ملك التبابعة

ملك التبابعة

ثم ملك بعده ابنه تبع بن ملكيكرب، وهو تبع الأخير، وكانت التبابعه ثلاثة، اولهم: شمر ابو كرب الذى غزا الصين، واخرب مدينه سمرقند، والثانى تبع اسعد الذى ذبح للبيت الحرام الذبائح، وعلق عليه باب ذهب، والثالث تبع بن ملكيكرب، ولم يسم غير هؤلاء الثلاثة من ملوك اليمن تبعا، وكان تبع هذا الأخير في عصر سابور بن أردشير، وفي عصر هرمز بن سابور، وكان تبع بن ملكيكرب كبير الشان عظيم السلطان، وهو الذى غزا بلاد الهند، فقتل ملكها، وهو من اولاد فؤر الملك الذى قتله الاسكندر، ثم انصرف الى اليمن، ومات في ملك بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير.
ثم ملك من بعد تبع ابنه حسان بن تبع بن ملكيكرب، وهو الذى غزا ارض فارس فيما يزعمون، وهو الذى ضجرت الحميرية لكثرة غزوه بها، وقله مقامه بأرض اليمن، فزينوا لأخيه عمرو بن تبع قتله ليملكوه عليهم، فطابقوه جميعا على ذلك الا ذارعين فانه ابى ذلك، ولم يدخل فيه مع القوم، فعدا عمرو على أخيه، فقتله، وملك من بعده، وانصرف بقومه الى اليمن، فسلط الله عليهم السهر.
سابور
فلما ملك سابور بن أردشير غزا ارض الروم، فافتتح مدينه قالوقيه، ومدينه قبدوقيه، واثخن في الروم، ثم انصرف الى العراق، وسار الى ارض الاهواز ليرتاد مكانا يبنى فيه مدينه، يسكنها السبى الذى قدم بهم من ارض الروم، فبنى مدينه جنديسابور، واسمها بالخوزيه نيلاط، وأهلها يسمونها نيلاب، فكان سابور قد اسر اليريانوس خليفه صاحب الروم، فأمره ببناء قنطره على نهر تستر على ان يخليه، فوجه اليه ملك الروم ناسا من ارض الروم والأموال، فبناها، فلما فرغ منها اعتقه.
مانى
وفي زمان سابور ظهر مانى الزنديق [1] ، واغوى الناس، ومات سابور قبل ان يظفر به، وملك سابور احدى وثلاثين سنه.
هرمز
وافضى الملك بعده الى ابنه هرمز بن سابور، فاخذ مانى، فامر به، فسلخ جلده، وحشاه بالتبن، وعلقه على باب مدينه جنديسابور، فهو الى اليوم يدعى باب مانى، وتتبع اصحابه ومن استجاب له، فقتلهم جميعا، فملك ثلاثين سنه.
اولاد هرمز
واسند الملك الى ابنه بهرام بن هرمز، فملك سبع عشره سنه، ثم ملك ابنه بهرام بن بهرام، ثم ملك ابنه نرسى بن بهرام بن بهرام، فملك سبع سنين، ومات. فملك ابنه هرمزدان بن نرسى، فملك سبع سنين، ومات، ولم يكن له ولد يرثه الملك، غير ان امراته كانت حاملا لاشهر، فامر بالتاج، فوضع على بطنها، وتقدم الى عظماء اهل فارس الا يملكوا عليهم أحدا حتى ينظروا ما يولد له، فان كان ذكرا سموه سابور، وأقروه على الملك، ووكلوا به من يحضنه، ويقوم بأمر الملك الى إدراكه، وان كان أنثى اختاروا رجلا لأنفسهم من اهل بيته، فملكوه عليهم، فولدت المرأة ذكرا، وسموه سابور، وهو المنبوز [2] بذى الاكتاف.
__________
[1] ولد حوالى سنه 240 م، وادعى انه النبي الموعود الذى جاء اسمه في ياراقليت، ودعا الناس الى مذهب جديد بين المسيحيه والزردشت، وقد قتل بأمر الملك بهرام سنه 274 م، ويطلق عليه بعض المؤرخين اسم مانى النقاش، وقد زعم مانى ان العالم مصنوع من اصلين: أحدهما نور، والآخر ظلمه، وهما أزليان.
[2] النبز بالتحريك: اللقب.
سابور ذو الاكتاف
فشاع لما مات هرمزدان في اطراف الارضين انه ليس لارض فارس ملك، وانهم يلوذون بصبى في مهد، فطمعوا في مملكه فارس، فورد جمع عظيم من الاعراب من ناحيه البحرين وكاظمه [1] الى ابرشهر وسواحل أردشير خره، فشنوا بها الغارة، واتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جموع عظيمه حتى اغار على السواد، فمكثت مملكه فارس حينا لا يمتنعون من عدو لوهى امر الملك.
فلما ترعرع الغلام كان أول ما ظهر من حزمه انه استيقظ ليله وهو نائم في قصره بمدينه طيسفون بضوضاء الناس لازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين، فقال: ما هذه الضوضاء؟، فاخبر، فقال: ليعقد لهم جسر آخر، يكون أحدهما لمن يقبل، والآخر لمن يدبر، ففعلوا، وتباشروا بما ظهر من فطنته مع طفوليته.
فلما أتت له خمس عشره سنه تجرد لضبط الملك، ونفى العدو عنه، فتأهب، وسار الى ابرشهر، فطرد من كان صار إليها من الاعراب، وقتلهم اخبث قتله.
وكذلك فعل بالجزيرة، فصار الى الضيزن الغساني، فحاصره في مدينته التي على شاطئ الفرات مما يلى الرقة [2] ، فزعموا ان ابنه الضيزن، واسمها مليكه، وزعموا ان أمها عمه سابور دختنوس ابنه نرسى، وان الضيزن كان سباها لما اغار على مدينه طيسفون، فاشرفت مليكه على عسكر سابور، وهو محاصر لأبيها، فرات سابور، فعشقته، فراسلته، على ان تدله على عوره أبيها، على ان يتزوجها، فوعدها سابور ذلك، ففعلت.
__________
[1] موضع على البحر بينه وبين البصره مرحلتان.
[2] اسم بلد، ومعناه كل ارض الى جنب واد ينبسط فيها الماء ايام المد، ثم ينحسر عنها فتعد للنبات.
فاسكرت بالحص [1] حرس احد الأبواب حتى ناموا، وامرت بفتح الباب، فدخل سابور وجنوده، فاخذ الضيزن، فقتله، وخلع اكتاف اصحابه، وخلاهم، وكذا كان يفعل بمن اسر من الأعداء، فبذلك سمى ذا الاكتاف.
ووفى لابنته بما وعدها، ثم قتلها بعد: ربطها بين فرسين، واجراهما، فقطعاها، وقال لها: أنت إذا لم تصلحى لأبيك لا تصلحين لي.
وامر سابور فبنيت له مدينه الأنبار [2] ، وسماها فيروز سابور، وكورها كوره، وبنى بالسوس [3] مدينه، وهي التي الى جانب الحصن، الذى يسمى سادانيال الذى كان فيه جسد دانيال ع.
الروم وسابور
قالوا: وكان ملك الروم في ذلك العصر مانوس وكان يدين فيما ذكروا قبل ان يملك دين النصرانية، فلما ملك اظهر مله الروم الاولى، وأحياها، وامر بتحريق الانجيل، وهدم البيع، وقتل الأساقفة، فلما قتل سابور الضيزن الغساني غضب لذلك، فجمع من كان بالشام من غسان، واقبل فيهم، ومعه جيوش الروم، حتى ورد العراق.
ووجه سابور عيونا ليأتوه بخبرهم، فانصرف اليه عيونه، وقد اختلفوا عليه، فخرج ليلا في ثلاثين فرسا، ليشرف على عسكر الروم، وقدم امامه عشره منهم، فاخذتهم الروم، فاتوا بهم اليوبيانوس خليفه الملك وابن عمه، فسألهم عن امرهم، وتوعدهم القتل، فقام اليه رجل منهم مسرا عن اصحابه، فقال له: ان سابور منك بالقرب، فضم الى خيلا حتى آتيك به أسيرا.
__________
[1] يقال إنه الزعفران.
[2] مدينه قرب بلخ، وهي قصبه ناحيه جوزجان.
[3] مدينه في ايران، وقد فتحها العرب سنه 638 م، وظلت مزدهره على ايامهم، ثم خربت في القرون الوسطى.
وكانت بين اليوبيانوس وسابور موده وخله، فأرسل الى سابور ينذره، فانصرف راجعا، وسار الملك الرومي الى باب مدينه طيسفون، وخرج اليه سابور في جنوده، فهزمه الرومي حتى بلغوا قنطره جازر، واحتوى الرومي على مدينه طيسفون، ولم يقدروا على القصر لحصانته، ومن فيه من الحماه عنه، وثاب الناس الى سابور، فزحف الى جمع الروم، فنحاهم عن المدينة، وعسكر ببابها، وراسل ملك الروم، فبينما هم في ذلك إذ اتى ملك الروم سهم عائر، وهو في مضربه، وحوله بطارقته، فأصاب مقتله، فسقط في أيدي الروم لمكانهم الذى هم به، واشراف عدوهم عليهم، فطلبوا الى اليوبيانوس ان يتملك عليهم، فأبى، وقال: لست اتملك على قوم مخالفين لي في ديني، لانى على دين النصرانية، وأنتم على دين الروم الاول، فقال له البطارقه والعظماء: فانا نحن جميعا على مثل ما أنتم عليه، غير انا كنا نكاتم بذلك خوفا من الملك، فتملك عليهم اليوبيانوس، ولبس التاج.
وبلغ سابور امرهم، فأرسل اليهم: اصبحتم اليوم في قبضتي وقدرتي، ولأقتلنكم بمكانكم هذا جوعا وهزلا، فاجمع اليوبيانوس على اتيان سابور، لما كان بينهم من المودة، فأبى عليه البطارقه والرؤساء، فخالفهم، وأتاه، فعرف له سابور يده عنده في إنذاره اياه تلك الليلة وجعل له اليوبيانوس نصيبين [1] ، وحيزها عوضا مما افسدت الروم من مملكته، وكتب له بذلك.
وبلغ اهل نصيبين ذلك، فانتقلوا عنها ضنا بالنصرانية، وكراهية لتمليك الفرس عليهم، فنقل سابور إليها اثنى عشر الف اهل بيت من اصطخر، فأسكنهم فيها، فعقبهم بها الى اليوم، وانصرفت الروم الى أرضها، فلما تم لسابور اثنتان وسبعون سنه حضره الموت، فجعل الأمر من بعده لابنه سابور بن سابور.
فلما تم لملكه خمس سنين خرج يوما متصيدا، فنزل بمكان، وضربت
قبته، فجلس فيها، فاقبل قوم من الفتاك ليلا، فقطعوا اطناب [1] القبه، فسقطت عليه، فمات.
بهرام بن سابور
فملك بعده ابنه بهرام بن سابور، وكان على كرمان [2] ، فلما قتل أبوه قدم، فقام بالملك، فلما تم لملكه ثلاث عشره سنه خرج يوما متصيدا، فرمى بنشابه [3] ، فاصابته، فلما احس بالموت اوصى الى ابن أخيه يزدجرد بن سابور ابن سابور، وكان اصغر سنا منه.
يزدجرد بن سابور
فقام بالملك بعده، وهو يزدجرد الذى يلقب بالاثيم، وكان غلقا سيئ الخلق، لا يكافئ على حسن بلاء، وكان منانا، لا يتجاوز عن زله وان صغرت، ويعاقب على الصغيره كما يعاقب على الكبيره، وما كان احد يقدر على كلامه لفظاظته وغلظته، الا ان وزراءه كانوا أخيارا مترفقين متعاونين.
فولد له بهرام الذى يقال له بهرام جور، فدفعه الى المنذر ابى النعمان ليحضنه، فسار المنذر ببهرام الى الحيرة [4] وكانت داره واختار له المنذر المراضع، واحسن حضانته، فلما بلغ التأديب بعث اليه أبوه بمؤدبين من الفرس، واحضره المنذر مؤدبين من العرب، فاحكم الادبين، وكمل فيهما، ونشا نشا محمودا، وبرع في الأدب والفروسية، وخرج عاقلا لبيبا جميلا بهيا،
__________
[1] اطناب جمع طنب بضمتين، وهو حبل طويل يشد به السرادق والقباب.
[2] إقليم بين فارس وسجستان.
[3] النشاب هو النبل.
[4] الحيرة: مدينه كبيره بعراق العرب على الضفة اليمنى لنهر الفرات، يقال ان الذى بناها هو بخت نصر، وجددت في عهد الاسكندر، وقد ظلت الحيرة عاصمه لدولة عربية قبل الفتح الإسلامي، وفي عهد الامام على بن ابى طالب بنى بجوارها مدينه الكوفه واتخذت مقرا للخلافة الإسلامية، وبقيت الحيرة خرابا الى ان عثر فيها على قبر على المرتضى، فعادت إليها حياتها قريه صغيره، وتعرف الحيرة اليوم باسمى نجف، ومشهد، وتقع على بعد 77 ك. م جنوب شرقى كربلاء.
ومكنه المنذر من اللهو والقيان، فكان يركب النجائب، وتركب وراءه الصناجات [1] يلهينه ويطربنه، وتجرد لطرد الوحش على تلك الحال، فضرب به المثل، فتوه ورخاء بال.
مقتل عمرو بن تبع
قالوا: ولما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع واشراف قومه تضعضع امر الحميرية، فوثب رجل منهم لم يكن من اهل بيت الملك يقال له صهبان ابن ذي خرب على عمرو بن تبع، فقتله، واستولى على الملك.
صهبان والعدنانيون بتهامه
قال: وهو الذى سار الى تهامه لمحاربه ولد معد بن عدنان، وكان سبب ذلك ان معدا لما انتشرت تباغت وتظالمت، فبعثوا الى صهبان يسالونه ان يملك عليهم رجلا يأخذ لضعيفهم من قويهم، مخافه التعدى في الحروب، فوجه اليهم الحارث بن عمرو الكندى، واختاره لهم، لان معدا أخواله، أمه امراه من بنى عامر بن صعصعة، فسار الحارث اليهم باهله وولده، فلما استقر فيهم ولى ابنه حجر بن عمرو، وهو ابو إمرئ القيس الشاعر، على اسد وكنانه، وولى ابنه شرحبيل على قيس وتميم، وولى ابنه معدى كرب، وهو جد الاشعث بن قيس، على ربيعه.
فمكثوا كذلك الى ان مات الحارث بن عمرو، فاقر صهبان كل واحد منهم في ملكه، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم ان بنى اسد وثبوا على ملكهم حجر ابن عمرو، فقتلوه، فلما بلغ ذلك صهبان وجه الى مضر عمرو بن نابل اللخمى والى ربيعه لبيد بن النعمان الغساني، وبعث برجل من حمير يسمى اوفى بن عنق الحيه، وامره ان يقتل بنى اسد ابرح القتل، فلما بلغ ذلك أسدا وكنانه
__________
[1] جمع صناجه: وهن المغنيات ضاربات الدفوف.
استعدوا، فلما بلغه ذلك انصرف نحو صهبان، واجتمعت قيس وتميم، فاخرجوا ملكهم عمرو بن نابل عنهم، فلحق بصهبان، وبقي معدى كرب جد الاشعث، ملكا على ربيعه، فلما بلغ صهبان ما فعلت مضر بعماله آلى ليغزون مضر بنفسه.
وبلغ ذلك مضر، فاجتمع اشرافها، فتشاوروا في امرهم، فعلموا ان لا طاقه لهم بالملك الا بمطابقه ربيعه إياهم، فاوفدوا وفودهم الى ربيعه، منهم عوف بن منقذ التميمى، وسويد بن عمرو الأسدي جد عبيد بن الأبرص، والأحوص بن جعفر العامري، وعدس بن زيد الحنظلى، فساروا حتى قدموا على ربيعه، وسيد هم يومئذ كليب بن ربيعه التغلبى، وهو كليب وائل، فاجابتهم ربيعه الى نصرهم، وولوا الأمر كليبا، فدخل على ملكهم لبيد بن النعمان، فقتله، ثم اجتمعوا، وساروا فلقيهم الملك بالسلان، فاقتتلوا، ففلت جموع اليمن، وفي ذلك يقول الفرزدق لجرير:
لولا فوارس تغلب ابنه وائل … نزل العدو عليك كل مكان
وانصرف الملك الى ارضه مفلولا، فمكث حولا، ثم تجهز لمعاوده الحرب، وسار، فاجتمعت معد، وعليها كليب فتوافوا بخزازى [1] ، فوجه كليب السفاح بن عمرو امامه، وامره إذا التقى بالقوم، ان يوقدوا نارا، علامه جعلها بينه وبينه، فسار السفاح ليلا حتى وافى معسكر الملك بخزازى، فاوقد النار، فاقبل كليب في الجموع نحو النار، فوافاهم صباحا، فاقتتلوا، فقتل الملك صهبان، وانفضت جموعه، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم:
ونحن غداه اوقد في خزازى … رفدنا فوق رفد الرافدينا
فلما قتل صهبان زاد حمير قتله اتضاعا ووهنا.
__________
[1] جبل، كانوا يوقدون عليه غداه الغارات.
ملك ربيعه بن نصر اللخمى اليمن
فجمع ربيعه بن نصر اللخمى جد النعمان بن المنذر قومه ومن أطاعه من ولد كهلان بن سبا، فاغتصب حمير الملك، فاجتمعت له ارض اليمن، فملكها زمانا، وهو ربيعه بن نصر بن الحارث بن عمرو بن لخم بن عدى بن مره بن زيد ابن كهلان بن سبا بن يعرب بن قحطان. فلما استجمع لربيعه بن نصر امر اليمن راى في منامه رؤيا هالته، ووجل منها، فبعث الى شق وسطيح الكاهنين، فأخبرهما بما راى، فأخبراه في تأويلها بما يكون من غلبه السودان على ارض اليمن، وبغلبه فارس بعدهم، ثم بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع ذلك اوجس في نفسه خيفة، فأحب ان يخرج ولده وخاصه اهله من ارض اليمن
مسير عمرو اللخمى الى الحيرة
فوجه ابنه عمرا الى يزدجرد بن سابور، ويقال بل كان ذلك في عصر سابور ذي الاكتاف، فانزله الحيرة، فيومئذ بنيت الحيرة، فضم عمرو اليه اخوته واهل بيته، فمن هناك وقع آل لخم الى الحيرة، واتصلوا بالاكاسره، فجعلوا لهم على العرب سلطانا.
جذيمة والحيرة
فلما مات خلفه من بعده ابنه جذيمة بن عمرو، فزوج جذيمة اخته من ابن عمه عدى بن ربيعه بن نصر، فولدت له عمرو بن عدى الذى استطار به الجن، وله حديث، فلم يزل جذيمة ملكا بالخورنق [1] زمانا حتى دعته نفسه الى تزويج مارية ابنه الزباء الغسانية، وكانت ملكه الجزيرة، ملكت بعد عمها الضيزن
__________
[1] الخورنق بلد في بلخ، واما الخورنق قصر النعمان الاكبر فهو معرب اللفظ الفارسي خورنكاه اى موضع الاكل.
الذى قتله سابور، وكان له ولها حديث مشهور [1] ، فقتلت جذيمة، ثم قتلها قصير مولاه.
عمرو بن عدى
فلما هلك خلفه ابن اخته وابن ابن عمه عمرو بن عدى وهو جد النعمان بن المنذر ابن عمرو بن عدى بن ربيعه، قالوا: وكان ذلك في عصر يزدجرد بن سابور ابن بهرام جور.
قالوا: وفي ذلك العصر توفى عبد مناف بن قصى، وخلفه في سؤدده ابنه هاشم ابن عبد مناف. قالوا: وهلك يزدجرد الأثيم، وقد ملك احدى وعشرين سنه ونصفا، وبهرام جور ابنه غائب بالحيرة عند المنذر بالخورنق، فتعاهدت عظماء فارس الا يملكوا أحدا من ولد يزدجرد لما نالهم من سوء سيرته، منهم بسطام اصبهبذ السواد، الذى تدعى مرتبته [2] هزرافت، ويزدجشنس فاذوسفان الزوابي، وفيرك الذى تدعى مرتبته مهران، وجودرز كاتب الجند، وجشنساذربيش كاتب الخراج، وفناخسرو صاحب صدقات المملكة، وغير هؤلاء من اهل الشرف والبيت، فاجتمعوا، واختاروا رجلا من عتره [3] أردشير بن بابكان، يقال له خسرو، فملكوه عليهم، وبلغ ذلك بهرام جور، وهو عند المنذر، فامر منذر بهرام بالخروج، والطلب بتراث ابيه، ووجه معه ابنه النعمان، فسار بهرام حتى قدم مدينه طيسفون، فنزل قريبا منها في الابنيه
__________
[1] ملخص الحديث ان الزباء كانت قد دعت جذيمة الى ان يفد إليها ويتزوج بها، ويضم ملكها الى ملكه، فاستشار قومه فشجعوه على المسير إليها الا قصير بن سعد اللخمى، فقد نصحه بان لا يذهب لان جذيمة كان قد وتر الزباء بقتل أبيها، وادرك قصير ان هذه الدعوة تخفى وراءها سرا، ولكن جذيمة عزم على المسير مخالفا راى قصير، ولما ذهب إليها قتلته، فقال قصير، لا يطاع لقصير امر، وقد صار قوله مثلا يضربه من لا يطاع امره.
[2] في الأصل مدينه.
[3] عتره الرجل بكسر العين وسكون التاء: رهطه وعشيرته الأدنون.
والفساطيط والقباب، فلم يزل النعمان يسفر بينه وبين عظماء فارس واشرافهم الى ان أنابوا وتابوا الى بهرام.
ملك بهرام جور
وبسط بهرام من آمالهم، وشرط لهم المعدلة وحسن السير، فخلوا بينه وبين الملك، وسمعوا وأطاعوا، وحبا [1] بهرام المنذر والنعمان، وأكرمهما، وكافاه بيده عنده في تربيته ومعاضدته، ففوض اليه جميع ارض العرب، وصرفه الى مستقره من الحيرة.
ولما استتب لبهرام الملك آثر اللهو على ما سواه، حتى عتب عليه رعيته، وطمع فيه من كان حوله من الملوك، فكان أول من شخص صاحب الترك، فانه نهض في جموعه من الاتراك حتى اوغل في خراسان، فشن فيها الغارات، وانتهى النبا الى بهرام، فترك ما كان فيه من الاستهتار باللهو، وقصد عدوه، فأظهر انه يريد اذربيجان ليتصيد هناك، ويلهو في مسيره إليها، فانتخب من ابطال رجاله سبعه آلاف رجل، فحملهم على الإبل، وجنبوا الخيل، واستخلف على ملكه أخاه نرسى، ثم سار نحو اذربيجان، وامر كل رجل من اصحابه الذين انتخبهم ان يكون معه باز وكلب، فلم يشك الناس ان مسيره ذلك هزيمه من عدوه، واسلام لملكه، فاجتمع العظماء والاشراف، فتامروا بينهم، فاتفق رأيهم على توجيه وفد منهم الى خاقان [2] صاحب الترك باموال، يبعثون بها اليه ليصدوه عن استباحه البلاد.
وبلغ خاقان ان بهرام مضى هاربا، وان اهل المملكة مجمعون على الخضوع له، فاغتر، وامن هو وجنوده، واقام بمكانه ينتظر الوفود والأموال.
__________
[1] اعطاه بلا جزاء ولا من.
[2] خاقان: اسم لكل ملك من ملوك الترك، وخقنوه على انفسهم: راسوه.
قالوا: وان بهرام امر بذبح سبعه آلاف ثور وحمل جلودها، وساق معه سبعه آلاف مهر حولي، وجعل يسير الليل ويكمن النهار، وأخذ على طبرستان، ثم تبطن ضفة البحر حتى خرج الى جرجان، ثم صار الى نسا ثم الى مرو. وكان خاقان معسكرا بها بكشميهن [1] حتى إذا صار بهرام من مرو على منقله [2] ، وخاقان لا يعلم شيئا من علمه امر بتلك الجلود، فنفخت، والقى فيها الحصى، وجففت، ثم علقها في اعناق تلك المهارة، حتى دنا من عسكر خاقان، وكانوا نزولا على طرف المفازة، على سته فراسخ من مدينه مرو، فخلوا عن تلك المهارة ليلا، وطردوها من ورائها، فارتفع لتلك الجلود، والحجاره التي فيها، وعدو المهارة بها، وضربها إياها بأيديها أصوات هائله أشد من هده الجبال والصواعق.
وسمعت الترك تلك الأصوات، فلما سمعوها راعتهم، ولا يدرون ما هي، وجعلت تزداد منهم قربا، فاجلوا عن معسكرهم، وخرجوا هربا، وبهرام في الطلب، فتقطرت [3] دابه خاقان بخاقان، وادركه بهرام، فقتله بيده، وغنم عسكره، وكل ما كان فيه من الأموال، وأخذ خاتون امراه خاقان.
ومضى بهرام على آثار الترك ليلته ويومه كله، يقتل وياسر، حتى انتهى الى آمويه، ثم عبر نهر بلخ، يتبع آثارهم، حتى إذا صار الى القرب فاذعن له الترك، وسألوه ان يعلم حدا بينه وبينهم، لا يجاوزونه، فحد لهم مكانا واغلا في ارضهم، وامر بمناره، فبنيت هناك، وجعلها حدا، ثم انصرف الى دار الملك، ووضع عن الناس خراج تلك السنه، وقسم في اهل الضعف والمسكنه شطر ما غنم، وقسم الشطر الآخر بين جنده الذين كانوا معه، فعم السرور اهل مملكته، فلهوا جذلا وابتهاجا، فبلغ اجر اللعاب [4] في اليوم عشرين درهما، وصار اكليل الريحان بدرهم.
__________
[1] قريه بمرو
[2] المنقلة مرحلة السفر زنه ومعنى.
[3] تقطرت الدابة عثرت براكبها فألقته على قطره.
[4] فرس اللعب.
فلما اتى له في الملك ثلاث وعشرون سنه خرج متصيدا، فوقعت له عانه [1] من الوحش، فدفع فرسه في طلبها، فذهبت به فرسه في جرف مفض الى غمر من الماء، فارتطم فيه، فغرق.
وبلغ ذلك أمه، فجاءت الى ذلك المكان، وامرت بطلبه في ذلك الهور [2] فاستخرجوا تلالا من الحصى والرمل، فلم يدركوه، ويقال ان ذلك المكان بموضع من الماء يسمى داى مرج، سمى بامه، لان الام بلسان الفرس تسمى داى، وهو مرج معروف، وهذا الحديث مشهور في الموضع، هو كما وصفوا في الحديث هناك، كواء تنفتح في الارض الى ماء لا يدرك له غور، وذلك بقرب آجام وماء راكد.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *