ملك الفند ذي الاذعار

ملك الفند ذي الاذعار

فملكت اليمن ابنه الفند ذا الاذعار، وانما لقب ذا الاذعار لرعب الناس منه، فلم تكن له همه الا الطلب بثار ابيه.

هجره ربيعه الى اليمامه والبحرين
قال: وبقيت اليمامه والبحرين بعد قتل جديس ليس بها احد الى ان كثرت ربيعه، وانتشرت، وتفرقت في البلاد، فسارت عتره [2] اسد بن ربيعه، تتبع مواقع الغيث، وتقدمها عبد العزى بن عمرو العنزي حتى هجم على اليمامه، فراى بلادا واسعه، ونخلا وقصورا، وإذا هو بشيخ قاعد تحت نخله سحوق [3] ، يرتجز، ويقول:
تقاصرى، اجن جناك قاعدا … انى ارى حملك ينمى [4] صاعدا
[1] امراه من قبيله جديس كانت تبصر الشيء من مسيره ثلاثة ايام، وقد حذرت قومها من هجوم حمير فلم يصدقوها حتى صبحهم حسان فاجتاحهم وأخذ الزرقاء فشق عينيها
[2] العترة بالكسر: نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون.
[3] النخله الطويله الجرداء التي بعد ثمرها على المجتنى.
[4] ينمى: يرتفع.
فقال له عبد العزى: من أنت ايها الشيخ؟ قال: انا من هزان، الضراغمه الاقران، غزانا ذو جيشان، الملك القرم [1] اليمان، فاعمل فيها المران [2] .، فلم يبق بهذا المكان غيرى، وانى لفان. فقال عبد العزى: ومن هزان؟ قال: هزان بن طسم أخو النهى والحزم، وابن الشجاع القرم.
فأقام عبد العزى أياما، ثم تبرم بمكانه، فمضى سائرا حتى سقط الى البحرين، فراى بلادا اوسع من اليمامه، وبها من وقع إليها من ولد كهلان، حين هربوا من سيل العرم [3] .، فأقام معهم، وسارت بنو حنيفه على ذلك السمت، يتبعون مواقع الغيث، وتقدمهم عبيد بن يربوع، وكان سيد هم، فنزل قريبا منها، فمضى غلام له ذات يوم حتى هجم على اليمامه، فراى نخلا وريفا، وإذا هو بشيء من تمر قد تناثر تحت النخل، فأخذه، واتى به عبيدا، فأكل منه، فقال: وابيك ان هذا الطعام طيب. فارتفع حتى اتى اليمامه، فدفع فرسه، فخط على ثلاثين دارا وثلاثين حديقة، فسمى ذلك المكان حجرا، فهو اليوم قصبه اليمامه، وموضع ولاتها، وسوقها، وتسامعت بنو حنيفه بما أصاب عبيد بن يربوع، فاقبلوا حتى أتوا اليمامه، فقطنوها، فعقبهم بها الى اليوم. قال: وكان داود النبي ع في عصر ذي الاذعار، وكان ملك العجم كيخسرو بن سياوش.
داود الملك
وكان سلطان بنى إسرائيل قد وهى، فكان من حولهم من الأمم يغزونهم، فيقتلون، ويأسرون، فاتوا نبيهم شعيبا، فقالوا: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [4] فملك عليهم طالوت، وكان من سبط يوسف صلى الله عليه وسلم [5]
[1] السيد، والرئيس، فهو يشبه المقرم من الإبل في عظم شانه.
[2] الرماح الصلبه اللدنة
[3] العرم: السيل الذى لا يطاق، وكان قوم سبا في نعمه وجنان كثيره، فلم يشكروا نعمه الله، فبعث الله عليهم جرذا نقبت سدالهم، فيه أبواب، فانبثق الماء، فغرقت جنانهم
[4] الآية رقم 246 من سوره البقره.
[5] كذا في الأصل
وكان الملك في بيت يهوذا، وقد كان بقي في ذلك العصر من ولد عاد جالوت الجبار، فسار غازيا لبنى إسرائيل في جنوده، فجمع طالوت بنى إسرائيل، وخرج لمحاربته، فمروا بالنهر الذى نهاهم طالوت عن شربه، وشربوا منه الا ثلاثمائه رجل وسبعه عشر رجلا، عدد اهل بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان داود النبي حينئذ حدث السن، فلما تواقف الفريقان وضع داود ع حجرا في قذافه، ثم فتلها، ورماه، فصك بين عيني جالوت، فكانت نفسه فيه، وانهزم جنوده، وغنم بنو إسرائيل أموالهم، فاجتمع بنو إسرائيل عند ذلك على تمليك داود صلى الله عليه وسلم، وخلع طالوت برضى منه، وداود من سبط يهوذا بن يعقوب. قالوا: وكان ملك الروم في ذلك العصر دقينوس صاحب الفتيه اصحاب الكهف.
وذكر عن عبد الله بن الصامت، قال: وجهني ابو بكر الصديق رضى الله عنه [1] سنه استخلف الى ملك الروم، لادعوه الى الاسلام او آذنه بحرب، قال، فسرت حتى اتيت القسطنطينية، فاذن لنا عظيم الروم، فدخلنا عليه، فجلسنا، ولم نسلم، ثم سالنا عن أشياء من امر الاسلام، ثم صرفنا يومنا ذلك، ثم دعا بنا يوما آخر، ودعا خادما له، فكلمه بشيء، فانطلق، فأتاه بعتيده [2] ، فيها بيوت كثيره، وعلى كل بيت باب صغير، ففتح بابا، فاستخرج خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء، كهيئة رجل اجمل ما يكون من الناس وجها، مثل داره القمر ليله البدر، فقال: اتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا أبونا آدم ع، ثم رده. وفتح بابا آخر، فاستخرج خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء، كهيئة شيخ جميل الوجه، في وجهه تقطيب، كهيئة المحزون المهموم، فقال: اتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء [3] على صوره نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى جميع الأنبياء،
[1] رضى الله عنه: رضه.
[2] نموذج مهيا.
[3] خرم فى الأصل، مقداره ورقه.
فلما نظرنا اليه بكينا، فقال: ما لكم؟ فقلنا: هذه صوره نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ابدينكم، انها صورة نبيكم؟ قلنا: نعم، هي صوره نبينا، كانا نراه حيا، فطواها، وردها، وقال: اما انها آخر البيوت الا انى احببت ان اعلم ما عندكم، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه خرقه سوداء، فيها صوره بيضاء، اجمل ما يكون من الرجال، واشبههم بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: وهذا ابراهيم، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره رجل آدم [1] ، كهيئة المحزون المفكر، ثم قال: هذا موسى بن عمران، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره رجل، له ضفيرتان، كان وجهه داره القمر، ثم قال: وهذا داود، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره رجل جميل على فرس، له جناحان، ثم قال: وهذا سليمان [2] ، وهذه الريح تحمله، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صوره شاب جميل الوجه، في يده عكازه، وعليه مدرعه [3] صوف، ثم قال: وهذا عيسى، روح الله، وكلمته، ثم قال: ان هذه الصورة وقعت الى الاسكندر، فتوارثها الملوك من بعده حتى افضت الى.
قالوا: وان ذا الاذعار خرج في جنوده، يطلب بثار ابيه ذي جيشان الذى صار الى ارض فارس، فحارب كيخسرو، فقتل في المعركة، فمات ذو الاذعار في طريقه قبل ان يدرك ما اراد.
ملك بلقيس
فملكت اليمن عليهم الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن مالك بن الرائش، وكان الهدهاد يلقب بذى شرخ، فامر بجسم ذي الاذعار، فحمل، ورجع بقومه الى ارض اليمن، فامر به، فدفن بصنعاء [4] في مقبره الملوك. قالوا: وان الهدهاد
[1] اسمر، والأدمة، في الناس، السمره، وفي الظباء، لون مشرب بياضا، وفي الإبل، لون مشرب سوادا.
[2] سليمان: سليمن.
[3] جبه مشقوقه من المقدم، تلبس، ولا تكون الا من الصوف.
[4] العاصمه الحاليه لمملكه اليمن.
تزوج ابنه ملك الجن بأرض اليمن، فولدت له بلقيس، وهذا حديث منتشر، قد حملته الرواه.
قالوا: فلما اتى لها ثلاثون سنه حضر الهدهاد الموت، فجمع وجوه حمير، فقال: يا قوم، انى قد عجمت الناس، واختبرت اهل الرأي والعقل، فلم أر مثل بلقيس، وانى قد وليتها امركم، لتقيم لكم الملك الى ان يبلغ ابن أخي ياسر ينعم بن عمرو، فرضوا بذلك، فملكت بلقيس.
ملك سليمان
وفي أول ملكها توفى داود، ع، وورث سليمان ملكه، وذلك كله في عصر كيخسرو بن سياوش، فلما ملك سليمان سار من ارض الشام الى ارض العراق باهله وخزائنه، فلحق بخراسان، فنزل مدينه بلخ [1] ، وكان هو الذى بناها قبل ذلك، واقبل سليمان حتى نزل العراق، فبلغ كيخسرو نزول سليمان بأرض العراق، وما اعطى من عظيم السلطان، فدخله فزع، واسف خامره، فنهكه، فلم يلبث الا قليلا حتى مات.
وان سليمان سار من العراق الى مرو [2] ، ثم سار منها الى بلخ، ثم سار من بلخ الى بلاد الترك، فوغل فيها، وجاوزها الى بلاد الصين، ثم عطف متيامنا عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى اتى القندهار [3] ، ثم سار منها الى كسكر [4] ، ثم عاد الى الشام، فوافى تدمر، وكانت موطنه.
قالوا: ووجد في صخر بكسكر:
غدونا طلوع الشمس من ارض فارس … فها نحن قد قلنا ببلده كسكر
[1] مدينه مشهوره بخراسان، من اجل المدن بها، وأكثرها غله، وقد افتتحها الأحنف بن قيس في ايام عثمان بن عفان، وينسب إليها خلق كثير، منهم الحسن بن شجاع، المحدث المشهور
[2] مدينه بفارس.
[3] القندهار: بلد على بعد 300 ك. م. من كابل عاصمه افغانستان، ولها أهمية تجاريه كبيره لوقوعها بين الهند وايران.
[4] كسكر: كوره بين البصره والكوفه، عاصمتها واسط.
ونحن ولا حول سوى حول ربنا … نروح الى الأوطان من ارض تدمر [1]
وكان داود ع ابتدأ بناء مسجد بيت المقدس، فتوفى قبل استتمامه، فاستتمه سليمان، واتم بناء مدينه إيليا [2] ، وقد كان أبوه ابتدأها قبله، فبنى مسجدها بناء لم ير الناس مثله، وكان يضيء في ظلمه الليل الحندس اضاءه السراج الزاهر، لكثرة ما كان جعل فيه من الجواهر والذهب، وجعل اليوم الذى فرغ فيه منه عيدا في كل سنه، فلم يكن في الارض عيد ابهى ولا اعظم خطرا منه، ولا احسن منظرا، فلم يزل المسجد على ما بناه سليمان حتى غزا بخت نصر بيت المقدس، فأخربها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضه والجوهر، فنقله الى العراق.
قالوا: وكان سليمان مطعاما للطعام، فكان يذبح في مطابخه كل غداه سته آلاف ثور، وعشرون الف شاه. قالوا: ولما فرغ سليمان من بناء مسجد إيليا [3] تجهز سائرا الى تهامه [4] ، يريد بيت الله الحرام، فطاف به، وكساه، وذبح عنده، واقام سبعا، ثم سار الى صنعاء، وتفقد الطير، فلم ير الهدهد، فكان من حديثه وحديث صاحبه سبا وهي بلقيس ما قد قصه الله تبارك وتعالى في كتابه [5] ، الى ان تزوجها، وبنى بأرض اليمن ثلاثة حصون، لم ير الناس مثلها، وهي سلحين، وبينون، وغمدان، وانصرف سليمان الى الشام، فكان يزورها في كل شهر، فيقيم عندها ثلاثا.
وانه غزا بلاد المغرب: الاندلس، وطنجه، وفرنجه، وإفريقية، ونواحيها من ارض
[1] تدمر: مدينه بأرض الشام.
[2] اسم قديم لمدينه القدس.
[3] إلى هنا ينتهى الخرم في الأصل.
[4] تهامه: ارض بالجزيرة العربية ما بين ذات عرق الى مرحلتين من مكة، وذات عرق أول تهامه الى البحر وجده، وتذكر بعض الكتب العربية، انها مكة.
[5] سوره النمل، الآيات من رقم 20 الى رقم 44.
بنى كنعان بن حام بن نوح، وعليهم ملك جبار عات، عظيم الملك، فدعاه الى الايمان بالله، وخلع الأنداد، فتمرد عليه، فقتله، وأصاب ابنه له من اجمل الناس، فتسراها، ووقعت منه موقعا لطيفا.
وقفل الى الشام، فامر بمقصوره، فبنيت لها، وأفردها فيها مع ظئورتها [1] وخدمها، وكان سليمان لا يدخل عليها الا وجدها باكيه حزينه، فكدر ذلك عليه حبه لها، وعجبه بها، وهي المرأة التي نال سليمان في امرها ما ناله من سلب ملكه، وزوال سلطانه وبهائه، حين اتخذت تلك المرأة تمثال أبيها في داره، وعبدته سرا من سليمان، الا ان اتخاذها التمثال كان عن علم من سليمان، واذن لها، اراد بذلك ان تسكن إذا نظرت اليه، فتتسلى.
ويقال: ان سليمان بنى في أقاصي بلاد المغرب مدينه من نحاس في مفاوز الاندلس، وأودعها خزائن من خزائنه، وان عبد الملك بن مروان كتب الى عامله على بلاد المغرب، موسى بن نصير وكان من أبناء العجم، غير ان ولاءه كان لقيس يأمره بالمسير الى هذه المدينة ليعلم له علم خبرها، ويكتب اليه، وان موسى بن نصير سار إليها، وانصرف راجعا حتى سار الى القيروان، وكتب بالخبر الى عبد الملك، يصف له المدينة، وما لقى في سفره إليها، وما رآه عند مصيره نحوها.
ارخبعم بن سليمان
قالوا: ولما توفى سليمان قام بالأمر بعده ارخبعم بن سليمان، فتفرقت بنو إسرائيل، ووهى امره، فمكث بذلك الى ان سار بخت نصر وهو بوخت نرسى عند العجم الى بيت المقدس، فهدمه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

2 thoughts on “ملك الفند ذي الاذعار

  1. Pingback: كسرى انوشروان |

  2. Pingback: سيف بن ذي يزن |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *