ولاية على بن ابى طالب

ولاية على بن ابى طالب

بيعة على بن ابى طالب

ثم قتل [4] عثمان رضى الله عنه، فلما قتل بقي الناس ثلاثة ايام بلا امام، وكان الذى يصلى بالناس الغافقي، ثم بايع الناس عليا رضى الله عنه، فقال: ايها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وانما الخيار قبل ان تقع البيعه، فإذا وقعت فلا خيار، وانما على الامام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وان هذه بيعه عامه، من ردها رغب عن دين الاسلام، وانها لم تكن فلته.
ثم ان عليا رضى الله عنه اظهر انه يريد السير الى العراق، وكان على الشام يومئذ معاويه بن ابى سفيان، وليها لعمر بن الخطاب سبعا، ووليها جميع ولايه عثمان
__________
[1] السلب: كل ما على الإنسان من اللباس.
[2] سنه ثلاثين من التاريخ الهجرى اى 650 م.
[3] مدينه قديمه بين نيسابور ومرو، في وسط الطريق، وهي مدينه معطشة، ليس بها ماء.
[4] وكان قتله في 18 ذي الحجه سنه 3135 مايو 655 م.
رضى الله عنه اثنتى عشره سنه، فواتاه الناس على السير الا ثلاثة نفر: سعد بن ابى وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمه الأنصاري.
وبعث على رضى الله عنه عماله الى الأمصار، فاستعمل عثمان بن حنيف على البصره، وعماره بن حسان على الكوفه، وكانت له هجره، واستعمل عبد الله بن عباس على جميع ارض اليمن، واستعمل قيس بن سعد بن عباده على مصر، واستعمل سهل بن حنيف على الشام.
فاما سهل فانه لما انتهى الى تبوك، وهي تخوم ارض الشام استقبله خيل لمعاوية، فردوه، فانصرف الى على، فعلم على رضى الله عنه عند ذلك ان معاويه قد خالف، وان اهل الشام بايعوه.
وحضر الموسم، فاستأذن الزبير وطلحه عليا في الحج، فاذن لهما، وقد كانت عائشة أم المؤمنين خرجت قبل ذلك معتمره، وعثمان محصور، وذلك قبل مقتله بعشرين يوما، فلما قضت عمرتها اقامت، فوافاها الزبير وطلحه.
وكتب على بن ابى طالب الى معاويه اما بعد، فقد بلغك الذى كان من مصاب عثمان رضى الله عنه، واجتماع الناس على ومبايعتهم لي، فادخل في السلم او ائذن بحرب. وبعث الكتاب مع الحجاج بن غزيه الأنصاري، فلما قدم على معاويه، واوصل كتاب على اليه، فقراه، فقال: انصرف الى صاحبك، فان كتابي مع رسولي على اثرك، فانصرف الحجاج، وامر معاويه بطومارين [1] ، فوصل أحدهما بالآخر، ولفا، ولم يكتب فيهما شيئا الا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب على العنوان من معاويه بن ابى سفيان الى على بن ابى طالب.
ثم بعث به مع رجل من عبس، له لسان وجسارة، فقدم العبسى على على، فناوله الكتاب، ففتحه، فلم ير فيه شيئا، الا بسم الله الرحمن الرحيم، وعند على وجوه الناس.
__________
[1] الطامور والطومار: الصحيفة.
فقام العبسى، فقال: ايها الناس، هل فيكم احد من عبس؟ قالوا: نعم. قال: فاسمعوا منى، وافهموا عنى، انى قد خلفت بالشام خمسين الف شيخ خاضبى لحاهم بدموع اعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على اطراف الرماح، قد عاهدوا الله الا يشيموا [1] سيوفهم حتى يقتلوا قتلته، او تلحق ارواحهم بالله.
فقام اليه خالد بن زفر العبسى، فقال: بئس لعمر الله وافد الشام أنت، اتخوف المهاجرين والانصار بجنود اهل الشام وبكائهم على قميص عثمان، فو الله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام، فقد خذلوه بالعراق.
ثم ان المغيره بن شعبه دخل على على رضى الله عنه، فقال: يا امير المؤمنين، ان لك حق الصحبه، فاقر معاويه على ما هو عليه من امره الشام، وكذلك جميع عمال عثمان، حتى إذا اتتك طاعتهم وبيعتهم استبدلت حينئذ او تركت، فقال على رضى الله: انا ناظر في ذلك.
وخرج عنه المغيره ثم عاد اليه من غد، فقال: يا امير المؤمنين، انى اشرت أمس عليك براى، فلما تدبرته عرفت خطاه، والرأي ان تعاجل معاويه وسائر عمال عثمان بالعزل، لتعرف السامع المطيع من العاصي، فتكافئ كلا بجزائه ثم قام، فتلقاه ابن عباس داخلا، فقال لعلى رضى الله عنه: فيم أتاك المغيره؟
فاخبره على بما كان من مشورته بالأمس، وما اشار عليه بعد، فقال ابن عباس: اما أمس فانه نصح لك، واما اليوم فغشك.
وبلغ المغيره ذلك، فقال: صدق ابن عباس، نصحت له، فلما رد نصحى بدلت قولي، ولما خاض الناس في ذلك سار المغيره الى مكة، فأقام بها ثلاثة اشهر، ثم انصرف الى المدينة.
ثم ان عليا رضى الله عنه نادى في الناس بالتأهب للمسير الى العراق، فدخل عليه سعد بن ابى وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمه،
__________
[1] شام السيف شيما: سله او اغمده وهو من الاضداد.
فقال لهم: قد بلغنى عنكم هناه كرهتها لكم، فقال سعد: قد كان ما بلغك، فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى اقاتل به معك.
وقال عبد الله بن عمر: أنشدك الله ان تحملني على ما لا اعرف.
وقال محمد بن مسلمه: ان رسول الله ص أمرني ان اقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل اهل الصلاة ضربت به صخر احد حتى ينكسر، وقد كسرته بالأمس. ثم خرجوا من عنده.
ثم ان اسامه بن زيد دخل، فقال: اعفنى من الخروج معك في هذا الوجه، فانى عاهدت الله الا اقاتل من يشهد ان لا اله الا الله.
وبلغ ذلك الاشتر، فدخل على على، فقال: يا امير المؤمنين، انا وان لم نكن من المهاجرين والانصار، فانا من «التابعين باحسان،» وان القوم وان كانوا اولى بما سبقونا اليه فليسوا باولى مما شركناهم فيه، وهذه بيعه عامه، الخارج منها طاعن مستعتب، فحض هؤلاء الذين يريدون التخلف عنك باللسان، فان أبوا فادبهم بالحبس فقال على: بل ادعهم ورأيهم الذى هم عليه.
ولما هم على رضى الله عنه بالمسير الى العراق، اجتمع اشراف الانصار، فاقبلوا حتى دخلوا على على، فتكلم عقبه بن عامر، وكان بدريا [1] فقال: يا امير المؤمنين ان الذى يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله ص، والسعى بين قبره ومنبره اعظم مما ترجو من العراق، فان كنت انما تسير لحرب الشام، فقد اقام عمر فينا، وكفاه سعد زحف القادسية، وابو موسى زحف الاهواز، وليس من هؤلاء رجل الا ومثله معك، والرجال اشباه، والأيام دول، فقال على ان الأموال والرجال بالعراق، ولأهل الشام وثبه أحب ان أكون قريبا منها. ونادى في الناس بالمسير، فخرج وخرج معه الناس.
__________
[1] ممن شهدوا غزوه بدر.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *