موقعة نهاوند

موقعة نهاوند

ثم كانت وقعه نهاوند [4] سنه احدى وعشرين 641 م، وذلك ان العجم لما قتلوا بجلولاء، وهرب يزدجرد، فصار بقم، ووجه رسله في البلدان يستجيش، فغضب له اهل مملكته، فتحلبت [5] اليه الأعاجم من اقطار البلاد،
__________
[1] كوره حسنه واسعه، ذات مدن وقرى، قرب الصيمرة من نواحي الجبال، عن يمين القاصد من حلوان العراق الى همذان.
[2] السفط كالجوالق، يعبى فيه الطيب وما اشبهه من ادوات النساء.
[3] مدينه بفارس، شديده الحر، قريبه من كازرون.
[4] مدينه عظيمه من اقدم المدن في الجبل، وبها آثار حسنه للفرس، وفي وسطها حصن عجيب البناء، عالى السمك، وبها قبور جماعه من الشهداء.
[5] جاؤوا من كل أوب للنصرة.
فأتاه اهل قومس، وطبرستان، وجرجان، ودنباوند، والري، وأصبهان، وهمذان، والماهين، واجتمعت عنده جموع عظيمه، فولى امرهم مردان شاه بن هرمز، ووجههم الى نهاوند.
وكتب عمار بن ياسر الى عمر بن الخطاب بذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وبيده الكتاب حتى صعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: يا معشر العرب، ان الله ايدكم بالإسلام، والف بينكم بعد الفرقة، واغناكم بعد الفاقة، واظفركم في كل موطن لقيتم فيه عدوكم، فلم تفلوا، ولم تغلبوا، وان الشيطان قد جمع جموعا ليطفئ نور الله، وهذا كتاب عمار ابن ياسر، يذكر ان اهل قومس وطبرستان ودنباوند وجرجان والري وأصبهان وقم وهمذان والماهين وماسبذان قد اجفلوا [1] الى ملكهم، ليسيروا الى إخوانكم بالكوفه والبصره حتى يطردوهم من ارضهم، ويغزوكم في بلادكم، فأشيروا على.
فتكلم طلحه بن عبيد الله، فقال: يا امير المؤمنين، ان الأمور قد حنكتك، وان الدهور قد جربتك، وأنت الوالي، فمرنا نطع، واستنهضنا ننهض. ثم تكلم عثمان بن عفان، فقال: يا امير المؤمنين، اكتب الى اهل الشام، فيسيروا من شامهم، والى اهل اليمن، فيسيروا من يمنهم، والى اهل البصره، فيسيروا من بصرتهم، وسر أنت باهل هذا الحرم حتى توافى الكوفه، وقد وافاك المسلمون من اقطار ارضهم وآفاق بلادهم، فإنك إذا فعلت ذلك كنت اكثر منهم جمعا وأعز نفرا.
فقال المسلمون من كل ناحيه صدق عثمان، فقال عمر لعلى رضى الله عنهما: ما تقول أنت يا أبا الحسن؟، فقال على رضى الله عنه: انك ان اشخصت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ذراريهم، وان سيرت اهل اليمن من يمنهم خلفت الحبشه على ارضهم، وان شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك
__________
[1] أسرعوا.
الارض من أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم إليك مما قدامك، وان العجم إذا رأوك عيانا قالوا، هذا ملك العرب كلها، فكان أشد لقتالهم، وانا لم نقاتل الناس على عهد نبينا ص ولا بعده بالكثرة، بل اكتب الى اهل الشام ان يقيم منهم بشامهم الثلثان، ويشخص الثلث، وكذلك الى عمان، وكذلك سائر الأمصار والكور.
فقال عمر: هو الرأي الذى كنت رايته، ولكنى احببت ان تتابعونى عليه، فكتب بذلك الى الأمصار، ثم قال: لاولين الحرب رجلا يكون غدا لاسنه القوم جزرا [1] . فولى الأمر النعمان بن مقرن المزنى، وكان من خيار اصحاب رسول الله ص، وكان على خراج كسكر، فدعا عمر السائب بن الأقرع، فدفع اليه عهد النعمان بن مقرن، وقال له: ان قتل النعمان فولى الأمر حذيفة بن اليمان، وان قتل حذيفة فولى الأمر جرير بن عبد الله البجلي، وان قتل جرير فالأمير المغيره ابن شعبه، وان قتل المغيره فالأمير الاشعث بن قيس.
وكتب الى النعمان بن مقرن ان قبلك رجلين هما فارسا العرب: عمرو بن معدى كرب، وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب، ولا تولهما شيئا من الأمر، ثم قال للسائب: ان اظفر الله المسلمين فتول امر المغنم ولا ترفع الى باطلا، وان يهلك ذلك الجيش فاذهب، فلا ارينك.
فسار السائب حتى ورد الكوفه ودفع الى النعمان عهده، ووافت الامداد، وخلف ابو موسى بالبصرة ثلثى الناس، وسار بالثلث الآخر حتى وافى الكوفه، فتجهز الناس، وساروا الى نهاوند، فنزلوا بمكان يسمى الاسفيذهان [2] من مدينه نهاوند على ثلاثة فراسخ، قرب قريه يقال لها قديسجان، واقبلت الأعاجم يقودها مردان شاه بن هرمزد، حتى عسكروا قريبا من عسكر المسلمين، وخندقوا على انفسهم، واقام الفريقان بمكانهما، فقال النعمان لعمرو وطلحه: ما تريان؟
__________
[1] الجزر: القطع والاستئصال.
[2] كذا في الأصل، والصواب اسفيذبان واحده من قرى أصبهان.
فان هؤلاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه، وامدادهم تترى عليهم كل يوم فقال عمرو: الرأي ان تشيع ان امير المؤمنين توفى، ثم ترتحل بجميع من معك، فان القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا فنقف لهم عند ذلك، ففعل النعمان ذلك، وتباشرت الأعاجم، وخرجوا في آثار المسلمين، حتى إذا قاربوهم وقفوا لهم، ثم تزاحفوا، فاقتتلوا، فلم يسمع الا وقع الحديد على الحديد، وكثرت القتلى من الفريقين، وحال بينهما الليل، فانصرف كل فريق الى معسكرهم، وبات المسلمون لهم أنين من الجراح، ثم أصبحوا، وذلك يوم الأربعاء، فتزاحفوا، واقتتلوا يومهم كله، وصبر الفريقان، ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس، وتزاحفوا يوم الجمعه، وتواقفوا، وركب النعمان بن مقرن برذونا اشهب، ولبس ثيابا بيضاء، وسار بين الصفوف، يذمر المسلمين، ويحضهم، وجعل ينتظر الساعة التي كان الرسول ص يقاتل فيها، ويستنزل النصر، وهي زوال النهار، ومهب الرياح، وسار في الرايات يقول لهم: انى هاز لكم الراية ثلاثا، فان هززتها أول مره فليشد كل رجل منكم حزام فرسه، وليستلم شكته، فإذا هززتها الثانيه فصوبوا رماحكم، وهزوا سيوفكم، فإذا هززتها الثالثه، فكبروا، واحملوا، فانى حامل.
فلما زالت الشمس بأدنى صلوا ركعتين ركعتين، ووقف، ونظر الناس الى الراية، فلما هزها الثالثه كبروا، وحملوا، فانتقضت صفوف الأعاجم، وكان النعمان أول قتيل، فحمله اخوه سويد بن مقرن الى فسطاطه، فخلع ثيابه، فلبسها، وتقلد سيفه، وركب فرسه، فلم يشك اكثر الناس انه النعمان، وثبتوا، يقاتلون عدوهم، ثم انزل الله نصره، وانهزمت الأعاجم، فذهبت على وجوهها، حتى صاروا الى قريه من نهاوند على فرسخين، تسمى دزيزيد فنزلوها لان حصن نهاوند لم يسعهم، واقبل حذيفة بن اليمان، وقد كان تولى الأمر بعد النعمان، حتى اناخ عليهم، فحاصرهم بها.
قال: وانهم خرجوا ذات يوم مستعدين للحرب، فقاتلهم المسلمون، فانهزمت الأعاجم، وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى دينار فحال المسلمون بينه وبين الدخول الى الحصن، واتبعه رجل من عبس، يسمى سماك بن عبيد فقتل قوما كانوا معه، واستسلم له الفارس، فاستاسره سماك، فقال لسماك: انطلق بي الى اميركم، فانى صاحب هذه الكورة، لاصالحه على هذه الارض، وافتح له باب الحصن، فانطلق به الى حذيفة، فصالحه حذيفة عليها، وكتب له بذلك كتابا.
فاقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند، ونادى من فيه افتحوا باب الحصن، وانزلوا، فقد آمنكم الأمير، وصالحني على أرضكم. فنزلوا اليه، فبذلك سميت ماه دينار. واقبل رجل من اشراف تلك البلاد الى السائب بن الأقرع، وكان على المغانم، فقال له اتصالحنى على ضياعي، وتؤمننى على أموالي، حتى ادلك على كنز لا يدرى ما قدره، فيكون خالصا لاميركم الأعظم، لأنه شيء لم يؤخذ في الغنيمه.
وكان سبب هذا الكنز ان النخارجان الذى كان يوم القادسية اقبل بالمدد، فالفى العجم قد انهزموا، فوقف، فقاتل حتى قتل، وكان من أعاظم الأعاجم، وكان كريما على كسرى ابرويز، وكانت له امراه من اكمل [1] النساء جمالا، وكانت تختلف الى كسرى، فبلغ النخارجان ذلك، فرفضها، فلم يقربها، وبلغ ذلك كسرى، فقال يوما للنخارجان وقد دخل عليه مع العظماء والاشراف: بلغنى ان لك عينا عذبه الماء، وانك لا تشرب منها. فقال النخارجان ايها الملك، بلغنى ان الأسد ينتاب تلك العين، فاجتنبتها مخافه الأسد فاستحلى كسرى جواب النخارجان، وعجب من فطنته، فدخل دار نسائه، وكانت له ثلاثة آلاف امراه لفراشه، فجمعهن وأخذ ما كان عليهن من حلى، فجمعه، ودفعه الى امراه النخارجان،
__________
[1] في الأصل اجمل.
ودعا بالصاغه، فاتخذوا للنخارجان تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين، فتوجه به، فبقى ذلك التاج وتلك الحلى عند ولد بنى المرأة، فلما وقعت الحرب بناحيتهم ساروا به الى قريه لأبيهم، سميت باسمه، يقال لها الخوارجان وفيها بيت نار، فاقتلعوا الكانون [1] . ودفنوا الحلى تحته، وأعادوا الكانون كهيئته.
فقال له السائب: ان كنت صادقا فأنت آمن على اولادك وضياعك واهلك وولدك، فانطلق به حتى استخرجه في سفطين: أحدهما التاج، والآخر الحلى.
فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال، وفرغ حمل السفطين في خرجين على ناقته، وقدم بهما على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكان من امرهما الخبر المشهور، اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتله والذرية جميعا، ثم حملهما الى الحيرة فباع بفضل كثير، واعتقد بذلك اموالا بالعراق، وكان أول قرشي اعتقد بالعراق، فقال عروه بن زيد الخيل يذكر ايامهم:
الا طرقت رحلي وقد نام صحبتي … بايوان سيرين المزخرف خلتي
ولو شهدت يومى جلولاء حربنا … ويوم نهاوند المهول استهلت
إذا لرأت ضرب امرى غير خامل … مجيد بطعن الرمح اروع مصلت
ولما دعوا يا عروه بن مهلهل … ضربت جموع الفرس حتى تولت
دفعت عليهم رحلتي وفوارسى … وجردت سيفي فيهم ثم التي
وكم من عدو اشوس متمرد … عليه بخيلى في الهياج اظلت
وكم كربه فرجتها وكريهة … شددت لها ازرى الى ان تجلت
وقد اضحت الدنيا لدى ذميمة … وسليت عنها النفس حتى تسلت
واصبح همى في الجهاد ونيتى … فلله نفس ادبرت وتولت
فلا ثروه الدنيا نريد اكتسابها … الا انها عن وفرها قد تحلت
وماذا ارجى من كنوز جمعتها … وهذى المنايا شرعا قد اظلت
__________
[1] الكانون: الموقد.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “موقعة نهاوند

  1. Pingback: يزدجرد بن بهرام |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *