موقعة جلولاء

موقعة جلولاء

ثم ان خرزاد لما انتهى الى جلولاء [3] اقام بها، وكتب الى يزدجرد، وهو بحلوان، يسأله المدد، فامده، فخندق على نفسه، ووجهوا بالذراري والاثقال الى خانقين [4] ، ووجه سعد اليهم بخيل، وولى عليها عمرو بن مالك بن نجبه بن نوفل بن وهب بن عبد مناف بن زهره، فسار حتى وافى جلولاء، والعجم مجتمعون قد خندقوا على انفسهم. فنزل المسلمون قريبا من معسكرهم، وجعلت الامداد تقدم على العجم من الجبل، وأصبهان.
فلما راى المسلمون ذلك قالوا لاميرهم عمرو بن مالك: ما تنتظر بمناهضه القوم،
__________
[1] الكافور: نبات له نور ابيض.
[2] العلج: الرجل من كفار العجم.
[3] جلولاء: مدينه في العراق على طريق خراسان، وعندها انتصر العرب على جيش ملك ساسان.
[4] خانقين: بلده في العراق على الطريق بين بغداد وخراسان على نهر خلوان تشاى وفيها اعتقل ومات النعمان الخامس ملك الحيرة على عهد كسرى الثانى، وعندها حدثت وقعه بين الفرس والعرب.
وهم كل يوم في زياده؟. فكتب الى سعد بن وقاص يعلمه ذلك، ويستاذنه في مناجزه القوم، فاذن له سعد، ووجه اليه قيس بن هبيرة مددا في الف رجل، أربعمائة فارس، وستمائه راجل.
وبلغ العجم ان العرب قد أتاهم المدد، فتأهبوا للحرب، وخرجوا، ونهض اليهم عمرو بن مالك في المسلمين، وعلى ميمنته حجر بن عدى، وعلى ميسرته زهير ابن جويه، وعلى الخيل عمرو بن معدى كرب، وعلى الرجاله طليحة ابن خويلد، فتزاحف الفريقان، وصبر بعضهم لبعض، فتراموا بالسهام حتى انفدوها، وتطاعنوا بالرماح حتى كسروها، ثم أفضوا الى السيوف وعمد الحديد، فاقتتلوا يومهم ذلك كله الى الليل، ولم يكن للمسلمين فيه صلاه الا إيماء والتكبير، حتى إذا اصفرت الشمس انزل الله على المسلمين نصره، وهزم عدوهم، فقتلوهم الى الليل، واغنمهم الله عسكرهم بما فيه.
فقال محقن بن ثعلبه، فدخلت في معسكرهم الى فسطاط، فإذا انا بجاريه على سرير في جوف الفسطاط، كان وجهها دارة القمر، فلما نظرت الى فزعت وبكت، فأخذتها، واتيت الأمير عمرو بن مالك، فاستوهبته إياها، فوهبها لي، فاتخذتها أم ولد.
وأصاب خارجه بن الصلت في فسطاط من فساطيطهم ناقه من ذهب موشحه باللؤلؤ والدر الفارد [1] ، والياقوت، عليها تمثال رجل من ذهب، وكانت على كبر الظبية، فدفعها الى المتولى لقبض الغنائم.
قال: ومرت الفرس على وجوهها، لا تلوى على شيء حتى انتهت الى يزدجرد، وهو بحلوان، فسقط في يديه، فتحمل بحرمه وحشمه وما كان معه من أمواله وخزائنه حتى نزل قم [2] وقاشان.
__________
[1] منقطع النظير، لا مثل له في جودته.
[2] مدينه بين اصفهان وساوه، وتذكر دائما مع قاشان، وبينهما اثنا عشر فرسخا، وكل أهلهما حاليا شيعه اماميه، ويقال ان آبار قم ليس في الارض مثلها عذوبه وبردا.
وأصاب المسلمون يوم جلولاء غنيمه لم يغنموا مثلها قط، وسبوا سبيا كثيرا من بنات احرار فارس، فذكروا ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقول: اللهم انى اعوذ بك من اولاد سبايا الجلوليات. فأدرك ابناؤهن قتال صفين، فخلف عمرو بن مالك بجلولاء جرير بن عبد الله البجلي في اربعه آلاف فارس مسلحه بها، ليردوا العجم عن نفوذها الى ما يلى العراق، وسار ببقية المسلمين حتى وافى سعد بن ابى وقاص، وهو مقيم بالمدائن، فارتحل سعد بالناس حتى ورد الكوفه، وكتب الى عمر رضى الله عنه بالفتح، واقام سعدا أميرا على الكوفه وجميع السواد ثلاث سنين ونصفا، ثم عزله عمر، وولى مكانه عمار بن ياسر على الحرب، وعبد الله بن مسعود على القضاء، وعمرو بن حنيف على الخراج.
قالوا: ولما انتهت هزيمه العجم الى حلوان، وخرج يزدجرد هاربا حتى نزل قم وقاشان ومعه عظماء اهل بيته واشرافهم، قال له رجل من خاصته واهل بيته، يسمى هرمزان، وكان خال شيرويه بن كسرى ابرويز: ايها الملك ان العرب قد اقتحمت عليك من هذه الناحية، يعنى حلوان، ولهم جمع بناحيه الاهواز، ليس في وجوههم احد يردهم، ولا يمنعهم من العيث والفساد، يعنى خيل ابى موسى الأشعري ومن كان معه. قال يزدجرد: فما الرأي؟ قال الهرمزان: الرأي ان توجهني الى تلك الناحية، فاجمع الى العجم، وأكون ردءا في ذلك الوجه، واجمع لك الأموال من فارس والاهواز، واحملها إليك، لتتقوى بها على حرب اعدائك، فاعجبه ذلك من قوله، وعقد له على الاهواز وفارس، ووجه معه جيشا كثيفا.

يوم مدينة تستر

فاقبل الهرمزان حتى وافى مدينه تستر [1] ، فنزلها، ورم حصنها، وجمع الميرة فيها لحصار، ان رهقه [2] ، وارسل فيما يليه يستنجدهم، فوافاه بشر عظيم، فكتب ابو موسى الى عمر، يخبره الخبر، فكتب عمر رضى الله عنه الى عمار بن ياسر، يأمره ان يوجه النعمان بن مقرن في الف رجل من المسلمين الى ابى موسى، فكتب عمار الى جرير، وكان مقيما بجلولاء، يأمره باللحاق بابى موسى، فخلف جرير بجلولاء عروه ابن قيس البجلي في الفى رجل من العرب، وسار ببقية الناس حتى لحق بابى موسى، فكتب ابو موسى الى عمر يستزيده من المدد، فكتب عمر الى عمار يأمره ان يستخلف عبد الله بن مسعود على الكوفه في نصف الناس، ويسير بالنصف الآخر حتى يلحق بابى موسى، فسار عمار حتى ورد على ابى موسى، وقد وافاه جرير من ناحيه جلولاء.
فلما توافت العساكر عند ابى موسى ارتحل بالناس، وسار حتى اناخ على تستر، وتحصن الهرمزان منه في المدينة، ثم تاهب للحرب، وخرج الى ابى موسى، وعبى ابو موسى المسلمين، فجعل على ميمنته البراء بن مالك أخا انس بن مالك، وعلى ميسرته مجزاه بن ثور البكرى، وعلى جميع الناس انس بن مالك، وعلى الرجاله سلمه بن رجاء.
وتزاحف الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى بين الفريقين، ثم انزل الله نصره، فانهزمت الأعاجم حتى دخلوا مدينه تستر، فتحصنوا بها، وقتل البراء بن مالك ومجزاه بن ثور، وقتل من الأعاجم في المعركة الف رجل، واسر منهم ستمائه اسير، فقدمهم ابو موسى، فضرب أعناقهم.
__________
[1] اعظم مدينه بخوزستان، معرب شوشتر، ومعناه التفضيل في الطيب والنزهه، وهي مركز تجارى هام، وسكانها شيعيون من العرب والايرانيين، وقد سميت بلدهم دار المؤمنين لشدة ورعهم. وإليها ينسب سهل التسترى من علماء الصوفية.
[2] غشيه وارهقه.
واقام المسلمون على باب مدينه تستر أياما كثيره، وحاصروا العجم بها، فخرج ذات ليله رجل من اشراف اهل المدينة، فاتى أبا موسى مستسرا، فقال تؤمننى على نفسي واهلى وولدى ومالي وضياعي حتى اعمل في أخذك المدينة عنوة؟ قال ابو موسى: ان فعلت فلك ذلك. قال الرجل، وكان اسمه سينه: ابعث معى رجلا من أصحابك. فقال ابو موسى: من رجل يشرى نفسه، ويدخل مع هذا العجمي مدخلا لا آمن عليه فيه الهلاك، ولعل الله ان يسلمه، فان يهلك فالى الجنه، وان يسلم عمت منفعته جميع الناس؟.
فقام رجل من بنى شيبان، يقال له الاشرس بن عوف، فقال: انا. فقال ابو موسى امض، كلأك الله. فمضى حتى خاض به دجيل [1] ، ثم اخرجه من سرب [2] حتى انتهى به الى داره، ثم اخرجه من داره، والقى عليه طيلسانا [3] ، وقال: امش ورائي كأنك من خدمي. ففعل، فجعل سينه يمر به في اقطار المدينة طولا وعرضا، حتى انتهى به الى الاحراس الذين يحرسون أبواب المدينة، ثم انطلق حتى مر به على الهرمزان، وهو على باب قصره، ومعه ناس من مرازبته، وشمع امامه، حتى نظر الرجل الى جميع ذلك، ثم انصرف الى داره، واخرجه من ذلك السرب، حتى اتى به أبا موسى، فاخبره الاشرس بجميع ما راى، وقال: وجه معى مائتي رجل حتى اقصد بهم الحرس، فاقتلهم، وافتح لك الباب، ووافنا أنت بجميع الناس.
فقال ابو موسى: من يشترى نفسه لله، فيمضى مع الاشرس؟. فانتدب مائتا رجل، فمضوا مع الاشرس وسينه حتى دخلوا من ذلك النقب، وخرجوا في دار سينه، وتأهبوا للحرب، ثم خرجوا والاشرس امامهم، حتى انتهوا الى باب المدينة، واقبل ابو موسى في جميع الناس حتى وافوا الباب من خارج، واقبل
__________
[1] نهر صغير متشعب من دجلة.
[2] السرب حفير تحت الارض او القناه الجوفاء التي يدخل منها الماء.
[3] معرب من الفارسيه، وهو نوع من الأكسية اسود اللون.
الاشرس واصحابه حتى أتوا الاحراس، فوضعوا فيهم السيف، وتداعى الناس، واسندوا ظهورهم الى حائط السور، وابو موسى واصحابه يكبرون لتشتد بذلك ظهورهم، وافضى اصحاب الاشرس الى الباب، فضربوا القفل حتى كسروه، وفتحوا الباب، ودخل ابو موسى والمسلمون، فوضعوا فيهم السيوف، وهرب الهرمزان في عظماء مرازبته حتى دخلوا الحصن الذى في جوف المدينة، وأخذ ابو موسى المدينة بما فيها وحاصروا الهرمزان حتى فنى ما كان اعد في الحصن من الميرة، ثم سال الامان، فقال ابو موسى: أومنك على حكم امير المؤمنين. فرضى بذلك، وخرج فيمن كان معه من اهل بيته ومرازبته الى ابى موسى، فوجه به وبهم ابو موسى الى عمر رضى الله عنه، ووجه معه ثلاثمائه رجل، وامر عليهم انس بن مالك، فساروا حتى انتهوا الى ماء يقال له السمينة [1] ، فاقبل اهل الماء يمنعونهم من النزول خوفا من ان يفنوا ماءهم، فلما علموا ان أنسا صاحب القوم جاؤوهم، فنزلوا، فقال رجل من اصحاب انس لانس: اخبر امير المؤمنين بما صنع هؤلاء بنا، ليخرجوهم من هذا الماء. قال الهرمزان: وان اراد مريد ان يحولهم الى مكان شر منه، هل كان يجده؟.
ثم ساروا حتى وافوا المدينة، فاتوا دار عمر، وقد زينوا الهرمزان بقبائه [2] ومنطقته وسيفه وسواريه وتوامتيه [3] ، وكذلك من كان معه، لينظر عمر رضى الله عنه الى زي الملوك والمرازبه وهيئتهم، فكان من خبره ما هو مشهور.
وانصرف عمار بن ياسر فيمن كان معه من اصحابه الى أوطانهم بالكوفه، وسار ابو موسى من تستر، حتى أتوا السوس [4] ، فحاصرها، فسأله مرزبانها ان يؤمنه في ثمانين رجلا من اهل بيته وخاصه اصحابه، فأجابه الى ذلك، فخرج اليه، فعد ثمانين رجلا، ولم يعد نفسه فيهم فامر ابو موسى به، فضربت عنقه، واطلق الثمانين الذين عدهم، ثم دخل المدينة، فغنم ما فيها، ثم بعث منجوف بن ثور الى
__________
[1] ماء لبنى الهجيم، تصغير سمنه: أول منزل من النباج لقاصد البصره
[2] نوع من الثياب تجمع اطرافه.
[3] درتان للاذنين إحداهما توامه للأخرى.
[4] بلده بخوزستان.
مهرجان قذق [1] ، فافتتحها، ومعه السائب بن الأقرع، فانتهى السائب الى قصر الهرمزان صاحب تستر، وكان موطنه الصيمرة، فدخل القصر، وكان من المدينة على ميل، فنظر في بعض البيوت الى تمثال في الحائط ماد اصبعه مصوبها الى الارض، فقال السائب ما صوبت اصبع هذا التمثال الى هذا المكان الا لامر، احفروا هاهنا فحفروا، فأصابوا سفطا [2] ، كان للهرمزان مملوءا جوهرا، فاحتبس منه السائب فص خاتم، وسرح بالباقي الى ابى موسى، واعلمه انه أخذ منه فصا، فسأله ان يهبه له، ففعل ابو موسى، ووجه بالسفط الى عمر رضى الله عنه، فأرسل عمر الى الهرمزان، وقال: هل تعرف هذا السفط؟ فقال: نعم، افقد منه فصا قال عمر: ان صاحب المقسم استوهبه، فوهبه له ابو موسى، فقال: ان صاحبكم لبصير بالجوهر.
ثم ان عمر ولى عثمان بن ابى العاص ارض البحرين، فلما بلغه فتح الاهواز سار بمن كان معه حتى اوغل في ارض فارس، فنزل مكانا يسمى توج [3] فصيره دار هجره، وبنى مسجدا جامعا، فكان يحارب اهل أردشير، حتى غلب على طائفه من ارضهم، وغلب على ناحيه من بلاد سابور، وبلاد اصطخر، وارجان، فمكث بذلك حولا، ثم خلف أخاه الحكم بن ابى العاص على اصحابه ولحق بالمدينة.
وان مرزبان فارس جمع جموعا عظيمه، وزحف الى الحكم، فظفر به الحكم، فقتله، وكان اسمه سهرك

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *