مقتل على بن ابى طالب

مقتل على بن ابى طالب

قالوا: واجتمع في العام [2] قتل فيه على رضي الله عنه بالموسم عبد الرحمن ابن ملجم المرادى، والنزال بن عامر، وعبد الله بن مالك الصيداوى، وذلك بعد وقعه النهر باشهر، فتذكروا ما فيه الناس من تلك الحروب، فقال بعضهم لبعض: ما الراحة الا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة: على بن ابى طالب، ومعاويه ابن ابى سفيان، وعمرو بن العاص.
فقال ابن ملجم: على قتل على.
وقال النزال: وعلى قتل معاويه.
وقال عبد الله: وعلى قتل عمرو.
فاتعدوا لليلة واحده، يقتلونهم فيها.
واقبل عبد الرحمن حتى قدم الكوفه، فخطب الى قطام ابنتها الرباب، وكانت قطام ترى راى الخوارج، وقد كان على قتل أباها وأخاها وعمها يوم النهر، فقالت لابن ملجم:
لا ازوجك الا على ثلاثة آلاف درهم، وعبد، وقينة، وقتل على ابن ابى طالب.
فأعطاها ذلك وأملكها.
__________
[4] كلمه فارسيه معربه جمع رستاق وهو السواد من الارض.
[2] سنه 40 هـ 660 م
وكان ابن ملجم يجلس في مجلس تيم الرباب من صلاه الغداة الى ارتفاع النهار، والقوم يفيضون في الكلام، وهو ساكت، لا يتكلم بكلمة، للذي اجمع عليه من قتل على.
فخرج ذات يوم الى السوق متقلدا سيفه، فمرت به جنازة يشيعها اشراف العرب، ومعها القسيسون يقرءون الانجيل، فقال: ويحكم، ما هذا؟ فقالوا: هذا ابجر بن جابر العجلى مات نصرانيا، وابنه حجار بن ابجر سيد بكر ابن وائل، فاتبعها اشراف الناس لسؤدد ابنه، واتبعها النصارى لدينه.
فقال: والله لولا انى ابقى نفسي لامر هو اعظم عند الله من هذا لاستعرضتهم بسيفي فلما كانت تلك الليلة تقلد سيفه، وقد كان سمه، وقعد مغلسا ينتظر ان يمر به على رضى الله عنه مقبلا الى المسجد لصلاة الغداة.
فبينا هو في ذلك إذ اقبل على، وهو ينادى: الصلاة ايها الناس فقام اليه ابن ملجم، فضربه بالسيف على راسه، وأصاب طرف السيف الحائط، فثلم فيه، ودهش ابن ملجم، فانكب لوجهه، وبدر السيف من يده، فاجتمع الناس، فاخذوه، فقال الشاعر في ذلك:
ولم أر مهرا ساقه ذو سماحه … كمهر قطام من فصيح واعجم
ثلاثة آلاف وعبدا وقينة … وضرب على بالحسام المصمم
فلا مهر اغلى من على وان غلا … ولا فتك الا دون فتك ابن ملجم
وحمل على رضى الله عنه الى منزله، وادخل عليه ابن ملجم.
فقالت له أم كلثوم ابنه على: يا عدو الله، اقتلت امير المؤمنين؟.
قال: لم اقتل امير المؤمنين، ولكنى قتلت اباك.
قالت: اما والله انى لأرجو الا يكون عليه باس.
قال: فعلا م تبكين إذن؟ اما والله لقد سممت السيف شهرا، فان اخلفنى ابعده الله.
فلم يمس على رضى الله عنه يومه ذلك حتى مات رحمه الله ورضى عنه.

القصاص

فدعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه، فجعل يقول:
انك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض [1] .
ثم امر بلسانه ان يخرج ليقطع، فجزع من ذلك.
فقال له ابن جعفر:
قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك؟.
قال: انى ما جزعت من ذلك خوفا من الموت، ولكنى جزعت ان أكون حيا في الدنيا ساعه لا اذكر الله فيها، ثم قطع لسانه، فمات.

محاولة قتل معاوية

واقبل النزال بن عامر في تلك الليلة حتى قام خلف معاويه وهو يصلى بالناس الغداة، ومعه خنجر، فوجاه [3] به في اليته، وكان معاويه عظيم الأليتين، فاخذ، فقال لمعاوية: أهل قتلتك يا عدو الله؟.
فقال معاويه: كلا، يا ابن أخي.
فامر به معاويه، فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، فمات.
ودعا بطبيب فأمره ان يقطع ما حول الوجاه من اللحم، خوفا من ان يكون الخنجر مسموما.
فمن يومئذ اتخذت المقاصير في الجوامع، فكان لا يدخلها الا ثقاته واحراسه، واتخذ أيضا من يومئذ حراس الليل، وكان إذا سجد بالناس جعل على راسه عشره من ثقات احراسه، يقومون من خلفه بالسيوف والعمد.
محاوله قتل عمرو بن العاص
واما عبد الله بن مالك الصيداوى فانه اتى مصر، فلما كان في تلك الليلة قام
__________
[1] اى بمكحال حار محرق.
[3] ضربه.
حيال المحراب، ومعه مشمل [1] قد اشتمل عليه بثيابه، فأصاب عمرا في تلك الليلة مغس [2] في بطنه، فأمر رجلا من بني عامر بن لؤي أن يخرج فيصلي بالناس.
فتقدم مغلسا، فلم يشك عبد الله انه عمرو، فلما سجد ضربه بالسيف من ورائه فقتله، فقيل له: انك لم تقتل الأمير، قال: فما ذنبي، والله ما اردت غيره. فامر به عمرو فقتل.

مبايعة الحسن بن على

قال: ودفن على رضى الله عنه، وصلى عليه الحسن، وكبر خمسا، فلا يعلم احد اين دفن.
قالوا: ولما توفى على رضى الله عنه خرج الحسن الى المسجد الأعظم، فاجتمع الناس اليه، فبايعوه، ثم خطب الناس، فقال: افعلتموها؟ قتلتم امير المؤمنين، اما والله لقد قتل في الليلة التي نزل فيها القرآن، ورفع فيها الكتاب، وجف القلم، وفي الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران، وعرج فيها بعيسى.

زحف جيوش معاوية

قالوا: ولما بلغ معاويه قتل على تجهز، وقدم امامه عبد الله بن عامر بن كريز، فاخذ على عين التمر [3] ، ونزل الأنبار يريد المدائن، وبلغ ذلك الحسن بن على، وهو بالكوفه، فسار نحو المدائن لمحاربه عبد الله بن عامر بن كريز، فلما انتهى الى ساباط راى من اصحابه فشلا وتواكلا عن الحرب، فنزل ساباط، وقام فيهم خطيبا، ثم قال: ايها الناس، انى قد اصبحت غير محتمل على مسلم ضغينه،
__________
[1] المشمل: السيف القصير، يشتمل عليه الرجل فيغطيه بثوبه.
[2] المغس: لغة في المغص، وهو وجع وتقطيع يأخذ في البطن.
[3] ناحيه في العراق من اعمال قضاء كربلاء.
وانى ناظر لكم كنظرى لنفسي، وارى رايا فلا تردوا على رأيي، ان الذى تكرهون من الجماعه افضل مما تحبون من الفرقة، وارى اكثركم قد نكل عن الحرب، وفشل عن القتال، ولست ارى ان احملكم على ما تكرهون.
فلما سمع اصحابه ذلك نظر بعضهم الى بعض، فقال من كان معه ممن يرى راى الخوارج: كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله، فشد عليه نفر منهم، فانتزعوا مصلاه من تحته، وانتهبوا ثيابه حتى انتزعوا مطرفه [1] عن عاتقه، فدعا بفرسه، فركبها، ونادى: اين ربيعه وهمدان؟ فتبادروا اليه، ودفعوا عنه القوم.
ثم ارتحل يريد المدائن، فكمن له رجل ممن يرى راى الخوارج، يسمى الجراح بن قبيصة من بنى اسد بمظلم ساباط، فلما حاذاه الحسن قام اليه بمغول [2] فطعنه في فخذه. وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل وعبد الله بن ظبيان، فقتلاه.
ومضى الحسن رضى الله عنه مثخنا حتى دخل المدائن، ونزل القصر الأبيض، وعولج حتى برا، واستعد للقاء ابن عامر.
واقبل معاويه حتى وافى الأنبار، وبها قيس بن سعد بن عباده من قبل الحسن فحاصره معاويه، وخرج الحسن فواقف عبد الله بن عامر، فنادى عبد الله بن عامر: يا اهل العراق، انى لم أر القتال، وانما انا مقدمه معاويه، وقد وافى الأنبار في جموع اهل الشام فاقرؤوا أبا محمد يعنى الحسن منى السلام، وقولوا له: أنشدك الله في نفسك وانفس هذه الجماعه التي معك.
فلما سمع ذلك الناس انخذلوا وكرهوا القتال، وترك الحسن الحرب، وانصرف الى المدائن، وحاصره عبد الله بن عامر بها.
__________
[1] المطرف واحد المطارف وهي ارديه من خز مربعه لها اعلام.
[2] المغول: سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “مقتل على بن ابى طالب

  1. Pingback: يزدجرد بن بهرام |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *