وثيقة التحكيم

وثيقة التحكيم

قالوا: فاجتمع اهل العراق واهل الشام وأتوا بكاتب، وقالوا: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه امير المؤمنين. فقال معاويه بئس الرجل انا ان اقررت بانه امير المؤمنين ثم اقاتله. قال عمرو بل اكتب اسمه واسم ابيه. فقال الأحنف بن قيس: يا امير المؤمنين، لا تمح اسم امره المؤمنين، فانى اخاف ان محوتها لم ترجع إليك ابدا، ولا تجبهم الى ذلك.
[فقال على: الله اكبر، سنه بسنه، اما والله لقد جرى على يدي نظير هذا يعنى القضية يوم الحديبية، [1] وامتناع قريش ان يكتب محمد رسول الله، فقال النبي ص للكاتب، اكتب محمد بن عبد الله،] فكتبوا.
هذا ما تقاضى عليه على بن ابى طالب ومعاويه بن ابى سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنه نبيه ص، قضية على على اهل العراق شاهدهم وغائبهم، وقضية معاويه على اهل الشام شاهدهم وغائبهم، انا تراضينا ان نقف عند حكم القرآن فيما يحكم من فاتحته الى خاتمته، نحيى ما أحيا، ونميت ما أمات، على ذلك تقاضيا وبه تراضيا، وان عليا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرا وحاكما، ورضى معاويه وشيعته بعمرو بن العاص ناظرا وحاكما، على ان عليا ومعاويه أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه، وذمته وذمة
__________
[1] قريه قريبه من مكة، سميت ببئر فيها، وقد ورد ذكرها في الحديث كثيرا.
رسوله ان يتخذا القرآن اماما، ولا يعدوا به الى غيره في الحكم بما وجداه فيه مسطورا، وما لم يجدا في الكتاب رداه الى سنه رسول الله الجامعه، لا يتعمدان لها خلافا، ولا يبغيان فيها بشبهه.
وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على على ومعاويه عهد الله وميثاقه بالرضى بما حكما به مما في كتاب الله وسنه نبيه، وليس لهما ان ينقضا ذلك، ولا يخالفاه الى غيره، وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما واشعارهما وابشارهما واهاليهما وأولادهما ما لم يعدوا الحق، رضى به راض او سخطه ساخط، وان الامه انصارهما على ما قضيا به من الحق مما هو في كتاب الله، فان توفى احد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته واصحابه ان يختاروا مكانه رجلا من اهل المعدلة والصلاح على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق، وان مات احد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدد في هذه القضية فلشيعته ان يولوا مكانه رجلا يرضون عدله، وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضه، ورفع السلاح، وقد وجبت القضية على ما سمينا في هذا الكتاب من موقع الشرط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله اقرب شهيد، وَكَفى * به شَهِيداً، * فان خالفا وتعديا فالأمة بريئة من حكمهما ولا عهد لهما ولا ذمه، والناس آمنون على انفسهم وأهاليهم وأولادهم الى انقضاء الأجل، والسلاح موضوعه والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر، وللحكمين ان ينزلا منزلا متوسطا عدلا بين اهل العراق واهل الشام، ولا يحضرهما فيه الا من احبا عن تراض منهما، والأجل الى انقضاء شهر رمضان، فان راى الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها، وان رايا تأخيرها الى آخر الأجل اخراها، فان هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنه نبيه الى انقضاء الأجل، فالفريقان على امرهم الاول في الحرب، وعلى الامه عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعا يد واحده على من اراد في هذا الأمر إلحادا او ظلما او خلافا.
شهد على ما في هذا الكتاب الحسن والحسين ابنا على بن ابى طالب، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر بن ابى طالب، والاشعث بن قيس، والاشتر
ابن الحارث، وسعيد بن قيس، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب، وابو سعيد بن ربيعة الأنصاري، وعبد الله بن خباب بن الأرت، وسهل بن حنيف، وابو بشر بن عمر الأنصاري، وعوف بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد الله الأسلمي، وعقبه بن عامر الجهنى، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والنعمان بن العجلان الأنصاري، وحجر بن عدى الكندى، ويزيد بن حجيه النكرى، ومالك بن كعب الهمدانى، وربيعه بن شرحبيل، والحارث بن مالك، وحجر بن يزيد، وعلبة بن حجيه.
ومن اهل الشام: حبيب بن مسلمه الفهري، وابو الأعور السلمى، وبسر ابن ارطاه القرشي، ومعاويه بن خديج الكندى، والمخارق بن الحارث، ومسلم ابن عمرو السكسكى، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحمزه بن مالك، وسبيع ابن يزيد الحضرمى، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمه بن يزيد الكلبى، وخالد بن الحصين السكسكى، وعلقمه بن يزيد الحضرمى، ويزيد بن ابجر العبسى، ومسروق بن جبله العكي، وبسر بن يزيد الحميرى، وعبد الله بن عامر القرشي، وعتبة بن ابى سفيان، ومحمد بن ابى سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، وعمار بن الأحوص الكلبى، ومسعده بن عمرو العتبى، والصباح بن جلهمة الحميرى، وعبد الرحمن بن ذي الكلاع، وثمامة بن حوشب، وعلقمه بن حكم.
وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشره ليله بقيت من صفر سنه سبع وثلاثين.

الخلاف بعد التحكيم

وان الاشعث أخذ الكتاب فقراه على الفريقين، يمر به على كل، رايه رايه، وقبيله قبيله، فيقرؤه عليهم، فمر برايات عنزه، وكان مع على منهم اربعه آلاف رجل، فلما قراه عليهم قال اخوان منهم، اسمهما جعد ومعدان: «لا حكم إِلَّا لِلَّهِ*» ثم شدا على اهل الشام، فقاتلا حتى قتلا، وهما أول من حكم.
ثم مر على رايات مراد، فقراه عليهم، فقال صالح بن شقيق، وكان من افاضلهم لا حكم الا لله، وان كره المشركون، ثم مر به على رايات بنى راسب، فتنادوا لا يحكم الرجال في دين الله، ثم مر به على رايات بنى تميم، فقالوا مثل ذلك، فقال عروه بن اديه: اتحكمون في دين الله الرجال، فأين قتلانا يا اشعث؟ ثم حمل بسيفه على الاشعث، فاخطاه، وأصاب السيف عجز دابته، فانصرف الاشعث الى قومه، فمشى اليه سادات تميم، فاعتذروا اليه، فقبل وصفح.
واقبل سليمان بن صرد الى على مضروبا في وجهه بالسيف، فقال: يا امير المؤمنين، اما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة. وقام محرز بن خنيس بن ضليع الى على، فقال: يا امير المؤمنين، اما الى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل، فو الله انى لخائف ان يورثك ذلا؟. قال على: ابعد ان كتبناه ننقضه؟ هذا لا يجوز.
ثم ان عليا ومعاويه اتفقا على ان يكون مجتمع الحكمين بدومه الجندل، وهو المنصف بين العراق والشام. ووجه على مع ابى موسى شريح بن هانئ في اربعه آلاف من خاصته، وصير عبد الله بن عباس على صلاتهم، وبعث معاويه مع عمرو بن العاص أبا الأعور السلمى في مثل ذلك من اهل الشام.
فساروا من صفين حتى وافوا دومه الجندل، وانصرف على باصحابه حتى وافى الكوفه، وانصرف معاويه باصحابه حتى وافى دمشق، ينتظر ان ما يكون من امر الحكمين.
وكان على إذا كتب الى ابن عباس في امر اجتمع اليه اصحابه، فقالوا: ما كتب إليك امير المؤمنين؟ فيكتمهم، فيقولون: لم كتمتنا؟ وانما كتب إليك في كذا وكذا، فلا يزالون يزكنون [1] حتى يقفوا على ما كتب.
__________
[1] زكن الخبر زكنا بالتحريك علمه، وقيل الزكن: التفرس والظن الذى هو كاليقين.
وتأتي كتب معاويه الى عمرو بن العاص، فلا يأتيه احد من اصحابه، يسأله عن شيء من امره.
قالوا: وكتب معاويه الى عبد الله بن عمر بن الخطاب، والى عبد الله بن الزبير، والى ابى الجهم بن حذيفة، والى عبد الرحمن بن عبد يغوث: اما بعد، فان الحرب قد وضعت أوزارها، وصار هذان الرجلان الى دومه الجندل، فاقدموا عليهما ان كنتم قد اعتزلتم الحرب، فلم تدخلوا فيما دخل فيه الناس، لتشهدوا ما يكون منهما، والسلام.
فلما أتاهم كتابه ساروا جميعا الى دومه الجندل، فأقاموا ينتظرون ما يكون من الرجلين، وحضر معهم سعد بن ابى وقاص، وسار المغيره بن شعبه، وكان مقيما بالطائف لم يشهد شيئا من تلك الحروب حتى اتى دومه الجندل، فأقام ينتظر ما يكون منهما، فلما طال مقامه سار من هناك حتى اتى معاويه بدمشق، فقال له معاويه: اشر على بما ترى، فقال له المغيره: لو اشرت عليك لقاتلت معك، ولكنى قد اتيتك بخبر الرجلين.
قال: وما خبرهما؟.
قال: انى خلوت بابى موسى لأبلو ما عنده، فقلت: ما تقول فيمن اعتزل عن هذا الأمر، وجلس في بيته كراهية للدماء؟، فقال: أولئك خيار الناس، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم، وبطونهم من أموالهم.
قال: فخرجت من عنده، واتيت عمرو بن العاص، فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن اعتزل هذه الحروب؟، فقال: أولئك شرار الناس، لم يعرفوا حقا، ولم ينكروا باطلا. وانا احسب أبا موسى خالعا صاحبه، وجاعلها لرجل لم يشهد، واحسب هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب. واما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذى عرفته، واحسب سيطلبها لنفسه او لابنه عبد الله، ولا أراه يظن انك أحق بهذا الأمر منه. فاقلق ذلك معاويه.

مداولة الحكمين

قالوا: ثم ان عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل ابى موسى واجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: صحبت رسول الله ص قبلي، وأنت اكبر سنا منى. ثم اجتمعا ليتناظرا في الحكومة، فقال ابو موسى: يا عمرو، هل لك فيما فيه صلاح الامه ورضى الله؟.
قال: وما هو؟.
قال: نولي عبد الله بن عمر، فانه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحروب.
قال له عمرو: اين أنت من معاويه؟.
قال ابو موسى: ما معاويه موضعا لها، ولا يستحقها بشيء من الأمور.
قال عمرو: الست تعلم ان عثمان قتل مظلوما؟.
قال: بلى.
قال: فان معاويه ولى عثمان، وبيته بعد في قريش ما قد علمت، فان قال الناس: لم ولى الأمر وليست له سابقه؟ فان لك في ذلك عذرا، تقول: انى وجدته ولى عثمان، والله تعالى يقول: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً وهو مع هذا أخو أم حبيبه زوج النبي ص، وهو احد اصحابه.
قال ابو موسى: اتق الله يا عمرو، اما ما ذكرت من شرف معاويه، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافه، لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح، فانه من أبناء ملوك اليمن التبابعه الذين ملكوا شرق الارض وغربها، ثم اى شرف لمعاوية مع على بن ابى طالب؟، واما قولك ان معاويه ولى عثمان، فاولى منه ابنه عمرو بن عثمان، ولكن ان طاوعتنى أحيينا سنه عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد الله الحبر [1]
__________
[1] الرجل العالم الصالح، وجمعه احبار.
قال عمرو: فما يمنعك من ابنى عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته؟.
فقال ابو موسى: ان ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا، ولكن هلم نجعلها للطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر.
قال عمرو: يا أبا موسى، انه لا يصلح لهذا الأمر الا رجل له ضرسان، يأكل بأحدهما، ويطعم بالآخر.
قال ابو موسى: ويحك يا عمرو، ان المسلمين قد اسندوا إلينا امرا بعد ان تقارعوا بالسيوف وتشاكوا بالرماح، فلا نردهم في فتنه.
قال: فما ترى؟.
قال: ارى ان نخلع هذين الرجلين، عليا ومعاويه، ثم نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من أحبوا.
قال عمرو: فقد رضيت بذلك، وهو الرأي الذى فيه صلاح الناس.
قال: فافترقا على ذلك، واقبل ابن عباس الى ابى موسى، فخلا به، وقال: ويحك يا أبا موسى، احسب والله عمرا قد اختدعك، فان كنتما قد اتفقتما على شيء فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم بعده، فان عمرا رجل غدار، ولست آمن ان يكون قد أعطاك الرضى فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك، قال ابو موسى: قد اتفقنا على امر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف ان شاء الله

اعلان الحكم

فلما أصبحوا من غد خرجوا الى الناس، وهم مجتمعون في المسجد الجامع، فقال ابو موسى لعمرو:
اصعد المنبر، فتكلم.
فقال عمرو: ما كنت اتقدمك وأنت افضل منى فضلا، واقدم هجره وسنا.
فبدا ابو موسى، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه ثم قال:
ايها الناس، انا قد نظرنا فيما يجمع الله به الفه هذه الامه ويصلح امرها، فلم نر شيئا هو ابلغ في ذلك من خلع هذين الرجلين، على ومعاويه، وتصييرها شورى ليختار الناس لأنفسهم من راوه لها أهلا، وانى قد خلعت عليا ومعاويه، فاستقبلوا امركم، وولوا عليكم من احببتم ثم نزل.
وصعد عمرو، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:
ان هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، الا وانى قد خلعت صاحبه كما خلعه، واثبت صاحبي معاويه، فانه ولى امير المؤمنين عثمان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه.
فقال له ابو موسى: مالك، لا وفقك الله، غدرت وفجرت، وانما مثلك مثل الكلب، ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث. فقال له عمرو: ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا.
وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه [1] بالسوط، وحجز الناس بينهما، وكان شريح يقول: ما ندمت على شيء قط كندامتى الا أكون ضربته مكان السوط بالسيف، اتى الدهر في ذلك بما اتى.
وانسل ابو موسى، فركب راحلته، وهرب، حتى لحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: لحى الله أبا موسى، لقد نبهته فما انتبه، وحذرته بما صار اليه فما انحاش [2] . وكان ابو موسى يقول: لقد حذرني ابن عباس غدر عمرو، فاطمأننت اليه، ولم أظن انه يؤثر شيئا على نصيحه المسلمين. 2201
__________
[1] علاه به.
[2] ما ينحاش لشيء اى ما يكترث له.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “وثيقة التحكيم

  1. Pingback: ملك التبابعة |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *