وقعة صفين

وقعة صفين

[1] قالوا: وضربت الركبان الى الشام بنعي عثمان، وتحريض معاويه على الطلب بدمه، فبينا معاويه ذات يوم جالس إذ دخل عليه رجل، فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين، فقال معاويه: وعليك، من أنت، لله أبوك؟ فقد روعتني بتسليمك على بالخلافة قبل ان انا لها، فقال: انا الحجاج بن خزيمة بن الصمة، قال: ففيم قدمت؟، قال: قدمت قاصدا إليك بنعي عثمان، ثم أنشأ يقول:
ان بنى عمك عبد المطلب … هم قتلوا شيخكم غير الكذب
وأنت اولى الناس بالوثب فثب … وسر مسير المحزئل [2] المتلئب
قال: ثم انى كنت فيمن خرج مع يزيد بن اسد لنصر عثمان، فلم نلحقه، فلقيت رجلا، ومعى الحارث بن زفر، فسألناه عن الخبر، فأخبرنا بقتل عثمان، وزعم انه ممن شايع على قتله، فقتلناه، وانى اخبرك، انك تقوى بدون ما يقوى به على، لان معك قوما لا يقولون إذا سكت، ويسكتون إذا نطقت، ولا يسألون إذا امرت، ومع على قوم يقولون إذا قال، ويسألون إذا سكت، فقليلك خير من كثيره، وعلى لا يرضيه الا سخطك، ولا يرضى بالعراق دون الشام، وأنت ترضى بالشام دون العراق، فضاق معاويه بما أتاه به الحجاج بن خزيمة ذرعا، وقال:
أتاني امر فيه للناس غمة … وفيه بكاء للعيون طويل
مصاب امير المؤمنين، وهذه … تكاد لها صم الجبال تزول
فلله عينا من راى مثل هالك … اصيب بلا ذحل وذاك جليل [3]
__________
[1] كان مبدأ محاربات صفين في أول صفر سنه 37 هيوليه سنه 657.
[2] المحزئل: المرتفع.
[3] الذحل: الثار.
تداعت عليه بالمدينة عصبة … فريقان، منهم قاتل وخذول
دعاهم، فصموا عنه عند دعائه … وذاك على ما في النفوس دليل
سانعى أبا عمرو بكل مثقف … وبيض لها في الدارعين صليل
تركتك للقوم الذين تظافروا … عليك، فماذا بعد ذاك اقول
فلست مقيما ما حييت ببلدة … اجر بها ذيلي وأنت قتيل
واما التي فيها مودة بيننا … فليس إليها ما حييت سبيل
سالقحها حربا عوانا ملحة … وانى بها من عامنا لكفيل
وكتب على الى جرير بن عبد الله البجلي، وكان عامل عثمان بأرض الجبل مع زحر بن قيس الجعفى، يدعوه الى البيعه له، فبايع وأخذ بيعه من قبله، وسار حتى قدم الكوفه.
وكتب الى الاشعث بن قيس بمثل ذلك، وكان مقيما باذربيجان طول ولايه عثمان بن عفان، وكانت ولايته مما عتب الناس فيه على عثمان، لأنه ولاه عند مصاهرته اياه، وتزويج ابنه الاشعث من ابنه، ويقال ان الاشعث هو الذى افتتح عامه اذربيجان، وكان له بها اثر ونصح واجتهاد، وكان كتابه اليه مع زياد بن مرحب، فبايع لعلى، وسار حتى قدم عليه الكوفه.
وان عليا ارسل جرير بن عبد الله الى معاويه يدعوه الى الدخول في طاعته، والبيعه له، او الإيذان بالحرب، فقال الاشتر: ابعث غيره فانى لا آمن مراهنته فلم يلتفت الى قول الاشتر. فسار جرير الى معاويه بكتاب على، فقدم على معاويه، فالفاه وعنده وجوه اهل الشام، فناوله كتاب على، وقال: هذا كتاب على إليك، والى اهل الشام يدعوكم الى الدخول في طاعته، فقد اجتمع له الحرمان، والمصران، والحجازان، واليمن، والبحران، وعمان، واليمامه، ومصر، وفارس، والجبل، وخراسان، ولم يبق الا بلادكم هذه، وان سال عليها واد من اوديته غرقها.
وفتح معاويه الكتاب فقراه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على امير المؤمنين الى معاويه بن ابى سفيان، اما بعد فقد لزمك ومن قبلك من المسلمين بيعتي، وانا بالمدينة، وأنتم بالشام، لأنه بايعنى الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم. فليس للشاهد ان يختار، ولا للغائب ان يرد، وانما الأمر في ذلك للمهاجرين والانصار، فإذا اجتمعوا على رجل مسلم، فسموه اماما، كان ذلك لله رضى، فان خرج من امرهم احد بطعن فيه او رغبه عنه رد الى ما خرج منه، فان ابى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، و «يصله جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً،» فادخل فيما دخل فيه المهاجرون والانصار، فان أحب الأمور فيك وفيمن قبلك العافيه، فان قبلتها والا فائذن بحرب، وقد اكثرت في قتله عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم الى، احملك وإياهم على ما في كتاب الله وسنه نبيه، فاما تلك التي تريدها، فإنما هي خدعه الصبى عن الرضاع.
فجمع معاويه اليه اشراف اهل بيته، فاستشارهم في امره، فقال اخوه عتبة بن ابى سفيان: استعن على امرك بعمرو بن العاص وكان مقيما في ضيعه له من حيز فلسطين، قد اعتزل الفتنة. فكتب اليه معاويه انه قد كان من امر على في طلحه والزبير وعائشة أم المؤمنين ما بلغك، وقد قدم علينا جرير بن عبد الله في أخذنا ببيعه على، فحبست نفسي عليك، فاقبل، اناظرك في ذلك، والسلام.
فسار ومعه ابناه عبد الله ومحمد حتى قدم على معاويه، وقد عرف حاجه معاويه اليه، فقال له معاويه: أبا عبد الله، طرقتنا في هذه الأيام ثلاثة امور، ليس فيها ورد ولا صدر، قال: وما هن؟ قال: اما أولهن، فان محمد بن ابى حذيفة كسر السجن وهرب نحو مصر فيمن كان معه من اصحابه، وهو من اعدى الناس لنا، واما الثانيه فان قيصر الروم قد جمع الجنود ليخرج إلينا فيحاربنا على الشام، واما الثالثه فان جريرا قدم رسولا لعلى بن ابى طالب يدعونا الى البيعه له او إيذان بحرب.
قال عمرو: اما ابن ابى حذيفة فما يغمك من خروجه من سجنه في اصحابه، فأرسل في طلبه الخيل، فان قدرت عليه قدرت، وان لم تقدر عليه لم يضرك، واما قيصر، فاكتب اليه تعلمه، انك ترد عليه جميع من في يديك من أسارى الروم، وتسأله الموادعة والمصالحه تجده سريعا الى ذلك، راضيا بالعفو منك، واما على بن ابى طالب فان المسلمين لا يساوون بينك وبينه.
قال معاويه: انه مالا على قتل عثمان، واظهر الفتنة، وفرق الجماعه.
قال عمرو: انه وان كان كذلك، فليست لك مثل سابقته وقرابته، ولكن ما لي ان شايعتك على امرك حتى تنال ما تريد؟.
قال: حكمك.
قال عمرو: اجعل لي مصر طعمه ما دامت لك ولايه.
فتلكا معاويه، وقال: يا عبد الله، لو شئت ان اخدعك خدعتك.
قال عمرو: ما مثلي يخدع.
قال له معاويه: ادن منى اسارك.
فدنا عمرو منه، فقال: هذه خدعه، هل ترى في البيت غيرى وغيرك ثم قال: يا عبد الله، اما تعلم ان مصر مثل العراق؟.
قال عمرو: غير انها انما تكون لي إذا كانت لك الدنيا، وانما تكون لك إذا غلبت عليا.
فتلكا عليه، وانصرف عمرو الى رحله، فقال عتبة لمعاوية: اما ترضى ان تشترى عمرا بمصر ان صفت لك قليتك [1] لا تغلب على الشام.
وقال معاويه: بت عندنا ليلتك هذه، فبات عتبة عنده، فلما أخذ معاويه مضجعه أنشأ عتبة:
__________
[1] القلية: مرقه تتخذ من لحوم الجزور واكبادها.
ايها المانع سيفا لم يهز … انما ملت على خز وقز
انما أنت خروف ناعم … بين ضرعين وصوف لم يجز
نالك الخير، فخذ من درة … شخبه الاول، واترك ما عزز
واترك الحرص عليها ضنة … واشبب النار لمقرور يكز
ان مصرا لعلى او لنا … يغلب اليوم عليها من عجز
وسمع معاويه ذلك، فلما اصبح بعث الى عمرو، فاعطاه ما سال، وكتبا بينهما في ذلك كتابا، ثم ان معاويه استشار عمرا في امره، وقال ما ترى؟
قال عمرو: انه قد أتاك في هذه البيعه خبر اهل العراق من عند خير الناس، ولست ارى لك ان تدعو اهل الشام الى الخلافه، فان ذلك خطر عظيم حتى تتقدم قبل ذلك بالتوطين للاشراف منهم، واشراب قلوبهم اليقين، بان عليا مالا على قتل عثمان، واعلم ان راس اهل الشام شرحبيل بن السمط الكندى، فأرسل اليه ليأتيك، ثم وطن له الرجال على طريقه كله، يخبرونه بان عليا قتل عثمان، وليكونوا من اهل الرضى عنده، فإنها كلمه جامعه لك اهل الشام، وان تعلق هذه الكلمه بقلبه لم يخرجها شيء ابدا.
فدعا يزيد بن اسد، وبسر بن ابى ارطاه، وسفيان بن عمرو، ومخارق بن الحارث، وحمزه بن مالك، وحابس بن سعد، وغير هؤلاء من اهل الرضا عند شرحبيل بن السمط، فوطنهم له على طريقه، ثم كتب اليه يأمره بالقدوم عليه، فكان يلقى الرجل بعد الرجل من هؤلاء في طريقه، فيخبرونه ان عليا مالا على قتل عثمان، ثم اشربوا قلبه ذلك.
فلما دنا من دمشق امر معاويه اشراف الشام باستقباله، فاستقبلوه، وأظهروا تعظيمه، فكان كلما خلا برجل منهم القى اليه هذه الكلمه، فاقبل حتى دخل على معاويه مغضبا، فقال: ابى الناس الا ان ابن ابى طالب قتل عثمان، والله لئن بايعته لنخرجنك من الشام، فقال معاويه: ما كنت لاخالف امركم، وانما انا
واحد منكم. قال: فاردد هذا الرجل الى صاحبه يعنى جريرا فعلم عند ذلك معاويه ان اهل الشام مع شرحبيل، فقال لشرحبيل: ان هذا الذى تهم به لا يصلح الا يرضى العامه، فسر في مدائن الشام، فاعلمهم ما نحن عليه من الطلب بثار خليفتنا وبايعهم على النصره والمعونة.
فسار شرحبيل يستقرى مدن الشام، مدينه بعد مدينه، ويقول: ايها الناس، ان عليا قتل عثمان، وانه غضب له قوم فلقيهم، فقتلهم، وغلب على ارضهم، ولم يبق الا هذه البلاد، وهو واضع سيفه على عاتقه، وخائض به غمرات الموت حتى ياتيكم، ولا يجد أحدا اقوى على قتله من معاويه، فانهضوا ايها الناس بثار خليفتكم المظلوم. فأجابه الناس كلهم الا نفرا من اهل حمص نساكا، فإنهم قالوا نلزم بيوتنا ومساجدنا، وأنتم اعلم.
فلما ذاق معاويه اهل الشام، وعرف مبايعتهم له قال لجرير الحق بصاحبك، واعلمه انى واهل الشام لا نجيبه الى البيعه، ثم كتب اليه بابيات كعب بن جعيل:
ارى الشام تكره ملك العراق … واهل العراق لهم كارهونا
وكل لصاحبه مبغض … يرى كل ما كان من ذاك دينا
وقالوا على امام لنا … فقلنا رضينا ابن هند رضينا
وقالوا نرى ان تدينوا لنا … فقلنا لهم لا نرى ان ندينا
وكل يسر بما عنده … يرى غث ما في يديه سمينا
وما في على لمستعتب … مقال سوى ضمه المحدثينا
وليس براض ولا ساخط … ولا في النهاة ولا الامرينا
ولا هو ساء ولا سره … ولا بد من بعد ذا ان يكونا
فلما قرأ على رضى الله عنه قال للنجاشي أجب، فقال:
دعن معاوي ما لن يكونا … فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم على باهل العراق … واهل الحجاز فما تصنعونا
يرون الطعان خلال العجاج … وضرب القوانس في النقع دينا
هم هزموا الجمع جمع الزبير … وطلحه والمعشر الناكثينا
فان يكره القوم ملك العراق … فقدما رضينا الذى تكرهونا
فقولوا لكعب أخي وائل … ومن جعل الغث يوما سمينا
جعلتم عليا واشياعه … نظير ابن هند اما تستحونا
ولما رجع جرير الى على كثر قول الناس في التهمه له، واجتمع هو والاشتر عند على، فقال الاشتر: اما والله يا امير المؤمنين، لو أرسلتني فيما أرسلت فيه هذا لما ارخيت من خناق معاويه، ولم ادع له بابا يرجو فتحه الا سددته، ولا عجلته عن الفكره، قال جرير: فما يمنعك من إتيانهم؟!، قال الاشتر: الان وقد افسدتهم، والله ما احسبك أتيتهم الا لتتخذ عندهم موده، والدليل على ذلك كثره ذكرك مساعدتهم وتخويفنا بكثرة جموعهم، ولو أطاعني امير المؤمنين لحبسك واشباهك من اهل الظنه محبسا لا يخرجون منه حتى يستتب هذا الأمر. فغضب جرير مما استقبله به الاشتر، فخرج من الكوفه ليلا في اناس من اهل بيته، فلحق بقرقيسيا، وهي كوره من كور الجزيرة، فأقام بها.
وغضب على لخروجه عنه، فركب الى داره، فامر بمجلس له فاحرق، فخرج ابو زرعه بن عمرو ابن عم جرير، فقال: ان كان انسان قد اجرم فان في هذه الدار أناسا كثيرا لم يجرموا إليك جرما، وقد روعتهم، فقال على: استغفر الله. ثم خرج منها الى دار لابن عم جرير، يقال له ثوير بن عامر، وقد كان خرج معه، فشعث فيها شيئا، ثم انصرف.
قالوا: ولما فرغ على رضى الله عنه من اصحاب الجمل خافه عبيد الله بن عمر ان يقتله بالهرمزان، فخرج حتى لحق بمعاويه، فقال معاويه لعمرو: قد أحيا الله لنا ذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقدوم عبيد الله ابنه علينا. قال: فاراده معاويه على ان يقوم في الناس فيلزم عليا دم عثمان، فأبى، فاستخف به معاويه، ثم ادناه بعد وقربه.
قالوا: ولما عزم اهل الشام على نصر معاويه، والقيام معه اقبل ابو مسلم الخولاني، وكان من عباد اهل الشام، حتى قدم على معاويه، فدخل عليه في اناس من العباد، فقال له: يا معاويه قد بلغنا انك تهم بمحاربه على بن ابى طالب، فكيف تناوئه [1] وليست لك سابقته؟، فقال لهم معاويه: لست ادعى انى مثله في الفضل، ولكن هل تعلمون ان عثمان قتل مظلوما؟، قالوا: نعم [2] ، قال: فليدفع لنا قتلته حتى نسلم اليه هذا الأمر.
قال ابو مسلم: فاكتب اليه هذا الأمر، حتى انطلق انا بكتابك، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاويه بن ابى سفيان الى على بن ابى طالب، سلام عليك، فانى احمد إليك الله الذى لا اله الا هو، اما بعد، فان الخليفة عثمان قتل معك في المحله، وأنت تسمع من داره الهيعة [3] ، فلا تدفع عنه بقول ولا بفعل، واقسم بالله لو قمت في امره مقاما صادقا، فنهنهت [4] عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، واخرى أنت بها ظنين، ايواؤك قتلته، فهم عضدك ويدك وأنصارك وبطانتك، وبلغنا انك تبتهل [5] من دمه، فان كنت صادقا فأمكنا من قتلته، نقتلهم به، ونحن اسرع الناس إليك، والا فليس لك ولا لأصحابك عندنا الا السيف، فو الله الذى لا اله غيره لنطلبن قتله عثمان في البر والبحر حتى نقتلهم او تلحق أرواحنا بالله والسلام.
فسار ابو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفه، فدخل على على، فناوله الكتاب، فلما قراه تكلم ابو مسلم، فقال يا أبا الحسن، انك قد قمت بأمر، ووليته،
__________
[1] في الأصل: تناويه.
[2] في الأصل: بلى.
[3] الهيعة: صوت الصارخ للفزع.
[4] النهنهه: الزجر والكف.
[5] اى تتحلل.
وو الله ما نحب انه لغيرك ان اعطيت الحق من نفسك، ان عثمان رضى الله عنه قتل مظلوما، فادفع إلينا قتلته، وأنت أميرنا، فان خالفك احد من الناس كانت أيدينا لك ناصره، وألسنتنا لك شاهده، وكنت ذا عذر ومحجه، فقال له على: اغد على بالغداة. وامر به، فانزل، واكرم.
فلما كان من الغد دخل الى على وهو في المسجد، فإذا هو بزهاء عشره آلاف رجل، قد لبسوا السلاح، وهم ينادون: كلنا قتله عثمان، فقال ابو مسلم لعلى: انى لأرى قوما ما لك معهم امر، واحسب انه بلغهم الذى قدمت له، ففعلوا ذلك خوفا من ان تدفعهم الى.
قال على: انى ضربت انف هذا الأمر وعينه، فلم أر يستقيم دفعهم إليك ولا الى غيرك، فاجلس حتى اكتب جواب كتابك. ثم كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على امير المؤمنين الى معاويه بن ابى سفيان، اما بعد، فان أخا خولان قدم على بكتاب منك، تذكر فيه قطعى رحم عثمان، وتاليبى الناس عليه، وما فعلت ذلك، غير انه رحمه الله عتب الناس عليه، فمن بين قاتل وخاذل، فجلست في بيتى، واعتزلت امره، الا ان تتجنى فتجن ما بدا لك، فاما ما سالت من دفعى إليك قتلته، فانى لا ارى ذلك، لعلمي انك انما تطلب ذلك ذريعه الى ما تامل، ومرقاه الى ما ترجو، وما الطلب بدمه تريد، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لينزل بك ما ينزل بالشاق العاصي الباغى، والسلام.
وكتب الى عمرو بن العاص:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على امير المؤمنين الى عمرو بن العاص، اما بعد، [فان الدنيا مشغله عن غيرها، صاحبها منهوم فيها، لا يصيب منها شيئا الا ازداد عليها حرصا، ولم يستغن بما نال عما لا يبلغ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع،] [والسعيد من اتعظ بغيره،] فلا تحبط عملك بمجاراه معاويه في باطله، فانه سفه الحق واختار الباطل والسلام.
فكتب اليه عمرو بن العاص:
من عمرو بن العاص الى على بن ابى طالب، اما بعد، فان الذى فيه صلاحنا والفه ذات بيننا ان تجيب الى ما ندعوك اليه، من شورى تحملنا وإياك على الحق، ويعذرنا الناس لها بالصدق والسلام.
قالوا: ولما اجمع على على المسير الى اهل الشام، وحضرت الجمعه صعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على النبي ص، ثم قال: ايها الناس، سيروا الى أعداء السنن والقرآن، سيروا الى قتله المهاجرين والانصار، سيروا الى الجفاة الطغام الذين كان اسلامهم خوفا وكرها، سيروا الى المؤلفه قلوبهم ليكفوا عن المسلمين بأسهم.
فقام اليه رجل من فزاره، يسمى اربد، فقال: اتريد ان تسير بنا الى إخواننا من اهل الشام فنقتلهم كما سرت بنا الى إخواننا من اهل البصره فقتلناهم؟
كلا، ها الله، إذا لا نفعل ذلك.
فقام الاشتر، فقال: ايها الناس، من لهذا؟ فهرب الفزارى وسعى شؤبوب [1] من الناس في اثره، فلحقوه بالكناسة [2] فضربوه بنعالهم حتى سقط، ثم وطئوه بارجلهم حتى مات، فاخبر بذلك على رضى الله عنه فقال: قتيل عميه، لا يدرى من قتله فدفع ديته الى اهله من بيت المال، وقال بعض شعراء بنى تميم:
اعوذ بربي ان منيتي … كما مات في سوق البراذين اربد
تعاوره همدان خصف نعالهم … إذا رفعت عنه يد وقعت يد
وقام الاشتر، فقال: يا امير المؤمنين، لا يؤيسنك من نصرتنا ما سمعت من هذا الخائن، ان جميع من ترى من الناس شيعتك، لا يرغبون بانفسهم عنك،
__________
[1] الشؤبوب: الدفعه من المطر، والمراد جماعه.
[2] اسم موضع بالكوفه.
ولا يحبون البقاء بعدك، فسر بنا الى اعدائك، فو الله ما ينجو من الموت من خافه، ولا يعطى البقاء من احبه، ولا يعيش بالأمل الا المغرور.
فأجابه جل الناس الى المسير، الا اصحاب عبد الله بن مسعود، وعبيده السلماني، والربيع بن خثيم في نحو من أربعمائة رجل من القراء، فقالوا: يا امير المؤمنين، قد شككنا في هذا القتال، مع معرفتنا فضلك، ولا غنى بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل المشركين، فولنا بعض هذه الثغور لنقاتل عن اهله.
فولاهم ثغر قزوين والري، وولى عليهم الربيع بن خثيم، وعقد له لواء، وكان أول لواء عقد في الكوفه.
قالوا: وبلغ عليا ان حجر بن عدى وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاويه، ولعن اهل الشام، فأرسل إليهما ان كفا عما يبلغني عنكما. فاتياه، فقالا: يا امير المؤمنين، السنا على الحق، وهم على الباطل؟، قال: بلى، ورب الكعبه المسدنه، قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟، قال: [كرهت لكم ان تكونوا شتامين لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، واصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوى عن الغى من لجج به.
] قالوا: ولما عزم على رضى الله عنه على الشخوص امر مناديا، فنادى بالخروج الى المعسكر بالنخيلة [1] ، فخرج الناس مستعدين، واستخلف على على الكوفه أبا مسعود الأنصاري، وهو من السبعين الذين بايعوا رسول الله ص ليله العقبه. وخرج على رضى الله عنه الى النخيله، وامامه عمار بن ياسر، فأقام بالنخيلة معسكرا، وكتب الى عماله بالقدوم عليه.
ولما انتهى كتابه الى ابن عباس ندب الناس، وخطبهم، وكان أول من تكلم الأحنف بن قيس، ثم قام خالد بن العمر السدوسي، ثم قام عمرو بن مرحوم
__________
[1] موضع بالبادية قرب الكوفه على سمت الشام.
العبدى، وكلهم أجاب، فخلف على البصره أبا الأسود الديلى، وسار بالناس حتى قدم على على بالنخيلة.
فلما اجتمع الى على قواصيه، وانضمت اليه اطرافه تهيأ للمسير من النخيله، ودعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ، فعقد لكل واحد منهما على سته آلاف فارس، وقال: ليسر كل واحد منكما منفردا عن صاحبه، فان جمعتكما حرب، فأنت يا زياد الأمير، واعلما ان مقدمه القوم عيونهم، وعيون المقدمه طلائعهم، فاياكما ان تسأما عن توجيه الطلائع، ولا تسيرا بالكتائب والقبائل من لدن مسير كما الى نزولكما الا بتعبيه وحذر، وإذا نزلتم بعدو او نزل بكم، فليكن معسكركم في اشرف المواضع ليكون ذلك لكم حصنا حصينا، وإذا غشيكم الليل فحفوا عسكركم بالرماح والترسه، وليليهم الرماه، وما اقمتم فكذلك فكونوا، لئلا يصاب منكم غره، واحرسا عسكركما بأنفسكما، ولا تذوقا نوما الا غرارا ومضمضة، وليكن عندي خبركما، فانى ولا شيء الا ما شاء الله حثيث السير في اثركما، ولا تقاتلا حتى تبدا او يأتيكما امرى ان شاء الله.
فلما كان اليوم الثالث من مخرجهما قام في اصحابه خطيبا، فقال: يا ايها الناس، نحن سائرون غدا في آثار مقدمتنا، فإياكم والتخلف، فقد خلفت مالك بن حبيب اليربوعى، وجعلته على الساقه، وامرته الا يدع أحدا الا الحقه بنا فلما اصبح نادى في الناس بالرحيل، وسار، فلما انتهى الى رسوم مدينه بابل، قال لمن كان يسايره من اصحابه: ان هذه مدينه قد خسف بها مرارا، فحركوا خيلكم، وارخوا أعنتها، حتى تجوزوا موضع المدينة، لعلنا ندرك العصر خارجا منها. فحرك، وحركوا دوابهم، فخرج من حد المدينة وقد حضرت الصلاة، فنزل، فصلى بالناس، ثم ركب، وسار حتى انتهى الى دير كعب فجاوزه، واتى ساباط المدائن، فنزل فيه بالناس، وقد هيئت له فيه الأنزال.
فلما اصبح ركب وركب الناس معه، وانهم لثمانون الف رجل، او يزيدون،
سوى الاتباع والخدم، ثم سار حتى اتى مدينه الأنبار، فلما وافى المدائن عقد لمعقل بن قيس في ثلاثة آلاف رجل، وامره ان يسير على الموصل ونصيبين حتى يوافيه بالرقة [1] ، فسار حتى وافى حديثه الموصل، وهي إذ ذاك المصر، وانما بنى الموصل بعد ذلك مروان بن محمد.
فلما انتهى معقل إليها إذا هو بكبشين يتناطحان، ومع معقل رجل من خثعم يزجر، فجعل الخثعمى يقول: ايه، ايه، فاقبل رجلان، فاخذ كل منهما كبشا، فقاده وانطلق به. فقال الخثعمى لمعقل لا تغلبون ولا تغلبون فقال معقل: يكون خيرا، ان شاء الله.
ثم مضى حتى وافى عليا وقد نزل البليخ [2] فأقام ثلاثا، ثم امر بجسر، فعقد، وعبر الناس، ولما قطع على رضى الله عنه الفرات امر زياد بن النضر وشريح بن هانئ ان يسيرا امامه، فسارا حتى انتهيا الى مكان يدعى سور الروم لقيهما ابو الأعور السلمى في خيل عظيمه من اهل الشام، فأرسلا الى على يعلمانه ذلك.
فامر على الاشتر ان يسير إليهما، وجعله أميرا عليهما، فسار حتى وافى القوم، فاقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض حتى جن عليهم الليل، وانسل ابو الأعور في جوف الليل حتى اتى معاويه.
واقبل معاويه بالخيل نحو صفين، وعلى مقدمته سفيان بن عمرو، وعلى ساقته بسر [3] بن ابى ارطاه العامري، فاقبل سفيان بن عمرو، ومعه ابو الأعور، حتى وافيا صفين، وهي قريه خراب من بناء الروم، منها الى الفرات غلوه [4] ، وعلى شط الفرات مما يليها غيضه [5] ملتفه، فيها نزور طولها نحو من فرسخين، وليس في ذينك الفرسخين طريق الى الفرات الا طريق واحد مفروش بالحجارة،
__________
[1] مدينه مشهوره على الفرات من الجانب الشرقى.
[2] نهر بالرقة يجتمع فيه الماء من عيون.
[3] في الأصل: بشر.
[4] الغلوة: قدر رميه بسهم وقد تستعمل في سباق الخيل.
[5] الغيضة بالفتح: الأجمة، ومجتمع الشجر في مغيض ماء.
وسائر ذلك خلاف وغرب ملتف لا يسلك، وجميع الغيضة نزور ووحل الا ذلك الطريق الذى يأخذ من القرية الى الفرات.
فاقبل سفيان بن عمرو وابو الأعور حتى سبقا الى موضع القرية، فنزلا هناك مع ذلك الطريق، ووافاهما معاويه بجميع الفيلق، حتى نزل معهما، وعسكر مع القرية، وامر معاويه أبا الأعور ان يقف في عشره آلاف من اهل الشام على طريق الشريعه، فيمنع من اراد السلوك الى الماء من اهل العراق.
واقبل على رضى الله عنه حتى وافى المكان، فصادف اهل الشام قد احتووا على القرية والطريق، فامر الناس، فنزلوا بالقرب من عسكر معاويه، وانطلق السقاءون والغلمان الى طريق الماء، فحال ابو الأعور بينهم وبينه.
واخبر على رضى الله عنه بذلك، فقال لصعصعة بن صوحان ايت معاويه، فقل له، انا سرنا إليكم لنعذر قبل القتال، فان قبلتم كانت العافيه أحب إلينا، وأراك قد حلت بيننا وبين الماء، فان كان اعجب إليك ان ندع ما جئنا له، ونذر الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.
فقال الوليد: امنعهم الماء كما منعوه امير المؤمنين عثمان، اقتلهم عطشا، قتلهم الله.
فقال معاويه لعمرو بن العاص: ما ترى؟.
قال: ارى ان تخلى عن الماء، فان القوم لن يعطشوا وأنت ريان.
فقال عبد الله بن ابى سرح، وكان أخا عثمان لامه: امنعهم الماء الى الليل، لعلهم ان ينصرفوا الى طرف الغيضة، فيكون انصرافهم هزيمه.
فقال صعصعة لمعاوية: ما الذى ترى؟.
قال معاويه: ارجع، فسيأتيكم رأيي. فانصرف صعصعة الى على، فاخبره بذلك.
وظل اهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء الا من كان ينصرف من الغلمان الى طرف الغيضة، فيمشى مقدار فرسخين، فيستقى، فغم عليا رضى الله عنه
امر الناس غما شديدا، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعا، فأتاه الاشعث بن قيس فقال: يا امير المؤمنين، ايمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا؟ ولنى الزحف اليه، فو الله لا ارجع او اموت، ومر الاشتر فلينضم الى في خيله، فقال له على: ايت في ذلك ما رايت.
فلما اصبح زاحف أبا الأعور، فاقتتلوا، وصدقهم الاشتر والاشعث حتى نفيا أبا الأعور واصحابه عن الشريعه، وصارت في أيديهما، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: ما ظنك بالقوم اليوم ان منعوك الماء كما منعتهم أمس؟، فقال معاويه: دع ما مضى، ما ظنك بعلى؟، قال: ظني انه لا يستحل منك ما استحللت منه، لأنه أتاك في غير امر الماء.
ثم توادع الناس، وكف بعضهم عن بعض، وامر على الا يمنع اهل الشام من الماء، فكانوا يسقون جميعا، ويختلط بعضهم ببعض، ويدخل بعضهم في معسكر بعض، فلا يعرض احد من الفريقين لصاحبه الا بخير، ورجوا ان يقع الصلح.
واقبل عبيد الله بن عمر بن الخطاب حتى استاذن على على، فاذن له، فدخل عليه، فقال له على: اقتلت الهرمزان ظلما، وقد كان اسلم على يدي عمى العباس، وفرض له ابوك في الفين، وترجو ان تسلم مني؟.
فقال له عبيد الله: الحمد لله الذى جعلك تطلبنى بدم الهرمزان، وانا اطلبك بدم امير المؤمنين عثمان.
فقال له على: ستجمعنا وإياك الحرب، فتعلم.
قال: فلم يزالوا يتراسلون شهرى ربيع [1] وجمادى الاولى، ويفزعون فيما بين ذلك، يزحف بعضهم الى بعض، فيحجز بينهم القراء والصالحون، فيفترقون من غير
__________
[1] ربيع الثانى من سنه 37 هـ اغسطس 657 م.
حرب حتى فزعوا في هذه الثلاثة الأشهر خمسا وثمانين فزعه، كل ذلك يحجز بينهم القراء.
فلما انقضت جمادى الاولى بات على رضى الله عنه يعبى اصحابه، ويكتب كتائبه، وبعث الى معاويه يؤذنه بحرب، فعبى معاويه أيضا اصحابه، وكتب كتائبه.
فلما أصبحوا تزاحفوا وتواقفوا تحت راياتهم في صفوفهم، ثم تحاجزوا، فلم تكن حرب، وكانوا يكرهون ان يلتقوا بجميع الفيلقين مخافه الاستئصال، غير انه يخرج الجماعه من هؤلاء الى الجماعه من أولئك، فيقتتلون بين العسكرين، فكانوا كذلك حتى اهل هلال رجب، فامسك الفريقان.
قالوا: واقبل ابو الدرداء وابو امامه الباهلى حتى دخلا على معاويه، فقالا: علام تقاتل عليا، وهو أحق بهذا الأمر منك؟.
قال: اقاتله على دم عثمان.
قالا: او هو قتله؟.
قال: آوى قتلته، فسلوه ان يسلم إلينا قتلته، وانا أول من يبايعه من اهل الشام.
فاقبلا الى على رضى الله عنه، فأخبراه بذلك. فاعتزل من عسكر على زهاء عشرين الف رجل، فصاحوا: نحن جميعا قتلنا عثمان.
فخرج ابو الدرداء وابو امامه فلحقا ببعض السواحل، ولم يشهدا شيئا من تلك الحروب.
وان معاويه بعث الى شرحبيل بن السمط، وحبيب بن مسلمه، ومعن بن يزيد ابن الاخنس، وقال: انطلقوا اليه، وسلوه ان يسلم إلينا قتله عثمان، ويتخلى مما هو فيه حتى نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من رضوا وأحبوا.
فاقبلوا حتى دخلوا على على رضى الله عنه، فبدا حبيب بن مسلمه، فتكلم
بما حمله معاويه، فقال له على: وما أنت وذاك، لا أم لك، فلست هناك؟! فقام حبيب مغضبا، فقال: والله لتريني بحيث تكره، فقال شرحبيل: افلا تسلم إلينا قتله عثمان؟، قال على: انى لا استطيع ذلك، وهم زهاء عشرين الف رجل، فقاما عنه، فخرجا، قالوا: فمكث الناس كذلك الى ان انسلخ المحرم [1] .
وفي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي، وكان صاحب لواء طيّئ مع معاويه:
فما بين المنايا غير سبع … بقين من المحرم او ثمان
الم يعجبك انا قد هجمنا … وإياهم على الموت العيان
اينهانا كتاب الله عنهم … ولا ينهاهم آي القرآن
فلما انسلخ المحرم بعث على مناديا، فنادى في عسكر معاويه عند غروب الشمس: انا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحرم، وقد تصرمت، وانا ننبذ إليكم على سواء، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.
فبات الفريقان يكتبون الكتائب، وقد أوقدوا النيران في العسكرين، فلما أصبحوا تزاحفوا، وقد استعمل على على الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجاله عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، ودفع الراية العظمى الى هاشم بن عتبة المرقال، وجعل على الميمنه الاشعث بن قيس وعلى الميسره عبد الله بن عباس، وعلى رجال الميمنه سليمان بن صرد، وعلى رجاله الميسره الحارث بن مره العبدى، وجعل في القلب مضر، وفي الميمنه ربيعه، وفي الميسره اهل اليمن، وضم قريشا وأسدا وكنانه الى عبد الله بن عباس، وضم كنده الى الاشعث، وضم بكر البصره الى الحضين [2] ابن المنذر، وضم تميم البصره الى الأحنف بن قيس، وولى امر خزاعة عمرو بن الحمق، وولى بكر الكوفه نعيم بن هبيرة، وولى سعد رباب البصره خارجه
__________
[1] من سنه 38 هـ.
[2] في الأصل: الحصين.
ابن قدامه، وولى بجيله رفاعة بن شداد، وولى ذهل الكوفه رويما الشيبانى، وولى حنظله البصره اعين بن ضبيعه، وجعل على قضاعه كلها عدى بن حاتم، وجعل على لهازم الكوفه عبد الله بن بديل، وعلى تميم الكوفه عمير بن عطارد، وعلى الأزد جندب بن زهير، وعلى ذهل البصره خالد بن المعمر، وعلى حنظله الكوفه شبث ابن ربعي، وعلى همدان سعد بن قيس، وعلى لهازم البصره خزيمة بن خازم، وعلى سعد رباب الكوفه أبا صرمه، واسمه الطفيل، وعلى مذحج الاشتر، وعلى عبد قيس الكوفه عبد الله بن الطفيل، وعلى عبد قيس البصره عمرو بن حنظله، وعلى قيس البصره شدادا الهلالي، وعلى اللفيف من القواصى القاسم بن حنظله الجهنى.
واستعمل معاويه على الخيل عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى الرجاله مسلم ابن عقبه، لعنه الله، وعلى الميمنه عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى الميسره حبيب ابن مسلمه، ودفع اللواء الأعظم الى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، واستعمل على اهل دمشق الضحاك بن قيس، وعلى اهل حمص ذا الكلاع، وعلى اهل قنسرين زفر بن الحارث، وعلى اهل الأردن سفيان بن عمرو، وعلى اهل فلسطين مسلمه ابن خالد، وعلى رجاله دمشق بسر بن ابى ارطاه، وعلى رجاله حمص حوشبا ذا ظليم، وعلى رجاله قنسرين طريف بن حابس، وعلى رجاله الأردن عبد الرحمن القينى، وعلى رجاله فلسطين الحارث بن خالد الأزدي، وعلى قيس دمشق همام ابن قبيصة، وعلى قيس حمص هلال بن ابى هبيرة، وعلى رجاله الميمنه حابس ابن ربيعه، وعلى قضاعه دمشق حسان بن بجدل، وعلى قضاعه حمص عباد ابن يزيد، وعلى كنده دمشق عبد الله بن جون السكسكى، وعلى كنده حمص يزيد بن هبيرة، وعلى النمر بن قاسط يزيد بن اسد العجلى، وعلى حمير هانئ بن عمير، وعلى قضاعه الأردن مخارق بن الحارث، وعلى لخم فلسطين نابل ابن قيس، وعلى همدان الأردن حمزه بن مالك، وعلى غسان الأردن زيد بن الحارث،
وعلى اهل القواصى القعقاع بن أبرهة، وعلى الخيل كلها عمرو بن العاص، وعلى الرجاله كلها الضحاك بن قيس.
واصطف كل فريق منهم سبعه صفوف، صفين في الميمنه وصفين في الميسره، وثلاثة صفوف في القلب، فكان الفريقان اربعه عشر صفا، فوقفوا تحت راياتهم، لا ينطق احد منهم بكلمة، فخرج رجل من اهل العراق يسمى جحل بن اثال، وكان من فرسان العرب، فوقف بين صفوف اهل العراق واهل الشام، ثم نادى هل من مبارز؟ وهو متقنع بالحديد، فخرج اليه أبوه اثال، وكان من معدودى فرسان اهل الشام متقنعا بالحديد، ولم يعلم واحد منهما من صاحبه، فتطاردا، والناس قد شخصت أبصارهم، ينظرون، فطعن كل واحد منهما صاحبه، فلم يصنعا شيئا، لكمال لامتيهما [1] ، فحمل الأب على الابن، فاحتضنه حتى اشاله [2] عن سرجه، فسقط وسقط الأب عليه، فانكشفت وجوههما، فعرف كل واحد منهما صاحبه، فانصرفا الى عسكريهما، ثم تفرق الناس يومئذ، ولم يكن بينهما غير هذا.
فلما أصبحوا عادوا الى مواقفهم، كما كانوا بالأمس، فخرج عتبة بن ابى سفيان حتى وقف على فرسه بين الصفين، فدعا جعدة بن هبيرة بن ابى وهب القرشي، ليخرج اليه، فاقبل جعدة حتى دنا من عتبة، فتجاريا ما هم فيه، وتقاولا حتى اغضب جعدة عتبة، فتناوله عتبة بلسانه، فانصرفا مغضبين، وعبى كل منهما لصاحبه كتيبه، فاقتتلوا بين الصفين، واعين الناس اليهم، وباشر جعدة القتال، فانهزم عتبة، وانصرف الفريقان لم يكن بينهم يومئذ الا ذاك، فقال النجاشى يذكر ما كان بينهما:
ان شتم الكريم يا عتب خطب … فاعلمنه من الخطوب عظيم
أمه أم هانئ، وأبوه … من لؤي بن غالب لصميم
انه للهبيره بن ابى وهب … ، اقرت بفضله مخزوم
__________
[1] اللامة: الدرع.
[2] رفعه.
وقال أيضا:
ما زلت تنظر في عطفيك أبهة … لا يرفع الطرف منك التيه والصلف
لما رايتهم صبحا حسبتهم … اسد العرين حمى اشبالها الغرف [1]
ناديت خيلك إذ عض السيوف بها … عوجى الى، فما عاجوا وما وقفوا
هلا عطفت الى قتلى مصرعة … منها السكون ومنها الأزد والصدف
قد كنت في منظر عن ذا ومستمع … يا عتب لولا سفاه الرأي والترف
قالوا وخرج الاشعث في يوم من الأيام في خيل من ابطال اهل العراق، فخرج اليه حبيب بن مسلمه في مثل ذلك من اهل الشام، فاقتتلوا بين الصفين مليا حتى مضى جل النهار، ثم انصرفوا وقد انتصف بعضهم من بعض.
وخرج يوما آخر المرقال هاشم بن عتبة بن ابى وقاص في خيل، فخرج اليه ابو الأعور السلمى في مثل ذلك، فاقتتلوا بين الصفين جل النهار. فلم يفر احد عن احد.
وخرج يوما آخر عمار بن ياسر في خيل من اهل العراق، فخرج اليه عمرو بن العاص في ذلك، ومعه شقه سوداء على قناه، فقال الناس: هذا لواء عقده رسول الله ص، فقال على رضى الله عنه: انا مخبركم بقصة هذا اللواء: هذا لواء عقده رسول الله ص، وقال: من يأخذه بحقه؟، فقال عمرو: وما حقه يا رسول الله؟ فقال: لا تفر به من كافر، ولا تقاتل به مسلما. فقد فر به من الكافرين في حياه رسول الله ص، وقد قاتل به المسلمين اليوم. فاقتتل عمرو وعمار ذلك اليوم كله، لم يول واحد منهما صاحبه الدبر.
وخرج في يوم آخر محمد بن الحنفيه، فخرج اليه عبيد الله بن عمر في مثل عدده من اهل الشام، فقال عبيد الله لابن الحنفيه: ابرز لي فقال محمد:
__________
[1] الغرف: الشجر الكثيف الملتف، اى شجر كان.
نزال قال: وذاك. فنزلا جميعا عن فرسيهما، ونظر على إليهما، فحرك فرسه حتى دنا من محمد، ثم نزل، وقال لمحمد: امسك على فرسي ففعل. ومشى الى عبيد الله، فولى عنه عبيد الله، وقال: ما لي في مبارزتك من حاجه، انما اردت ابنك فقال محمد: يا أبت [1] ، لو تركتني ابارزه لرجوت ان اقتله قال: لو بارزته لرجوت ذلك، وما كنت آمنا ان يقتلك. واقتتلت خيلاهما الى انصاف النهار، ثم انصرفت، وكل غير غالب.
وخرج في يوم آخر عبد الله بن عباس في خيل من اهل العراق، فخرج اليه الوليد بن عتبة في مثلها من اهل الشام، فقال الوليد: يا ابن عباس، قطعتم أرحامكم، وقتلتم امامكم، ولم تدركوا ما املتم، فقال له ابن عباس: دع عنك الأساطير، وابرز الى، فأبى الوليد، وقاتل ابن عباس يومئذ بنفسه قتالا شديد، ثم انصرفا منتصفين.
وخرج في يوم آخر عمرو بن العاص في خيل من اهل الشام، فخرج اليه سعد بن قيس الهمدانى في مثل ذلك من اهل العراق، وعمرو يرتجز:
لا تامنن بعدها أبا حسن … طاحنه تدقكم دق الطحن
انا نمر الحرب امرار الرسن [2]
فبدر ممن كان مع عمرو فتى من اهل الشام، يسمى حجر الشر، فدعا للبراز، فبرز اليه حجر بن عدى، فأطعنا، فطعنه حجر الشر طعنه اذراه عن فرسه، وحماه اصحابه، فانصرفا وقد جرحه السنان، فخرج اليه الحكم بن ازهر، وكان من اشراف الكوفه، فاختلفا ضربتين، فضربه حجر الشر فقتله، ثم نادى هل من مبارز؟، فبرز اليه ابن عم للحكم يسمى رفاعة بن طليق، فضربه حجر الشر فقتله، فقال على: الحمد لله الذى قتل هذا مقتل عبد الله بن بديل.
وخرج في يوم آخر عبد الله بن بديل الخزاعي، وكان من افاضل اصحاب على
__________
[1] في الأصل يا ابه.
[2] الرسن: محركه الحبل وما كان من زمام على انف.
في خيل من اهل العراق، فخرج اليه ابو الأعور السلمى في مثل ذلك من اهل الشام فاقتتلوا هويا [1] من النهار، فترك عبد الله اصحابه يعتركون في مجالهم، وضرب فرسه حتى احماه، ثم ارسله على اهل الشام، فشق جموعهم، لا يدنو منه احد الا ضربه بالسيف حتى انتهى الى الرابية التي كان معاويه عليها، فقام اصحاب معاويه دونه، فقال معاويه: ويحكم، ان الحديد لم يؤذن له في هذا، فعليكم بالحجارة فرث بالصخر حتى مات، فاقبل معاويه حتى وقف عليه، فقال: هذا كبش القوم هذا كما قال الشاعر:
أخو الحرب ان عضت به الحرب عضها … وان شمرت عن ساقها الحرب شمرا
كليث عرين بات يحمى عرينه … رمته المنايا قصدها فتقطرا
قالوا: وكان فارس معاويه الذى يبتهى به حريث مولاه، وكان يلبس بزه معاويه، ويستلئم سلاحه، ويركب فرسه، ويحمل متشبها بمعاويه، فإذا حمل قال الناس: هذا معاويه وقد كان معاويه نهاه عن على، وقال اجتنبه، وضع رمحك حيث شئت. فخلا به عمرو، وقال: ما يمنعك من مبارزه على، وأنت له كفء؟، قال: نهاني مولاى عنه، قال: وانى والله لأرجو ان بارزته ان تقتله، فتذهب بشرف ذلك. فلم يزل يزين له ذلك حتى وقع في قلب حريث.
فلما أصبحوا خرج حريث حتى قام بين الصفين، وقال: يا أبا الحسن، ابرز الى، انا حريث، فخرج اليه على، فضربه، فقتله.
وبعث على يوما من تلك الأيام الى معاويه: لم نقتل الناس بيني وبينك؟ ابرز الى، فأينا قتل صاحبه تولى الأمر. فقال معاويه لعمرو: ما ترى؟
قال: قد انصفك الرجل، فابرز اليه، فقال معاويه: اتخدعني عن نفسي، ولم ابرز اليه، ودوني عك والأشعرون. ثم قال:
__________
[1] هوى بالضم وكغنى ساعه من النهار او من الليل.
ما للملوك وللبراز وإنما … حظ المبارز خطفه من باز
ووجد من ذلك على عمرو، فهجره أياما، فقال عمرو لمعاوية: انا خارج الى على غدا.
فلما أصبحوا بدر عمرو حتى وقف بين الصفين، وهو يرتجز:
شدا على شكتى لا تنكشف … يوم لهمدان ويوم للصدف
ولتميم مثله او تنحرف … والربعيون لهم يوم عصف
إذا مشيت مشيه العود النطف … اطعنهم بكل خطى ثقف [1]
ثم نادى: يا أبا الحسن، اخرج الى، انا عمرو بن العاص. فخرج اليه على، فتطاعنا، فلم يصنعا شيئا، فانتضى على سيفه، فحمل عليه، فلما اراد ان يجلله رمى بنفسه عن فرسه، ورفع احدى رجليه، فبدت عورته، فصرف على وجهه، وتركه. وانصرف عمرو الى معاويه، فقال له معاويه: احمد الله وسوداء استك يا عمرو.
قالوا: وخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب يوما من تلك الأيام، وكان من فرسان العرب وابطالها في خيل من اهل الشام، وخرج الاشتر في مثلها، فاشتدت بينهما الحرب، فالتقى عبيد الله والاشتر، فحمل عبيد الله على الاشتر، وبدره الاشتر يطعنه، فاخطاه، واسرع الاشتر في اصحاب عبيد الله، فانصرف الفريقان، وللأشتر الفضل.
وخرج يوما آخر عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من معدودى رجال معاويه، فخرج اليه عدى بن حاتم في مثلها، فاقتتلوا يومهم كله، ثم انصرفوا، وكل غير غالب.
__________
[1] الخطى الثقف: الرمح المعتدل.
وخرج يوما ذو الكلاع في اربعه آلاف فارس من اهل الشام قد تبايعوا على الموت، فحملوا على ربيعه، وكانوا في ميسره على، وعليهم عبد الله بن عباس، فتصدعت جموع ربيعه، فناداهم خالد بن المعمر: يا معشر ربيعه اسخطتم الله فثابوا اليه، فاشتد القتال حتى كثرت القتلى، ونادى عبيد الله بن عمر: انا الطيب ابن الطيب، فسمعه عمار، فناداه: بل أنت الخبيث ابن الطيب.
ثم حمل عبيد الله، وهو يرتجز:
انا عبيد الله ينمينى عمر … خير قريش من مضى ومن غبر
غير رسول الله والشيخ الأغر … أبطأ عن نصر ابن عفان مضر
والربعيون، فلا اسقوا المطر
فضرب شمر بن الريان العجلى، فقتله، وكان من فرسان ربيعه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *