يَوْمُ بُعَاثٍ

يَوْمُ بُعَاثٍ

ثُمَّ إِنَّ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ جَدَّدُوا الْعُهُودَ مَعَ الْأَوْسِ عَلَى الْمُوَازَرَةِ وَالتَّنَاصُرِ، وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُهُمْ وَجَدُّوا فِي حَرْبِهِمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ قَبَائِلُ مِنَ الْيَهُودِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ الْخَزْرَجُ جَمَعَتْ وَحَشَدَتْ وَرَاسَلَتْ حُلَفَاءَهَا مِنْ أَشْجَعَ وَجُهَيْنَةَ، وَرَاسَلَتِ الْأَوْسُ حُلَفَاءَهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَمَكَثُوا يَوْمًا يَتَجَهَّزُونَ لِلْحَرْبِ، وَالْتَقَوْا بِبُعَاثَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ قُرَيْظَةَ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ بْنُ سِمَاكٍ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيُّ، وَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فِيمَنْ تَبِعَهُ عَنِ الْخَزْرَجِ، وَتَخَلَّفَ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْأَوْسِ. فَلَمَّا الْتَقَوُا اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَصَبَرُوا جَمِيعًا.
ثُمَّ إِنَّ الْأَوْسَ وَجَدَتْ مَسَّ السِّلَاحِ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ نَحْوَ الْعَرِيضِ، فَلَمَّا رَأَى حُضَيْرٌ هَزِيمَتَهُمْ بَرَكَ وَطَعَنَ قَدَمَهُ بِسِنَانِ رُمْحِهِ وَصَاحَ: وَا عَقْرَاهُ كَعَقْرِ الْجَمَلِ! وَاللَّهِ لَا أَعُودُ حَتَّى أُقْتَلَ، فَإِنْ شِئْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ تُسْلِمُونِي فَافْعَلُوا. فَعَطَفُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلَ عَنْهُ غِلْمَانٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يُقَالُ لَهُمَا مَحْمُودٌ وَيَزِيدُ ابْنَا خَلِيفَةَ حَتَّى قُتِلَا، وَأَقْبَلَ سَهْمٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ فَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيَّ رَئِيسَ الْخَزْرَجِ فَقَتَلَهُ، فَبَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَتَرَدَّدُ رَاكِبًا قَرِيبًا مِنْ بُعَاثٍ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ إِذْ طُلِعَ عَلَيْهِ بِعَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ قَتِيلًا فِي عَبَاءَةٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، كَمَا كَانَ قَالَ لَهُ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ذُقْ وَبَالَ الْبَغْيِ! وَانْهَزَمَتِ الْخَزْرَجُ، وَوَضَعَتْ فِيهِمُ الْأَوْسُ السِّلَاحَ، فَصَاحَ صَائِحٌ: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَحْسِنُوا وَلَا تُهْلِكُوا إِخْوَانَكُمْ فَجِوَارُهُمْ خَيْرٌ مِنْ جِوَارِ الثَّعَالِبِ! فَانْتَهَوْا عَنْهُمْ وَلَمْ يَسْلُبُوهُمْ. وَإِنَّمَا سَلَبَهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، وَحَمَلَتِ الْأَوْسُ حُضَيْرًا مَجْرُوحًا فَمَاتَ. وَأَحْرَقَتِ الْأَوْسُ دُورَ الْخَزْرَجِ وَنَخِيلَهُمْ، فَأَجَارَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ أَمْوَالَ بَنِي سَلَمَةَ وَنَخِيلَهُمْ وَدُورَهُمْ جَزَاءً بِمَا فَعَلُوا لَهُ فِي الرَّعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَنَجَّى يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ بَاطَا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ الْخَزْرَجِيَّ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي جَازَاهُ بِهَا ثَابِتٌ فِي الْإِسْلَامِ يَوْمَ بَنِي الْقُرَيْظَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ.
وَكَانَ يَوْمُ الْبُعَاثِ آخِرَ الْحُرُوبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ.
وَأَكْثَرَتِ الْأَنْصَارُ الْأَشْعَارَ يَوْمَ الْبُعَاثِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ الظَّفَرِيِّ الْأَوْسِيِّ:
أَتَعْرِفُ رَسْمًا كَالطِّرَازِ الْمُذَهَّبِ … لِعَمْرَةَ رَكْبًا غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ
دِيَارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنًى
تَحِلُّ بِنَا لَوْلَا رَجَاءُ الرَّكَائِبِ … تَبَدَّتْ لَنَا كَالشَّمْسِ تَحْتَ غَمَامَةٍ
بَدَا حَاجِبٌ مِنْهَا وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ
وَمِنْهَا:
وَكُنْتُ امْرَأً لَا أَبْعَثُ الْحَرْبَ ظَالِمًا … فَلَمَّا أَبَوْا شَعَّلْتُهَا كُلَّ جَانِبِ
أَذِنْتُ بِدَفْعِ الْحَرْبِ حَرْبًا رَأَيْتُهَا … عَنِ الدَّفْعِ لَا تَزْدَادُ غَيْرَ تَقَارُبِ
فَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَرْبَ تَجَرَّدَتْ … لَبِسْتُ مَعَ الْبُرْدَيْنِ ثَوْبَ الْمُحَارِبِ
مُضَعَّفَةً يَغْشَى الْأَنَامِلَ رَيْعُهَا … كَأَنَّ قَتِيرَيْهَا عُيُونَ الْجَنَادِبِ
تَرَى قِصَدَ الْمُرَّانِ تُلْقَى كَأَنَّهَا … تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ
وَسَامَحَنِي مِلْكَاهَنِينِ وَمَالِكٌ … وَثَعْلَبَةُ الْأَخْيَارِ رَهْطُ الْقَبَاقِبِ
رِجَالٌ مَتَى يُدْعَوْا إِلَى الْحَرْبِ يُسْرِعُوا … كَمَشْيِ الْجِمَالِ الْمُشْعِلَاتِ الْمَصَاعِبِ
إِذَا مَا فَرَرْنَا كَانَ أَسْوَا فِرَارِنَا … صُدُودُ الْخُدُودِ وَازْوِرَارُ الْمَنَاكِبِ
صُدُودُ الْخُدُودِ وَالْقَنَا مُتَشَاجِرٌ … وَلَا تَبْرَحُ الْأَقْدَامُ عِنْدَ التَّضَارُبِ
ظَأَرْنَاكُمُ بِالْبِيضِ حَتَّى لَأَنْتُمُ … أَذَلُّ مِنَ السُّقْبَانِ بَيْنَ الْحَلَائِبِ
يُجَرَّدْنَ بِيضًا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ … وَيَرْجِعْنَ حُمْرًا جَارِحَاتِ الْمَضَارِبِ
لَقِيتُكُمُ يَوْمَ الْحَدَائِقِ حَاسِرًا … كَأَنَّ يَدِي بِالسَّيْفِ مِخْرَاقُ لَاعِبِ
وَيَوْمَ بُعَاثٍ أَسْلَمَتْنَا سُيُوفُنَا … إِلَى حَسَبٍ فِي جِذْمِ غَسَّانَ ثَاقِبِ
قَتَلْنَاكُمُ يَوْمَ الْفِجَارِ وَقَبْلَهُ … وَيَوْمُ بُعَاثٍ كَانَ يَوْمَ التَّغَالُبِ
أَتَتْ عُصَبٌ لِلْأَوْسِ تَخْطُرُ بِالْقَنَا … كَمَشْيِ الْأُسُودِ فِي رَشَاشِ الْأَهَاضِبِ
فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ:
أَشَاقَتْكَ لَيْلَى فِي الْخَلِيطِ الْمُجَانِبِ … نَعَمْ، فَرَشَاشُ الدَّمْعِ فِي الصَّدْرِ غَالِبِ
بَكَتْ إِثْرَ مَنْ شَطَّتْ نَوَاهُ وَلَمْ يَقُمْ … لِحَاجَةِ مَخْزُونٍ شَكَا الْحُبَّ نَاصِبِ
لَدُنْ غَدْوَةً حَتَّى إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ … أَرَاحَتْ لَهُ مِنْ لُبِّهِ كُلَّ عَازِبِ
نُحَامِي عَلَى أَحْسَابِنَا بِتِلَادِنَا … لِمُفْتَقِرٍ أَوْ سَائِلِ الْحَقِّ وَاجِبِ
وَأَعْمَى هَدَتْهُ لِلسَّبِيلِ سُيُوفُنَا … وَخَصْمٍ أَقَمْنَا بَعْدَمَا ثَجَّ ثَاعِبِ
وَمُعْتَرَكٍ ضَنْكٍ يُرَى الْمَوْتُ وَسْطَهُ … مَشَيْنَا لَهُ مَشْيَ الْجِمَالِ الْمَصَاعِبِ
بِرَجْلٍ تَرَى الْمَاذِيَّ فَوْقَ جُلُودِهِمْ … وَبِيضًا نَقِيًّا مِثْلَ لَوْنِ الْكَوَاكِبِ
وَهُمْ حُسَّرٌ لَا فِي الدُّرُوعِ تَخَالُهُمْ … أُسُودًا مَتَّى تُنْشَا الرِّمَاحُ تُضَارِبِ
مَعَاقِلُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ … مَعَ الصِّدْقِ مَنْسُوبِ السُّيُوفِ الْقَوَاضِبِ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَلَيْلَى الَّتِي شَبَّبَ بِهَا ابْنُ رَوَاحَةَ هِيَ أُخْتُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ. وَعَمْرَةُ الَّتِي شَبَّبَ بِهَا ابْنُ الْخَطِيمِ هِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ.
(بُعَاثُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ وَحْدَهُ: وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ) .

ذِكْرُ غَلَبَةِ ثَقِيفٍ عَلَى الطَّائِفِ وَالْحَرْبِ بَيْنَ الْأَحْلَافِ وَبَنِي مَالِكٍ

كَانَتْ أَرْضُ الطَّائِفِ قَدِيمًا لِعُدْوَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. فَلَمَّا كَثُرَ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ غَلَبُوهُمْ عَلَى الطَّائِفِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَكَانَ بَنُو عَامِرٍ يُصَيِّفُونَ بِالطَّائِفِ، وَيُشَتُّونَ بِأَرْضِهِمْ مِنْ نَجْدٍ، وَكَانَتْ ثَقِيفُ حَوْلَ الطَّائِفِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ إِيَادٍ فَقَالَ: ثَقِيفٌ اسْمُهُ قَسِيُّ بْنُ نَبَتَ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ إِيَادِ بْنِ مَعَدٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ فَقَالَ: هُوَ قَيْسُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ.
فَرَأَتْ ثَقِيفٌ الْبِلَادَ فَأَعْجَبَهُمْ نَبَاتُهَا وَطِيبُ ثَمَرِهَا، فَقَالُوا لِبَنِي عَامِرٍ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَا تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضُ ضَرْعٍ، وَنَرَاكُمْ عَلَى أَنْ آثَرْتُمُ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْغِرَاسِ، وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَيْسَتْ لَنَا مَوَاشٍ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَجْمَعُوا الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ؟ تَدْفَعُونَ إِلَيْنَا بِلَادَكُمْ هَذِهِ فَنُثِيرُهَا وَنَغْرِسُهَا وَنَحْفِرُ فِيهَا الْأَطْوَاءَ وَلَا نُكَلِّفُكُمْ مَؤُونَةً. نَحْنُ نَكْفِيكُمُ الْمَؤُونَةَ وَالْعَمَلَ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ كَانَ لَكُمُ النِّصْفُ كَامِلًا، وَلَنَا النِّصْفُ بِمَا عَمِلْنَا.
فَرَغِبَ بَنُو عَامِرٍ فِي ذَلِكَ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِمُ الْأَرْضَ، فَنَزَلَتْ ثَقِيفٌ الطَّائِفَ وَاقْتَسَمُوا الْبِلَادَ وَعَمِلُوا الْأَرْضَ وَزَرَعُوهَا مِنَ الْأَعْنَابِ وَالثِّمَارِ، وَوَفَوْا بِمَا شَرَطُوا لِبَنِي عَامِرٍ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، وَكَانَ بَنُو عَامِرٍ يَمْنَعُونَ ثَقِيفًا مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ.
فَلَمَّا كَثُرَتْ ثَقِيفٌ وَشَرُفَتْ حَصَّنَتْ بِلَادَهَا وَبَنَوْا أَسْوَارًا عَلَى الطَّائِفِ وَحَصَّنُوهُ، وَمَنَعُوا عَامِرًا مِمَّا كَانُوا يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِمْ عَنْ نِصْفِ الثِّمَارِ. وَأَرَادَ بَنُو عَامِرٍ أَخْذَهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ بَطْنَيْنِ: الْأَحْلَافُ وَبَنِي مَالِكٍ، وَكَانَ لِلْأَحْلَافِ فِي هَذَا أَثَرٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ تَزَلْ تَعْتَدُّ بِذَلِكَ عَلَى بَنِي مَالِكٍ فَأَقَامُوا كَذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَحْلَافَ أَثْرُوا وَكَثُرَتْ خَيْلُهُمْ، فَحَمَوْا لَهَا حِمًى مِنْ أَرْضِ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ يُقَالُ لَهُ جِلْذَانُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ بَنُو نَصْرٍ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ، وَلَجَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ رَأْسُ بَنِي نَصْرٍ عُفَيْفَ بْنَ عَوْفِ بْنِ عُبَادٍ النَّصْرِيَّ ثُمَّ الْيَرْبُوعِيَّ، وَرَأْسُ الْأَحْلَافِ مَسْعُودَ بْنَ قَعْنَبٍ. فَلَمَّا لَجَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَ بَنِي نَصْرٍ وَالْأَحْلَافِ اغْتَنَمَ ذَلِكَ بَنُو مَالِكٍ وَرَئِيسُهُمْ جُنْدَبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمَ مِنْ ثَقِيفٍ لِضَغَائِنَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَحْلَافِ، فَحَالَفُوا بَنِي يَرْبُوعٍ عَلَى الْأَحْلَافِ.
فَلَمَّا سَمِعَتِ الْأَحْلَافُ بِذَلِكَ اجْتَمَعُوا. وَكَانَ أَوَّلُ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَ الْأَحْلَافِ وَبَيْنَ بَنِي مَالِكٍ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي نَصْرٍ يَوْمَ الطَّائِفِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْتَصَرَ الْأَحْلَافُ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ إِلَى وَادٍ مِنْ وَرَاءِ الطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ لَحْبٌ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَبَنِي يَرْبُوعٍ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ ذَلِكَ الْجَبَلِ يُقَالُ لَهُ الْأَبَانُ. ثُمَّ اقْتَتَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا مُسَمَّيَاتٍ، مِنْهُنَّ يَوْمُ غَمْرِ ذِي كِنْدَةَ، مِنْ نَحْوِ نَخْلَةَ، وَمِنْهُنَّ يَوْمُ كُرُونَا مِنْ نَحْوِ حُلْوَانَ، وَصَاحَ عُفَيْفُ بْنُ عَوْفٍ الْيَرْبُوعِيُّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَيْحَةً يَزْعُمُونَ أَنَّ سَبْعِينَ حُبْلَى مِنْهُمْ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ ثُمَّ افْتَرَقُوا. فَسَارَتْ بَنُو مَالِكٍ تَبْتَغِي الْحِلْفَ مِنْ دَوْسٍ وَخَثْعَمٍ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَحْلَافِ، وَخَرَجَتِ الْأَحْلَافُ إِلَى الْمَدِينَةِ تَبْتَغِي الْحِلْفَ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى بَنِي مَالِكٍ، فَقَدِمَ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ عَلَى أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَوْسِ، وَكَانَ أَشْرَفَ الْأَنْصَارِ فِي زَمَانِهِ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْحِلْفَ، فَقَالَ لَهُ أُحَيْحَةُ: وَاللَّهِ مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى قَوْمٍ قَطُّ بِحِلْفٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا أَقَرَّ لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ بِشَرٍّ مِمَّا أَنِفَ مِنْهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ مَسْعُودٌ: إِنِّي أَخُوكَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، فَقَالَ: أَخُوكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ وَرَاءَكَ فَارْجِعْ إِلَيْهِ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَزَوَّدَهُ بِسِلَاحٍ وَزَادٍ، وَأَعْطَاهُ غُلَامًا كَانَ يَبْنِي الْآطَامَ، يَعْنِي الْحُصُونَ، بِالْمَدِينَةِ، فَبَنَى لِمَسْعُودِ بْنِ مُتَعَّبٍ أُطُمًا فَكَانَ أَوَّلَ أُطُمٍ يُبْنَى بِالطَّائِفِ، ثُمَّ بُنِيَتِ الْآطَامُ بَعْدَهُ بِالطَّائِفِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ تُذْكَرُ.
وَقَالُوا فِي حَرْبِهِمْ أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُحَبَّرٍ، وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ سُفْيَانَ أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ مِنَ الْأَحْلَافِ:
وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ أَرَّثَ الشَّرَّ بَيْنَهُمْ … وَلَكِنَّ مَسْعُودًا جَنَاهَا وَجُنْدَبَا
قَرِيعَيْ ثَقِيفٍ أَنْشَبَا الشَّرَّ بَيْنَهُمْ … فَلَمْ يَكُ عَنْهَا مَنْزِعٌ حِينَ أَنْشَبَا
عَنَاقًا ضَرُوسًا بَيْنَ عَوْفٍ وَمَالِكٍ … شَدِيدًا لَظَاهَا تَتْرُكُ الطِّفْلَ أَشْيَبَا
مُضَرَّمَةً شَبًّا أَشَبَّا وَقُودَهَا … بِأَيْدِيهِمَا مَا أَوْرَيَاهَا وَأَثْقَبَا
أَصَابَتْ بَرَاءٌ مِنْ طَوَائِفِ مَالِكٍ … وَعَوْفٍ بِمَا جَرَّا عَلَيْهَا وَأَجْلَبَا
كَجُمْثُورَةٍ جَاءُوا تَخَطَّوْا مَآبَنَا … إِلَيْهِمْ وَتَدْعُو فِي اللِّقَاءِ مُعَتَّبَا
وَتَدْعُو بَنِي عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ فِي الْوَغَى … وَتَدْعُو عِلَاجًا وَالْحَلِيفَ الْمُطَيَّبَا
حُبَيْبًا وَحَيًّا مِنْ رِبَابٍ كَتَائِبًا … وَسَعْدًا إِذَا الدَّاعِي إِلَى الْمَوْتِ ثَوَّبَا
وَقَوْمًا بِمَكْرُوثَاءَ شَنَّتْ مُعَتَّبٌ … بِغَارَتِهَا فَكَانَ يَوْمًا عَصَبْصَبَا
فَأَسْقَطَ أَحْبَالَ النِّسَاءِ بِصَوْتِهِ
عُفَيْفٌ إِذَا نَادَى بِنَصْرٍ فَطَرَّبَا
(عُفَيْفٌ هَذَا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْفَاءِ) .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *