موقعة الجمل

موقعة الجمل

[1] قالوا: ولما قضى الزبير وطلحه وعائشة حجهم تأمروا في مقتل عثمان، فقال الزبير وطلحه لعائشة: ان اطعتنا طلبنا بدم عثمان. قالت: وممن تطلبون دمه؟، قالا: انهم قوم معروفون، وانهم بطانه على ورؤساء اصحابه، فاخرجى معنا حتى ناتى البصره فيمن تبعنا من اهل الحجاز، وان اهل البصره لو قد رأوك لكانوا جميعا يدا واحده معك. فاجابتهم الى الخروج، فسارت والناس حولها يمينا وشمالا.
ولما فصل على من المدينة نحو الكوفه بلغه خبر الزبير وطلحه وعائشة، فقال لأصحابه: ان هؤلاء القوم قد خرجوا يؤمون البصره، لما دبروه بينهم، فسيروا بنا على أثرهم، لعلنا نلحقهم قبل موافاتهم، فإنهم لو قد وافوها لمال معهم جميع أهلها، قالوا: سر بنا يا امير المؤمنين. فسار حتى وافى ذا قار [2] ، فأتاه الخبر بموافاه القوم البصره، ومبايعه اهل البصره لهم الا بنى سعد، فإنهم لم يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وقالوا لأهل البصره: لا نكون معكم ولا عليكم، وقعد عنهم أيضا كعب بن سور في اهل بيته، حتى اتته عائشة في منزله، فأجابها، وقال: اكره الا اجيب أمي، وكان كعب على قضاء البصره.
ولما انتهى الخبر الى على وجه هاشم بن عتبة بن ابى وقاص ليستنهض اهل الكوفه، ثم اردفه بابنه الحسن وبعمار بن ياسر، فساروا حتى دخلوا الكوفه، وابو موسى يومئذ بالكوفه، وهو جالس في المسجد، والناس محتوشوه [3]
__________
[1] وقعت في منتصف جمادى الآخرة سنه 36 نوفمبر 656 م.
[2] مكان قريب من البصره، اشتهر بيوم لبنى شيبان فيه، وكان ابرويز اغزاهم جيشا فظفرت بنو شيبان، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم.
[3] احتوش القوم فلانا واحتوشوا عليه جعلوه وسطهم.
وهو يقول: يا اهل الكوفه، أطيعوني تكونوا جرثومة [1] من جراثيم العرب، يأوي إليكم المظلوم، ويامن فيكم الخائف، ايها الناس، ان الفتنة إذا اقبلت شبهت، وإذا ادبرت تبينت، وان هذه الفتنة الباقره [2] لا يدرى من اين تأتي، ولا من اين تؤتى، شيموا سيوفكم، وانزعوا اسنه رماحكم، واقطعوا اوتار قسيكم، والزموا قعور البيوت، ايها الناس، ان النائم في الفتنة خير من القائم، والقائم خير من الساعى.
فانتهى الحسن بن على وعمار رضى الله عنهما الى المسجد الأعظم وقد اجتمع عالم من الناس على ابى موسى، وهو يقول لهم هذا وأشباهه، فقال له الحسن: اخرج عن مسجدنا، وامض حيث شئت. ثم صعد الحسن المنبر، وعمار صعد معه، فاستنفرا الناس، فقام حجر بن عدى الكندى، وكان من افاضل اهل الكوفه فقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، رحمكم الله فأجابه الناس من كل وجه: سمعا وطاعه لأمير المؤمنين، نحن خارجون على اليسر والعسر والشده والرخاء.
فلما أصبحوا من الغد خرجوا مستعدين، فاحصاهم الحسن، فكانوا تسعه آلاف وستمائه وخمسين رجلا، فوافوا عليا بذى قار قبل ان يرتحل. فلما هم بالمسير غلس الصبح، ثم امر مناديا، فنادى في الناس بالرحيل، فدنا منه الحسن، فقال: يا أبت اشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا، وسالوك ان تقوم بهذا الأمر الا تقبله حتى تأتيك طاعه جميع الناس في الافاق، واشرت عليك حين بلغك خروج الزبير وطلحه بعائشة الى البصره ان ترجع الى المدينة، فتقيم في بيتك، واشرت عليك حين حوصر عثمان ان تخرج من المدينة، فان قتل قتل وأنت غائب، فلم تقبل رأيي في شيء من ذلك.
__________
[1] جرثومة كل شيء اصله ومجتمعه.
[2] يعنى انها مفسده للدين ومفرقه بين الناس ومشتته أمورهم.
[فقال له على: اما انتظاري طاعه جميع الناس من جميع الافاق، فان البيعه لا تكون الا لمن حضر الحرمين من المهاجرين والانصار، فإذا رضوا وسلموا وجب على جميع الناس الرضا والتسليم، واما رجوعى الى بيتى والجلوس فيه، فان رجوعى لو رجعت كان غدرا بالأمة، ولم آمن ان تقع الفرقة، وتتصدع عصا هذه الامه، واما خروجى حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك؟! وقد كان الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان، فاكفف يا بنى عما انا اعلم به منك.]
ثم سار بالناس، فلما دنا من البصره كتب الكتائب، وعقد الالويه والرايات، وجعلها سبع رايات، عقد لحمير وهمدان رايه، وولى عليهم سعيد بن قيس الهمدانى، وعقد لمذحج والأشعريين رايه، وولى عليهم زياد ابن النضر الحارثى، ثم عقد لطيئ رايه، وولى عليهم عدى بن حاتم، وعقد لقيس وعبس وذبيان رايه، وولى عليهم سعد بن مسعود الثقفى عم المختار بن ابى عبيد، وعقد لكنده وحضرموت وقضاعه ومهره رايه، وولى عليهم حجر ابن عدى الكندى، وعقد للازد وبجيله وخثعم وخزاعة رايه، وولى عليهم مخنف بن سليم الأزدي، وعقد لبكر وتغلب وافناء ربيعه رايه، وولى عليهم محدوج الذهلي، وعقد لسائر قريش والانصار وغيرهم من اهل الحجاز رايه، وولى عليهم عبد الله بن عباس، فشهد هؤلاء الجمل وصفين والنهر، وهم اسباع كذلك، وكان على الرجاله جندب بن زهير الأزدي.
ولما بلغ طلحه والزبير ورود على رضى الله عنه بالجيوش، وقد اقبل حتى نزل الخريبة [1] فعباهم طلحه والزبير، وكتباهم كتائب، وعقدا الالويه، فجعلا على الخيل محمد بن طلحه، وعلى الرجاله عبد الله بن الزبير، ودفعا اللواء الأعظم الى عبد الله بن حرام بن خويلد، ودفعا لواء الأزد الى كعب بن سور، وولياه الميمنه، ووليا قريشا وكنانه عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد، ووليا امر
__________
[1] محله من محال البصره ينسب إليها كثيرون، وقد كانت مدينه للفرس خربت لتواتر الغارات عليها، ولما مصرت البصره ابتنيت الى جانبها.
الميسره عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو الذى قالت عائشة فيه: وددت لو قعدت في بيتى ولم اخرج في هذا الوجه لكان ذلك أحب الى من عشره اولاد، لو رزقتهن من رسول الله ص على فضل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعقله وزهده. ووليا على قيس مجاشع بن مسعود، وعلى تيم الرباب عمرو بن يثربى، وعلى قيس والانصار وثقيف عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى خزاعة عبد الله بن خلف الخزاعي، وعلى قضاعه عبد الرحمن بن جابر الراسبى، وعلى مذحج الربيع بن زياد الحارثى، وعلى ربيعه عبد الله بن مالك.
قالوا: واقام على رضى الله عنه ثلاثة ايام يبعث رسله الى اهل البصره، فيدعوهم الى الرجوع الى الطاعة والدخول في الجماعه، فلم يجد عند القوم اجابه، فزحف نحوهم يوم الخميس لعشر مضين من جمادى الآخرة، وعلى ميمنته الاشتر، وعلى ميسرته عمار بن ياسر، والراية العظمى في يد ابنه محمد بن الحنفيه، ثم سار نحو القوم حتى دنا بصفوفه من صفوفهم، فواقفهم من صلاه الغداة الى صلاه الظهر، يدعوهم ويناشدهم، واهل البصره وقوف تحت رايتهم، وعائشة في هودجها امام القوم.
قالوا: وان الزبير لما علم ان عمارا مع على رضى الله عنه ارتاب بما كان فيه، [لقول رسول الله ص: الحق مع عمار، وتقتلك الفئة الباغيه.
] قالوا: ثم ان عليا دنا من صفوف اهل البصره، وارسل الى الزبير يسأله، ليدنو، فيكلمه بما يريد، واقبل الزبير حتى دنا من على رضى الله عنه، فوقفا جميعا بين الصفين حتى اختلفت اعناق فرسيهما، فقال له على: ناشدتك الله يا أبا عبد الله، هل تذكر يوما مررنا انا وأنت برسول الله ص ويدي في يدك، [فقال لك رسول الله ص: اتحبه؟، قلت: نعم، يا رسول الله، فقال لك: اما انك تقاتله، وأنت له ظالم.] ..؟، فقال الزبير: نعم، انا ذاكر له.
ثم انصرف على الى قومه، وقال لأصحابه: احملوا على القوم، فقد أعذرنا اليهم، فحمل بعضهم على بعض، فاقتتلوا. بالقنا والسيوف. واقبل الزبير حتى دنا من ابنه عبد الله وبيده الراية العظمى، فقال: يا بنى، انا منصرف، قال: وكيف يا أبت؟، قال: ما لي في هذا الأمر من بصيره، وقد اذكرني على امرا، قد كنت غفلت عنه، فانصرف يا بنى معى، فقال عبد الله: والله لا ارجع او يحكم الله بيننا. فتركه الزبير، ومضى نحو البصره ليتحمل منها، ويمضى نحو الحجاز. ويقال: ان طلحه لما علم بانصراف الزبير هم ان ينصرف، فعلم مروان بن الحكم ما يريده، فرماه بسهم، فوقع في ركبته، فنزف حتى مات.
واقبل الزبير حتى دخل البصره، وامر غلمانه ان يتحملوا، فيلحقوا به، وخرج من ناحيه الخريبة، فمر بالأحنف بن قيس، وهو جالس بفناء داره، وحوله قومه، وقد كانوا اعتزلوا الحرب، فقال الأحنف: هذا الزبير، ولقد انصرف لامر، فهل فيكم من يأتينا بخبره؟، فقال له عمرو بن جرموز: انا آتيك بخبره. فركب فرسه، وتقلد سيفه، ومضى في اثره، وذلك قبل صلاه الظهر، فلحقه، وقد خرج من دور البصره، فقال له: أبا عبد الله ما الذى تركت عليه القوم؟، قال الزبير: تركتهم، وبعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف، قال: فأين تريد؟، قال: انصرف لحال بالي، فما لي في هذا الأمر من بصيره. قال عمرو بن جرموز: وانا أيضا اريد الخريبة، فسر بنا. فسارا حتى دنا وقت الصلاة، فقال الزبير: ان هذا وقت الصلاة، وانا اريد ان أقضيها، قال عمرو: وانا اريد ان أقضيها، قال الزبير: أنت منى في الامان، فهل انا منك كذلك، قال: نعم. فنزلا جميعا، وقام الزبير في الصلاة، فلما سجد حمل عليه عمرو بالسيف، فضربه حتى قتله، وأخذ درعه وسيفه وفرسه، واقبل حتى اتى عليا، وهو واقف، والناس
يجتلدون بالسيوف، فالقى السلاح بين يديه، فلما نظر على رضى الله عنه الى السيف، [قال: ان هذا السيف طالما فرج به صاحبه الكرب عن وجه رسول الله ص، ابشر يا قاتل ابن صفيه بالنار،] فقال عمرو: نقتل أعداءكم، وتبشروننا بالنار؟!.
قالوا: ثم ان عليا امر ابنه محمد بن الحنفيه، فقال: تقدم برايتك. وكان معه الراية العظمى، فتقدم بها وقد لاث [1] اهل البصره بعبد الله بن الزبير، وقلدوه الأمر، فتقدم محمد بالراية، فاستقبله اهل البصره بالقنا والسيوف، فوقف بالراية، فتناولها منه على رضى الله عنه، وحمل وحمل معه الناس، ثم ناولها ابنه محمدا، واشتد القتال وحميت الحرب، وانكشف الناس عن الجمل، وقتل كعب بن سور، وثبتت الأزد وضبة، فقاتلوا قتالا شديدا.
فلما راى على شده صبر اهل البصره جمع اليه حماه اصحابه، فقال: ان هؤلاء القوم قد محكوا [2] ، فاصدقوهم القتال، فخرج الاشتر وعدى بن حاتم وعمرو بن الحمق وعمار بن ياسر في عددهم من اصحابهم، فقال عمرو بن يثربى لقومه، وكانوا في ميمنه اهل البصره ان هؤلاء القوم الذين قد برزوا إليكم من اهل العراق هم قتله عثمان، فعليكم بهم، وتقدم امام قومه بنى ضبة، فقاتل قتالا شديدا، وكثرت النبل في الهودج، حتى صار كالقنفذ، وكان الجمل مجففا [3] ، والهودج مطبق بصفائح الحديد.
وصبر الفريقان بعضهم لبعض حتى كثرت القتلى وثار القتام، وطلت الالويه والرايات، وحمل على بنفسه، وقاتل حتى انثنى سيفه، وخرج فارس اهل البصره عمرو بن الأشرف، لا يخرج اليه احد من اصحاب على الا قتله، وهو يرتجز، ويقول:
__________
[1] اجتمعوا به، ولاث به يلوث كلاذ.
[2] المحك: التمادي في الغضب.
[3] اى عليه تجفاف، وهو ما يوضع على الخيل والإبل من حديد او غيره في الحرب
يا أمنا يا خير أم … والام تغذو ولدها وترحم
الا ترين كم جواد … وتختلى هامته والمعصم
فخرج اليه من اهل الكوفه الحارث بن زهير الأزدي، وكان من فرسان على، فاختلفا ضربتين، فاوهط [1] كل منهما صاحبه، فخرا جميعا صريعين، يفحصان [2] بأرجلهما حتى ماتا.
قالوا: وانكشف اهل البصره انكشافه، وانتهى الاشتر الى الجمل، وعبد الله بن الزبير آخذ بخطامه، فرمى الاشتر بنفسه على عبد الله بن الزبير، فصار تحته، فصاح عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكا، فثاب الى ابن الزبير اصحابه.
فلما خاف الاشتر على نفسه قام عن عبد الله بن الزبير، وقاتل حتى خلص الى اصحابه، وقد عار فرسه، فقال لهم: ما أنجاني الا قول ابن الزبير: اقتلوني ومالكا، فلم يدر القوم من مالك، ولو قال اقتلوني والاشتر لقتلوني.
وقاتل عدى بن حاتم حتى فقئت احدى عينيه، وقاتل عمرو بن الحمق، وكان من عباد اهل الكوفه، ومعه النساك قتالا شديدا، فضرب بسيفه حتى انثنى، ثم انصرف الى أخيه رياح، فقال له رياح: يا أخي، ما احسن ما نصنع اليوم، ان كانت الغلبه لنا.
قالوا: ولما راى على لوث اهل البصره بالجمل، وانهم كلما كشفوا عنه عادوا، فلاثوا به، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عباده والاشتر وابن بديل ومحمد بن ابى بكر وأشباههم من حماه اصحابه: ان هؤلاء لا يزالون يقاتلون ما دام هذا الجمل نصب اعينهم، ولو قد عقر فسقط لم تثبت له ثابته، فقصدوا بذوي الجد من اصحابه قصد الجمل حتى كشفوا اهل البصره عنه، وافضى
__________
[1] الايهاط: الإثخان ضربا، او الرمى المهلك.
[2] يتمرغان في التراب كما تفحص الدجاجة لتتخذ لها أفحوصة تبيض فيها.
اليه رجل من مراد الكوفه، يقال له اعين بن ضبيعه، فكشف عرقوبه بالسيف، فسقط وله رغاء، فغرق في القتلى، ومال الهودج بعائشة، فقال على لمحمد بن ابى بكر: تقدم الى أختك، فدنا محمد، فادخل يده في الهودج، فنالت يده ثياب عائشة، فقالت: انا لله، من أنت، ثكلتك أمك، فقال انا اخوك محمد.
ونادى على رضى الله عنه في اصحابه: [لا تتبعوا موليا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالا، ومن القى سلاحه فهو آمن، ومن اغلق بابه فهو آمن.
] قال: فجعلوا يمرون بالذهب والفضه في معسكرهم والمتاع، فلا يعرض له احد الا ما كان من السلاح الذى قاتلوا به، والدواب التي حاربوا عليها، فقال له بعض اصحابه: يا امير المؤمنين، كيف حل لنا قتالهم، ولم يحل لنا سبيهم وأموالهم [فقال على رضى الله عنه: ليس على الموحدين سبى، ولا يغنم من أموالهم الا ما قاتلوا به وعليه، فدعوا ما لا تعرفون، والزموا ما تؤمرون.
] قال: وامر على محمد بن ابى بكر ان ينزل عائشة فانزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي، وكان عبد الله فيمن قتل ذلك اليوم، فنزلت عند امراته صفيه.
وقال على رضى الله عنه لمحمد: انظر هل وصل الى أختك شيء؟ قال: أصاب ساعدها خدش سهم، دخل بين صفائح الحديد.
ودخل على رضى الله عنه البصره، فاتى مسجدها الأعظم، واجتمع الناس اليه، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ص، ثم قال: اما بعد، فان الله ذو رحمه واسعه وعقاب اليم، فما ظنكم بي يا اهل البصره جند المرأة واتباع البهيمة؟ رغا، فقاتلتم، وعقر، فانهزمتم، اخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، وماؤكم زعاق [1] ، أرضكم قريبه من الماء، بعيده من السماء،
__________
[1] ماء زعاق، مر غليظ لا يطاق شربه.
وايم الله ليأتين عليها زمان لا يرى منها الا شرفات مسجدها في البحر، مثل جؤجؤ [1] السفينة، انصرفوا الى منازلكم. ثم نزل، وانصرف الى معسكره، وقال لمحمد بن ابى بكر: سر مع أختك حتى توصلها الى المدينة، وعجل اللحوق بي بالكوفه، فقال: اعفنى من ذلك يا امير المؤمنين، فقال على: لا اعفيك منه، ومالك بد. فسار بها حتى أوردها المدينة.
وشخص على عن البصره، واستعمل عليها عبد الله بن عباس، فلما انتهى الى المربد [2] التفت الى البصره، [ثم قال: الحمد لله الذى أخرجني من شر البقاع ترابا، وأسرعها خرابا، وأقربها من الماء، وأبعدها من السماء.] ثم سار، فلما اشرف على الكوفه، [قال: ويحك يا كوفان، ما اطيب هواءك، واغذى تربتك، الخارج منك بذنب، والداخل إليك برحمه، لا تذهب الأيام والليالى، حتى يجيء إليك كل مؤمن، ويبغض المقام بك كل فاجر، وتعمرين، حتى ان الرجل من اهلك ليبكر الى الجمعه فلا يلحقها من بعد المسافه.
] قالوا: وكان مقدمه الكوفه يوم الاثنين لاثنتى عشره ليله خلت من رجب سنه ست وثلاثين، فقيل له: يا امير المؤمنين، اتنزل القصر؟، قال: لا حاجه لي في نزوله، لان عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يبغضه، ولكنى نازل الرحبه، ثم اقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبه، فقال الشنى يحرض عليا على المسير الى الشام:
قل لهذا الامام قد خبت الحرب … وتمت بذلك النعماء
وفرغنا من حرب من نكث العهد … وبالشام حيه صماء
تنفث السم، ما لمن نهشته … فارمها قبل ان تعض شفاء
قالوا: وان أول جمعه صلى بالكوفه خطب، فقال: الحمد لله احمده،
__________
[1] الجؤجؤ: الصدر.
[2] المربد: فضاء وراء البيوت يرتفق به، وبه سمى مربد البصره.
واستعينه واستهديه، وأومن به واتوكل عليه، واعوذ بالله من الضلالة والردى، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، انتخبه لرسالته، واختصه لتبليغ امره، اكرم خلقه عليه، واحبهم اليه، فبلغ رساله ربه، ونصح لامته، وادى الذى عليه ص، اوصيكم عباد الله بتقوى الله، فان تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، واقربه لرضوان الله، وافضله في عواقب الأمور عند الله، وبتقوى الله أمرتم، وللإحسان خلقتم، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه، فانه حذر بأسا شديدا، واخشوا الله خشيه ليست بتعذير، واعملوا من غير رياء ولا سمعه، فانه من عمل لغير الله وكله الله الى ما عمل، ومن عمل مخلصا له تولاه الله، واعطاه افضل نيته، وأشفقوا من عذاب الله، فانه لم يخلقكم عبثا، ولم يترك شيئا من امركم سدى، قد سمى آثاركم، وعلم اسراركم، واحصى اعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغرنكم الدنيا، فإنها غراره لأهلها، والمغرور من اغتر بها، والى فناء ما هي، وان الآخرة هي دار القرار، نسأل الله منازل الشهداء، ومرافقه الأنبياء، ومعيشة السعداء، فإنما نحن به وله.
ثم وجه عماله الى البلدان، فاستعمل على المدائن وجوخى [1] كلها يزيد بن قيس الارحبى، وعلى الجبل وأصبهان محمد بن سليم، وعلى البهقباذات قرط بن كعب، وعلى كسكر وحيزها قدامه بن عجلان الأزدي، وعلى بهرسير واستانها عدى ابن الحارث، وعلى استان العالي حسان بن عبد الله البكرى، وعلى استان الزوابي سعد [2] بن مسعود الثقفى، وعلى سجستان وحيزها ربعي بن كاس، وعلى خراسان كلها خليد بن كاس.
__________
[1] كوره واسعه في سواد بغداد.
[2] في الأصل: سعيد.
فاما خليد بن كاس فانه لما دنا من خراسان بلغه ان اهل نيسابور خلعوا يدا من طاعه، وانه قدمت عليهم بنت لكسرى من كابل، فمالوا معها، فقاتلهم خليد، فهزمهم، وأخذ ابنه كسرى بأمان، وبعث بها الى على. فلما ادخلت عليه، قال لها: اتحبين ان ازوجك من ابنى هذا؟ يعنى الحسن، قالت: لا اتزوج أحدا على راسه احد، فان أنت احببت رضيت بك، قال: انى شيخ، وابنى هذا من فضله كذا وكذا، قالت: قد اعطيتك الجمله. فقام رجل من عظماء دهاقين العراق، يسمى نرسى، فقال: يا امير المؤمنين، قد بلغك انى من سنخ [1] المملكة، وانا قرابتها، فزوجنيها فقال: هي املك بنفسها، ثم قال لها: انطلقي حيث شئت، وانكحى من احببت، لا باس عليك.
واستعمل على الموصل، ونصيبين، ودارا، وسنجار، وآمد، وميافارقين، وهيت، وعانات، وما غلب عليها من ارض الشام الاشتر، فسار إليها، فلقيه الضحاك بن قيس الفهري، وكان عليها من قبل معاويه بن ابى سفيان، فاقتتلوا بين حران [2] والرقة [3] بموضع يقال له المرج الى وقت المساء. وبلغ ذلك معاويه، فامد الضحاك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمه، وبلغ ذلك الاشتر، فانصرف الى الموصل، فأقام بها يقاتل من أتاه من اجناد معاويه، ثم كانت وقعه صفين.
__________
[1] السنخ: الأصل من كل شيء.
[2] حران: مدينه قديمه فيما بين النهرين، قاعده بلاد مضر، فتحها العرب على يد عياض بن غنم سنه 639 م، وقد اشتهرت بالفلاسفه والعلماء امثال ثابت بن قره والبتانى.
[3] الرقة: قاعده ديار مضر في الجزيرة على الفرات، وعندها قطع على بن ابى طالب نهر الفرات في وقعه صفين سنه 656 م، وفيها آثار قديمه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

2 thoughts on “موقعة الجمل

  1. Pingback: موقعة القادسية |

  2. Pingback: ظهور دعوه ابى مسلم |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *