نَسَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ

نَسَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذِكْرُ بَعْضِ أَخْبَارِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ

وَاسْمُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُحَمَّدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وِلَادَتِهِ فِي مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيُكَنَّى عَبْدُ اللَّهِ أَبَا قَثْمٍ، وَقِيلَ: أَبَا مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: أَبَا أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِيهِ، فَكَانَ هُوَ – عَبْدُ اللَّهِ – وَأَبُو طَالِبٍ – وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ – وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الْكَعْبَةِ، وَعَاتِكَةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَبَرَّةُ وَلَدُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُمُّهُمْ جَمِيعُهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ.
كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ الْعَنَتَ فِي حَفْرِ زَمْزَمَ، كَمَا نَذْكُرُهُ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ وَبَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَهُ تَعَالَى. فَلَمَّا بَلَغُوا عَشَرَةً وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ يَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا، ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ. فَفَعَلُوا وَأَتَوْهُ بِالْقِدَاحِ، فَدَخَلُوا عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِهِمْ، وَهُوَ عَلَى بِئْرٍ يُجْمَعُ فِيهِ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ.
وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ سَبْعَةُ أَقْدُحٍ، فِي كُلِّ قِدْحٍ كِتَابٌ، فَقِدْحٌ فِيهِ الْعَقْلُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ، وَقِدْحٌ فِيهِ ” نَعَمْ ” لِلْأَمْرِ، إِذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ ” نَعَمْ ” عَمِلُوا بِهِ، وَقِدْحٌ فِيهِ ” لَا “، فَإِذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ، فَإِذَا خَرَجَ ” لَا ” لَمْ يَعْمَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَقِدْحٌ فِيهِ ” مِنْكُمْ “، وَقِدْحٌ فِيهِ ” مُلْصَقٌ “، وَقِدْحٌ فِيهِ ” مِنْ غَيْرِكُمْ “، وَقِدْحٌ فِيهِ ” الْمِيَاهُ “. إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ، فَحَيْثُ مَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ.
وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنْكِحُوا جَارِيَةً، أَوْ يَدْفِنُوا مَيِّتًا، أَوْ شَكُّوا فِي نَسَبِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى هُبَلَ وَبِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهُ صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُهَا، ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبَهُمُ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ ثُمَّ قَالُوا: يَا إِلَهَنَا هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخْرِجِ الْحَقَّ فِيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ، فَيَضْرِبُ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ” مِنْكُمْ ” كَانَ وَسِيطًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ” مِنْ غَيْرِكُمْ ” كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ” مُلْصَقٌ ” كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ مِنْهُمْ، لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ، فَإِنْ خَرَجَ ” نَعَمْ ” عَمِلُوا بِهِ، وَإِنْ خَرَجَ ” لَا ” أَخَّرُوهُ عَامَهُمْ ذَلِكَ، حَتَّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ عَلَى بَنِيَّ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ. وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ يَضْرِبُ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ قِدْحٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى إِسَافَ وَنَائِلَةَ، وَهُمَا الصَّنَمَانِ اللَّذَانِ يَنْحَرُ النَّاسُ عِنْدَهُمَا. فَقَامَتْ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا فَقَالُوا: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْتِي بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَحْزُومٍ: وَاللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ. وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: لَا تَفْعَلْ وَانْطَلِقْ إِلَى كَاهِنَةٍ بِالْحِجْرِ فَسَلْهَا فَإِنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ، فَإِنْ أَمَرَتْكَ بِمَا لَكَ وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْتَهُ.
فَانْطَلَقُوا إِلَيْهَا، وَهِيَ بِخَيْبَرَ، فَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ، فَقَالَتِ: ارْجِعُوا الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلَهُ، فَرَجَعُوا عَنْهَا. ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، فَكَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ. قَالَتْ: ارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا عَشْرًا حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ. وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ وَنَجَا صَاحِبُكُمْ.
فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ، فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا، فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. فَمَا بَرِحُوا يَزِيدُونَ عَشْرًا وَتَخْرُجُ الْقِدَاحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَتِ الْإِبِلُ مِائَةً، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى الْإِبِلِ.
فَقَالَ مَنْ حَضَرَ: قَدْ رَضِيَ رَبُّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَضَرَبُوا ثَلَاثًا، فَخَرَجَتِ الْقِدَاحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إِنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ.
وَأَمَّا تَزْوِيجُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِآمِنَةَ ابْنَةِ وَهْبٍ أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْإِبِلِ انْصَرَفَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَمَرَّ عَلَى أُمِّ قِتَالِ ابْنَةِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ أُخْتِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَهِيَ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَإِلَى وَجْهِهِ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَعَ أَبِي. قَالَتْ: لَكَ عِنْدِي مِثْلَ الَّذِي نَحَرَ عَنْكَ أَبُوكَ مِنَ الْإِبِلِ وَقَعْ عَلَيَّ الْآنَ. قَالَ: إِنَّ مَعِي أَبِي لَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ وَلَا فِرَاقَهُ.
فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَبَرَّةُ لِأُمِّ حَبِيبٍ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّ حَبِيبٍ لِبَرَّةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ
فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا حِينَ مَلَكَهَا مَكَانَهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ بِمُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا حَتَّى أَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا بِالْأَمْسِ فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ بِالْأَمْسِ؟ فَقَالَتْ: فَارَقَكَ النُّورُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ لِي بِكَ الْيَوْمَ حَاجَةٌ.
وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ خَرَجَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ لِيُزَوِّجَهُ، فَمَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ خَثْعَمٍ يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ، مُتَهَوِّدَةٍ مِنْ أَهْلِ تَبَالَةَ، فَرَأَتْ فِي وَجْهِهِ نُورًا وَقَالَتْ لَهُ: يَا فَتَى هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْآنَ وَأُعْطِيَكَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ لَهَا: أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهْ وَالْحِلُّ لَا حِلَّ فَأَسْتَبِينَهْ
فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهْ
ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنَا مَعَ أَبِي وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أُفَارِقَهُ. فَمَضَى فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ. فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَمَرَّ بِالْخَثْعَمِيَّةِ فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِيمَا كُنْتِ أَرَدْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا فَتَى مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورًا يَكُونُ لِي، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ أَرَادَ، فَمَا صَنَعْتَ بَعْدِي؟ قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ. قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ:
إِنِّي رَأَيْتُ مَخِيلَةً لَمَعَتْ … فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ
فَلَمَأَتْهَا نُورًا يُضِيءُ لَهُ … مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ
فَرَجَوْتُهُ فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ
مَا كُلُّ قَادِحِ زَنْدِهِ يُورِي … لِلَّهِ مَا زُهْرِيَّةٍ سَلَبَتْ ثَوْبَيْكَ
مَا اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي
وَقَالَتْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ:
بَنِي هَاشِمٍ قَدْ غَادَرَتْ مِنْ … أَخِيكُمُ أَمِينَةٌ إِذْ لِلْبَاهِ تَعْتَرِكَانِ
كَمَا غَادَرَ الْمِصْبَاحُ عِنْدَ خُمُودِهِ … فَتَائِلَ قَدْ مِيثَتْ لَهُ بِدِهَانِ
فَمَا كُلُّ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ … تِلَادِهِ لِعَزْمٍ وَلَا مَا فَاتَهُ لِتَوَانِ
فَأَجْمِلْ إِذَا طَالَبْتَ أَمْرًا فَإِنَّهُ … سَيَكْفِيكَهُ جَدَّانِ يَعْتَلِجَانِ
سَيَكْفِيكَهُ إِمَّا يَدٌ مُقْفَعَلَّةٌ … وَإِمَّا يَدٌ مَبْسُوطَةٌ بِبَنَانِ
وَلَمَّا حَوَتْ مِنْهُ أَمِينَةُ مَا حَوَتْ … حَوَتْ مِنْهُ فَخْرًا مَا لِذَلِكَ ثَانِ
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي اجْتَازَ بِهَا غَيْرُ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يَمْتَارُ لَهُمْ تَمْرًا فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ فِي الشَّامِ، فَأَقْبَلَ فِي عِيرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَدُفِنَ فِي دَارِ النَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ، وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(عَايِذُ بْنُ عِمْرَانَ: بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَعَبِيدٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَعَوِيجُ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ)

ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

وَاسْمُهُ شَيْبَةُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأْسِهِ لَمَّا وُلِدَ شَيْبَةٌ، وَأُمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ الْخَزْرَجِيَّةُ النَّجَّارِيَّةُ، وَيُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ أَبَاهُ هَاشِمًا شَخَصَ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ الْخَزْرَجِيِّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَرَأَى ابْنَتَهُ سَلْمَى فَأَعْجَبَتْهُ فَتَزَوَّجَهَا.
وَشَرَطَ أَبُوهَا أَنْ لَا تَلِدَ وَلَدًا إِلَّا فِي أَهْلِهَا، ثُمَّ مَضَى هَاشِمٌ لِوَجْهِهِ وَعَادَ مِنَ الشَّامِ، فَبَنَى بِهَا فِي أَهْلِهَا، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى مَكَّةَ فَحَمَلَتْ. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ رَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَمَضَى إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِغَزَّةَ.
فَوَلَدَتْ لَهُ سَلْمَى عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ سَبْعَ سِنِينَ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا غِلْمَانُ يَنْتَضِلُونَ، فَجَعَلَ شَيْبَةُ إِذَا أَصَابَ قَالَ: أَنَا ابْنُ هَاشِمٍ، أَنَا ابْنُ سَيِّدِ الْبَطْحَاءِ. فَقَالَ لَهُ الْحَارِثِيُّ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. فَلَمَّا أَتَى الْحَارِثِيُّ مَكَّةَ قَالَ لِلْمُطَّلِبِ، وَهُوَ بِالْحِجْرِ: يَا أَبَا الْحَارِثِ تَعْلَمُ أَنِّي وَجَدْتُ غِلْمَانًا بِيَثْرِبَ وَفِيهِمُ ابْنُ أَخِيكَ، وَلَا يَحْسُنُ تَرْكُ مِثْلِهِ. فَقَالَ الْمُطَّلِبُ: لَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي حَتَّى آتِيَ بِهِ. فَأَعْطَاهُ الْحَارِثِيُّ نَاقَةً فَرَكِبَهَا، وَقِدَمَ الْمَدِينَةَ عِشَاءً فَرَأَى غِلْمَانًا يَضْرِبُونَ كُرَةً، فَعَرَفَ ابْنَ أَخِيهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَخَذَهُ وَأَرْكَبَهُ عَلَى عَجُزِ النَّاقَةِ. وَقِيلَ: بَلْ أَخَذَهُ بِإِذْنِ أُمِّهِ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فَقَدِمَهَا ضَحْوَةً وَالنَّاسُ فِي مَجَالِسِهِمْ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ: مَنْ هَذَا وَرَاءَكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا عَبْدِي. حَتَّى أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ.
فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟ قَالَ: عَبْدٌ لِي. وَاشْتَرَى لَهُ حُلَّةً فَلَبِسَهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ الْعَشِيَّ فَجَلَسَ إِلَى مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَطُوفُ بِمَكَّةَ فَيُقَالُ: هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، لِقَوْلِهِ هَذَا عَبْدِي.
ثُمَّ أَوْقَفَهُ الْمُطَّلِبُ عَلَى مِلْكِ أَبِيهِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ. فَعَرَضَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ عَمُّهُ الْآخَرُ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُطَّلِبِ، فِي رُكْحٍ لَهُ، وَهُوَ الْفِنَاءُ فَأَخَذَهُ، فَمَشَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ وَسَأَلَهُمُ النُّصْرَةَ عَلَى عَمِّهِ، فَقَالُوا لَهُ، مَا نَدْخُلُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَمِّكَ. فَكَتَبَ إِلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَصِفُ لَهُمْ حَالَهُ، فَخَرَجَ أَبُو سَعْدِ بْنُ عُدَسٍ النَّجَّارِيُّ فِي ثَمَانِينَ رَاكِبًا حَتَّى أَتَى الْأَبْطَحَ، فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَتَلَقَّاهُ، فَقَالَ لَهُ: الْمَنْزِلَ يَا خَالِ! قَالَ: حَتَّى أَلْقَى نَوْفَلًا. وَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْحِجْرِ مَعَ مَشَايِخِ قُرَيْشٍ، فَسَلَّ سَيْفَهُ ثُمَّ قَالَ: وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَتَرُدَّنَّ عَلَى ابْنِ أُخْتِنَا رُكْحَهُ أَوْ لَأَمْلَأَنَّ مِنْكَ السَّيْفَ! قَالَ: فَإِنِّي وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ أَرُدُّ عَلَيْهِ رُكْحَهُ، فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَ ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: الْمَنْزِلَ يَا ابْنَ أَخِي. فَأَقَامَ عِنْدَهُ ثَلَاثًا، فَاعْتَمَرُوا وَانْصَرَفُوا.
فَدَعَا ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِلَى الْحِلْفِ، فَدَعَا بِشْرَ بْنَ عَمْرٍو وَوَرْقَاءَ بْنَ فُلَانٍ وَرِجَالًا مِنْ رِجَالَاتِ خُزَاعَةَ فَحَالَفَهُمْ فِي الْكَعْبَةِ وَكَتَبُوا كِتَابًا.
وَكَانَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ وَعَظُمَ شَأْنُهُ. ثُمَّ إِنَّهُ حَفَرَ زَمْزَمَ، وَهِيَ بِئْرُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّتِي أَسْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا، فَدَفَنَتْهَا جُرْهُمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

سَبَبُ حَفْرِ بِئْرِ زَمْزَمَ

وَكَانَ سَبَبُ حَفْرِهِ إِيَّاهَا أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ بِالْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طَيْبَةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طَيْبَةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ فَرَجَعْتُ الْغَدَ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا بَرَّةُ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ فَذَهَبَ عَنِّي، فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَمْ، إِنَّكَ إِنْ حَفَرْتَهَا لَا تَنْدَمْ. فَقُلْتُ. وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ: تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمْ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمْ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمْ، مِثْلَ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ، يُنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمْ، يَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمْ، لَيْسَ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمْ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمْ، عِنْدَ نَقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمْ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ.
فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ شَأْنَهَا، وَدَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ، غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فَحَفَرَ بَيْنَ إِسَافَ وَنَائِلَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْحَرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِأَصْنَامِهَا، وَقَدْ رَأَى الْغُرَابَ يَنْقُرُ هُنَاكَ. فَلَمَّا بَدَا لَهُ الطَّوِيُّ كَبَّرَ، فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: بِئْرُ أَبِينَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، هَذَا أَمْرٌ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، قَالُوا: فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ. قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ، وَكَانَتْ بِمَشَارِفِ الشَّامِ. فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ فِي مَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابِهِ، فَظَمِئُوا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَطَلَبُوا الْمَاءَ مِمَّنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَسْقُوهُمْ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: رَأَيُنَا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً، فَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ وَارَاهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُكُمْ مَوْتًا وَقَدْ وَارَى الْجَمِيعَ، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ. قَالُوا: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللَّهِ إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ، لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَنَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا لَعَجْزٌ. فَارْتَحَلُوا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ رَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنٌ عَذْبَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ وَشَرِبُوا وَمَلَأُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَلُمُّوا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: لَا نَسْقِيهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْقُونَا. فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ وَقَالَ: فَنَحْنُ إِذًا مِثْلُهُمْ! فَجَاءَ أُولَئِكَ الْقُرَشِيُّونَ وَمَلَأُوا أَسْقِيَتَهُمْ وَقَالُوا: قَدْ وَاللَّهِ قَضَى اللَّهُ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ، فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا.
فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَفْرِهَا وَجَدَ الْغَزَالَيْنِ اللَّذَيْنِ دَفَنَتْهُمَا جُرْهُمُ فِيهَا، وَهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً وَأَدْرَاعًا. فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ. قَالَ: لَا وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نَصَفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ. فَقَالُوا: فَكَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْنِ، وَلَكُمْ قِدْحَيْنِ، وَلِي قِدْحَيْنِ، فَمَنْ خَرَجَ قِدَاحُهُ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قِدَاحُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَضُرِبَتِ الْقِدَاحُ عِنْدَ هُبَلَ، فَخَرَجَ قِدْحَا الْكَعْبَةِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ، وَخَرَجَ قِدْحَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْأَسْيَافِ وَالْأَدْرَاعِ، وَلَمْ يَخْرُجْ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ مِنَ الْقِدَاحِ. فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَجَعَلَ فِيهِ الْغَزَالَيْنِ صَفَائِحَ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَانَ أَوَّلُ ذَهَبٍ حُلِّيَتْ بِهِ الْكَعْبَةُ.
وَقِيلَ: بَلْ بَقِيَا فِي الْكَعْبَةِ وَسُرِقَا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَأَقْبَلَ النَّاسُ وَالْحُجَّاجُ عَلَى بِئْرِ زَمْزَمَ تَبَرُّكًا بِهَا وَرَغْبَةً فِيهَا، وَأَعْرَضُوا عَمَّا سِوَاهَا مِنَ الْآبَارِ.
وَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَظَاهُرَ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى: إِنْ يُرْزِقْهُ عَشَرَةً مِنَ الْوِلْدَانِ يَبْلُغُونَ أَنْ يَمْنَعُوهُ وَيَذُبُّوا عَنْهُ نَحَرَ أَحَدَهُمْ قُرْبَانًا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ ذُكِرَ النَّذْرُ فِي اسْمِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْوَسْمَةِ، وَهُوَ السَّوَادُ، لِأَنَّ الشَّيْبَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ.

عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَجَارُهُ الْيَهُودِيُّ

وَكَانَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَارٌ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ أُذَيْنَةُ يَتَّجِرُ وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَغَاظَ ذَلِكَ حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَكَانَ نَدِيمَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَغْرَى بِهِ فِتْيَانًا مِنْ قُرَيْشٍ لِيَقْتُلُوهُ وَيَأْخُذُوا مَالَهُ، فَقَتَلَهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ وَصَخْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ التَّيْمِيُّ جَدُّ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لَمْ يَعْرِفْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَاتِلِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْحَثُ حَتَّى عَرَفَهُمَا، وَإِذَا هُمَا قَدِ اسْتَجَارَا بِحَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأَتَى حَرْبًا وَلَامَهُ وَطَلَبَهُمَا مِنْهُ. فَأَخْفَاهُمَا، فَتَغَالَظَا فِي الْقَوْلِ حَتَّى تَنَافَرَا إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا نُفَيْلَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى الْعَدَوِيَّ جَدَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ لِحَرْبٍ: يَا أَبَا عَمْرٍو أَتُنَافِرُ رَجُلًا هُوَ أَطْوَلُ مِنْكَ قَامَةً، وَأَوْسَمُ مِنْكَ وَسَامَةً، وَأَعْظَمُ مِنْكَ هَامَةً، وَأَقَلُّ مِنْكَ مَلَامَةً، وَأَكْثَرُ مِنْكَ وَلَدًا، وَأَجْزَلُ مِنْكَ صَفَدًا، وَأَطْوَلُ مِنْكَ مَدَدًا، وَإِنِّي لَأَقُولُ هَذَا وَإِنَّكَ لَبَعِيدُ الْغَضَبْ، رَفِيعُ الصَّوْتِ فِي الْعَرَبْ، جَلْدُ الْمَرِيرَهْ، تُحِبُّكَ الْعَشِيرَهْ، وَلَكِنَّكَ نَافَرْتَ مُنَفِّرًا، فَغَضِبَ حَرْبٌ وَقَالَ: مِنَ انْتِكَاسِ الزَّمَانِ أَنْ جُعِلْتَ حَكَمًا. فَتَرَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُنَادَمَةَ حَرْبٍ وَنَادَمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ التَّيْمِيَّ، وَأَخَذَ مِنْ حَرْبٍ مِائَةَ نَاقَةٍ فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِ عَمِّ الْيَهُودِيِّ، وَارْتَجَعَ مَالَهُ إِلَّا شَيْئًا هَلَكَ فَعَزَمَهُ مِنْ مَالِهِ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَحَنَّثَ بِحِرَاءَ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ صَعِدَ حِرَاءَ وَأَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ جَمِيعَ الشَّهْرِ.
وَتُوُفِّيَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ عَمِيَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

ابْنُ هَاشِمٍ

وَاسْمُ هَاشِمٍ عَمْرٌو، وَكُنْيَتُهُ أَبُو نَضْلَةَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ هَاشِمٌ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ بِمَكَّةَ وَأَطْعَمَهُ.
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ هَاشِمٌ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَّلِبُ أَصْغَرَهُمْ، أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ السُّلَمِيَّةُ، وَنَوْفَلٌ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ، وَعَبْدُ شَمْسٍ، فَسَادُوا كُلُّهُمْ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُمُ الْمُجَبِّرُونَ. وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ لِقُرَيْشٍ الْعِصَمَ، فَانْتَشَرُوا مِنَ الْحَرَمِ، أَخَذَ لَهُمْ هَاشِمٌ حَبْلًا مِنَ الرُّومِ وَغَسَّانَ بِالشَّامِ، وَأَخَذَ لَهُمْ عَبْدُ شَمْسٍ حَبْلًا مِنَ النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، وَأَخَذَ لَهُمْ نَوْفَلٌ حَبْلًا مِنَ الْأَكَاسِرَةِ بِالْعِرَاقِ، وَأَخَذَ لَهُمُ الْمُطَّلِبُ حَبْلًا مِنْ حِمْيَرَ بِالْيَمَنِ، فَاخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ بِهَذَا السَّبَبِ إِلَى هَذِهِ النَّوَاحِي، فَجَبَرَ اللَّهُ بِهِمْ قُرَيْشًا.
وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا تَوْأَمَانِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا وُلِدَ قَبْلَ الْآخَرِ وَإِصْبَعٌ لَهُ مُلْتَصِقَةٌ بِجَبْهَةِ صَاحِبِهِ فَنُحِّيَتْ، فَسَالَ الدَّمُ، فَقِيلَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا دَمٌ.
وَوَلِيَ هَاشِمٌ بَعْدَ أَبِيهِ عَبْدِ مَنَافٍ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، فَحَسَدَهُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى رِيَاسَتِهِ وَلِإِطْعَامِهِ، فَتَكَلَّفَ أَنْ يَصْنَعَ صَنِيعَ هَاشِمٍ، فَعَجَزَ عَنْهُ، فَشَمِتَ بِهِ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَغَضِبَ وَنَالَ مِنْ هَاشِمٍ وَدَعَاهُ إِلَى الْمُنَافَرَةِ، فَكَرِهَ هَاشِمٌ ذَلِكَ لِسِنِّهِ وَقَدْرِهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ قُرَيْشٌ حَتَّى نَافَرَهُ عَلَى خَمْسِينَ نَاقَةٍ وَالْجَلَاءِ عَنْ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، فَرَضِيَ أُمَيَّةُ وَجَعْلَا بَيْنَهُمَا الْكَاهِنَ الْخُزَاعِيَّ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَمَنْزِلُهُ بِعُسْفَانَ.
وَكَانَ مَعَ أُمَيَّةَ هَمْهَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى الْفِهْرِيُّ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ عِنْدَ أُمَيَّةَ، فَقَالَ الْكَاهِنُ: ” وَالْقَمَرِ الْبَاهِرْ، وَالْكَوْكَبِ الزَّاهِرْ، وَالْغَمَامِ الْمَاطِرْ، وَمَا بِالْجَوِّ مِنْ طَائِرْ، وَمَا اهْتَدَى بِعَلَمٍ مُسَافِرْ، مِنْ مُنْجِدٍ وَغَائِرْ، لَقَدْ سَبَقَ هَاشِمٌ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَآثِرْ، أَوَّلٌ مِنْهُ وَآخِرْ، وَأَبُو هَمْهَمَةَ بِذَلِكَ خَابِرْ “. فَقَضَى لِهَاشِمٍ بِالْغَلَبَةِ، وَأَخَذَ هَاشِمٌ الْإِبِلَ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا، وَغَابَ أُمَيَّةُ عَنْ مَكَّةَ بِالشَّامِ عَشْرَ سِنِينَ. فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ عَدَاوَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ هَاشِمٍ وَأُمِّيَّةَ.
وَكَانَ يُقَالُ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ الْبَدْرَانِ لِجَمَالِهِمَا.
وَمَاتَ هَاشِمٌ بِغَزَّةَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ شَمْسٍ بِمَكَّةَ فَقُبِرَ بِأَجْيَادَ. ثُمَّ مَاتَ، نَوْفَلٌ بِسَلْمَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ. ثُمَّ مَاتَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَكَانَتِ الرِّفَادَةُ وَالسِّقَايَةُ بَعْدَ هَاشِمٍ إِلَى أَخِيهِ الْمُطَّلِبِ لِصِغَرِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ.

ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ

وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْقَمَرُ لِجَمَالِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ حِينَ وَلَدَتْهُ دَفَعَتْهُ إِلَى مَنَافٍ، صَنَمٍ بِمَكَّةَ، تَدَيُّنًا بِذَلِكَ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ عَبْدُ مَنَافٍ.
وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ وَعَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدُ الدَّارِ بَنُو قُصَيٍّ إِخْوَةً، أُمُّهُمْ حُبَّى ابْنَةُ حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ سَلُولِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الَّذِي عَقَدَ الْحِلْفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَحَابِيشَ، وَالْأَحَابِيشُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَبَنُو الْهُونِ مِنْ خُزَيْمَةَ.
وَكَانَ قُصَيٌّ يَقُولُ: وُلِدَ لِي أَرْبَعَةُ بَنِينَ فَسَمَّيْتُ ابْنَيْنِ بِإِلَهَيَّ وَهُمَا: عَبْدُ مَنَافٍ، وَعَبْدُ الْعُزَّى، وَوَاحِدًا بِدَارِي وَهُوَ: عَبْدُ الدَّارِ، وَوَاحِدًا بِي، وَهُوَ عَبْدُ قُصَيٍّ.
(حُلَيْلٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى. وَحُبْشِيَّةُ: بِضَمِّ الْحَاءِ) .

ابْنُ قُصَيٍّ

وَاسْمُهُ زَيْدٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ قُصَيٌّ لِأَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ حَرَامِ بْنِ ضِنَّةَ بْنِ
عَبْدِ كَبِيرِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ تَزَوَّجَ أُمَّهُ فَاطِمَةَ ابْنَةَ سَعْدِ بْنِ سَيَلَ، وَاسْمُهُ جَبْرُ بْنُ جَمَالَةَ بْنِ عَوْفٍ، وَهِيَ أَيْضًا أُمُّ أَخِيهِ زُهْرَةَ، وَنَقَلَهَا إِلَى بِلَادِ عُذْرَةَ مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، وَحَمَلَتْ مَعَهَا قُصَيًّا لِصِغَرِهِ، وَتَخَلَّفَ زُهْرَةُ فِي قَوْمِهِ لِكِبَرِهِ، فَوَلَدَتْ أُمُّهُ فَاطِمَةُ لِرَبِيعَةَ بْنِ حَرَامٍ رِزَاحَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَهُوَ أَخِي قُصَيٍّ لِأُمِّهِ.
وَكَانَ لِرَبِيعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَهُمْ حُنُّ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَحْمُودٌ وَجُلْهُمَةُ.
وَقِيلَ: إِنَّ حُنًّا كَانَ أَخَا قُصَيٍّ لِأُمِّهِ. فَشَبَّ زَيْدٌ فِي حِجْرِ رَبِيعَةَ، فَسُمِّيَ قُصَيًّا لِبُعْدِهِ عَنْ دَارِ قَوْمِهِ، وَكَانَ قُصَيٌّ يَنْتَمِي إِلَى رَبِيعَةَ إِلَى أَنْ كَبِرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُضَاعَةَ شَيْءٌ، فَعَيَّرَهُ الْقُضَاعِيُّ بِالْغُرْبَةِ، فَرَجَعَ قُصَيٌّ إِلَى أُمِّهِ وَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ أَكْرَمُ مِنْهُ نَفْسًا وَأَبًا، أَنْتَ ابْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ وَقَوْمُكَ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ.
فَصَبَرَ حَتَّى دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ، وَخَرَجَ مَعَ حَاجِّ قُضَاعَةَ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَأَقَامَ مَعَ أَخِيهِ زُهْرَةَ، ثُمَّ خَطَبَ إِلَى حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ الْخُزَاعِيِّ ابْنَتَهُ حُبَّى، فَزَوَّجَهُ، وَحُلَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يَلِي الْكَعْبَةَ. فَوَلَدَتْ أَوْلَادَهُ: عَبْدَ الدَّارِ، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزَّى، وَعَبْدَ قُصَيٍّ، وَكَثُرَ مَالُهُ وَعَظُمَ شَرَفُهُ.
وَهَلَكَ حُلَيْلٌ وَأَوْصَى بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ لِابْنَتِهِ حُبَّى، فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى فَتْحِ الْبَابِ وَإِغْلَاقِهِ، فَجَعَلَ فَتْحَ الْبَابِ وَإِغْلَاقِهِ إِلَى ابْنِهِ الْمُحْتَرِشِ، وَهُوَ أَبُو غَبْشَانَ. فَاشْتَرَى قُصَيٌّ مِنْهُ وِلَايَةَ الْبَيْتِ بِزِقِّ خَمْرٍ وَبِعُودٍ، فَضَرَبَتْ بِهِ الْعَرَبُ الْمَثَلَ فَقَالَتْ: ” أَخْسَرُ صَفْقَةً مِنْ أَبِي غُبْشَانَ “.
فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ خُزَاعَةُ كَثُرُوا عَلَى قُصَيٍّ، فَاسْتَنْصَرَ أَخَاهُ رِزَاحًا، فَحَضَرَ هُوَ وَإِخْوَتُهُ الثَّلَاثَةُ فِيمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قُضَاعَةَ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَمَعَ قُصَيٍّ قَوْمُهُ بَنُو النَّضْرِ، وَتَهَيَّأَ لِحَرْبِ خُزَاعَةَ وَبَنِي بَكْرٍ، وَخَرَجَتْ إِلَيْهِمْ خُزَاعَةُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ وَالْجِرَاحُ، ثُمَّ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ عَمْرَو بْنَ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصَيًّا أَوْلَى بِالْبَيْتِ وَمَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِي بَكْرَةَ مَوْضُوعٌ فَيَشْدَخُهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنِي كِنَانَةَ فَفِي ذَلِكَ الدِّيَةُ مُؤَدَّاةٌ، فَسُمِّيَ بِعَمْرٍو الشَّدَّاخِ بِمَا شَدَخَ مِنَ الدِّمَاءِ وَمَا وَضَعَ مِنْهَا. فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمِرَ مَكَّةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيَّةَ أَوْصَى قُصَيًّا بِذَلِكَ وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ مِنْ خُزَاعَةَ. فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ يَسْتَنْصِرُهُ، فَحَضَرَ فِي قُضَاعَةَ فِي الْمَوْسِمِ، وَخَرَجُوا إِلَى عَرَفَاتٍ، وَفَرَغُوا مِنَ الْحَجِّ وَنَزَلُوا مِنًى وَقُصَيٌّ مُجْمِعٌ عَلَى حَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ فَرَاغَ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ.
فَلَمَّا نَزَلُوا مِنًى وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الصَّدَرَ، وَكَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتُجِيزُهُمْ إِذَا تَفَرَّقُوا مِنْ مِنًى، إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنَّاسِ لَا يَرْمُونَ حَتَّى يَرْمِيَ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ مِنًى أَخَذَتْ صُوفَةُ بِنَاحِيَتَيِ الْعَقَبَةِ وَحَبَسُوا النَّاسَ، فَقَالُوا: ” أَجِيزِي صُوفَةُ “، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُ النَّاسِ فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، قَدْ عَرَفَتْ لَهَا الْعَرَبُ ذَلِكَ، فَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَتَاهُمْ قُصَيٌّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ قُضَاعَةَ فَمَنَعَهُمْ وَقَالَ: نَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ. فَقَاتَلُوهُ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيٌّ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ، وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ. فَلَمَّا انْحَازُوا عَنْهُ بَادَأَهُمْ فَقَاتَلَهُمْ، فَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ وَأَجْلَى خُزَاعَةَ عَنِ الْبَيْتِ، وَجَمَعَ قُصَيٌّ قَوْمَهُ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ، فَسُمِّيَ مُجَمِّعًا، وَنَزَّلَ بَنِي بَغِيضِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَبَنِي تَيْمِ الْأَدْرَمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ وَبَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، إِلَّا بَنِي هِلَالِ بْنِ أُهَيْبٍ رَهْطَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَإِلَّا رَهْطَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، بِظَوَاهِرِ مَكَّةَ، فَسُمُّوا قُرَيْشَ الظَّوَاهِرِ، وَتَسَمَّى سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْشٍ قُرَيْشَ الْبِطَاحِ، وَكَانَتْ قُرَيْشُ الظَّوَاهِرِ تُغِيرُ وَتَغْزُو، وَتُسَمَّى قُرَيْشُ الْبِطَاحِ الضَّبَّ لِلُزُومِهَا الْحَرَمَ.
فَلَمَّا تَرَكَ قُصَيٌّ قُرَيْشًا بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ. فَكَانَ أَوَّلَ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَهُ بِهِ قَوْمُهُ، وَكَانَ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَالسِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ وَالنَّدْوَةُ وَاللِّوَاءُ، فَحَازَ شَرَفَ قُرَيْشٍ كُلَّهُ، وَقَسَّمَ مَكَّةَ أَرْبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَبَنَوُا الْمَسَاكِنَ وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي قَطْعِ الشَّجَرِ، فَمَنَعَهُمْ، فَبَنَوْا وَالشَّجَرُ فِي مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَطَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَتَيَمَّنَتْ قُرَيْشٌ بِأَمْرِهِ فَمَا تَنْكِحُ امْرَأَةٌ وَلَا رَجُلٌ إِلَّا فِي دَارِهِ، وَلَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِمْ إِلَّا فِي دَارِهِ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِلْحَرْبِ إِلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدَّرِعُ جَارِيَةٌ إِذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِعَ إِلَّا فِي دَارِهِ، وَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ كَالدِّينِ الْمُتَّبَعِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. فَاتَّخَذَ دَارَ النَّدْوَةِ وَبَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أُمُورَهَا.
فَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ وَرَقَّ، وَكَانَ وَلَدُهُ عَبْدُ الدَّارِ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَكَانَ ضَعِيفًا، وَكَانَ عَبْدُ مَنَافٍ قَدْ سَادَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَكَذَلِكَ إِخْوَتُهُ، قَالَ قُصَيٌّ لِعَبْدِ الدَّارِ: وَاللَّهِ لَأُلْحِقَنَّكَ بِهِمْ! فَأَعْطَاهُ دَارَ النَّدْوَةِ وَالْحِجَابَةَ، وَهِيَ حِجَابَةُ الْكَعْبَةِ، وَاللِّوَاءَ، وَهُوَ كَانَ يَعْقِدُ لِقُرَيْشٍ أَلْوِيَتَهُمْ وَالسِّقَايَةَ، كَانَ يَسْقِي الْحَاجَّ، وَالرِّفَادَةَ، وَهِيَ خَرْجٌ تُخْرِجُهُ قُرَيْشٌ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ مِنْ أَمْوَالِهَا إِلَى قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَيَصْنَعُ مِنْهُ طَعَامًا لِلْحَاجِّ يَأْكُلُهُ الْفُقَرَاءُ، وَكَانَ قُصَيٌّ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّ الْحَاجَّ ضَيْفُ اللَّهِ وَزُوَّارُ بَيْتِهِ، وَهُمْ أَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ، فَاجْعَلُوا لَهُمْ طَعَامًا وَشَرَابًا أَيَّامَ الْحَجِّ. فَفَعَلُوا فَكَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَيَصْنَعُ بِهِ الطَّعَامَ أَيَّامَ مِنًى، فَجَرَى الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ إِلَى الْآنَ، فَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْخُلَفَاءُ كُلَّ عَامٍ بِمِنًى.
فَأَمَّا الْحِجَابَةُ فَهِيَ فِي وَلَدِهِ إِلَى الْآنَ، وَهُمْ بَنُو شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
وَأَمَّا اللِّوَاءُ فَلَمْ يَزَلْ فِي وَلَدِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، فَقَالَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلِ اللِّوَاءَ فِينَا. فَقَالَ: ” الْإِسْلَامُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ “. فَبَطَلَ.
أَمَّا الرِّفَادَةُ وَالسِّقَايَةُ فَإِنَّ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: عَبْدُ شَمْسٍ، وَهَاشِمٌ، وَالْمُطَّلِبُ، وَنَوْفَلٌ، أَجْمَعُوا أَنْ يَأْخُذُوهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، فَكَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَطَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لَا يَرَوْنَ تَغْيِيرَ مَا فَعَلَهُ قُصَيٌّ، وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَامِرَ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ.
فَكَانَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ بَنُو مَخْزُومٍ، وَبَنُو سَهْمٍ، وَبَنُو جُمَحٍ، وَبَنُو عَدِيٍّ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَتَحَالَفَ كُلُّ قَوْمٍ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، وَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا فَوَضَعُوهَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَتَحَالَفُوا وَجَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الطِّيبِ، فَسُمُّوا الْمُطَيَّبِينَ. وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَمَنْ مَعَهُمْ وَتَحَالَفُوا فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ، وَتَعَبَّوْا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، فَرَضُوا بِذَلِكَ وَتَحَاجَزَ النَّاسُ عَنِ الْحَرْبِ وَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا، فَصَارَتْ لِهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِلْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ لِأَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَادَّانَ مِنْ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مَالًا فَأَنْفَقَهُ، ثُمَّ عَجِزَ عَنِ الْأَدَاءِ فَأَعْطَى الْعَبَّاسَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ، فَوَلِيَهَا، ثُمَّ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ وَلِيَهَا الْمَنْصُورُ وَصَارَ يَلِيهَا الْخُلَفَاءُ.
وَأَمَّا دَارُ النَّدْوَةِ فَلَمْ تَزَلْ لِعَبْدِ الدَّارِ، ثُمَّ لِوَلَدِهِ حَتَّى بَاعَهَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَجَعَلَهَا دَارَ الْإِمَارَةِ بِمَكَّةَ، وَهِيَ الْآنَ فِي الْحَرَمِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ.
ثُمَّ هَلَكَ قُصَيٌّ فَأَقَامَ أَمْرَهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ، وَكَانَ قُصَيٌّ لَا يُخَالَفُ سِيرَتُهُ وَأَمْرُهُ، وَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ بِالْحَجُونِ، فَكَانُوا يَزُورُونَ قَبْرَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ.
وَحَفَرَ بِمَكَّةَ بِئْرًا سَمَّاهَا الْعَجُولَ، وَهِيَ أَوَّلُ بِئْرٍ حَفَرَتْهَا قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ.
(سَيَلُ: بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ. وَحَرَامٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ. وَرِزَاحٌ: بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الزَّايِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ. وَحُبَّى: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَمِلْكَانُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ اللَّامِ. وَأَمَّا مَلَكَانُ بْنُ حَزْمِ بْنِ رَيَّانَ، وَمَلَكَانُ بْنُ عُبَادِ بْنِ عِيَاضٍ، فَهُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ) .

ابْنُ كِلَابٍ
وَيُكَنَّى أَبَا زُهْرَةَ، وَأُمُّ كِلَابٍ: هِنْدٌ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَهُ أَخَوَانِ لِأَبِيهِ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ، وَهُمَا تَيْمٌ وَيَقَظَةُ، أُمُّهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ جَارِيَةَ الْبَارِقِيَّةُ، وَقِيلَ: يَقَظَةُ لِهِنْدٍ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ.
(يَقَظَةُ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ) .

ابْنُ مُرَّةَ
وَيُكَنَّى أَبَا يَقَظَةَ، وَأُمُّ مُرَّةَ: مَخْشِيَّةُ ابْنَةُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأَخَوَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: هُصَيْصٌ وَعَدِيٌّ، وَقِيلَ: أُمُّ عَدِيٍّ رَقَاشُ بِنْتُ رُكْبَةَ بْنِ نَائِلَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَرْبِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ فَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ.
(هُصَيْصٌ: بِضَمِّ الْهَاءِ، وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَصَادٌ ثَانِيَةٌ) .
ابْنُ كَعْبٍ
وَيُكَنَّى أَبَا هُصَيْصٍ، وَأُمُّ كَعْبٍ مُعَاوِيَةُ ابْنَةُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ الْقُضَاعِيَّةُ، وَلَهُ أَخَوَانِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، أَحَدُهُمَا عَامِرٌ، وَالْآخَرُ سَامَةُ، وَلَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ أَخٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَوْفٌ، أُمُّهُ الْبَارِدَةُ ابْنَةُ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَانْتَمَى وَلَدُهُ إِلَى غَطَفَانَ، وَكَانَ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ الْبَارِدَةِ إِلَى غَطَفَانَ، فَتَزَوَّجَهَا سَعْدُ بْنُ ذُبْيَانَ، فَتَبَنَّاهُ سَعْدٌ.
وَلِكَعْبٍ أَيْضًا أَخَوَانِ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ، أَحَدُهُمَا خُزَيْمَةُ، وَهُوَ عَائِذَةُ قُرَيْشٍ، وَعَائِذَةُ أَمُّهُ وَهِيَ ابْنَةُ الْخِمْسِ بْنِ قُحَافَةَ مَنْ خَثْعَمٍ، وَالْآخَرُ سَعْدٌ، وَيُقَالُ لَهُ بُنَانَةُ، وَبُنَانَةُ أُمُّهُ، فَأَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنْهُمْ فِي بَنِي أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَالْحَاضِرَةُ يَنْتَمُونَ إِلَى قُرَيْشٍ.
وَكَانَ كَعْبٌ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَلِهَذَا أَرَّخُوا لِمَوْتِهِ إِلَى عَامِ الْفِيلِ ثُمَّ أَرَّخُوا بِالْفِيلِ، وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَخُطْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ يُخْبِرُ فِيهَا بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(جَسْرٌ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ) .

ابْنُ لُؤَيٍّ
وَيُكَنَّى أَبَا كَعْبٍ، وَأُمُّ لُؤَيٍّ عَاتِكَةُ ابْنَةُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَهِيَ أُولَى الْعَوَاتِكِ اللَّوَاتِي
وَلَدْنَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا تَيْمُ الْأَدْرَمِ، وَالدَّرَمُ نُقْصَانٌ فِي الذَّقْنِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ نَاقِصَ اللَّحْيِ، وَالْآخَرُ قَيْسٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَآخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَبَقِيَ مِيرَاثُهُ لَا يُدْرَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ أُمَّهُمْ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ لِحْيُ بْنُ حَارِثَةَ الْخُزَاعِيُّ.
(يَخْلُدُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَعْدَ اللَّامِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ) .

ابْنُ غَالِبٍ
وَيُكَنَّى أَبَا تَيْمٍ، وَأُمُّ غَالِبٍ لَيْلَى ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ: الْحَارِثُ وَمُحَارِبٌ وَأَسَدٌ وَعَوْفٌ وَجَوْنٌ وَذِئْبٌ، وَكَانَتْ مُحَارِبُ وَالْحَارِثُ مِنْ قُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ، فَدَخَلَتِ الْحَارِثُ الْأَبْطَحَ.

ابْنُ فِهْرٍ
وَيُكَنَّى أَبَا غَالِبٍ، وَفِهْرٌ هُوَ جُمَّاعُ قُرَيْشٍ، فِي قَوْلِ هِشَامٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَانَ فِهْرٌ رَئِيسَ النَّاسِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ حَسَّانُ – فِيمَا قِيلَ – أَقْبَلَ مِنَ الْيَمَنِ مَعَ حِمْيَرَ
وَغَيْرِهِمْ يُرِيدُ أَنْ يَنْقُلَ أَحْجَارَ الْكَعْبَةِ إِلَى الْيَمَنِ، فَنَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَاجْتَمَعَ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَخُزَيْمَةُ وَأَسَدٌ وَجُذَامٌ وَغَيْرُهُمْ، وَرَئِيسُهُمْ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَأُسِرَ حَسَّانُ وَانْهَزَمَتْ حِمْيَرُ، وَبَقِيَ حَسَّانُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَافْتَدَى نَفْسَهُ وَخَرَجَ فَمَاتَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ.

ابْنُ مَالِكٍ
وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عُدْوَانَ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَلَقَبُهَا عِكْرِشَةُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ كَانَ اسْمُهُ قُرَيْشًا. وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَهُمْ قُصَيٌّ قِيلَ لَهُمْ قُرَيْشٌ، وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ. وَقِيلَ لَمَّا مَلَكَ قُصَيٌّ الْحَرَمَ وَفَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً قِيلَ لَهُ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ أَيْضًا، أَيْ لِاجْتِمَاعِ خِصَالِ الْخَيْرِ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَسْمِيَةِ قُرَيْشٍ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا.
وَقُصَيٌّ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ وَقُودَ النَّارِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَتْ تُوقَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمِنْ بَعْدِهِ.

ابْنُ النَّضْرِ
وَيُكَنَّى أَبَا يَخْلُدَ، كُنِّيَ بِابْنِهِ يَخْلُدَ، وَاسْمُ النَّضْرِ قَيْسٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ النَّضْرُ لِجَمَالِهِ،
وَأُمُّهُ بَرَّةُ ابْنَةُ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ أُخْتُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: نُضَيْرٌ وَمَالِكٌ وَمِلْكَانُ وَعَامِرٌ وَالْحَارِثُ وَعَمْرٌو وَسَعْدٌ وَعَوْفٌ وَغَنْمٌ وَمَخْزَمَةُ وَجَرْوَلُ وَغَزْوَانُ وَجُدَالٌ، وَأَخُوهُمْ لِأَبِيهِمْ عَبْدُ مَنَاةَ، وَأُمُّهُ فُكَيْهَةُ وَهِيَ الذَّفْرَاءُ، ابْنَةُ هَنِيِّ بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَخُو عَبْدِ مَنَاةَ لِأُمِّهِ: عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنٍ الْغَسَّانِيُّ، وَكَانَ قَدْ حَضَنَ أَوْلَادَ أَخِيهِ عَبْدِ مَنَاةَ فَنُسِبُوا إِلَيْهِ، فَقِيلَ لِبَنِي عَبْدِ مَنَاةَ بَنُو عَلِيٍّ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:
لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِ … يٍّ أَيِّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحِ
وَقِيلَ: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ عَبْدِ مَنَاةَ فَوَلَدَتْ لَهُ، وَحَضَنَ بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ فَغَلَبَ عَلَى نَسَبِهِمْ، ثُمَّ وَثَبَ مَالِكُ بْنُ كِنَانَةَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَتَلَهُ، فَوَدَاهُ أَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ.

ابْنُ كِنَانَةَ
وَيُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، وَأُمُّ كِنَانَةَ عَوَانَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقِيلَ: هِنْدُ ابْنَةُ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ أَسَدٌ وَأَسَدَةُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَبُو جُذَامٍ وَالْهُونِ، وَأُمُّهُمْ بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ، وَهِيَ أُمُّ النَّضْرِ، خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَبِيهِ.
ابْنُ خُزَيْمَةَ
وَيُكَنَّى أَبَا أَسَدٍ، وَأُمُّهُ سَلْمَى ابْنَةُ أَسْلُمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَأَخُوهُ لِأُمِّهِ: تَغْلِبُ بْنُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ، وَأَخُو خُزَيْمَةَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: هُذَيْلٌ، وَقِيلَ: أُمُّهُمَا سَلْمَى بِنْتُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ.
وَخُزَيْمَةُ هُوَ الَّذِي نَصَبَ هُبَلَ عَلَى الْكَعْبَةِ، فَكَانَ يُقَالُ هُبَلُ خُزَيْمَةَ (أَسْلُمُ) بِضَمِّ اللَّامِ.

ابْنُ مُدْرِكَةَ
وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَيُكَنَّى أَبَا هُذَيْلٍ، وَقِيلَ: أَبَا خُزَيْمَةَ، وَأُمُّهُ خِنْدِفٌ، وَهِيَ لَيْلَى ابْنَةُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ، وَأُمُّهَا ضَرِيَّةُ ابْنَةُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَبِهَا سُمِّيَ حِمَى ضَرِيَّةَ.
وَإِخْوَةُ مُدْرِكَةَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: عَامِرٌ، وَهُوَ طَابِخَةُ، وَعُمَيْرٌ، وَهُوَ قَمَعَةُ، يُقَالُ: إِنَّهُ أَبُو خُزَاعَةَ.
قَالَ هِشَامٌ: خَرَجَ إِلْيَاسُ فِي نُجْعَةٍ لَهُ فَنَفَرَتْ إِبِلُهُ مِنْ أَرْنَبٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا عَمْرٌو فَأَدْرَكَهَا فَسُمِّيَ ” مُدْرِكَةَ “، وَأَخَذَهَا عَامِرٌ فَطَبَخَهَا فَسُمِّيَ طَابِخَةَ، وَانْقَمَعَ عُمَيْرٌ فِي الْخِبَاءِ فَسُمِّيَ قَمَعَةَ، وَخَرَجَتْ أُمُّهُمْ لَيْلَى تَمْشِي فَقَالَ لَهَا إِلْيَاسُ: أَيْنَ تُخَنْدِفِينَ؟ فَسُمِّيَتْ خِنْدِفًا، وَالْخَنْدَفَةُ: ضَرْبٌ مِنَ الْمَشْيِ.
ابْنُ إِلْيَاسَ
وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو، وَأُمُّهُ الرَّبَابُ ابْنَةُ حَيْدَةَ بْنِ مَعَدٍّ، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ النَّاسُ، بِالنُّونِ، وَهُوَ عَيْلَانُ، وَسُمِّيَ عَيْلَانَ لِفَرَسٍ لَهُ كَانَ يُدْعَى عَيْلَانَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يُسَمَّى عَيْلَانَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ حَزِنَتْ عَلَيْهِ خِنْدِفٌ حُزْنًا شَدِيدًا، فَلَمْ تَقُمْ حَيْثُ مَاتَ، وَلَمْ يُظِلَّهَا سَقْفٌ حَتَّى هَلَكَتْ، فَضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسَ، فَكَانَتْ تَبْكِي كُلَّ خَمِيسٍ مِنْ غَدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ.

ابْنُ مُضَرَ
وَأُمُّهُ سَوْدَةُ بِنْتُ عَكٍّ، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ إِيَادٌ، وَلَهُمَا أَخَوَانِ مِنْ أَبِيهِمَا: رَبِيعَةُ وَأَنْمَارٌ، وَأُمُّهُمَا جَدَالَةُ ابْنَةُ وَعْلَانَ مِنْ جُرْهُمٍ.
وَذُكِرَ أَنَّ نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بَنِيهِ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: يَا بَنِيَّ هَذِهِ الْقُبَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَدَمٍ حَمْرَاءُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَالِي لِمُضَرَ فَسُمِّيَ مُضَرَ الْحَمْرَاءَ، وَهَذَا الْخِبَاءُ الْأَسْوَدُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَالِي لِرَبِيعَةَ، وَهَذِهِ الْخَادِمُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَالِي لِإِيَادٍ، وَكَانَتْ شَمْطَاءَ، فَأَخَذَ الْبُلْقَ وَالنَّقَدَ مِنْ غَنَمِهِ، وَهَذِهِ الْبَدْرَةُ وَالْمَجْلِسُ لِأَنْمَارٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ أَنْمَارٌ مَا أَصَابَهُ، فَإِنْ أَشْكَلَ فِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ وَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْقِسْمَةِ فَعَلَيْكُمْ بِالْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ.
فَاخْتَلَفُوا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ فِي مَسِيرِهِمْ إِذْ رَأَى مَضَرُ كَلَأً قَدْ رُعِيَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَعِيرَ الَّذِي قَدْ رَعَى هَذَا الْكَلَأَ لَأَعْوَرُ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: هُوَ أَزْوَرُ. وَقَالَ إِيَادٌ: هُوَ أَبْتَرُ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: هُوَ شَرُودٌ. فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَقِيَهُمْ رَجُلٌ تُوضِعُ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الْبَعِيرِ، فَقَالَ مُضَرُ: هُوَ أَعْوَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَبِيعَةُ: هُوَ أَزْوَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ إِيَادٌ: هُوَ أَبْتَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: هُوَ شُرُودٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ صِفَةُ بَعِيرِي، دُلُّونِي عَلَيْهِ، فَحَلَفُوا لَهُ مَا رَأَوْهُ، فَلَزِمَهُمْ، وَقَالَ: كَيْفَ أُصَدِّقُكُمْ وَهَذِهِ صِفَةُ بَعِيرِي!
فَسَارُوا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمُوا نَجْرَانَ فَنَزَلُوا عَلَى الْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ، فَقَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَعِيرِ حَدِيثَهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْجُرْهُمِيُّ: كَيْفَ وَصَفْتُمُوهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟ قَالَ مُضَرُ: رَأَيْتُهُ يَرْعَى جَانِبًا وَيَدَعُ جَانِبًا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَعْوَرُ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: رَأَيْتُ إِحْدَى يَدَيْهِ ثَابِتَةً وَالْأُخْرَى فَاسِدَةَ الْأَثَرِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَزْوَرُ. وَقَالَ إِيَادٌ: عَرَفْتُ أَنَّهُ أَبْتَرُ بِاجْتِمَاعِ بَعْرِهِ وَلَوْ كَانَ أَذْنَبَ لَمَصَعَ بِهِ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ شَرُودٌ لِأَنَّهُ يَرْعَى الْمَكَانَ الْمُلْتَفَّ، ثُمَّ يَجُوزُهُ إِلَى مَكَانٍ أَرَقَّ مِنْهُ نَبْتًا وَأَخْبَثَ. فَقَالَ الْجُرْهُمِيُّ: لَيْسُوا بِأَصْحَابِ بَعِيرِكَ فَاطْلُبْهُ.
ثُمَّ سَأَلَهُمْ مَنْ هُمْ، فَأَخْبَرُوهُ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: أَتَحْتَاجُونَ أَنْتُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ كَمَا أَرَى؟ وَدَعَا لَهُمْ بِطَعَامٍ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا. فَقَالَ مُضَرُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ خَمْرًا أَجْوَدَ لَوْلَا أَنَّهَا نَبَتَتْ عَلَى قَبْرٍ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ لَحْمًا أَطْيَبَ لَوْلَا أَنَّهُ رُبِّيَ بِلَبَنِ كَلْبَةٍ. وَقَالَ إِيَادٌ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَى لَوْلَا أَنَّهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: لَمْ أَرَ الْيَوْمَ كَلَامًا أَنْفَعَ لِحَاجَتِنَا مِنْ كَلَامِنَا.
وَسَمِعَ الْجُرْهُمِيُّ الْكَلَامَ فَعَجِبَ، فَأَتَى أُمَّهُ وَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ مَلِكٍ لَا يُولَدُ لَهُ، فَكَرِهَتْ أَنْ يَذْهَبَ الْمُلْكُ فَأَمْكَنَتْ رَجُلًا مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ بِهِ، وَسَأَلَ الْقَهْرَمَانَ عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: مِنْ حَبَلَةٍ غَرَسْتُهَا عَلَى قَبْرِ أَبِيكَ، وَسَأَلَ الرَّاعِي عَنِ اللَّحْمِ
فَقَالَ: شَاةٌ أَرْضَعْتُهَا لَبَنَ كَلْبَةٍ.
فَقِيلَ لِمُضَرَ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ الْخَمْرَ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي أَصَابَنِي عَطَشٌ شَدِيدٌ. وَقِيلَ لِرَبِيعَةَ فِيمَا قَالَ، فَذَكَرَ كَلَامًا، وَأَتَاهُمُ الْجُرْهُمِيُّ وَقَالَ: صِفُوا لِي صِفَتَكُمْ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، فَقَضَى بِالْقُبَّةِ الْحَمْرَاءِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْإِبِلِ، وَهِيَ حُمْرٌ، لِمُضَرَ، وَقَضَى بِالْخِبَاءِ الْأَسْوَدِ وَالْخَيْلِ الدُّهْمِ لِرَبِيعَةَ، وَقَضَى بِالْخَادِمِ، وَكَانَتْ شَمْطَاءَ، وَالْمَاشِيَةِ الْبُلْقِ لِإِيَادٍ، وَقَضَى بِالْأَرْضِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنْمَارَ.
وَمُضَرُ أَوَّلُ مَنْ حَدَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعِيرِهِ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ، فَأَتَتْهُ الْإِبِلُ مِنَ الْمَرْعَى، فَلَمَّا صَلَحَ وَرَكِبَ حَدَا وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا. وَقِيلَ: بَلِ انْكَسَرَتْ يَدُ مَوْلًى لَهُ فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْإِبِلُ، فَوَضَعَ مُضَرُ الْحِدَاءَ وَزَادَ النَّاسَ فِيهِ.
وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ حِينَئِذٍ: ”
بَصْبَصْنَ إِذْ حُدِينَ بِالْأَذْنَابِ
“، فَذَهَبَ مَثَلًا.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «لَا تَسُبُّوا مُضَرَ وَرَبِيعَةَ فَإِنَّهُمَا مُسْلِمَانِ» .

ابْنُ نِزَارٍ
وَقِيلَ: كَانَ يُكَنَّى أَبَا إِيَادٍ، وَقِيلَ: أَبَا رَبِيعَةَ، وَأُمُّهُ مُعَانَةُ ابْنَةُ جَوْشَمِ بْنِ جُلْهُمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُرْهُمٍ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: قَنَصٌ وَقَنَّاصَةُ وَسَنَامٌ وَجَنْدَةُ وَجُنَادٌ وَجُنَادَةُ وَالْقَحْمُ وَعُبَيْدُ الرَّمَّاحِ
وَالْغَرْفُ وَالْعَوْفُ وَشَكٌّ وَقُضَاعَةُ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى مَعَدٌّ، وَعِدَّةٌ دَرَجُوا.

ابْنُ مَعَدٍّ
وَأُمُّهُ مُهْدَةُ ابْنَةُ اللِّهْمِ، وَيُقَالُ اللَّهَمُ، وَيُقَالُ اللَّهْمُ بْنُ جَلْحَبِ بْنِ جَدِيسٍ وَقِيلَ بْنِ طَسْمٍ، وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَبِيهِ: الدِّيثُ، وَقِيلَ: الدِّيثُ هُوَ عَكٌّ، وَعَدَنُ بْنُ عَدْنَانَ، قِيلَ: هُوَ صَاحِبُ عَدَنٍ وَأَبْيَنَ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ أَبْيَنُ، وَدَرَجَ نَسْلُهُ وَنَسْلُ عَدَنٍ، وَأُدٌّ وَأُبَيُّ بْنُ عَدْنَانَ، وَدَرْجٌ، وَالضَّحَّاكُ وَالْغَنِيُّ.
فَلَحِقَ وَلَدُ عَدْنَانَ بِالْيَمَنِ عِنْدَ حَرْبِ بُخْتَ نَصَّرَ، وَحَمَلَ إِرْمِيَا وَبَرْخِيَا مَعَدًّا إِلَى حِرَّانَ فَأَسْكَنَاهُ بِهَا. فَلَمَّا سَكَنَتِ الْحَرْبُ رَدَّاهُ إِلَى مَكَّةَ فَرَأَى إِخْوَتَهُ قَدْ لَحِقُوا بِالْيَمَنِ.

ابْنُ عَدْنَانَ
وَلِعَدْنَانَ أَخَوَانِ يُدْعَى أَحَدُهُمَا نَبْتًا، وَالْآخَرُ عَامِرًا، فَنَسَبُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَخْتَلِفُ النَّاسِبُونَ فِيهِ إِلَى مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْتُ، وَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا عَظِيمًا لَا يُحْصَلُ مِنْهُ عَلَى غَرَضٍ، فَتَارَةً يَجْعَلُ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَدْنَانَ وَبَيْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، وَيَجْعَلُ آخَرُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ أَبًا، وَيَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي الْأَسْمَاءِ أَشَدَّ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَدَدِ، فَحَيْثُ رَأَيْتُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ لَمْ أُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي نَسَبِهِ حَدِيثًا يَصِلْهُ بِإِسْمَاعِيلَ، وَلَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ.

ذِكْرُ الْفَوَاطِمِ وَالْعَوَاتِكِ

وَأَمَّا الْفَوَاطِمُ اللَّائِي وَلَدْنَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَخَمْسٌ: قُرَشِيَّةٌ وَقَيْسِيَّتَانِ وَيَمَانِيَّتَانِ.
أَمَّا الْقُرَشِيَّةُ: فَأُمُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيَّةُ.
وَأَمَّا الْقَيْسِيَّتَانِ: فَأُمُّ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَحْوَشَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ.
وَأَمَّا الْيَمَانِيَّتَانِ: فَأُمُّ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلَ بْنِ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَأُمُّ حُبَّى بِنْتِ حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلُولٍ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِ قُصَيٍّ فَاطِمَةُ بِنْتُ نَصْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ الْخُزَاعِيَّةُ.
أَمَّا الْعَوَاتِكُ فَاثْنَتَا عَشْرَةَ: اثْنَتَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَوَاحِدَةٌ مِنْ بَنِي يَخْلُدَ ابْنِ النَّضْرِ، وَثَلَاثٌ مِنْ سُلَيْمٍ، وَعَدَوِيَّتَانِ، وَهُذَلِيَّةٌ، وَقُضَاعِيَّةٌ، وَأَسْدِيَةٌ.
فَأَمَّا الْقُرَشِيَّتَانِ: فَأُمُّ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَأُمُّ بَرَّةَ أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأُمُّ رَيْطَةَ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَأُمُّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّةُ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فَهْمٍ، وَأُمُّ هِلَالٍ هِنْدٌ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأُمُّ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ عَاتِكَةُ بِنْتُ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ.
أَمَّا السُّلَمِيَّاتُ: فَأُمُّ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَأُمُّ عَبْدِ مَنَافٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ فَالِجٍ، وَالثَّالِثَةُ أُمُّ جَدِّهِ لِأُمِّهِ وَهْبٍ، وَهِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَوْقَصِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ.
قُلْتُ: هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَوَاتِكَ سُلَيْمٍ، وَجَعَلَ أُمَّ عَبْدِ مَنَافٍ عَاتِكَةَ بِنْتَ مُرَّةَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ أُمَّ عَبْدِ مَنَافٍ حُبَّى بِنْتُ حُلَيْلٍ الْخُزَاعِيَّةُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أُمُّ هَاشِمٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ، وَأُمُّ مُرَّةَ بْنِ هِلَالٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ قُنْفُذَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمٍ، وَأُمُّ هِلَالِ بْنِ فَالِجٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَصِيَّةَ بْنِ خِفَافِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ.
وَأَمَّا الْعَدَوِيَّتَانِ: فَمِنْ جِهَةِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو، وَأُمَّ فَاطِمَةَ تَخْمَرُ بِنْتُ عَبْدِ قُصَيٍّ، وَأُمَّهَا هِنْدٌ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ وَائِلَةَ بْنِ الظَّرِبِ. وَأَمَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ كَعْبٍ الْفَهْمِيَّةُ. وَأَمَّا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ عَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَأُمُّ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ عَاتِكَةُ، فَهِيَ عِكْرِشَةُ، وَهِيَ الْحَصَانُ بَنْتُ عَدْوَانَ.
وَأَمَّا الْأَزْدِيَّةُ: فَأُمُّ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ أُدٍّ أُخْتِ تَمِيمٍ، وَأُمُّهَا مَاوِيَّةُ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَزْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَقَدْ وَلَدَتْهُ هَذِهِ الْأَزْدِيَّةُ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ قِبَلِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، فَإِنَّ أُمَّ غَالِبٍ لَيْلَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَزْدِ هَذِهِ.
أَمَّا الْهُذَلِيَّةُ: فَعَاتِكَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلَ، هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِزَامٍ جَدِّ عَمْرِو بْنِ عَايِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ لِأُمِّهِ، وَعَمْرٌو جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبُو أُمِّهِ.
وَأَمَّا الْقُضَاعِيَّةُ: فَأُمُّ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ مَاوِيَّةُ بِنْتُ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرِ بْنِ شَيْعِ اللَّهِ بْنِ أَسَدِ بْنِ وَبَرَةِ، وَأُمُّهَا وَحْشِيَّةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ ضِنَّةَ الْعُذْرِيَّةُ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ رَشْدَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ.
وَأَمَّا الْأَسَدِيَةُ: فَأُمُّ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ هِنْدٌ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِلَابٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
(وَعَايِذُ بْنُ عِمْرَانَ: بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَسَعْدُ بْنُ سَيَلَ: بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا الْمَفْتُوحَةِ. وَحُيَيٌّ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُمَالَةِ. وَحُلَيْلٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا. وَجَسْرٌ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَتَسْكِينِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ. وَحَارِثَةُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ. وَوَائِلَةُ بْنُ الظَّرِبِ: بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا وَضَبَّةُ بْنُ الْحَارِثِ: بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُوَحَّدَةِ. وَشَيْعُ اللَّهِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا السَّاكِنَةِ. وَحَرَامٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَضِنَّةُ الْعُذْرِيُّ: بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ.
وَعُصَيَّةُ: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَفَتْحِ الصَّادِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا) .

عُدْنَا إِلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

تُوفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ، وَأَوْصَى أَبَا طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي قَامَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ جَدِّهِ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ لَزِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَقَّ لَهُ وَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تِسْعُ سِنِينَ. فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَا فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ ذَا عِلْمٍ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ بِتِلْكَ الصَّوْمَعَةِ رَاهِبٌ يَصِيرُ إِلَيْهِ عِلْمُهُمْ، وَبِهَا كِتَابٌ يَتَوَارَثُونَهُ. فَلَمَّا رَآهُمْ بَحِيرَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ غَمَامَةً تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ فَنَظَرَ إِلَى الشَّجَرَةِ وَقَدْ هَصَرَتْ أَغْصَانُهَا حَتَّى اسْتَظَلَّ بِهَا، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَدَعَاهُمْ. فَلَمَّا رَأَى بَحِيرَا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ كَانَ يَجِدُهَا مِنْ صِفَتِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنَ الطَّعَامِ وَتَفَرَّقُوا، سَأَلَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ فِي يَقَظَتِهِ وَنَوْمِهِ فَوَجَدَهَا بَحِيرَا مُوَافِقَةً لِمَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَحِيرَا لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا. قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي، مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ. قَالَ: صَدَقْتَ، ارْجِعْ بِهِ إِلَى بَلَدِكَ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يَهُودَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ.
فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ.
وَقِيلَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقُولُ لِعَمِّهِ فِي إِعَادَتِهِ إِلَى مَكَّةَ وَتَخَوُّفِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الرُّومِ إِذْ أَقْبَلَ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الرُّومِ، فَقَالَ لَهُمْ بَحِيرَا: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جَاءَنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ نَاسٌ، وَإِنَّا بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ. قَالَ أَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَهُ اللَّهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. وَتَابَعُوا بَحِيرَا وَأَقَامُوا عِنْدَهُ
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ الْجَاهِلِيَّةُ يَعْمَلُونَهُ غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ يَحُولُ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بِهِ حَتَّى أَكْرَمَنِي بِرِسَالَتِهِ، قُلْتُ لَيْلَةً لِغُلَامٍ يَرْعَى مَعِي بِأَعْلَى مَكَّةَ: لَوْ أَبْصَرْتَ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ وَأَسْمَرَ بِهَا كَمَا يَسْمَرُ الشَّبَابُ. فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ أَوَّلِ دَارٍ بِمَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: عُرْسُ فُلَانٍ بِفُلَانَةٍ، فَجَلَسْتُ أَسْمَعُ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي فَنِمْتُ، فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَعُدْتُ إِلَى صَاحِبِي فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ وَدَخَلْتُ مَكَّةَ، فَأَصَابَنِي مِثْلُ أَوَّلِ لَيْلَةٍ، ثُمَّ مَا هَمَمْتُ بَعْدَهُ بِسُوءٍ» .

ذِكْرُ نِكَاحِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَدِيجَةَ
وَنَكَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ كَانَتِ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا وَتُضَارِبُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ مِنْهُ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – صِدْقُ الْحَدِيثِ وَعِظَمُ الْأَمَانَةِ وَكَرَمُ الْأَخْلَاقِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ لِيَخْرُجَ فِي مَالِهَا إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا وَتُعْطِيَهُ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مَعَ غُلَامِهَا مَيْسَرَةَ، فَأَجَابَهَا وَخَرَجَ مَعَهُ مَيْسَرَةُ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ، فَأَطْلَعَ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ إِلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالَ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا نَبِيٌّ.
ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَاشْتَرَى وَعَادَ، فَكَانَ مَسِيرَةُ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ رَبِحَتْ خَدِيجَةُ رِبْحًا كَثِيرًا، وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ وَمَا رَأَى مِنْ إِظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إِيَّاهُ.
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً عَاقِلَةً شَرِيفَةً مَعَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ كَرَامَتِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَانَتْ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا وَأَكْثَرَهُنَّ مَالًا وَشَرَفًا، وَكُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِأَعْمَامِهِ، وَخَرَجَ وَمَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُمُومَتِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ، فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ: زَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، وَالْقَاسِمَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَالطَّاهِرَ، وَالطَّيِّبَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ وَالطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ، فَأَمَّا الْقَاسِمُ وَالطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَكُلُّهُنَّ أَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْنَ وَهَاجَرْنَ مَعَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي زَوَّجَهَا عَمُّهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ، وَإِنَّ أَبَاهَا مَاتَ قَبْلَ الْفِجَارِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ أَبَاهَا تُوُفِّيَ قَبْلَ الْفِجَارِ.
وَكَانَ مَنْزِلُ خَدِيجَةَ يَوْمَئِذٍ الْمَنْزِلَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهَا الْيَوْمَ، فَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ اشْتَرَاهُ وَجَعَلَهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ.
وَكَانَ الرَّسُولُ بَيْنَ خَدِيجَةَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَفِيسَةَ بِنْتَ مُنْيَةَ أُخْتَ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ، وَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَبَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَكْرَمَهَا.
مُنْيَةُ بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *