلْظَتِهِمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَتْ قُرَيْشٌ قَوْلَهُ وَقَالُوا: لَمْ تَمْدَحْنَا إِذْ هَجَوْتَهُمْ، وَلَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، وَعَظُمَ عَلَى الْأَنْصَارِ هَجْوُهُ، فَشَكَوْهُ، فَقَالَ يَمْدَحُهُمْ:
مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ … فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ
الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ … يَوْمَ الْهِيَاجِ وَسَطْوَةِ الْجَبَّارِ
يَتَطَهَّرُونَ كَأَنَّهُ نُسْكٌ لَهُمْ … بِدِمَاءِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْكُفَّارِ
فِي أَبْيَاتٍ. فَكَسَاهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى
كَعْبٍ: أَنْ بِعْنَا بُرْدَةَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ كَعْبٌ اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ أَوْلَادِهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهِيَ الْبُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الْخُلَفَاءِ الْآنَ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقَتْلِهِ وَقَطْعِ لِسَانِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَشَبَّبَ بِأُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ.
(أَبُو سُلْمَى بِضَمِّ السِّينِ وَالْإِمَالَةِ. وَالْمَأْمُورُ بِالرَّاءِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ: مَأْمُورٌ، بِالرَّاءِ، يُرِيدُونَ أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ تَأْمُرُهُ بِهِ الْجِنُّ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ – تَعَالَى – وَلَكِنَّهُ كَرِهَهُ لِعَادَتِهِمْ، فَلَمَّا قَالَ: الْمَأْمُونُ بِالنُّونِ، رَضِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَى الْوَحْيِ. وَبُجَيْرٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِالْجِيمِ) .

 

ذِكْرُ فَتْحِ مَكَّةَ

ذِكْرُ فَتْحِ مَكَّةَ

وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ جُمَادَى الْآخِرَةَ وَرَجَبًا، ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْوَتِيرُ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَبَكْرٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ، وَكَانَ حَلِيفًا لِلْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ الدُّئِلِيِّ، ثُمَّ الْبَكْرِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمَّا كَانَ بِأَرْضِ خُزَاعَةَ قَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ، وَهُمْ سَلْمَى، وَكُلْثُومٌ، وَذُؤَيْبٌ، فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ، وَكَانُوا مِنْ أَشْرَافِ بَنِي بَكْرٍ، فَبَيْنَمَا خُزَاعَةُ وَبَكْرٌ عَلَى ذَلِكَ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَخَلَتْ بَكْرٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، اغْتَنَمَتْ بَكْرٌ تِلْكَ الْهُدْنَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْ خُزَاعَةَ ثَأْرَهُمْ بِقَتْلِ بَنِي الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدُّئِلِيُّ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ بَكْرٍ حَتَّى بَيَّتَ خُزَاعَةَ عَلَى مَاءِ الْوَتِيرِ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ بَكْرٍ يُنْشِدُ هِجَاءَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَشَجَّهُ، فَهَاجَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَثَارَتْ بَكْرٌ بِخُزَاعَةَ حَتَّى بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ، وَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ بِسِلَاحٍ وَدَوَابَّ، وَقَاتَلَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُخْتَفِينَ، مِنْهُمْ: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَانْحَازَتْ خُزَاعَةُ إِلَى الْحَرَمِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ. فَلَمَّا دَخَلَتْ خُزَاعَةُ الْحَرَمَ، قَالَتْ بَكْرٌ: يَا نَوْفَلُ، إِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ، إِلَهَكَ إِلَهَكَ! فَقَالَ: لَا إِلَهَ لَهُ الْيَوْمَ، يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتُسْرِفُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ؟
فَلَمَّا نَقَضَتْ بَكْرٌ وَقُرَيْشٌ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، ثُمَّ الْكَعْبِيُّ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
لَاهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا … ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا … وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا … أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يَنْمِي صُعُدَا
إِنْ سِيمَ خَسَفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا … فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا
إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا … وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا … وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا
وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا … هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا
فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ! ثُمَّ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنَانٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ» .
وَكَانَ بَيْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَخُزَاعَةَ حِلْفٌ قَدِيمٌ، فَلِهَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ:
حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ، فَنَادَوْهُ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: يَا لَبَّيْكُمْ! وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ قَالَ «كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ خَوْفًا، وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ» .
وَمَضَى بُدَيْلٌ فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بِعُسْفَانَ يُرِيدُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ خَوْفًا مِنْهُ، فَقَالَ لِبُدَيْلٍ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خُزَاعَةَ فِي السَّاحِلِ وَبَطْنِ هَذَا الْوَادِي. قَالَ: أَوَمَا أَتَيْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا رَاحَ بُدَيْلٌ: انْظُرُوا بَعْرَ نَاقَتِهِ، فَإِنْ جَاءَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ النَّوَى. فَنَظَرُوا بَعْرَ النَّاقَةِ، فَرَأَوْا فِيهِ النَّوَى.
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ طَوَتْهُ عَنْهُ. فَقَالَ: أَرَغِبْتِ بِهِ عَنِّي أَمْ رَغِبْتِ بِي عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرٌّ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَلَّمَهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: أَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ! وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا الذَّرَّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى عَلِيًّا وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ غُلَامٌ، فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَمْرٍ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. فَقَالَ لِفَاطِمَةَ: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي ابْنَكِ هَذَا أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونَ سَيِّدَ الْعَرَبِ؟ فَقَالَتْ: مَا بَلَغَ ابْنِي أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَحَدٌ. فَالْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ: أَرَى الْأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فَانْصَحْنِي. قَالَ: أَنْتَ سَيِّدُ كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ وَالْحَقْ بِأَرْضِكَ. فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ. ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ وَقَدِمَ مَكَّةَ، وَأَخْبَرَ قُرَيْشًا مَا جَرَى لَهُ وَمَا أَشَارَ بِهِ عَلِيٌّ عَلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا زَادَ عَلَى أَنْ يَسْخَرَ بِكَ.
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَجَهَّزَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالتَّجَهُّزِ إِلَى مَكَّةَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا. فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، وَسَيَّرَهُ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ مُزَيْنَهَ اسْمُهَا كَنُودُ، وَقِيلَ: مَعَ سَارَةَ مَوْلَاةٍ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ. فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ، فَأَدْرَكَاهَا وَأَخَذَا مِنْهَا الْكِتَابَ، وَجَاءَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَحْضَرَ حَاطِبًا وَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا بَدَّلْتُ وَلَا غَيَّرْتُ، وَلَكِنْ لِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَهْلٌ وَوَلَدٌ، وَلَيْسَ لِي عَشِيرَةٌ، فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ؟ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي حَاطِبٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» .
ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنٍ
الْغِفَارِيَّ، وَخَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَفَتَحَ مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْهُ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ، فَأَفْطَرُوا، وَاسْتَوْعَبَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمُ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ، وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَدْرَكَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَلَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالسُّقْيَا، وَقِيلَ: بِذِي الْحُلَيْفَةِ، مُهَاجِرًا، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُرْسِلَ رَحْلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَيَعُودَ مَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ آخِرُ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَلَقِيَهُ أَيْضًا مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ بِنِيقِ الْعُقَابِ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا وَقَالَتْ لَهُ: ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ بِمَكَّةَ مَا قَالَ. فَلَمَّا سَمِعَا ذَلِكَ وَكَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ ابْنٌ لَهُ اسْمُهُ جَعْفَرٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأْذَنُ لِي، أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا. فَرَقَّ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَدْخَلَهُمَا إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَا.
وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91] فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْهُ فِعْلًا وَلَا قَوْلًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] ، وَقَرَّبَهُمَا، فَأَسْلَمَا، «وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَهُ فِي إِسْلَامِهِ وَاعْتِذَارِهِ مِمَّا مَضَى:
لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً … لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ … فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي
وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي … مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ
الْأَبْيَاتَ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَدْرَهُ وَقَالَ: أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ؟» .
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَيَاءً مِنْهُ.

وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، مِنْ بَنِي غِفَارٍ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَمِنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ سَبْعُمِائَةٍ، وَمِنْ جُهَيْنَةَ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَحُلَفَائِهِمْ، وَطَوَائِفَ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ مِنْ تَمِيمٍ وَأَسَدٍ وَقَيْسٍ.
فَلَمَّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا هَلَاكَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ لَئِنْ بَغَتَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي بِلَادِهَا، فَدَخَلَ عَنْوَةً، إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. فَجَلَسَ عَلَى بَغْلَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: أَخْرُجُ لَعَلِّي أَرَى حَطَّابًا أَوْ رَجُلًا يَدْخُلُ مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَيَأْتُونَهُ وَيَسْتَأْمِنُونَهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ أَطُوفُ فِي الْأَرَاكِ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ؛ قَدْ خَرَجُوا يَتَجَسَّسُونَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ نِيرَانًا أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ. فَقَالَ بُدَيْلٌ: هَذِهِ نِيرَانُ خُزَاعَةَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ – يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ كَانَ يُكَنَّى بِذَلِكَ – فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ؟ ! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَبَّيْكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْمُسْلِمِينَ أَتَاكُمْ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ. قَالَ: مَا تَأْمُرُنِي؟ قُلْتُ: تَرْكَبُ مَعِي، فَأَسْتَأْمِنُ لَكَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. فَرَدَفَنِي، فَخَرَجْتُ أَرْكُضُ بِهِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى مَرَرْنَا بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ! ثُمَّ اشْتَدَّ نَحْوَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَرَكَضَتِ الْبَغْلَةُ فَسَبَقْتُ عُمَرَ، وَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ وَقَالَ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ. ثُمَّ أَخَذْتُ بِرَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقُلْتُ: لَا يُنَاجِيهِ الْيَوْمَ أَحَدٌ دُونِي. فَلَمَّا أَكْثَرَ فِيهِ عُمَرُ قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ، فَوَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلَّا لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. فَقَالَ: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ فَقَدْ آمَنَّاهُ حَتَّى تَغْدُوَ عَلَيَّ بِهِ بِالْغَدَاةِ. فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَغَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: بَلَى، بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا. فَقَالَ: وَيْحَكَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي، أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ، تَشَهَّدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ! قَالَ: فَتَشَهَّدَ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلْعَبَّاسِ: اذْهَبْ فَاحْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ. فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ فَحَبَسْتُهُ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِلُ فَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: أَسْلَمُ. فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِأَسْلَمَ. وَيَقُولُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَأَقُولُ: جُهَيْنَةُ. فَيَقُولُ: مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ. حَتَّى مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْحَدِيدِ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ. فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَقَالَ: لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا، فَقُلْتُ: وَيْحَكَ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ. فَقَالَ: نَعَمْ إِذَنْ. فَقُلْتُ: الْحَقْ بِقَوْمِكَ سَرِيعًا فَحَذِّرْهُمْ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ وَمَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَقَالُوا: فَمَهْ. قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا.
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَتْ: يَا آلَ غَالِبٍ، اقْتُلُوا هَذَا الشَّيْخَ الْأَحْمَقَ. فَقَالَ: أَرْسِلِي لِحْيَتِي، وَأُقْسِمُ لَئِنْ أَنْتِ لَمْ تُسْلِمِي لَتُضْرَبَّنَ عُنُقُكِ، ادْخُلِي بَيْتَكِ! فَتَرَكَتْهُ.
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي أَثَرِهِمَا الزُّبَيْرَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَأَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ بِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَدَاءٍ، فَقَالَ سَعْدٌ حِينَ وَجَّهَهُ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ. فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَدْرِكْهُ، فَخُذِ الرَّايَةَ مِنْهُ، وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا، وَأَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ مِنَ اللِّيطِ فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَكَانَ مَعَهُ أَسْلَمُ، وَغِفَارُ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَقَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ.
وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِبُرْدِ خَزٍّ
أَحْمَرَ، وَقَدْ وَضَعَ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا لِلَّهِ – تَعَالَى – حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ، حَتَّى إِنَّ أَسْفَلَ لِحْيَتِهِ لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ الرَّحْلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَدَخَلَ مِنْ أَذَاخِرَ بِأَعْلَاهَا، وَضُرِبَتْ قُبَّتُهُ هُنَاكَ.
وَكَانَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو – قَدْ جَمَعُوا نَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَمَعَهُمُ الْأَحَابِيشُ، وَبَنُو بَكْرٍ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، فَلَقِيَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَابِرُ بْنُ حُسَيْلٍ الْفِهْرِيُّ، وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ الْأَشْعَرُ الْكَعْبِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ.
وَكَانَ مَعَ عِكْرِمَةَ حِمَاسُ بْنُ خَالِدٍ الدُّئِلِيُّ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: لَآتِيَنَّكِ بِخَادِمٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا مُنْهَزِمًا قَالَتْ لَهُ، تَسْتَهْزِئُ بِهِ: أَيْنَ الْخَادِمُ؟ ! فَقَالَ:
فَأَنْتِ لَوْ شَهِدْتِنَا بِالْخَنْدَمَهْ … إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ كَالْعَجُوزِ الْمُؤْتَمَهْ … لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
إِذْ ضَرَبَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُثْلَمَهْ … لَهُمْ زَفِيرٌ خَلْفَنَا وَغَمْغَمَهْ
أَبُو يَزِيدَ هَذَا هُوَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ لَا يَقْتُلُوا أَحَدًا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ دُخُولَ مَكَّةَ – قَامَ فِي وُجُوهِهِمْ نِسَاءٌ مُشْرِكَاتٌ، يَلْطُمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخُمُرِ، وَقَدْ نَشَرْنَ شُعُورَهُنَّ، فَرَآهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِلَى جَنْبِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟ فَأَنْشَدَهُ:
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ … تُلَطِّمُهُنَ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ ثَمَانِيَةِ رِجَالٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَمَّا الرِّجَالُ فَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، كَانَ يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي إِيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَدَاوَتِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَكَّةَ خَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَسْلَمَتِ أَمِرْأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ، وَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ وَمَعَهَا غُلَامٌ لَهَا رُومِيٌّ، فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَأَطْمَعَتْهُ وَلَمْ تُمَكِّنْهُ، حَتَّى أَتَتْ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَاسْتَعَانَتْهُمْ عَلَيْهِ، فَأَوْثَقُوهُ، وَأَدْرَكَتْ عِكْرِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ رُكُوبَ الْبَحْرِ فَقَالَتْ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَوْصَلِ النَّاسِ، وَأَحْلَمِهِمْ، وَأَكْرَمِهِمْ، وَقَدْ آمَنَكَ، فَرَجَعَ، وَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ الرُّومِيِّ، فَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سُرَّ بِهِ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَاسْتَغْفَرَ.
وَمِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أَيْضًا شَدِيدًا عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَهَرَبَ خَوْفًا مِنْهُ إِلَى جُدَّةَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفْوَانَ سَيِّدُ قَوْمِي، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ فَآمِنْهُ. قَالَ: هُوَ آمِنٌ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مَكَّةَ لِيَعْرِفَ بِهَا أَمَانَهُ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ فَأَدْرَكَهُ بِجُدَّةَ، فَأَعْلَمَهُ بِأَمَانِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ أَحْلَمُ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ، وَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكَ، وَعِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي. قَالَ: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ. فَرَجَعَ صَفْوَانُ وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ آمَنْتَنِي. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: اجْعَلْنِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ. قَالَ: أَنْتَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. فَأَقَامَ مَعَهُ كَافِرًا، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَتُوفِيَّ بِمَكَّةَ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَوْمِ الْجَمَلِ.
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَبَ الْوَحْيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ: عَزِيزٌ حَكِيمٌ، يَكْتُبُ: عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ: إِنِّي أَكْتُبُ أَحْرُفَ مُحَمَّدٍ فِي قُرْآنِهِ حَيْثُ شِئْتُ، وَدِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَرَّ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عُثْمَانُ حَتَّى اطْمَأَنَّ النَّاسُ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَطَلَبَ لَهُ الْأَمَانَ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – طَوِيلًا ثُمَّ آمَنَهُ، فَأَسْلَمَ وَعَادَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَصْحَابِهِ: لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقْتُلَهُ أَحَدُكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هَلَّا أَوْمَأَتْ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَقْتُلَ بِالْإِشَارَةِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَكُونُ لَهُمْ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» .
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُصَدِّقًا وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغُلَامٌ لَهُ رُومِيٌّ قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ الرُّومِيُّ يَخْدُمُهُ وَيَصْنَعُ الطَّعَامَ، فَنَسِيَ يَوْمًا أَنْ يَصْنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَتَلَهُ وَارْتَدَّ، وَكَانَ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغْنِيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ، أَخُو عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ.
وَمِنْهُمُ الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ، وَيُنْشِدُ الْهِجَاءَ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ هَرَبَ مِنْ بَيْتِهِ، فَلَقِيَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَهُ.
وَمِنْهُمْ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ قَتَلَ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ هِشَامًا خَطَأً وَارْتَدَّ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ اخْتَفَى بِمَكَانٍ هُوَ وَجَمَاعَةٌ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، فَعَلِمَ بِهِ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنَانِيُّ، فَأَتَاهُ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ.
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ وَيُعَظِّمُ الْقَوْلَ فِيهِ، فَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ هُوَ وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ – إِلَى نَجْرَانَ، فَأَمَّا هُبَيْرَةُ فَأَقَامَ بِهَا مُشْرِكًا حَتَّى هَلَكَ، وَأَمَّا ابْنُ الزِّبَعْرَى فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَاعْتَذَرَ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ، فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:
يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ
إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ فِي سُنَنِ الْغَيِّ … وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ
آمَنَ اللَّحْمُ وَالْعِظَامُ بِرَبِّي … ثُمَّ نَفْسِي الشَّهِيدُ أَنْتَ النَّذِيرُ
فِي أَشْعَارٍ لَهُ كَثِيرَةٌ يَعْتَذِرُ فِيهَا.
وَمِنْهُمْ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَاتِلُ حَمْزَةَ، فَهَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى الطَّائِفِ، ثُمَّ قَدِمَ فِي وَفْدِ أَهْلِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَحْشِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ عَمِّي؟ فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى وَقَالَ: غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي» . وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُلِدَ فِي الْخَمْرِ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الْمُعَصْفَرَ الْمَصْقُولَ فِي الشَّامِ.
وَهَرَبَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَرَآهُ أَبُو ذَرٍّ فِي حَائِطٍ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَانِهِ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ آمَنَّا النَّاسَ إِلَّا مَنْ قَدْ أَمَرْنَا بِقَتْلِهِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَسْلَمَ. قِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: يَا شَيْخُ، تَأَخَّرَ إِسْلَامُكَ. فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَانَ يَصُدُّنِي عَنْهُ أَبُوكَ.
فَأَمَّا النِّسَاءُ فَمِنْهُنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمَرَ بِقَتْلِهَا لِمَا فَعَلَتْ بِحَمْزَةَ، وَلِمَا كَانَتْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ مَعَ النِّسَاءِ مُتَخَفِّيَةً فَأَسْلَمَتْ، وَكَسَرَتْ كُلَّ صَنَمٍ فِي بَيْتِهَا وَقَالَتْ: لَقَدْ كُنَّا مِنْكُمْ فِي غُرُورٍ، وَأَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جَدْيَيْنِ، وَاعْتَذَرَتْ مِنْ قِلَّةِ وِلَادَةِ غَنَمِهَا، فَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ فِي غَنَمِهَا فَكَثُرَتْ، فَكَانَتْ تَهَبُ وَتَقُولُ: هَذَا مِنْ بَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ.
وَمِنْهُنَّ سَارَةُ، وَهِيَ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْ كِتَابَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْلِمَةً فَوَصَلَهَا، فَعَادَتْ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدَّةً، فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا، فَقَتَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَمِنْهُنَّ قَيْنَتَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ، وَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا وَاسْمُهَا قَرِيبَةُ، وَفَّرَتِ الْأُخْرَى وَتَنَكَّرَتْ وَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –
فَأَسْلَمَتْ، وَبَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسَهُ خَطَأً فَمَاتَتْ، وَقِيلَ: بَقِيَتْ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَكَسَرَ رَجُلٌ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهَا خَطَأً فَمَاتَتْ، فَأَغْرَمَهُ عُثْمَانُ دِيَتَهَا.
«وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَكَّةَ كَانَتْ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا كُلُّ دَمٍ أَوْ مَأْثُرَةٍ أَوْ مَالٍ يُدَّعَى فَهُوَ تَحْتُ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلَّا سَدَانَةَ الْبَيْتِ، وَسِقَايَةَ الْحَجِّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: اذْهَبُوا، فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ. فَعَفَا عَنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ مِنْهُمْ، وَكَانُوا لَهُ فَيْئًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقَاءَ. وَطَافَ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا، وَدَخَلَهَا وَصَلَّى فِيهَا، وَرَأَى فِيهَا صُوَرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَكَانَ عَلَى الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، وَكَانَ بِيَدِهِ قَضِيبٌ، فَكَانَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْأَصْنَامِ وَهُوَ يَقْرَأُ: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] فَلَا يُشِيرُ إِلَى صَنَمٍ مِنْهَا إِلَّا سَقَطَ لِوَجْهِهِ. وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ بِهَا وَخُدِمَتْ وَكُسِرَتْ» .
ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلْبَيْعَةِ عَلَى الصَّفَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تَحْتَهُ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَ يُبَايِعُهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا، فَكَانَتْ هَذِهِ بَيْعَةَ الرِّجَالِ.
وَأَمَّا بَيْعَةُ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الرِّجَالِ بَايَعَ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُ مِنْهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، مِنْهُنَّ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وَدٍّ الْعَامِرِيِّ، وَأَرْوَى بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ عَمَّةُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَأُخْتُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، وَأُمُّهُ بِنْتُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أُخْتُ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعْدٍ حَلِيفِ بَنِي مَخْزُومٍ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ، وَيُسَيْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ
الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَفَاخِتَةُ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أُخْتُ خَالِدٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَرَيْطَةُ بِنْتُ الْحَجَّاجِ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي غَيْرِهِنَّ، وَكَانَتْ هِنْدُ مُتَنَكِّرَةً لِصَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ، فَهِيَ تَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ بِهِ، وَقَالَ لَهُنَّ: تُبَايِعْنَنِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا. قَالَتْ هِنْدُ: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَتَأْخُذُ عَلَيْنَا مَا لَا تَأْخُذُهُ عَلَى الرِّجَالِ، فَسَنُؤْتِيكَهُ. قَالَ: وَلَا تَسْرِقْنَ. قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَةَ وَالْهَنَةَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَ حَاضِرًا: أَمَّا مَا مَضَى فَأَنْتِ مِنْهُ فِي حِلٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهِنْدُ؟ قَالَتْ أَنَا هِنْدُ فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ. قَالَ وَلَا تَزْنِينَ. قَالَتْ: وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ قَالَ: وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ. قَالَتْ: رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا، وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ. فَضَحِكَ عُمَرُ. قَالَ: وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ. قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ، وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ. قَالَ: وَلَا تَعْصِينَنِي فِي مَعْرُوفٍ. قَالَتْ مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعُمَرَ: «بَايِعْهُنَّ. وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَمَسُّ النِّسَاءَ، وَلَا يُصَافِحُ امْرَأَةً، وَلَا تَمَسُّهُ امْرَأَةٌ إِلَّا امْرَأَةٌ أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ، أَوْ ذَاتُ مَحْرَمٍ مِنْهُ» .
وَلَمَّا جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَقُرَيْشٌ فَوْقَ الْجِبَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ أَمِنَ، فَلَمَّا أَذَّنَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَتْ جُوَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبِي حِينَ لَمْ يَشْهَدْ نَهِيقَ بِلَالٍ فَوْقَ الْكَعْبَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا قَالَتْ: لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَسَنُصَلِّي، وَلَكِّنَا لَا نُحِبُّ مَنْ قَتَلَ الْأَحِبَّةَ.
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَسَدٍ، أَخُو عُثْمَانَ بْنِ أَسَدٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبِي، فَلَمْ يَرَ هَذَا الْيَوْمَ.
الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: لَيْتَنِي مُتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ. ثُمَّ أَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
(وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْمُشْكِلَةُ، فَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِالْحَاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَلْتَعَةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ اللَّامِ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا. وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ
بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَيَاءَيْنِ مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ تَحْتُ، ثُمَّ نُونٍ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَعَتَّابٌ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَأَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ) .
وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ: ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ، فَتَعْنِي بِابْنِ عَمِّهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنِ عَمَّتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ أَخُوهَا لِأَبِيهَا، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ فِي مَكَّةَ مَا قَالَ: فَإِنَّهُ قَالَ بِمَكَّةَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَرْقَى فِي السَّمَاءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ. وَقَدْ غَلِطَ هُنَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ: ابْنُ عَمَّتِكَ، أَنَّ جَدَّةَ النَّبِيِّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ كَانَتْ مَخْزُومِيَّةً، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ مَخْزُومِيٌّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنَ خَالَتِهِ لَا ابْنَ عَمَّتِهِ، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ. وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْقَافِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. وَصُبَابَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ. خَطْمُ الْجَبَلِ رُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، فَأَمَّا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْأَنْفُ الْخَارِجُ مِنَ الْجَبَلِ، وَأَمَّا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي ثُلِمَ مِنْهُ وَقُطِعَ، فَبَقِيَ مُنْقَطِعًا، وَقَدْ رُوِيَ حَطْمُ الْخَيْلِ بِالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ، وَالْخَيْلُ هَذِهِ هِيَ الَّتِي تُرْكَبُ، يَعْنِي أَنَّهُ يَحْبِسُهُ فِي الْمَوْضِعِ الضَّيِّقِ الَّذِي يُحَطِّمُ الْخَيْلُ فِيهِ بَعْضُهَا بَعْضًا لِضِيقِهِ) .

ذِكْرُ غَزْوَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَنِي جَذِيمَةَ

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بَنِي جَذِيمَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ بَعَثَ السَّرَايَا بَعْدَ الْفَتْحِ فِيمَا حَوْلَ مَكَّةَ، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالٍ، وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، بَعَثَهُ دَاعِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا، فَنَزَلَ عَلَى الْغُمَيْصَاءِ مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ جَذِيمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانَتْ جَذِيمَةُ أَصَابَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَوْفَ بْنَ
عَبْدِ عَوْفٍ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ عَمَّ خَالِدٍ، كَانَا أَقْبَلَا تَاجِرَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ، فَأَخَذَتْ مَا مَعَهُمَا وَقَتَلَتْهُمَا، فَلَمَّا نَزَلَ خَالِدٌ ذَلِكَ الْمَاءَ أَخَذَ بَنُو جَذِيمَةَ السِّلَاحَ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: ضَعُوا السِّلَاحَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا. فَوَضَعُوا السِّلَاحَ، فَأَمَرَ خَالِدٌ بِهِمْ فَكُتِّفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ.
فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ! ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا وَمَعَهُ مَالٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَوَدَى لَهُمُ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ حَتَّى إِنَّهُ لَيَدِي مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، وَبَقِيَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ فَضْلَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ مَالٌ، أَوْ دَمٌ لَمْ يُودَ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَفَعَلَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَصَبْتَ، وَأَحْسَنْتَ.
وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا اعْتَذَرَ وَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ أَمَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَالِدٍ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّمَا ثَأَرْتُ بِأَبِيكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتَ، قَدْ قَتَلْتُ أَنَا قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الْفَاكِهِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ أَحَدِهِمْ وَلَا رَوْحَتَهُ» .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي جُنْدِ خَالِدٍ، فَأَثَرْنَا فِي أَثَرِ ظُعُنٍ مُصْعِدَةٍ يَسُوقُ بِهِنَّ فِتْيَةٌ، فَقَالَ: أَدْرِكُوا أُولَئِكَ. قَالَ: فَخَرَجْنَا فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ مَضَوْا، وَوَقَفَ لَنَا غُلَامٌ شَابٌّ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ جَعَلَ يُقَاتِلُنَا وَيَقُولُ:
ارْفَعْنَ أَطْرَافَ الذُّيُولِ وَارْتَعْنَ … مَشْيَ حَيِيَّاتٍ كَأَنْ لَمْ تُفْزَعْنَ
إِنْ تُمْنَعِ الْيَوْمَ النِّسَاءُ تُمْنَعْنَ
فَقَاتَلْنَاهُ طَوِيلًا فَقَتَلْنَاهُ، وَمَضَيْنَا حَتَّى لَحِقْنَا الظُّعُنَ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا غُلَامٌ كَأَنَّهُ الْأَوَّلُ فَجَعَلَ يُقَاتِلُنَا وَيَقُولُ:
أُقْسِمُ مَا إِنْ خَادِرٌ ذُو لِبْدَهْ … يَرْزِمُ بَيْنَ أَثْلَةٍ وَوَهْدَهْ
يَفْرِسُ شُبَّانَ الرِّجَالِ وَحْدَهُ … بِأَصْدَقِ الْغَدَاةِ مِنِّي نَجْدَهْ
فَقَاتَلْنَاهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، وَأَدْرَكْنَا الظُّعُنَ فَأَخَذْنَاهُنَّ، فَإِذَا فِيهِنَّ غُلَامٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ، بِهِ صُفْرَةٌ كَالْمَنْهُوكِ، فَرَبَطْنَاهُ بِحَبْلٍ وَقَدَّمْنَاهُ لِنَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَنَا: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ؟ قُلْنَا: مَا هُوَ؟ قَالَ تُدْرِكُونَ بِي الظُّعُنَ فِي أَسْفَلِ الْوَادِي، ثُمَّ تَقْتُلُونِي. قُلْنَا: نَفْعَلُ، فَعَارَضْنَا الظُّعُنَ، فَلَمَّا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعْنَ الصَّوْتَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اسْلَمِي حُبَيْشُ، عَلَى فَقْدِ الْعَيْشِ. فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ بَيْضَاءُ حُسَّانَةٌ، وَقَالَتْ: وَأَنْتَ فَاسْلَمْ عَلَى كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ، وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ. قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكِ دَهْرًا، وَإِنْ بَقِيتِ عَصْرًا. قَالَتْ: وَأَنْتَ سَلَامٌ عَلَيْكَ عَشْرًا، وَشَفْعًا تَتْرَى، وَثَلَاثًا وِتْرًا. فَقَالَ:
إِنْ يَقْتُلُونِي يَا حُبَيْشُ فَلَمْ يَدَعْ … هَوَاكِ لَهُمْ مِنِّي سِوَى غُلَّةِ الصَّدْرِ
فَأَنْتِ الَّتِي أَخْلَيْتِ لَحْمِي مِنْ دَمِي … وَعَظْمِي، وَأَسْبَلْتِ الدُّمُوعَ عَلَى نَحْرِي
فَقَالَتْ لَهُ:
وَنَحْنُ بَكَيْنَا مِنْ فِرَاقِكَ مَرَّةً … وَأُخْرَى وَوَاسَيْنَاكَ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
وَأَنْتَ فَلَمْ تَبْعَدْ فَنَعِمَ فَتَى الْهَوَى … جَمِيلُ الْعَفَافِ وَالْمَوَدَّةِ فِي سَتْرِ
فَقَالَ:

أَرَيْتَكِ إِذْ طَالَبَتْكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ
بِحَلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ … أَلَمْ يَكُ حَقًّا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ
تَكَلَّفَ إِدْلَاجَ السُّرَى فِي الْوَدَائِقِ
فَلَا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ نَحْنُ جِيرَةٌ … أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ
أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ تَشْحَطَ النَّوَى … وَيَنْأَى الْأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ
فَإِنِّي لَا سِرًّا لَدَيَّ أَضَعْتُهُ … وَلَا مَنْظَرٌ مُذْ غِبْتِ عَنِّي بِرَائِقِ
عَلَى أَنَّ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ شَاغِلٌ … وَلَا ذِكْرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِوَامِقِ
فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ.
هَذَا الشِّعْرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْكِنَانِيِّ، وَكَانَ مِنْ جَذِيمَةَ مَعَ حُبَيْشَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ الْكِنَانِيَّةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ وَهُوَ غُلَامٌ نَحْوَ الْمُحْتَلِمِ لِتَزُورَ جَارَّةً لَهَا، وَكَانَ لَهَا ابْنَةٌ اسْمُهَا حُبَيْشَةُ بِنْتُ حُبَيْشٍ. فَلَمَّا رَآهَا عَبْدُ اللَّهِ هَوِيَهَا وَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، وَأَقَامَتْ أُمُّهُ عِنْدَ جَارَتِهَا، وَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَهْلِهِ. ثُمَّ عَادَ لِيَأْخُذَ أُمَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَوَجَدَ حُبَيْشَةَ قَدْ تَزَيَّنَتْ لِأَمْرٍ كَانَ فِي الْحَيِّ، فَازْدَادَ بِهَا عَجَبًا، وَانْصَرَفَتْ أُمُّهُ، فَمَشَى مَعَهَا وَهُوَ يَقُولُ:
وَمَا أَدْرِي، بَلَى إِنِّي لَأَدْرِي … أَصْوَبُ الْقَطْرِ أَحْسَنُ أَمْ حُبَيْشُ
حُبَيْشَةُ وَالَّذِي خَلَقَ الْبَرَايَا … وَمَا إِنْ عِنْدَنَا لِلصَّبِّ عَيْشُ
فَسَمِعَتْ أُمُّهُ فَتَغَافَلَتْ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى ظَبْيًا عَلَى رَبْوَةٍ فَقَالَ:
يَا أُمَّتَا خَبِّرِينِي غَيْرَ كَاذِبَةٍ … وَمَا يُرِيدُ سَئُولُ الْحَقِّ بِالْكَذِبِ
أَتِلْكَ أَحْسَنُ أَمْ ظَبْيٌ بِرَابِيَةٍ
لَا بَلْ حُبَيْشَةُ فِي عَيْنَيْ وَفِي أَرَبِي
فَزَجَرَتْهُ أُمُّهُ وَقَالَتْ: مَا أَنْتَ وَهَذَا؟ وَأَنَا قَدْ زَوَّجْتُكَ ابْنَةَ عَمِّكَ، فَهِيَ مِنْ أَجْمَلِ تِلْكَ النِّسَاءِ. وَأَتَتِ امْرَأَةُ عُمَيْرٍ فَأَخْبَرَتْهَا الْخَبَرَ وَقَالَتْ: زَيِّنِي ابْنَتَكِ لَهُ، فَفَعَلَتْ وَأَدْخَلَتْهَا عَلَيْهِ، فَأَطْرَقَ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: أَيُّهُمَا الْآنَ أَحْسَنُ؟ فَقَالَ:
إِذَا غُيِّبَتْ عَنِّي حُبَيْشَةُ مَرَّةً … مِنَ الدَّهْرِ لَا أَمْلِكُ عَزَاءً وَلَا صَبْرَا
كَأَنَّ الْحَشَا حَرُّ السَّعِيرِ تُحِسُّهُ … وَقُودُ الْغَضَا وَالْقَلْبُ مُضْطَرِمٌ جَمْرَا
وَجَعَلَ يُرَاسِلُ الْجَارِيَةَ وَتُرَاسِلُهُ، فَعَلِقَتْهُ كَمَا عَلِقَهَا، وَأَكْثَرَ قَوْلَ الشِّعْرِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ:
حُبَيْشَةُ هَلْ جَدِّي وَجَدُّكِ جَامِعٌ … بِشَمْلِكُمُ شَمْلِي وَأَهْلِكُمُ أَهْلِي
وَهَلْ أَنَا مُلْتَفٌّ بِثَوْبِكِ مَرَّةً … بِصَحْرَاءَ بَيْنَ الْأُلْيَتَيْنِ إِلَى النَّخْلِ
فَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُهَا خَبَرَهُمَا حَجَبُوهَا عَنْهُ، فَازْدَادَ غَرَامُهُ. فَقَالُوا لَهَا: عِدِيهِ السَّرْحَةَ، فَإِذَا أَتَاكِ فَقُولِي لَهُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِنْ أَحْبَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْكَ، وَنَحْنُ قَرِيبٌ نَسْمَعُ مَا تَقُولِينَ، فَوَعَدَتْهُ وَجَلَسُوا قَرِيبًا، فَأَقْبَلَ لِمَوْعِدٍ لَهَا. فَلَمَّا دَنَا دَمَعَتْ عَيْنَاهَا وَالْتَفَتَتْ إِلَى جَنْبِ أَهْلِهَا وَهُمْ جُلُوسٌ، فَعَرَفَ أَنَّهُمْ قَرِيبٌ، وَبَلَغَهُ الْحَالُ فَقَالَ:
فَإِنْ قُلْتِ مَا قَالُوا لَقَدْ زِدْتِنِي جَوًى … عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سِرٌّ وَلَا سِتْرُ
وَلَمْ يَكُ حُبِّي عَنْ نَوَالٍ بَذَلْتِهِ … فَيُسْلِينِي عَنْكِ التَّجَهُّمُ وَالْهَجْرُ
وَمَا أَنْسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا أَنْسَ وَمْقَهَا … وَنَظْرَتَهَا حَتَّى يُغَيِّبَنِي الْقَبْرُ
وَبَعَثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِثْرَ ذَلِكَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَكَانَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُلَيْكَةَ ابْنَةَ دَاوُدَ اللَّيْثِيَّةَ، وَكَانَ أَبُوهَا قُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَجَاءَ إِلَيْهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقُلْنَ لَهَا: أَلَا تَسْتَحِينَ تَزَوَّجِينَ رَجُلًا قَتَلَ أَبَاكِ؟ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ، فَفَارَقَهَا.
وَفِيهَا هَدَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُزَّى بِبَطْنِ نَخْلَةَ، لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ هَذَا الْبَيْتُ تُعَظِّمُهُ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَمُضَرُ كُلُّهَا، وَكَانَ سَدَنَتَهَا بَنُو شَيْبَانَ بْنِ سُلَيْمٍ حُلَفَاءُ بَنِي هَاشِمٍ، فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُهَا بِمَسِيرِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَيْهَا عَلَّقَ عَلَيْهَا سَيْفَهُ وَقَالَ:
أَيَا عُزَّ شُدِّي شَدَّةً لَا شَوَى لَهَا … عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمِّرِي
فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ إِلَيْهَا جَعَلَ السَّادِنُ يَقُولُ: أَعُزَّى، بَعْضَ غَضِبَاتِكِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ حَبَشِيَّةٌ عُرْيَانَةٌ مُوَلْوِلَةٌ، فَقَتَلَهَا وَكَسَرَ الصَّنَمَ وَهَدَمَ الْبَيْتَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ الْعُزَّى، لَا تُعْبَدُ أَبَدًا» .
وَفِيهَا هَدَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سُوَاعَ، وَكَانَ بُرْهَاطَ لَهُذَيْلٍ، فَلَمَّا كَسَرَ الصَّنَمَ أَسْلَمَ سَادِنُهُ، وَلَمْ يَجِدْ فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا.
وَفِيهَا هَدَمَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ.

 

ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ

ذِكْرُ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ

كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نُقَدِّمَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهَا لِتَتَّصِلَ الْغَزَوَاتُ الْعَظِيمَةُ، فَيَتْلُوَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَقَالَ: «إِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . فَقَالَ جَعْفَرٌ: مَا كُنْتُ أَذْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَيَّ زَيْدًا، فَقَالَ: امْضِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ. فَبَكَى النَّاسُ وَقَالُوا: هَلَّا مَتَّعْتَنَا بِهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَأَمْسَكَ، وَكَانَ إِذَا قَالَ: فَإِنْ أُصِيبَ فُلَانٌ فَالْأَمِيرُ فُلَانٌ – أُصِيبَ كُلُّ مَنْ ذَكَرَهُ.
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَوَدَّعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالنَّاسُ. فَلَمَّا وَدَّعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَكَى عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقْرَأُ آيَةً، وَهِيَ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71] فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا سَالِمِينَ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً … وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانِ مُجْهِزَةً … بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي
أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا
فَلَمَّا وَدَّعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَادَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَلَفَ السَّلَامُ عَلَى امْرِئٍ وَدَّعْتُهُ فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيَّعٍ وَخَلِيلِ
ثُمَّ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا مُعَانَ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرُّومِ، وَمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ، مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ وَبُلْقِينَ وَبَلِيٍّ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ بَلِيٍّ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ رَافِلَةَ، وَنَزَلُوا مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِمُعَانَ لَيْلَتَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَقَالُوا: نَكْتُبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نُخْبِرُهُ الْخَبَرَ وَنَنْتَظِرُ أَمْرَهُ، فَشَجَّعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَقَالَ: يَا قَوْمِ وَاللَّهِ إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ لَلَّذِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ، وَلَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ، فَانْطَلِقُوا فَمَا هِيَ إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ. فَقَالَ النَّاسُ: صَدَقَ وَاللَّهِ، وَسَارُوا، وَسَمِعَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ – وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَهُ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ عَلَى حَقِيبَتِهِ – وَهُوَ يَقُولُ:
إِذَا أَدَّيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي … مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنُكِ فَانْعَمِي وَخَلَاكِ ذَمٌّ … وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي وَرَائِي
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي … بِأَرْضِ الشَّامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ
وَرَدَّكِ كُلُّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ … مِنَ الرَّحْمَنِ مُنْقَطِعِ الْإِخَاءِ
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ … وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا رِوَاءِ
فَلَمَّا سَمِعَهَا زَيْدٌ بَكَى، فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ يَا لُكَعُ! يَرْزُقُنِي اللَّهُ الشَّهَادَةَ، وَتَرْجِعُ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ؟ ثُمَّ سَارُوا، فَالْتَقَتْهُمْ جُمُوعُ الرُّومِ وَالْعَرَبِ بِقَرْيَةٍ مِنَ الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا: مَشَارِفُ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا، وَكَانَ
عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ الْعُذْرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عَبَايَةُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَاتَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِرَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَاتَلَ بِهَا وَهُوَ يَقُولُ:
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا … طَيِّبَةً وَبَارِدًا شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا
،
عَلَيَّ، إِذْ لَاقَيْتُهَا، ضِرَابُهَا
فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ جَعْفَرٌ أَوَّلَ مَنْ عَقَرَ فَرَسَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَوَجَدُوا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ بَيْنَ رَمْيَةٍ وَضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ، فَلَمَّا قُتِلَ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَتَرَدَّدَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ قَالَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلَنَّهْ … طَائِعَةً أَوْ لَا لَتُكْرَهِنَّهْ
إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّهْ … مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْ
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّهْ … هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ
وَقَالَ أَيْضًا:
يَا نَفْسُ إِنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِي … هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ … إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
ثُمَّ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَتَاهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعِرْقٍ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ لَهُ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَقَدْ لَقِيتَ مَا لَقِيتَ. فَأَخَذَهُ فَانْتَهَشَ مِنْهُ نَهْشَةً ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا! ثُمَّ أَلْقَاهُ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَتَقَدَّمَ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَلِبَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ، وَقَدْ كَانَ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ قَتَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَالِكَ بْنَ رَافِلَةَ قَائِدَ الْمُسْتَعْرِبَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَبَرَ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ فِي سَاعَتِهِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَأَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ: بَابُ خَيْرٍ! –
ثَلَاثًا – أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الْغَازِي، إِنَّهُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ، فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيدًا – فَاسْتَغْفَرَ لَهُ – ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ، فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا – فَاسْتَغْفَرَ لَهُ – ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَصَمَتَ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ مَا يَكْرَهُونَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رُفِعُوا إِلَى الْجَنَّةِ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ ابْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ، فَقُلْتُ: عَمَّ هَذَا؟ فَقِيلَ: مَضَيَا، وَتَرَدَّدَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ثُمَّ مَضَى» .
وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَرْقَمَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ. فَقَالُوا: رَضِينَا بِكَ. فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. فَاصْطَلَحُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ، وَدَافَعَ الْقَوْمَ، وَانْحَازُوا عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ» ، فَعَادَ بِالنَّاسِ. فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ خَالِدٌ سَيْفَ اللَّهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَرَّ بِي جَعْفَرٌ الْبَارِحَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ جَنَاحَانِ، مُخْتَضِبَ الْقَوَادِمِ بِالدَّمِ» .
قَالَتْ أَسْمَاءُ: «أَتَانِي النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ فَرَغْتُ مِنِ اشْتِغَالِي، وَغَسَلْتُ أَوْلَادَ جَعْفَرٍ وَدَهَنْتُهُمْ، فَأَخَذَهُمْ وَشَمَّهُمْ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أُصِيبَ هَذَا الْيَوْمَ. ثُمَّ عَادَ إِلَى أَهْلِهِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَهُوَ أَوَّلُ مَا عُمِلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ» . قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: فَقُمْتُ أَصْنَعُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيَّ النِّسَاءُ. فَلَمَّا رَجَعَ الْجَيْشُ وَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْمُسْلِمُونَ، فَأَخَذَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ التُّرَابَ عَلَى الْجَيْشِ وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ، يَا فُرَّارُ! وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

 

ذِكْرُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ

ذِكْرُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُسْلِمًا عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدِمَ مَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ.
وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مَعَ الْأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ قُلْتُ لِأَصْحَابِي: إِنِّي أَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَإِنْ
ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْمِنَا كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا عَلَى مُحَمَّدٍ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا. قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: فَجَمَعْنَا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا، وَخَرَجْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا لَعِنْدَهُ إِذْ وَصَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ رَسُولًا مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي أَمْرِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَطَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ لِأَقْتُلَهُ؛ تَقَرُّبًا إِلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ. فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامِي غَضِبَ وَضَرَبَ أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، يَعْنِي النَّجَاشِيَّ، فَخِفْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ. قَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، لِتَقْتُلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَلِكَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ؛ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَبَايِعْنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي وَكَتَمْتُهُمْ إِسْلَامِي، وَخَرَجْتُ عَائِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَقِيَنِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللَّهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟ ! فَقُلْتُ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِلْإِسْلَامِ. فَقَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ دَنَوْتُ فَأَسْلَمْتُ، وَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَسْلَمَ.

ذِكْرُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى أَرْضِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَلِيٍّ، فَتَأَلَّفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِذَلِكَ، فَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ يُقَالُ لَهُ السَّلَاسِلُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ، فَلَمَّا كَانَ بِهِ خَافَ، فَبَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْتَمِدُّهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ: لَا تَخْتَلِفَا. فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا جِئْتَ مَدَدًا إِلَيَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا عَمْرُو، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: لَا تَخْتَلِفَا، فَإِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ. قَالَ: فَأَنَا أَمِيرٌ عَلَيْكَ. قَالَ: فَدُونَكَ. فَصَلَّى عَمْرٌو بِالنَّاسِ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ وَعِيَاذٍ، ابْنِي الْجُلُنْدَى بِعُمَانَ، فَآمَنَا وَصَدَقَا. وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ.

ذِكْرُ غَزْوَةِ الْخَبَطِ وَغَيْرِهَا

وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَبَطِ، وَأَمِيرُهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ فِي رَجَبٍ، وَزَوَّدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَقْبِضُ لَهُمْ قَبْضَةً، ثُمَّ تَمْرَةً تَمْرَةً، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَلُوكُهَا وَيَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَنَفِدَ مَا فِي الْجِرَابِ، فَأَكَلُوا الْخَبَطَ وَجَاعُوا جُوعًا شَدِيدًا، فَنَحَرَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ تِسْعَ جَزَائِرَ فَأَكَلُوهَا، فَنَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَانْتَهَى. ثُمَّ إِنَّ الْبَحْرَ أَلْقَى إِلَيْهِمْ حُوتًا مَيِّتًا، فَأَكَلُوا مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا، وَنَصَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَيَمُرُّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ» ، وَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَذَكَرُوا صَنِيعَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَوَادَ مِنْ شِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةٌ وَجَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي شَعْبَانَ، أَمِيرُهَا أَبُو قَتَادَةَ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ قَيْسٍ، أَوْ قَيْسَ بْنَ رِفَاعَةَ، فِي بَطْنٍ عَظِيمٍ مِنْ جُشَمَ نَزَلَ بِالْغَابَةِ يَجْمَعُ لِحَرْبِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَبَعَثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبَا قَتَادَةَ وَمَنْ مَعَهُ لِيَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ، فَوَصَلُوا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَاحِيَةٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، وَقِيلَ: كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ: فَكَانَ لَهُمْ رَاعٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ فِي طَلَبِهِ وَمَعَهُ سِلَاحُهُ، فَرَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ فِي فُؤَادِهِ فَمَا تَكَلَّمَ. قَالَ: فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرْتُ، وَكَبَّرَ صَاحِبَايَ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا النَّجَاءُ، فَأَخَذُوا نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَمَا خَفَّ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَقْنَا الْإِبِلَ الْكَثِيرَةَ وَالْغَنَمَ، فَجِئْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ وَبِرَأْسِهِ مَعِي، فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَكُنْتُ قَدْ تَزَوَّجْتُ وَأَخَذْتُ أَهْلِي، وَعَدَلَ الْبَعِيرَ بِعَشْرٍ مِنَ الْغَنَمِ.
وَفِيهَا أَغْزَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبَا قَتَادَةَ أَيْضًا إِلَى إِضَمَ، وَمَعَهُ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ
اللَّيْثِيُّ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ مَتَاعُهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ بِعِيرَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَنَزَلَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94] ، الْآيَةَ.
وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ.

 

ذِكْرُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ

وَدَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ ذِكْرُ غَزْوَةِ خَيْبَرَ

لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحَجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ، وَسَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، مَعَهُمْ مِائَتَا فَارِسٍ، وَكَانَ مَسِيرُهُ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ، فَمَضَى حَتَّى نَزَلَ بِجَيْشِهِ بِالرَّجِيعِ؛ لِيَحُولَ بَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ وَغَطَفَانَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُظَاهِرِينَ لَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَصَدَتْ غَطَفَانُ خَيْبَرَ لِيُظَاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَافُوا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخَلِّفُوهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَرَجَعُوا، وَنَزَلُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيَهُودَ، «فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ فِي مَسِيرِهِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَمِّ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ: احْدُ لَنَا، فَنَزَلَ، وَحَدَاهُمْ يَقُولُ:
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَحِمَكَ اللَّهُ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَانَ إِذَا قَالَهَا لِرَجُلٍ قُتِلَ، فَلَمَّا نَازَلُوا خَيْبَرَ بَارَزَ عَامِرٌ، فَعَادَ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَجَرَحَهُ جُرْحًا
شَدِيدًا، فَمَاتَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ سَلَمَةُ ابْنُ أَخِيهِ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا قَالُوا، فَقَالَ: كَذَبُوا، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاضِ وَمَا أَذْرَيْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ. وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ يَقْدَمُهَا.
وَنَزَلَ خَيْبَرَ لَيْلًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَهْلُهَا، فَخَرَجُوا عِنْدَ الصَّبَاحِ إِلَى عَمَلِهِمْ بِمِسَاحِيِّهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَادُوا وَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، يَعْنُونَ الْجَيْشَ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] » .
ثُمَّ حَصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وَبَدَأَ بِالْأَمْوَالِ يَأْخُذُهَا مَالًا مَالًا، وَيَفْتَحُهَا حِصْنًا حِصْنًا، فَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ افْتَتَحَهُ حِصْنُ نَاعِمٍ، وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ سَلَمَةَ، أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ رَحًى فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ الْقَمُوصُ حِصْنُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَصَابَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَبَايَا، مِنْهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَتْ عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِنَفْسِهِ، وَفَشَتِ السَّبَايَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَكَلُوا لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْهَا.
وَكَانَ الزَّبِيرُ بْنُ بَاطَا الْقُرَظِيُّ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بُعَاثَ، فَأَطْلَقَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ! قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي. قَالَ: إِنَّ الْكَرِيمَ يُجِيزُ الْكَرِيمَ. فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: كَانَ لِلزَّبِيرِ عِنْدِي يَدٌ أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهُ بِهَا فَهَبْهُ لِي. فَوَهَبَهُ لَهُ. فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ فَهُوَ لَكَ. قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، فَاسْتَوْهَبَ ثَابِتٌ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَهَبَهُمْ لَهُ. فَقَالَ الزَّبِيرُ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لَا مَالَ لَهُمْ، فَاسْتَوْهَبَ ثَابِتٌ مَالَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَهَبَهُ لَهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالْجَمِيعِ.
فَقَالَ الزَّبِيرُ: أَيْ ثَابِتُ، مَا فَعَلَ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ مِرْآةً صَقِيلَةً، يَتَرَاءَى فِيهَا عَذَارَى الْحَيِّ؛ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي؛ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إِذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إِذَا كَرَرْنَا؛ عَزَّالُ بْنُ سَمْوَالَ؟ قَالَ. قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ، وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ. قَالَ:
ذَهَبُوا.
قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدَكَ إِلَّا مَا أَلْحَقْتَنِي بِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ. فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِصْنَ الصَّعْبِ، وَهُوَ أَكْثَرُهَا طَعَامًا وَوَدَكًا، ثُمَّ قَصَدَ حِصْنَهُمُ الْوَطِيحَ وَالسُّلَالِمَ، وَكَانَا آخِرَ مَا افْتَتَحَ، فَخَرَجَ مِنْهُ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ … إِذَا اللُّيُوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
كَانَ حِمَايَ كَالْحِمَى لَا يُقْرَبُ
وَسَأَلَ الْمُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالْأَمْسِ. «فَأَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمُبَارَزَتِهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ» ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَتَقَاتَلَا طَوِيلًا، ثُمَّ حَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا، فَعَضَّتْ بِهِ فَأَمْسَكَتْهُ، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ. ثُمَّ خَرَجَ أَخُوهُ يَاسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي يَاسِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ
وَطَلَبَ الْمُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا وَأَخَذَ الْحِصْنَ – عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَصَحُّ.
قَالَ بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ، فَلَمَّا نَزَلَ خَيْبَرَ أَخَذَتْهُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الرَّايَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَهَا عُمَرُ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَأْخُذُهَا عَنْوَةً. وَلَيْسَ ثَمَّ عَلِيٌّ،
كَانَ قَدْ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ لِرَمَدٍ لَحِقَهُ، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَقَالَتَهُ هَذِهِ تَطَاوَلَتْ لَهَا قُرَيْشٌ، فَأَصْبَحَ فَجَاءَ عَلِيٌّ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا مِنْ خِبَاءِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ أَرْمَدُ، قَدْ عَصَبَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: رَمَدْتُ بَعْدَكَ. فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، فَمَا شَكَا وَجَعًا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ» ، فَنَهَضَ بِهَا وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَأَتَى خَيْبَرَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: غُلِبْتُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَخَرَجَ مَرْحَبٌ صَاحِبُ الْحِصْنِ، وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ يَمَانِيٌّ قَدْ نَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ … شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ … أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
لَيْثٌ بِغَابَاتٍ شَدِيدٌ قَسْوَرَهْ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَبَدَرَهُ عَلِيٌّ فَضَرَبَهُ، فَقَدَّ الْحَجَفَةَ وَالْمِغْفَرَ وَرَأَسَهُ حَتَّى وَقَعَ فِي الْأَرْضِ، وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ.
قَالَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِرَايَتِهِ إِلَى خَيْبَرَ» ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ يَهُودِيٌّ فَطَرَحَ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نُجْهِدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ.
وَكَانَ فَتْحُهَا فِي صَفَرٍ.
«فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ جَاءَ بِلَالٌ بِصَفِيَّةَ وَأُخْرَى مَعَهَا عَلَى قَتْلَى يَهُودَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمُ الَّتِي مَعَ صَفِيَّةَ صَرَخَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا، وَحَثَتِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا، فَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ
– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صَفِيَّةَ، وَأَبْعَدَ الْأُخْرَى وَقَالَ: إِنَّهَا شَيْطَانَةٌ – لِأَجْلِ فِعْلِهَا. وَقَالَ لِبِلَالٍ: أَنُزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ؟ جِئْتَ بِهِمَا عَلَى قَتْلَاهُمَا!»
وَكَانَتْ صَفِيَّةُ قَدْ رَأَتْ فِي مَنَامِهَا وَهِيَ عَرُوسٌ لِكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ أَنَّ قَمَرًا وَقَعَ فِي حِجْرِهَا، فَعَرَضَتْ رُؤْيَاهَا عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا أَنَّكِ تَتَمَنِّينَ مُحَمَّدًا. وَلَطَمَ وَجْهَهَا لَطْمَةً اخْضَرَّتْ عَيْنُهَا مِنْهَا، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَبِهَا أَثَرٌ مِنْهَا، وَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ، وَدَفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَتَلَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودٍ.
وَحَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِصْنَيْ أَهْلِ خَيْبَرَ الْوَطِيحَ وَالسُّلَالِمَ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ حَازَ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا، الشِّقَّ وَنَطَاةَ وَالْكَتِيبَةَ، وَجَمِيعَ حُصُونِهِمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيُخَلُّوا لَهُ الْأَمْوَالَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُعَامِلَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ عَلَى النِّصْفِ، وَأَنْ يُخْرِجَهُمْ إِذَا شَاءَ، فَسَاقَاهُمْ عَلَى الْأَمْوَالِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي طَلَبُوا، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ فَدَكُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ.
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ امْرَأَةُ سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَصْلِيَّةً مَسْمُومَةً، فَوَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْهَا مُضْغَةً فَلَمْ يُسِغْهَا، وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، فَأَكَلَ بِشْرٌ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ الشَّاةَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ، ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَتْ: بَلَغْتَ مِنْ قَوْمِي مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ. فَتَجَاوَزَ عَنْهَا. وَمَاتَ بِشْرٌ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ» .
«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: هَذَا الْأَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ أَكْلَةِ خَيْبَرَ» . فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُ مَاتَ شَهِيدًا مَعَ كَرَامَةِ النُّبُوَّةِ.

ذِكْرُ غَزْوَةِ وَادِي الْقُرَى

وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ خَيْبَرَ انْصَرَفَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، فَحَاصَرَ أَهْلَهُ لَيَالِيَ، فَافْتَتَحَهُ عَنْوَةً، وَفِي حِصَارِهِ قُتِلَ مِدْغَمُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الَّذِي أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ شَمْلَتَهُ الْآنَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا. وَكَانَ غَلَّهَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ خَيْبَرَ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ شِرَاكَيْنِ لِنَعْلَيْنِ لِي كُنْتُ أَخَذْتُهُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُقَدُّ لَكَ مِثْلُهُمَا مِنَ النَّارِ» .
وَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – النَّخْلَ وَالْأَرْضَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْوَادِي، وَعَامَلَهُمْ نَحْوَ مَا عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ فَأَجْلَاهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُجْلِهِمْ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْحِجَازِ.
وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ، أَعْنِي خَيْبَرَ، نَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ.
وَشَهِدَ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَرَضَخَ لَهُنَّ مِنَ الْفَيْءِ.

قِصَّةُ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ السُّلَمِيِّ

وَفِي هَذِهِ السَّفْرَةِ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ السُّلَمِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِي بِمَكَّةَ مَالٌ
عِنْدَ صَاحِبَتِي أُمِّ شَيْبَةَ ابْنَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهِيَ أُمُّ ابْنِهِ مُعْرِضِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَمَالٌ مُتَفَرِّقٌ بِمَكَّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَذِنَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَابُدَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ. قَالَ: قُلْ. فَقَدِمَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ، فَسَأَلَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَا صَنَعَ بِخَيْبَرَ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ يَهُودَ هَزَمَتْهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ، وَقَالَتْ يَهُودُ: لَنْ نَقْتُلَهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَيَقْتُلُوهُ. فَصَاحُوا بِمَكَّةَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَعِينُونِي فِي جَمْعِ مَالِي حَتَّى أَقْدَمَ خَيْبَرَ، فَأُصِيبَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ. فَجَمَعُوهُ كُلَّهُ كَأَحَثِّ شَيْءٍ. فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ وَسَأَلَهُ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرَهُ بَعْدَ أَنْ جَمَعَ مَالَهُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ قَدِمَ لِجَمْعِ مَالِهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُمَ عَنْهُ ثَلَاثًا خَوْفَ الطَّلَبِ. فَكَتَمَ الْعَبَّاسُ الْخَبَرَ ثَلَاثًا بَعْدَ مَسِيرِهِ، ثُمَّ لَبِسَ حُلَّةً لَهُ وَخَرَجَ، فَطَافَ بِالْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالُوا: يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ. قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ! لَقَدِ افْتَتَحَ مُحَمَّدٌ خَيْبَرَ، وَأَخَذَ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ. وَأَخْبَرَهُمْ بِخَبَرِ الْحَجَّاجِ. فَقَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا لَكَانَ لَهُ وَلَنَا شَأْنٌ.

ذِكْرُ مَقَاسِمِ خَيْبَرَ
وَقَسَّمَ مِنْ أَمْوَالِ خَيْبَرَ الشِّقَّ وَالنَّطَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْكَتِيبَةُ خُمْسُ اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، فَطُعِمَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَطُعِمَ رِجَالٌ مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَهْلِ فَدَكَ بِالصُّلْحِ، وَقُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأُعْطِي الْفَرَسُ سَهْمَيْنِ وَالرَّجُلُ سَهْمًا. وَأَقَرَّ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَهْلَ خَيْبَرَ بِخَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَا يَجْتَمِعُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ. فَأَجْلَى عُمَرُ مِنْ يَهُودَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
(سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَمِشْكَمٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْحُقَيْقُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِقَافَيْنِ. وَأَخْطَبُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَمَعْرُورٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَهُ رَاءَانِ مُهْمَلَتَانِ. وَعِلَاطٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ) .

ذِكْرُ فَدَكَ

لَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ خَيْبَرَ بَعَثَ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَى أَهْلِ فَدَكَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرَئِيسُهُمْ يَوْمَئِذٍ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ الْيَهُودِيُّ، فَصَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى نِصْفِ الْأَرْضِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَكَانَ نِصْفُ فَدَكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفِ الْمُسْمِلُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، يَصْرِفُ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُهَا بِهَا حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَجْلَى يَهُودَ الْحِجَازِ، فَبَعَثَ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَوَّمُوا نِصْفَ تُرْبَتِهَا بِقِيمَةِ عَدْلٍ، فَدَفَعَهَا إِلَى يَهُودَ، وَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ – يَصْنَعُونَ صَنِيعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ وَفَاتِهِ.
فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الْخِلَافَةَ أَقْطَعَهَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَوَهَبَهَا مَرْوَانُ ابْنَيْهِ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلِلْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ ابْنِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ الْخِلَافَةَ وَهَبَ نَصِيبَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ وَلِيَ سُلَيْمَانُ الْخِلَافَةَ، فَوَهَبَ نَصِيبَهُ مِنْهَا أَيْضًا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ خَطَبَ النَّاسَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَمْرَ فَدَكَ، وَأَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، فَوَلِيَهَا أَوْلَادُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ أُخِذَتْ مِنْهُمْ.
فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ رَدَّهَا الْمَأْمُونُ إِلَيْهِمْ.
(مُحَيِّصَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَكَسْرِهَا، وَآخِرُهُ صَادٌ مُهْمَلَةٌ. وَالتَّيِّهَانُ بِفَتْحِ التَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) .
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، زَوْجِهَا، فِي الْمُحَرَّمِ.
وَفِيهَا قَدِمَ حَاطِبٌ مِنْ عِنْدِ الْمُقَوْقِسِ بِمَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأُخْتِهَا شِيرِينَ، وَبَغْلَتِهِ دُلْدُلَ، وَحِمَارِهِ يَعْفُورَ، وَكُسْوَةٍ، فَأَسْلَمَتْ مَارِيَةُ وَأُخْتُهَا قَبْلَ قُدُومِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخَذَ مَارِيَةَ لِنَفْسِهِ، وَوَهَبَ شِيرِينَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَهِيَ أُمُّ
ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهُوَ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا خَالَةٍ.
وَفِيهَا اتَّخَذَ مِنْبَرَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عُمِلَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَهُوَ الثَّبَتُ.
وَفِيهَا «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا إِلَى عَجُزِ هَوَازِنَ» ، فَهَرَبُوا مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَالِدِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍالْأَنْصَارِيِّ إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكَ، فِي شَعْبَانَ، فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا، أُصِيبَ أَصْحَابُهُ، وَارْتُثَّ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ، «فَأَصَابَ مِرْدَاسُ بْنُ نَهْيِكٍ حَلِيفًا لَهُمْ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَتَلَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ أُسَامَةُ: لَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» !
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَاقَ النَّعَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى الْيَمَنِ وَالْجِنَابِ فِي شَوَّالٍ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ حُسَيْلَ بْنَ نُوَيْرَةَ الْأَشْجَعِيَّ كَانَ دَلِيلَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى
خَيْبَرَ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ بِالْجِنَابِ قَدْ أَمَدَّهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَشِيرًا فَأَصَابُوا نَعَمًا، وَقَتَلُوا مَوْلًى لِعُيَيْنَةَ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمَ عُيَيْنَةُ، فَلَقِيَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ: قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ عَمَّا مَضَى.
(حَاطِبٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَبَشِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ، وَالِدُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. وَعُيَيْنَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ، وَبَعْدَهَا نُونٌ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ) .

ذِكْرُ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ

لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ خَيْبَرَ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ جُمَادَيَيْنِ وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوَّالًا – يَبْعَثُ السَّرَايَا، ثُمَّ خَرَجَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَسَاقَ مَعَهُ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي عُمْرَتِهِ الْأُولَى. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ خَرَجُوا عَنْهُ، وَتَحَدَّثَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابَهُ فِي عُسْرٍ وَجُهْدٍ، فَاصْطَفُّوا لَهُ عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا اضْطَبَعَ بِرِدَائِهِ، فَأَخْرَجَ عَضُدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَرَاهُمُ الْيَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً! ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَخَرَجَ يُهَرْوِلُ، وَيُهَرْوِلُ أَصْحَابُهُ مَعَهُ» ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذًا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ … خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهْ
يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهْ … أَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهْ
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ … كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهْ … وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ
وَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي سَفَرِهِ هَذَا بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ
الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيَخْرُجَ عَنْهُمْ.
فَقَالَ: مَا عَلَيْهِمْ لَوْ أَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَصَنَعْنَا لَهُمْ طَعَامًا، فَحَضَرُوهُ مَعَنَا؟ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِهِ. فَخَرَجَ عَنْهُمْ وَبَنَى بِمَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَشَهْرِ رَبِيعٍ، وَبَعَثَ جَيْشَهُ الَّذِي أُصِيبَ بِمُؤْتَةَ.
وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجَّةَ الْمُشْرِكُونَ.
وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَقُوهُ فَأُصِيبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقِيلَ: بَلْ نَجَا، وَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ.

 وَدَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ بَنِي الْمُلَوَّحِ

فِيهَا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ.
غَزْوَةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ بَنِي الْمُلَوَّحِ
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ الْكَلْبِيِّ، كَلْبِ اللَّيْثِ، إِلَى بَنِي الْمُلَوَّحِ، فَلَقِيَهُ الْحَارِثُ بْنُ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيُّ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ لِأَسْلَمَ. فَقَالَ لَهُ غَالِبٌ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ لَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ. وَوَكَلَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ نَازَعَكَ فَخُذْ رَأَسَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ إِلَى أَنْ يَعُودَ، ثُمَّ سَارُوا حَتَّى أَتَوْا بَطْنَ الْكَدِيدِ، فَنَزَلُوا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَرْسَلُوا جُنْدُبَ بْنَ مَكِيثٍ الْجُهَنِيَّ رَبِيئَةً لَهُمْ. قَالَ: فَقَصَدْتُ تَلًّا هُنَاكَ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ لِي مِنْهُمْ رَجُلٌ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا، فَأَخَذَ قَوْسَهُ وَسَهْمَيْنِ فَرَمَانِي بِأَحَدِهِمَا، فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي. قَالَ: فَنَزَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي بِالثَّانِي فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، قَالَ: فَنَزَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرَّكَ. قَالَ: فَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ مَوَاشِيهِمْ وَاحْتَلَبُوا، فَشَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا مِنْهُمْ، وَاسْتَقْنَا مِنْهُمُ النَّعَمَ وَرَجَعْنَا سِرَاعًا. وَأَتَى صَرِيخُ الْقَوْمِ، فَجَاءَنَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا إِلَّا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قُدَيْدٍ بَعَثَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ سَحَابًا، مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا مِثْلَهُ، فَجَاءَ الْوَادِي بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَجُوزُهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَتَقَدَّمُ، وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ: أَمِتْ أَمِتْ، وَكَانَ عِدَّتُهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبِهَا الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى، فَصَالَحَ الْمُنْذِرَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَجُوسِ الْجِزْيَةَ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِرْسَالَهُ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ مَعَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْمُلُوكِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَصَابُوا نَعَمًا، فَكَانَ سَهْمُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا.
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ الْغِفَارِيِّ إِلَى ذَاتِ الْأَطْلَاحِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَوَجَدَ بِهَا جَمْعًا كَثِيرًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا، وَقَتَلُوا أَصْحَابَ عَمْرٍو، وَنَجَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.
وَذَاتُ الْأَطْلَاحِ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ، وَكَانُوا مِنْ قُضَاعَةَ، وَرَئِيسُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: سَدُوسُ.

 

ذِكْرُ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ

ذِكْرُ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، لَا يُرِيدُ حَرْبًا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةٍ، وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ سَبْعِينَ بَدَنَةً؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ. فَلَمَّا بَلَغَ عُسْفَانَ لَقِيَهُ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعُوا بِمَسِيرِكَ، فَاجْتَمَعُوا بِذِي طُوًى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَقَدْ قَدَّمُوا خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ.
وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْلِمًا، وَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ، فَلَقِيَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فَهَزَمَهُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَلَمَّا بَلَّغَهُ بُسْرٌ مَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، قَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ! مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَاللَّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ.
ثُمَّ خَرَجَ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي هَمَّ بِهَا، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ، حَتَّى سَلَكَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ عَلَى مَهْبَطِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَبَرَكَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: خَلَأَتْ. فَقَالَ: مَا خَلَأَتْ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ، لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا. ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا. فَقَالُوا: مَا بِالْوَادِي مَاءٌ. فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَزَلَ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ، فَغَرَزَهُ فِي جَوْفِهِ، فَجَاشَ الْمَاءُ بِالرَّيِّ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ» ، وَكَانَ اسْمُ الَّذِي أَخَذَ السَّهْمَ
نَاجِيَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، سَائِقُ بُدْنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ أَتَاهُمْ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ خُزَاعَةَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ تِهَامَةَ، فَقَالَ: تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، قَدْ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنْ شَاءَتْ قُرَيْشٌ مَادَدْنَاهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي» .
فَانْطَلَقَ بُدَيْلٌ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَعْلَمَهُمْ مَا قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا، دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ وَكَلَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، جَمَعْتَ أَوْشَابَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إِلَى بَيْضَتِكَ لِتَفُضَّهَا بِهِمْ، إِنَّهَا قُرَيْشٌ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنَّكَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ تَكَشَّفُوا عَنْكَ غَدًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ! أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَكَفَأْتُكُ بِهَا. ثُمَّ جَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يُكَلِّمُهُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْحَدِيدِ، فَجَعَلَ يَقْرَعُ يَدَهُ إِذَا تَنَاوَلَهَا وَيَقُولُ لَهُ: اكْفُفْ يَدَكَ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ! وَهَلْ غَسَلْتُ سَوْءَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ؟ – وَكَانَ الْمُغِيرَةُ قَدْ قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَهَرَبَ، فَتَهَايَجَ الْحَيَّانِ بَنُو مَالِكٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ لِلْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْأَمْرَ.
وَطَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَحْوَ مَقَالَتِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، فَهَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَجَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَاللَّهِ لَا يَتَنَخَّمُ النَّبِيُّ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ
أَحَدِهِمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِنْ أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَمَا يَحُدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ.
فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: أَيْ قَوْمُ، وَفَدْتُ عَلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا! وَحَدَّثَهُمْ مَا رَأَى، وَمَا قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ اسْمُهُ الْحُلَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «هَذَا فُلَانٌ، هُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ. فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقَالَ: يَا قَوْمُ، قَدْ رَأَيْتُ مَا لَا يَحِلُّ صَدُّهُ، الْهَدْيُ فِي قَلَائِدِهِ. فَقَالُوا: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ؛ أَنْ تَصُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، أَوْ لَأَنْفِرَنَّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَقَالُوا: مَهْ! كُفَّ عَنَّا يَا حُلَيْسُ حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا.
«فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: افْعَلْ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ. فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ النَّبِيُّ: سُهِّلَ أَمْرُكُمْ» .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ قُرَيْشًا إِنَّمَا بَعَثَتْ سُهَيْلًا بَعْدَ رِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. قَالَ: لَمَّا رَجَعَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى قُرَيْشٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ إِلَى قُرَيْشٍ عَلَى جَمَلٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ، لِيُبَلِّغَ عَنْهُ، فَعَقَرُوا بِهِ جَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ الْأَحَابِيشُ وَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عُمَرَ لِيُرْسِلَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: لَيْسَ بِمَكَّةَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَنْ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي لَهَا، وَأَخَافُهَا عَلَى نَفْسِي، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ فَهُوَ أَعَزُّ بِهَا مِنِّي. فَدَعَا عُثْمَانَ فَأَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ، فَانْطَلَقَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَأَجَارَهُ، فَأَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالُوا لِعُثْمَانَ حِينَ فَرَغَ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ: «لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ.
ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَبَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ، وَهِيَ سَمُرَةُ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ رَجُلٌ مَنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سِنَانٍ. ثُمَّ أَتَى الْخَبَرُ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُقْتَلْ.
ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ سُهَيْلٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَطَالَ مَعَهُ الْكَلَامَ وَتَرَاجَعَا، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمُ الصُّلْحُ، «فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا نَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَكَتَبَهَا، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو – فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ. فَقَالَ لَعَلِيٍّ: امْحُ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ، فَكَتَبَ مَوْضِعَ رَسُولِ اللَّهِ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ لَعَلِيٍّ: لَتُبْلَيَنَّ بِمِثْلِهَا – اصْطَلَحَا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَنِ النَّاسِ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَى مِنْهُمْ رَسُولَ اللَّهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ دَخَلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ.
فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَأَنْ يَرْجِعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ عَامَ قَابِلٍ خَرَجْنَا عَنْكَ فَدَخَلْتَهَا بِأَصْحَابِكَ، فَأَقَمْتَ بِهَا ثَلَاثًا وَسِلَاحُ الرَّاكِبِ السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ.
فَبَيْنَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَكْتُبُ الْكِتَابَ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي الْحَدِيدِ، قَدِ انْفَلَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ؛ لِرُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا رَأَوُا الصُّلْحَ دَخَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ. فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلٌ ابْنَهُ أَبَا جَنْدَلٍ أَخَذَهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ تَمَّتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا. قَالَ: صَدَقْتَ، وَأَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَصَاحَ أَبُو جَنْدَلٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِيَفْتِنُونِي عَنْ دِينِي! فَزَادَ النَّاسَ شَرًّا إِلَى مَا بِهِمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا الْقَوْمَ عُهُودَنَا عَلَى ذَلِكَ، فَلَا نَغْدِرُ بِهِمْ» . قَالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَمْشِي مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَيَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ! وَأَدْنَى قَائِمَ السَّيْفِ مِنْهُ رَجَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ، قَالَ: فَبَخِلَ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ.
وَشَهِدَ عَلَى الصُّلْحِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
«فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ قَضِيَّتِهِ قَالَ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» . فَمَا قَامَ أَحَدٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَحْلِقَ شَعْرَكَ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَحَلَقُوا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، فَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَهُ فَتْحٌ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، حَيْثُ أَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ تَيْنِكَ السَّنَتَيْنِ مِثْلُ مَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ جَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ عُتْبَةُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَانَ مِمَّنْ حُبِسَ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ فِيهِ الْأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَبَعَثَا فِيهِ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَمَعَهُ مَوْلًى لَهُمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَهْدًا، وَلَا يَصْلُحُ الْغَدْرُ فِي دِينِنَا» . فَانْطَلَقَ مَعَهُمَا إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَجَلَسُوا، وَأَخَذَ أَبُو بَصِيرٍ سَيْفَ أَحَدِهِمَا فَقَتَلَهُ بِهِ، وَخَرَجَ الْمَوْلَى سَرِيعًا إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ «أَقْبَلَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ وَفَتْ ذِمَّتُكَ وَأَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ» ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ حَتَّى نَزَلَ بِنَاحِيَةِ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، عَلَى طَرِيقِ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا احْتَبَسُوا بِمَكَّةَ ذَلِكَ، فَخَرَجُوا إِلَى أَبِي بَصِيرٍ، مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، فَضَيَّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ يَعْتَرِضُونَ الْعِيرَ تَكُونُ لَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُنَاشِدُونَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَآوَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِيهَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، وَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فِيهِنَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ابْنَةُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَجَاءَ أَخُوهَا عُمَارَةُ وَالْوَلِيدُ يَطْلُبَانِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] الْآيَةَ، فَلَمْ يُرْسِلِ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِلَى مَكَّةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10] فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ امْرَأَتَيْنِ لَهُ،
إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالثَّانِيَةُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، وَهُمَا مُشْرِكَتَانِ، فَتَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ.
(بُسْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ. بَصِيرٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْيَاءِ السَّاكِنَةِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ أَيْضًا. وَأَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَجَارِيَةُ بِالْجِيمِ. وَالْحُلَيْسُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَبَعْدَهُ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ) .
[وَفِيهَا كَانَتْ عِدَّةٌ مِنْ سَرَايَا وَغَزَوَاتٍ]
مِنْهَا سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى الْغَمْرِ، فَنَذَرَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَهَرَبُوا، فَسَعَتِ الطَّلَائِعُ فَوَجَدُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَأَخَذُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ، فَكَمَنَ الْقَوْمُ لَهُ حَتَّى نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَنَجَا هُوَ وَحْدَهُ جَرِيحًا.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ، فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَهَرَبَ أَهْلُهُ مِنْهُمْ وَأَصَابُوا نَعَمًا وَرَجُلًا وَاحِدًا أَسْلَمَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِالْجَمُومِ، فَأَصَابَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ اسْمُهَا حَلِيمَةُ، فَدَلَّتْهُمْ عَلَى مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً وَأَسْرَى، فِيهِمْ زَوْجُهَا، فَأَطْلَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَزَوْجَهَا مَعَهَا.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدٍ أَيْضًا إِلَى الْعِيصِ فِي جُمَادَى الْأُولَى.
وَفِيهَا أُخِذَتِ الْأَمْوَالُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَاسْتَجَارَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَجَارَتْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدٍ أَيْضًا إِلَى الطَّرَفِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ، فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى حِسْمَى فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ.
وَسَبَبُهَا أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ الْجُذَامِيَّ، ثُمَّ الضَّبِّيَّ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – غُلَامًا وَأَسْلَمَ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كِتَابًا إِلَى قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى حَرَّةِ الرَّجْلَاءِ.
ثُمَّ إِنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ جُذَامَ أَغَارَ عَلَيْهِ الْهُنَيْدُ بْنُ عُوصٍ، وَابْنُهُ عُوصُ بْنُ الْهُنَيْدِ الضُّلَيْعِيَّانِ، وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ جُذَامَ، فَأَخَذَا كُلَّ شَيْءٍ مَعَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَفَرًا مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ قَوْمِ رِفَاعَةَ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ، فَنَفَرُوا إِلَى الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ، وَاقْتَتَلُوا، فَظَفِرَ بَنُو الضُّبَيْبِ، وَاسْتَنْقَذُوا كُلَّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْ دِحْيَةَ، وَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ دِحْيَةُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ دَمَ الْهُنَيْدِ وَابْنِهِ عُوصٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فِي جَيْشٍ، فَأَغَارُوا بِالْفَضَافِضِ، وَجَمَعُوا مَا وَجَدُوا مِنْ مَالٍ، وَقَتَلُوا الْهُنَيْدَ وَابْنَهُ.
فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو الضُّبَيْبِ رَهْطُ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، سَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَالُوا: إِنَّا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ زَيْدٌ: فَاقْرَءُوا أُمَّ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهَا حَسَّانُ بْنُ مِلَّةَ. فَقَالَ زَيْدٌ: نَادُوا فِي الْجَيْشِ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا مَا أُخِذَ مِنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا، وَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ سَبَايَاهُمْ، فَأَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَنْهُمْ بِمَا أَوْجَبَ أَنْ يَحْتَاطَ، فَتَوَقَّفَ فِي تَسْلِيمِ السَّبَايَا وَقَالَ: هُمْ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَنَهَى الْجَيْشَ أَنْ يَهْبِطُوا وَادِيَهُمْ.
وَعَادَ أُولَئِكَ الرَّكْبُ الْجُذَامِيُّونَ إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ بِكُرَاعِ رَبَّةَ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّكَ لَجَالِسٌ تَحْلُبُ الْمَعْزَى، وَنِسَاءُ جُذَامَ أُسَارَى قَدْ غَرَّهُنَّ كِتَابُكَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ. فَسَارَ رِفَاعَةُ وَالْقَوْمُ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَرَضَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْقَتْلَى؟ فَقَالُوا: لَنَا مَنْ كَانَ حَيًّا، وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ تَحْتُ أَقْدَامِنَا، يَعْنُونَ تَرَكُوا الطَّلَبَ بِهِ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَرَدَّ عَلَى الْقَوْمِ مَا لَهُمْ حَتَّى كَانُوا يَنْتَزِعُونَ لَبِدَ الْمَرْأَةِ تَحْتَ الرَّحْلِ، وَأَطْلَقَ الْأُسَارَى.
(رَبَّةُ بِالرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَالضُّبَيْبُ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، تَصْغِيرُ ضَبٍّ، وَقِيلَ: هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَآخِرُهُ نُونٌ – نِسْبَةً إِلَى ضَبِيبَةَ) .
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدٍ أَيْضًا إِلَى وَادِي الْقُرَى فِي رَجَبٍ.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَعْبَانَ، فَأَسْلَمُوا، فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ رَئِيسَهُمْ، وَهِيَ أُمُّ أَبِي سَلَمَةَ.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى فَدَكٍ فِي شَعْبَانَ، فِي مِائَةِ رَجُلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَلَغَهُ أَنَّ حَيًّا مِنْ بَنِي سَعْدٍ قَدْ تَجَمَّعُوا لَهُ، يُرِيدُونَ أَنْ يَمُدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَأَصَابَ عَيْنًا لَهُمْ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَارَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَصْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ تَمْرَ خَيْبَرَ.
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى أُمِّ قِرْفَةَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً، فَلَقِيَ زَيْدَ بْنَ فَزَارَةَ بِوَادِي الْقُرَى، فَأُصِيبَ أَصْحَابُهُ وَارْتُثَّ زَيْدٌ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَنَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ مَاءً مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ فَزَارَةَ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ بِوَادِي الْقُرَى، فَأَصَابَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ وَأَسَرَ أُمَّ قِرْفَةَ، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَبِنْتًا لَهَا، فَرَبَطَ أُمَّ قِرْفَةَ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ فَشَقَّاهَا نِصْفَيْنِ، وَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِابْنَتِهَا، وَكَانَتْ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْهُ هِبَةً، وَأَرْسَلَهَا إِلَى حَرْبِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرْبٍ.
وَأَمَّا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَإِنَّهُ جَعَلَ أَمِيرَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَبَا بَكْرٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَيْنَا أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَشَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَأَخَذْتُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَسُقْتُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَفِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَعَهَا بِنْتٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ بِنْتَهَا، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالسُّوقِ فَقَالَ لِي: يَا سَلَمَةَ، لِلَّهِ أَبُوكَ، هَبْ لِي الْمَرْأَةَ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. فَسَكَتَ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ فَوَهَبْتُهَا لَهُ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَفَادَى بِهَا أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ» .
وَمِنْهَا سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ إِلَى الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فِي شَوَّالٍ. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا.
وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي أَقْلَحَ أُخْتَ عَاصِمٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ جَارِيَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، فَهُوَ أَخُو عَاصِمٍ لِأُمِّهِ.
(جَارِيَةُ بِالْجِيمِ، وَبَعْدَ الرَّاءِ يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ) .
وَفِيهَا أَجْدَبَ النَّاسُ جَدْبًا شَدِيدًا، فَاسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ.

ذِكْرُ مُكَاتَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمُلُوكَ

وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الرُّسُلَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَرْسَلَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسِ بِمِصْرَ، وَأَرْسَلَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَأَرْسَلَ دِحْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ، وَأَرْسَلَ سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو الْعَامِرِيَّ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ إِلَى كِسْرَى، وَأَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَأَرْسَلَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى أَخِي عَبْدِ الْقَيْسِ، وَقِيلَ: إِنَّ إِرْسَالَهُ كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُقَوْقِسُ فَإِنَّهُ قَبِلَ كِتَابَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَهْدَى إِلَيْهِ أَرْبَعَ جَوَارٍ، مِنْهُنَّ مَارِيَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَمَّا قَيْصَرُ، وَهُوَ هِرَقْلُ، فَإِنَّهُ قَبِلَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجَعَلَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَخَاصِرَتِهِ، وَكَتَبَ إِلَى رَجُلٍ بِرُومِيَّةٍ كَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ يُخْبِرُهُ شَأْنَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ رُومِيَّةَ: إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ لَا شَكَّ فِيهِ، فَاتَّبِعْهُ وَصَدِّقْهُ. فَجَمَعَ هِرَقْلُ بِطَارِقَةَ الرُّومِ فِي الدَّسْكَرَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُهَا، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلِّيَةٍ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَتَانِي كِتَابُ هَذَا الرَّجُلِ يَدْعُونِي إِلَى دِينِهِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، فَهَلُمَّ فَلْنَتْبَعْهُ وَنُصَدِّقْهُ فَتَسْلَمَ لَنَا دُنْيَانَا وَآخِرَتُنَا. فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ ابْتَدَرُوا الْأَبْوَابَ لِيَخْرُجُوا، فَقَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ مَا قُلْتُ لِأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَابَتُكُمْ فِي دِينِكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ مَا سَرَّنِي، فَسَجَدُوا لَهُ. وَانْطَلَقَ وَقَالَ لِدَحْيَةَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَكِنِّي أَخَافُ الرُّومَ عَلَى نَفْسِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُهُ، فَاذْهَبْ إِلَى ضُغَاطِرَ الْأُسْقُفِّ الْأَعْظَمِ فِي الرُّومِ، وَاذْكُرْ لَهُ أَمْرَ صَاحِبِكَ، وَانْظُرْ مَا يَقُولُ لَكَ.
فَجَاءَ دِحْيَةُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ لَهُ ضُغَاطِرُ: وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، نَعْرِفُهُ بِصِفَتِهِ، وَنَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا. ثُمَّ أَخَذَ عَصَاهُ وَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ وَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، قَدْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنْ أَحْمَدَ يَدْعُونَا إِلَى اللَّهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
فَرَجَعَ دِحْيَةُ إِلَى هِرَقْلَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. قَالَ: قَدْ قُلْتُ: إِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا. وَقَالَ قَيْصَرُ لِلرُّومِ: هَلُمُّوا نُعْطِيهِ الْجِزْيَةَ، فَأَبَوْا، فَقَالَ: نُعْطِيهِ أَرْضَ سُورِيَّةَ، وَهِيَ الشَّامُ، وَنُصَالِحُهُ، فَأَبَوْا، وَاسْتَدْعَى هِرَقْلُ أَبَا سُفْيَانَ، وَكَانَ بِالشَّامِ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ فِي الْهُدْنَةِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَجْلَسَهُمْ هِرَقْلُ خَلْفَهُ، وَقَالَ: إِنِّي سَائِلُهُ، فَإِنَّ كَذِبَ فَكَذِّبُوهُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَوْلَا أَنْ يُؤْثَرَ عَنِّي الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ، قَالَ: فَصَغَّرْتُ لَهُ شَأْنَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِي وَقَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ أَوْسَطُنَا نَسَبًا. قَالَ: هَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ لَهُ فِيكُمْ مِلْكٌ سَلَبْتُمُوهُ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْأَحْدَاثُ. قَالَ: فَهَلْ يُحِبُّهُ مَنْ يَتْبَعُهُ وَيَلْزَمُهُ، أَوْ يَقْلِيهِ وَيُفَارِقُهُ؟ قُلْتُ: مَا تَبِعَهُ رَجُلٌ فَفَارَقَهُ. قَالَ: فَكَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ قُلْتُ: سِجَالٌ، يُدَالُ عَلَيْنَا، وَنُدَالُ عَلَيْهِ. قَالَ: هَلْ يَغْدِرُ؟
قَالَ: فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَغْمِزُ بِهِ غَيْرَهَا، قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هُدْنَةٍ، وَلَا نَأْمَنُ غَدْرَهُ. قَالَ: فَمَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقَالَ لِي هِرَقْلُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ مَنْ أَوْسَطِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَهُوَ مُتَشَبِّهٌ بِهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ سَلَبْتُمُوهُ مِلْكَهُ فَجَاءَ بِهَذَا لِتَرُدُّوا عَلَيْهِ مِلْكَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ عَمَّنْ يَتْبَعُهُ أَيُحِبُّهُ أَمْ يُفَارِقُهُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَهُ وَلَا يُفَارِقُونَهُ، وَكَذَلِكَ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ لَا تَدْخُلُ قَلْبًا فَتَخْرُجُ مِنْهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَلَئِنْ صَدَقْتَنِي لَيَغْلِبَنَّ عَلَى مَا تَحْتَ قَدَميَّ هَاتَيْنِ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَغْسِلُ قَدَمَيْهِ. انْطَلِقْ لِشَأْنِكَ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيَّ بِالْأُخْرَى وَأَقُولُ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، أَصْبَحَ مُلُوكُ الرُّومِ يَهَابُونَهُ فِي سُلْطَانِهِمْ.
قَالَ: «وَقَدِمَ عَلَيْهِ دِحْيَةُ بِكِتَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْأَكَّارِينَ عَلَيْكَ» .
«وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ، فَأَتَاهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلُهُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: بَادَ مُلْكُهُ» .
وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَهُ فِي سِتِّينَ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَغَرِقُوا فِي الْبَحْرِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ مُهَاجِرَةً بِالْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَتَنَصَّرَ وَتُوفِّيَ بِالْحَبَشَةِ، فَخَطَبَهَا النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَجَابَتْ، وَزَوَّجَهَا، وَأَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ تَزْوِيجَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَ: ذَاكَ الْفَحْلُ لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ.
«وَأَمَّا كِسْرَى فَجَاءَهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، فَمَزَّقَ الْكِتَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُزِّقَ مُلْكُهُ. وَكَانَ كِتَابُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسٍ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، وَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، لِأُنْذِرَ {مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70] ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ» .
فَلَمَّا قَرَأَهُ شَقَّهُ، قَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ بِهَذَا وَهُوَ عَبْدِي! ثُمَّ كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ رَجُلَيْنِ مِنْ عِنْدِكَ جَلْدَيْنِ، فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ. فَبَعَثَ بَاذَانُ نَابُوهْ، وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا، وَرَجُلًا آخَرَ مِنَ الْفُرْسِ يُقَالُ لَهُ: خُرَّخُسْرَهْ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ مَعَهُمَا إِلَى كِسْرَى، وَتَقَدَّمَ إِلَى نَابُوهْ أَنْ يَأْتِيَهُ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَسَمِعَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا، وَقَالُوا: أَبْشِرُوا، فَقَدْ نَصَبَ لَهُ كِسْرَى مَلِكُ الْمُلُوكِ، كُفِيتُمُ الرَّجُلَ.
فَخَرَجَا حَتَّى «قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ حَلَقَا لِحَاهُمَا، وَأَعْفَيَا شَوَارِبَهُمَا، فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ: وَيَلْكُمَا، مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ قَالَا: رَبُّنَا – يَعْنِيَانِ الْمَلِكَ. فَقَالَ: لَكِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعْفِيَ لِحْيَتِي، وَأَقُصَّ شَارِبِي» ، فَأَعْلَمَاهُ بِمَا قَدِمَا لَهُ وَقَالَا: إِنْ فَعَلْتَ كَتَبَ بَاذَانُ فِيكَ إِلَى كِسْرَى، وَإِنْ أَبَيْتَ فَهُوَ يُهْلِكُكَ وَيُهْلِكُ قَوْمَكَ. فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْجِعَا حَتَّى تَأْتِيَانِي غَدًا. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ عَلَى كِسْرَى ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَدَعَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَخْبَرَهُمَا بِقَتْلِ كِسْرَى، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مُلْكَ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقُولَا لِبَاذَانَ: أَسْلِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ أُقِرَّهُ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ، وَأُمَلِّكْهُ عَلَى قَوْمِهِ. ثُمَّ أَعْطَى خُرَّخُسْرَهْ مِنْطَقَةَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ» .
وَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى بَاذَانَ وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا كَلَامُ مَلِكٍ، وَإِنِّي لَأُرَاهُ نَبِيًّا، وَلَنَنْظُرَنَّ، فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ حَقًّا، فَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَرَى فِيهِ رَأْيَنَا. فَلَمْ
يَلْبَثْ بَاذَانُ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ كِسْرَى، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ غَضَبًا لِلْفُرْسِ لِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ قَتْلِ أَشْرَافِهِمْ، وَيَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الطَّاعَةِ لَهُ بِالْيَمَنِ، وَبِالْكَفِّ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ أَسْلَمَ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ أَبْنَاءٌ مِنْ فَارِسَ. وَكَانَتْ حِمْيَرُ تُسَمِّي خُرَّخُسْرَهْ صَاحِبَ الْمِعْجَزَةِ، وَالْمِعْجَزَةُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ الْمِنْطَقَةُ.
وَأَمَّا هَوْذَةُ بْنُ عَلِيٍّ فَكَانَ مَلِكَ الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا أَتَاهُ سَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، أَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفْدًا فِيهِمْ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ وَالرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، يَقُولُ لَهُ: إِنْ جَعَلَ الْأَمْرَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَسْلَمَ وَسَارَ إِلَيْهِ وَنَصَرَهُ، وَإِلَّا قَصَدَ حَرْبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا، وَلَا كَرَامَةَ، اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِ! فَمَاتَ بَعْدَ قَلِيلٍ» .
وَأَمَّا مُجَّاعَةُ وَالرَّجَّالُ فَأَسْلَمَا، وَأَقَامَ الرَّجَّالُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَغَيْرَهَا، وَتَفَقَّهَ وَعَادَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَارْتَدَّ وَشَهِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَشْرَكَ مُسَيْلِمَةَ مَعَهُ، فَكَانَتْ فِتْنَتُهُ أَشَدَّ مِنْ فِتْنَةِ مُسَيْلِمَةَ.
(مُجَّاعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ. وَالرَّجَّالُ بِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، وَقِيلَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ. وَعُنْفُوَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَضَمِّ الْفَاءِ، وَفَتْحِ الْوَاوِ) .
وَأَمَّا الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى وَالِي الْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ يَدْعُوهُ وَمَنْ مَعَهُ بِالْبَحْرَيْنِ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ الْبَحْرَيْنِ لِلْفُرْسِ، فَأَسْلَمَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى، وَأَسْلَمَ جَمِيعُ الْعَرَبِ بِالْبَحْرَيْنِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْبِلَادِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ فَإِنَّهُمْ صَالَحُوا الْعَلَاءَ وَالْمُنْذِرَ عَلَى الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْبَحْرَيْنِ قِتَالٌ، إِنَّمَا بَعْضُهُمْ أَسْلَمَ، وَبَعْضُهُمْ صَالَحَ.
وَوَلِيَ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمُشْرِكُونَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَتْ أُمُّ رُومَانَ، وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ زَوْجَةِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

 

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ

ذُكِرَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بَعْدَ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، وَكَانَتْ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ (سَنَةِ سِتٍّ) ، وَكَانَ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ تَجَمَّعُوا لَهُ، وَكَانَ قَائِدَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ بِمَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، بِنَاحِيَةِ قُدَيْدٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَأُصِيبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَخُو مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِسَهْمٍ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَتَلَهُ خَطَأً.
«وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَبَايَا كَثِيرَةً، فَقَسَّمَهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِمْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَوَقَعَتْ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتَبَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاسْتَعَانَتْهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ. قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ