مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب

مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب

فلما أصبحوا خرج عبيد الله فيمن كان معه بالأمس، وخرجت اليهم ربيعه، فاقتتلوا بين الصفين، وعبيد الله امامهم يضرب بسيفه، فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي، فطعنه في لبته [1] ، فقتله، وقد اختلفوا في قتله، فقالت [2] همدان: قتله هانئ بن الخطاب، وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو الحضرمى، وقالت ربيعه: حريث بن جابر الحنفي، وهو المجمع عليه، فقال كعب بن جعيل يرثيه:
الا انما تبكى العيون لفارس … بصفين اجلت خيله وهو واقف
فاضحى عبيد الله بالقاع مسلما … تمج دما منه والعروق النوازف
ينوء وتعلوه سبائب من دم … كما لاح في جيب القميص الكفائف [3]
وقد ضربت حول ابن عم نبينا … من الموت شهباء المناكب شارف [4]
__________
[1] المنحر وموضع القلادة من الصدر.
[2] في الأصل: فقال.
[3] السبائب جمع سبيبه وهي الشقه الرقيقه من الثياب، والكفائف طرر القميص التي لا اهداب لها.
[4] يعنى ان الكتيبة قد صارت مناكبها شهباء لما يعلوها من الحديد.
تموج ترى الرايات حمرا كأنها … إذا صوبت للطعن طير عواكف
جزى الله قتلانا بصفين خير ما … جزى عبادا غادرتها المواقف

مقتل ذي الكلاع

قالوا: وخرج ذو الكلاع في يوم من تلك الأيام في كتيبه من اهل الشام من عك ولخم، فخرج اليه عبد الله بن عباس في ربيعه، فالتقوا، ونادى رجل من مذحج العراق يا آل مذحج، خذموا [1] فاعترضت مذحج عكا يضربون سوقهم بالسيوف، فيبركون. فنادى ذو الكلاع.. يا آل عك، بروكا كبروك الإبل.
وحمل رجل من بكر بن وائل يسمى خندفا على ذي الكلاع، فضربه بالسيف على عاتقه، فقد الدرع، وفرى عاتقه، فخر ميتا، فلما قتل ذو الكلاع تمحكت عك، وصبروا لعض السيوف، فلم يزالوا كذلك حتى امسوا.
وكان اهل العراق واهل الشام ايام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر، فلا يعرض احد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم، فيخرجونهم من المعركة، ويدفنونهم.
قالوا: وان عليا رضى الله عنه اشاع انه يخرج الى اهل الشام بجميع الناس، فيقاتلهم حتى يحكم الله بينه وبينهم، ففزع الناس لذلك فزعا شديدا، وقالوا: انما كنا الى اليوم تخرج الكتيبة الى مثلها، فيقتتلون بين الجمعين، فان التقينا بجميع الفيلقين فهو فناء العرب.
وقام على في الناس خطيبا، فقال: الا انكم ملاقو القوم غدا بجميع الناس، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر والعفو، والقوهم بالجد.
__________
[1] في الأصل: خدموا والصواب: خذموا اى أسرعوا في السير.
فقال كعب بن جعيل:
اصبحت الامه في امر عجب … والملك مجموع غدا لمن غلب
اقول قولا صادقا غير الكذب … ان غدا تهلك اعلام العرب
واجتمع اهل الشام الى معاويه، فعرضهم، فنادى مناديه: اين الجند المقدم؟ فخرج اهل حمص تحت راياتهم، وعليهم ابو الأعور السلمى، ثم نادى: اين اهل الأردن؟، فخرجوا تحت راياتهم، وعليهم زفر بن الحارث الكلابى، ثم نادى: اين جند الأمير؟ فجاء اهل دمشق تحت راياتهم، وعليهم الضحاك ابن قيس، فأطافوا بمعاويه، فعقد لعمرو بن العاص على جميع الناس، وساروا حتى وقفوا بإزاء اهل العراق.
وقعد معاويه على منبر ينظر منه فوق رابيه الى الفريقين إذا اقتتلوا، واقبلت عك الشام، وقد عصبوا انفسهم بالعمائم، وطرحوا بين ايديهم حجرا، وقالوا: لا نولي الدبر او يولى معنا هذا الحجر، فصفهم عمرو خمسه صفوف، ووقف امامهم يرتجز:
يا ايها الجيش الصليب الأيمان … قوموا قياما، فاستعينوا الرحمن [1]
انى أتاني خبر فأبكان … ان عليا قتل ابن عفان
ردوا علينا شيخنا كما كان
وأنشأ رجل من اهل الشام يقول:
تبكى الكتيبة يوم جر حديدها … يوم الوغى جزعا على عثمانا
يسلون حق الله لا يعدونه … وسألتم لعلى السلطانا
فاتوا ببينه بما تسلونه … هذا البيان، فاحضروا البرهانا
ولما اصبح على رضى الله عنه غلس [2] . بصلاة الفجر، ثم امر اصحابه، فخرجوا
__________
[1] في الأصل: الرحمان.
[2] صلى الفجر في أول وقته
تحت راياتهم، ثم جعل يدور على رايات اهل الشام، فيقول: من هؤلاء؟ فيسمون له، حتى إذا عرفهم، وعرف مراكزهم، قال لازد الكوفه: اكفوني ازد الشام، وقال لخثعم: اكفوني خثعم، فامر كل قبيله من اهل العراق ان تكفيه أختها من اهل الشام، ثم امرهم ان يحملوا من كل ناحيه حمله رجل واحد، فحملوا، وحمل على رضى الله عنه على الجمع الذى كان فيه معاويه في اهل الحجاز من قريش والانصار وغيرهم، وكانوا زهاء اثنى عشر الف فارس، وعلى امامهم، وكبروا وكبر الناس تكبيره ارتجت لها الارض، فانتقضت صفوف اهل الشام، واختلفت راياتهم، وانتهوا الى معاويه، وهو جالس على منبره، معه عمرو بن العاص، ينظران الى الناس، فدعا بفرس ليركبه.
ثم ان اهل الشام تداعوا بعد جولتهم، وثابوا، ورجعوا على اهل العراق، وصبر القوم بعضهم لبعض الى ان حجز بينهم الليل، فقتل في ذلك اليوم اناس كثير من اعلام العرب واشرافهم، فلما أصبحوا دخل الناس بعضهم في بعض، يستخرجون قتلاهم، فيدفنونهم يومهم ذلك كله.
ثم ان عليا قام في عشيه ذلك اليوم في اصحابه، فقال: ايها الناس، اغدوا على مصافكم، وازحفوا الى عدوكم، وغضوا الابصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، واثبتوا، واذكروا الله كثيرا، وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وقام معاويه في اهل الشام، فقال: ايها الناس، اصبروا وصابروا، ولا تتخاذلوا ولا تتواكلوا، فإنكم على حق، ولكم حجه، وانما تقاتلون من سفك الدم الحرام، فليس له في السماء عاذر.
وقام عمرو، فقال: ايها الناس، قدموا المستلئمة وأخروا الحسر [1] ، وأعيرونا جماجمكم اليوم، فقد بلغ الحق مقطعه، وانما هو ظالم او مظلوم.
__________
[1] الحاسر خلاف الدارع، ويقال للرجاله في الحرب الحسر لأنه لا درع عليهم ولا بيض على رءوسهم.
فبات الفريقان طول تلك الليلة يتعبون للحرب، ثم غدوا على مصافهم، وحمل الفريقان بعضهم على بعض، وحمل حبيب بن مسلمه، وكان على ميسره معاويه، على ميمنه على رضى الله عنه، فانكشفوا وجالوا جولة، ونظر على الى ذلك، فقال لسهل بن حنيف: انهض فيمن معك من اهل الحجاز حتى تعين اهل الميمنه، فمضى سهل فيمن كان معه من اهل الحجاز نحو الميمنه، فاستقبلهم جموع اهل الشام، فكشفوه ومن معه حتى انتهوا الى على، وهو في القلب، فجال القلب وفيه على جولة، فلم يبق مع على الا اهل الحفاظ والنجده، فحث على فرسه نحو ميسرته، وهم وقوف يقاتلون من بازائهم من اهل الشام، وكانوا ربيعه.
قال زيد بن وهب: فانى لانظر الى على، وهو يمر نحو ربيعه، ومعه بنوه: الحسن والحسين ومحمد، وان النبل ليمر بين أذنيه وعاتقه، وبنوه يقونه بانفسهم، فلما دنا على من الميسره، وفيها الاشتر، وقد وقفوا في وجوه اهل الشام يجالدونهم، فناداه على، وقال: ايت هؤلاء المنهزمين، فقل: اين فراركم من الموت الذى لم تعجزوه الى الحياه التي لا تبقى لكم.
فدفع الاشتر فرسه، فعارض المنهزمين، فناداهم: ايها الناس، الى الى، انا مالك بن الحارث فلم يلتفتوا اليه، فظن انه بالاستعراف، فقال: ايها الناس انا الاشتر فثابوا اليه، فزحف بهم نحو ميسره اهل الشام. فقاتل بهم قتالا شديدا حتى انكشف اهل الشام، وعادوا الى مواقفهم الاولى.
ورتب الاشتر ميمنه على رضى الله عنه والقلب مراتبهما قبل الجولة، فلما عادوا الى مواقفهم جعل على يسير في الصفوف ويؤنبهم على ما كان من جولتهم، وذلك ما بين صلاه العصر والمغرب.
قال: ثم ان اهل الشام حملوا على تميم، وكانوا في الميمنه، فكشفوهم، فناداهم زحر 1 في الأصل: زجر. بن نهشل: يا بنى تميم، الى أين؟ قالوا: الا ترى الى ما قد غشينا؟!
فقال: ويحكم، افرارا واعتذارا؟! ان لم تقاتلوا على الدين، فقاتلوا على الاحساب، احملوا معى. فحمل وحملوا، فقاتل حتى قتل، وهو امامهم، وحمل الناس جميعا بعضهم على بعض، واقتتلوا حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، ثم تكادموا [1] . بالأفواه، وتحاثوا بالتراب، ثم تنادوا من كل جانب: يا معشر العرب، من للنساء والأولاد، الله الله في الحرمات.
وان عليا رضى الله عنه لينغمس في القوم، فيضرب بسيفه حتى ينثني، ثم يخرج متخضبا بالدم حتى يسوى له سيفه، ثم يرجع، فينغمس فيهم، وربيعه لا تترك جهدا في القتال معه والصبر، وغابت الشمس، وقربوا من معاويه، فقال لعمرو: ما ترى؟ قال: ان تخلى سرادقك.
فنزل معاويه عن المنبر الذى كان يكون عليه، واخلى السرادق، واقبلت ربيعه، وامامها على رضى الله عنه حتى غشوا السرادق، فقطعوه، ثم انصرفوا، وبات على تلك الليلة في ربيعه.

مقتل هاشم بن عتبة بن ابى وقاص المرقال

فلما اصبح على غادى [2] اهل الشام القتال، ودفع رايته العظمى الى هاشم بن عتبة، فقاتل بها نهاره كله، فلما كان العشى انكشف اصحابه انكشافه، وثبت هاشم في اهل الحفاظ منهم والنجده، فحمل عليهم الحارث بن المنذر التنوخي، فطعنه طعنه جائفة [3] ، فلم ينته عن القتال، ووافاه رسول على يأمره ان يقدم رايته، فقال للرسول: انظر الى ما بي فنظر الى بطنه، فرآه منشقا، فرجع الى على، فاخبره، ولم يلبث هاشم ان سقط، وجال اصحابه عنه، وتركوه بين القتلى، فلم يلبث ان مات. وحال الليل بين الناس وبين القتال.
__________
[1] عض بعضهم بعضا
[2] باكرهم.
[3] قاتله، وجافه اى صرعه، لغة في جعفه.
فلما اصبح على غلس [1] بالصلاة، وزحف بجموعه نحو القوم على التعبئة الاولى، ودفع الراية الى ابنه عبد الله بن هاشم بن عتبة، وتزاحف الفريقان فاقتتلوا. فروى عن القعقاع الظفري انه قال: لقد سمعت في ذلك اليوم من أصوات السيوف ما الرعد القاصف دونه وعلى رضى الله عنه واقف ينظر الى ذلك، ويقول: لا حول ولا قوه الا بالله، والله المستعان، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ.
ثم حمل على بنفسه على اهل الشام حتى غاب فيهم، فانصرف مخضبا بالدماء، فلم يزالوا كذلك يومهم كله والليل حتى مضى ثلثه، وجرح على خمس جراحات، ثلاث في راسه واثنتان في وجهه، ثم تفرقوا وغدوا على مصافهم، وعمرو بن العاص يقدم اهل الشام، فحمل عبد الله بن جعفر ذو الجناحين في قريش والانصار في وجه عمرو فاقتتلوا، وحمل غلامان اخوان من الانصار على جموع اهل الشام حتى انتهيا الى سرادق معاويه، فقتلا على باب السرادق، ودارت رحى الحرب الى ان ذهب ثلث الليل، ثم تحاجزوا، ولما اصبح الناس اختلط بعضهم ببعض، يستخرجون قتلاهم، فيدفنونهم.
وكتب معاويه الى على: اما بعد، فانى انما اقاتلك على دم عثمان، ولم أر المداهنه في امره واسلام حقه، فان ادرك بثارى فيه فذاك، والا فالموت على الحق اجمل من الحياه على الضيم، وانما مثلي ومثل عثمان، كما قال المخارق:
فمهما تسل عن نصرتي السيد لا تجد … لدى الحرب بيت السيد عندي مذمما
فكتب اليه على: اما بعد، فانى عارض عليك ما عرض مخارق على بنى فالج، حيث قال:
__________
[1] الغلس: ظلمه آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، والمراد انه صلى الصبح في أول وقته.
يا راكبا اما عرضت فبلغا … بنى فالج حيث استقر قرارها
هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم … بلاقع ارض طار عنها غبارها
سليم بن منصور اناس أعزة … وارضهم ارض كثير وبارها [1]
فكتب اليه معاويه: انا لم نزل للحرب قاده، وانما مثلي ومثلك ما قال أوس بن حجر:
إذا الحرب حلت ساحه الحى أظهرت … عيوب رجال يعجبونك في الأمن
وللحرب اقوام يحامون دونها … وكم قد ترى من ذي رواء ولا يغنى
ثم غدوا على الحرب، ورايه اهل الشام العظمى مع عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد، وكان يحمل بها فلا يلقاه شيء الا هده، وكان من فرسان العرب، وكانت من اهل العراق جولة شديده، فنادى الناس الاشتر، وقالوا: اما ترى اللواء اين قد بلغ؟، فتناول الاشتر لواء اهل العراق، فتقدم به، وهو يرتجز:
انى انا الاشتر الشتر … انى انا الأفعى العراقي الذكر [2]
فقاتل اهل الشام حتى رد اللواء، وردهم على اعقابهم، ففي ذلك يقول النجاشى:
رايت اللواء كظل العقاب … يقحمه الشامي الاخزر [3]
دعونا له الكبش كبش العراق … وقد خالط العسكر العسكر
فرد اللواء على عقبه … وفاز بحظوتها الاشتر

مقتل حوشب ذي ظليم

قالوا: وأخذ الراية جندب بن زهير، فخرج اليه حوشب ذو ظليم، وكان من عظماء اهل الشام، وفرسانهم، فاخذ الراية وجعل يمضى بها قدما، وينكا
__________
[1] اى شجرها.
[2] الشتر بالتحريك انقلاب جفن العين من اعلى واسفل، او استرخاء اسفله، والاشتر لقب اشتهر به ابراهيم بن مالك بن الحارث.
[3] العقاب طائر عظيم، والخزر بالتحريك انكسار بصر العين خلقه، او ضيقها وصغرها.
في اهل العراق، فخرج اليه سليمان بن صرد، وكان من فرسان على، فاقتتلوا، فقتل حوشب، وجال اهل العراق جولة انتقضت صفوفهم، وانحاز اهل الحفاظ منهم مع على رضى الله عنه الى ناحيه اخرى يقاتلون، واقبل عدى بن حاتم يطلب عليا في موضعه الذى خلفه فيه، فلم يجده، فسال عنه، فدل عليه، فاقبل اليه، فقال:
يا امير المؤمنين، اما إذ كنت حيا فالأمر امم [1] ، واعلم انى ما مشيت إليك الا على أشلاء القتلى، وما ابقى هذا اليوم لنا ولا لهم عميدا.
وكان اكثر من صبر في تلك الساعة مع على وقاتل ربيعه، فقال على رضى الله عنه: يا معشر ربيعه، أنتم درعي وسيفي ثم ركب الفرس [2] الذى كان لرسول الله ص يسمى الريح وجنب بين يديه بغله رسول الله ص الشهباء، وتعمم بعمامته ص السوداء، ثم امر مناديه، فنادى: ايها الناس، من يشرى نفسه لله؟ فانتدب له الناس، وانضموا اليه، فاقبل بهم على اهل الشام حتى أزال راياتهم، وجالوا جولة قبيحه حتى دعا معاويه بفرسه ليركبها، ثم نادى مناديه في اهل الشام: الى اين ايها الناس؟ أثيبوا، فان الحرب سجال فثاب اليه الناس، وكروا على اهل العراق.
وقال معاويه لعمرو: قدم عك والاشعرين، فإنهم كانوا أول من انهزم في هذه الجولة. فأتاهم عمرو، فبلغهم قول معاويه، فقال رئيسهم مسروق العكي: انتظروني حتى آتى معاويه فأتاه، فقال: افرض لقومى في الفين الفين، ومن هلك منهم، فابن عمه مكانه، قال: ذلك لك، فانصرف الى قومه، فاعلمهم ذلك، فتقدموا، فاضطربوا هم وهمدان بالسيوف اضطرابا شديدا، فاقسمت عك لا ترجع حتى ترجع همدان، واقسمت همدان على مثل ذلك.
فقال عمرو لمعاوية: لقيت اسد أسدا، لم أر كاليوم قط.
فقال معاويه: لو ان معك حيا آخر كعك، ومع على كهمدان لكان الفناء.
__________
[1] اى يسير وهين.
[2] الفرس للذكر والأنثى من الخيل.
وكتب معاويه الى على:
بسم الله الرحمن الرحيم، من معاويه بن ابى سفيان الى على بن ابى طالب، اما بعد، فانى احسبك ان لو علمت وعلمنا، ان الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فانا وان كنا قد غلبنا على عقولنا، فقد بقي لنا منها ما ينبغى ان نندم على ما مضى ونصلح ما بقي، فإنك لا ترجو من البقاء الا ما أرجو، ولا اخاف من القتل الا ما تخاف، وقد والله رقت الأجناد، وتفانى الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل الا ما يستذل به العزيز، ولا يسترق به الحر، والسلام.
فكتب اليه على رضى الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد، فقد أتاني كتابك، تذكر انك لو علمت وعلمنا ان الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فاعلم انك وإيانا منها الى غاية لم نبلغها بعد، واما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست امضى على الشك منى على اليقين، وليس اهل الشام باحرص على الدنيا من اهل العراق على الآخرة، واما قولك انا بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل، فليس كذلك، لان اميه ليس كهاشم، ولا حربا كعبد المطلب، ولا أبا سفيان كابى طالب، ولا المهاجر كالطليق، وفي أيدينا فضل النبوه التي بها قتلنا العزيز، ودان لنا بها الذليل.
ثم ان عليا رضى الله عنه غلس بالصلاة صلاه الفجر، وزحف بجموعه نحو اهل الشام، فوقف الفريقان تحت راياتهم، وخرج الاشتر على فرس كميت ذنوب [1] . مقنعا بالحديد، وبيده الرمح، فحمل على اهل الشام، فاتبعه الناس، وكسر فيهم ثلاثة ارماح، واضطرب الناس بالسيوف وعمد الحديد، وبرز رجل من اهل الشام مقنعا بالحديد، ونادى: يا أبا الحسن، ادن منى، اكلمك فدنا منه على
__________
[1] طويل الذنب
حتى اختلفت اعناق فرسيهما بين الصفين، فقال: ان لك قدما في الاسلام ليس لأحد، وهجره مع رسول الله ص، وجهادا، فهل لك ان تحقن هذه الدماء، وتؤخر هذه الحرب برجوعك الى عراقك، ونرجع الى شامنا الى ان تنظر وننظر في امرنا؟.
[فقال على: يا هذا، انى قد ضربت انف هذا الأمر وعينيه، فلم اجده يسعني الا القتال او الكفر بما انزل الله على محمد، ان الله لا يرضى من اوليائه ان يعصى في الارض، وهم سكوت، لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فوجدت القتال اهون من معالجة الأغلال في جهنم.
] قال: فانصرف الشامي، وهو يسترجع، ثم اقتتلوا حتى تكسرت الرماح، وتقطعت السيوف، واظلمت الارض من القتام، [1] ، وأصابهم البهر، [2] وبقي بعضهم ينظر الى بعض بهيرا. فتحاجزوا بالليل، وهو ليله الهرير. ثم أصبحوا غداه هذه الليلة، واختلط بعضهم ببعض يستخرجون قتلاهم ويدفنونهم.
ثم ان عليا قام من صبيحة ليله الهرير في الناس خطيبا، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: ايها الناس، انه قد بلغ بكم وبعدوكم الأمر الى ما ترون، ولم يبق من القوم الا آخر نفس، فتأهبوا رحمكم الله لمناجزه عدوكم غدا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينهم، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
وبلغ ذلك معاويه، فقال لعمرو: ما ترى، فإنما هو يومنا هذا وليلتنا هذه؟، فقال عمرو: انى قد اعددت بحيلتي امرا اخرته الى هذا اليوم، فان قبلوه اختلفوا، وان ردوه تفرقوا، قال معاويه: وما هو؟ قال عمرو: تدعوهم الى كتاب الله حكما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك. فعلم معاويه ان الأمر كما قال.
قالوا: وان الاشعث بن قيس قال لقومه، وقد اجتمعوا اليه: قد رايتم ما كان في اليوم الماضى من الحرب المبيره [3] . وانا والله ان التقينا غدا، انه لبوار العرب وضيعه الحرمات.
__________
[1] الغبار.
[2] البهر: انقطاع النفس او تتابعه من الإعياء، وهو مبهور وبهير.
[3] المسرفه في اهلاك الناس
قالوا: فانطلقت العيون الى معاويه بكلام الاشعث، فقال: صدق الاشعث، لئن التقينا غدا ليميلن الروم على ذراري اهل الشام، وليميلن دهاقين فارس على ذراري اهل العراق، وما يبصر هذا الأمر الا ذوو الأحلام، اربطوا المصاحف على اطراف القنا.
[1] قالوا: فربطت المصاحف، فأول ما ربط مصحف دمشق الأعظم، ربط على خمسه ارماح، يحملها خمسه رجال، ثم ربطوا سائر المصاحف، جميع ما كان معهم، وأقبلوا في الغلس، ونظر اهل العراق الى اهل الشام قد أقبلوا، وامامهم شبيه بالرايات، فلم يدروا ما هو، حتى أضاء الصبح، فنظروا، فإذا هي المصاحف.
ثم قام الفضل بن ادهم امام القلب، وشريح الجذامى امام الميمنه، وورقاء ابن المعمر امام الميسره، فنادوا: يا معشر العرب، الله. الله في نسائكم وأولادكم من فارس والروم غدا، فقد فنيتم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال على رضى الله عنه: ما الكتاب تريدون، ولكن المكر تحاولون.
ثم اقبل ابو الأعور السلمى على برذون اشهب، وعلى راسه مصحف، وهو ينادى: يا اهل العراق، هذا كتاب الله حكما فيما بيننا وبينكم.
فلما سمع اهل العراق ذلك قام كردوس بن هانئ البكرى، فقال: يا اهل العراق، لا يهدئكم ما ترون من رفع هذه المصاحف، فإنها مكيده. ثم تكلم سفيان بن ثور النكرى، [2] ، فقال: ايها الناس، انا قد كنا بدأنا بدعاء اهل الشام الى كتاب الله، فردوا علينا، فاستحللنا قتالهم، فان رددناه عليهم حل لهم قتالنا، «ولسنا نخاف ان يحيف الله علينا ولا رسوله» .
ثم قام خالد بن المعمر، فقال لعلى: يا امير المؤمنين، ما البقاء الا فيما دعا القوم اليه ان رايته، وان لم تره فرأيك افضل. ثم تكلم الحضين بن المنذر، فقال: ايها الناس، ان لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما فعل، فان قال: لا، قلنا: لا، وان قال: نعم، قلنا: نعم.
__________
[1] جمع قناه وهي الرمح.
[2] في الأصل: البكرى.
فتكلم على، وقال: عباد الله، انا احرى من أجاب الى كتاب الله، وكذلك أنتم، غير ان القوم ليس يريدون بذلك الا المكر، وقد عضتهم الحرب، والله، لقد رفعوها وما رأيهم العمل بها، وليس يسعني مع ذلك ان ادعى الى كتاب الله فأبى، وكيف وانما قاتلناهم ليدينوا بحكمه.
فقال الاشعث: يا امير المؤمنين نحن لك اليوم على ما كنا عليه لك أمس، غير ان الرأي ما رايت من اجابه القوم الى كتاب الله حكما. فاما عدى بن حاتم وعمرو بن الحمق فلم يهويا ذلك، ولم يشيروا على على به.
ولما أجاب على رضى الله عنه، قالوا له: فابعث الى الاشتر ليمسك عن الحرب ويأتيك. وكان يقاتل في ناحيه الميمنه، فقال على ليزيد بن هانئ: انطلق الى الاشتر، فمره ان يدع ما هو فيه، ويقبل، فأتاه، فابلغه، فقال: ارجع الى امير المؤمنين، فقل له ان الحرب قد اشتجرت بيني وبين اهل الناحية، فليس يجوز ان انصرف.
فانصرف يزيد الى على، فاخبره بذلك، وعلت الأصوات من ناحيه الاشتر، وثار النقع، [1] فقال القوم لعلى، والله ما نحسبك امرته الا بالقتال.
فقال: كيف امرته بذلك، ولم اساره سرا؟! ثم قال ليزيد: عد الى الاشتر، فقل له. اقبل، فان الفتنة قد وقعت. فأتاه، فاخبره بذلك.
فقال الاشتر: الرفع هذه المصاحف؟، قال: نعم. قال: اما والله لقد ظننت بها حين رفعت، انها ستوقع اختلافا وفرقه.
فاقبل الاشتر حتى انتهى اليهم، فقال: يا اهل الوهن والذل، احين علوتم القوم تنكلون لرفع هذه المصاحف؟ أمهلوني فواقا، [2] قالوا: لا ندخل معك في خطيئتك، قال: ويحكم، كيف بكم وقد قتل خياركم وبقي اراذلكم، فمتى كنتم محقين؟ احين كنتم تقاتلون أم الان حين أمسكتم؟ فما حال قتلاكم الذين
__________
[1] الغبار الساطع.
[2] الفواق بضم الفاء وبفتحها ما بين الحلبتين من الوقت، فالناقة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب.
لا ننكرون فضلهم، افي الجنه أم في النار؟. قالوا: قاتلناهم في الله، وندع قتالهم في الله. فقال: يا اصحاب الجباه السود، كنا نظن ان صلاتكم عباده وشوق الى الجنه، فنراكم قد فررتم الى الدنيا، فقبحا لكم. فسبوه، وسبهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، وضرب هو وجوه دوابهم بسوطه. وكان مسعر بن فدكي وابن الكواء وطبقتهم من القراء الذين صاروا بعد خوارج كانوا من أشد الناس في الإجابة الى حكم المصحف.
وان معاويه قام في اهل الشام، فقال: ايها الناس، ان الحرب قد طالت بيننا وبين هؤلاء القوم، وان كل واحد منا يظن انه على الحق وصاحبه على الباطل، وانا قد دعوناهم الى كتاب الله والحكم به، فان قبلوه، والا كنا قد أعذرنا اليهم.
ثم كتب الى على: ان أول من يحاسب على هذا القتال انا وأنت، وانا ادعوك الى حقن هذه الدماء والفة الدين واطراح الضغائن، وان يحكم بيني وبينك حكمان، أحدهما من قبلي والآخر من قبلك، ما يجدانه مكتوبا مبينا في القرآن يحكمان به، فارض بحكم القرآن ان كنت من اهله.
فكتب اليه على: دعوت الى حكم القرآن، وانى لأعلم انك ليس حكمه تحاول، وقد أجبنا القرآن الى حكمه لا إياك، ومن لم يرض بحكم القرآن فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً.
وكتب الى عمرو بن العاص: [اما بعد، فان الدنيا مشغله عن غيرها، ولم يصب صاحبها منها شيئا الا انفتح له بذلك حرص يزيده فيها رغبه، ولن يستغنى صاحبها بما نال منها عما لم ينله،] ومن وراء ذلك فراق ما جمع، فلا تحبط عملك بمجاراه معاويه على باطله، وان لم تنته لم تضر بذلك الا نفسك، والسلام.
فأجابه عمرو: اما بعد، فان الذى فيه صلاحنا والفه ما بيننا الإنابة الى الحق، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا وبينك لنرضى بحكمه، ويعذرنا الناس عند المناجزة، والسلام.
فكتب اليه على: اما بعد، فان الذى اعجبك مما نازعتك نفسك اليه من طلب الدنيا منقلب عنك، فلا تطمئن إليها، فإنها غراره، ولو اعتبرت بما مضى انتفعت بما بقي، والسلام.
فكتب اليه عمرو: اما بعد، فقد انصف من جعل القرآن حكما، فاصبر يا أبا الحسن، فانا غير منيليك الا ما انا لك القرآن، والسلام.
فاجتمع قراء اهل العراق وقراء اهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم المصحف يتدارسونه، فاجتمعوا على ان يحكموا حكمين، وانصرفوا.
فقال اهل الشام: قد رضينا بعمرو.
وقال الاشعث ومن كان معه من قراء اهل العراق: قد رضينا نحن بابى موسى.
فقال لهم على: لست أثق براى ابى موسى، ولا بحزمه، ولكن اجعل ذلك لعبد الله بن عباس.
قالوا: والله ما نفرق بينك وبين ابن عباس، وكأنك تريد ان تكون أنت الحاكم، بل اجعله رجلا هو منك ومن معاويه سواء، ليس الى احد منكما بأدنى منه الى الآخر.
قال على رضى الله عنه: فلم ترضون لأهل الشام بابن العاص، وليس كذلك؟.
قالوا: أولئك اعلم، انما علينا أنفسنا.
قال: فانى اجعل ذلك الى الاشتر.
قال الاشعث: وهل سعر هذه الحرب الا الاشتر، وهل نحن الا في حكم الاشتر؟.
قال على: وما حكمه؟.
قال: يضرب بعض وجوه بعض حتى يكون ما يريد الله.
قال: فقد ابيتم الا ان تجعلوا أبا موسى.
قالوا: نعم.
قال: فاصنعوا ما احببتم.
قالوا: فأرسلوا رسولا الى ابى موسى، وقد كان اعتزل الحرب، واقام بعرض [1] . من اعراض الشام، فدخل عليه مولى له، فقال: قد اصطلح الناس، قال: الحمد لله رب العالمين. قال: وقد جعلوك حكما.
قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
فاقبل ابو موسى حتى دخل عسكر على، فولوه الأمر، ورضوا به، فقبله.
فقال الأحنف بن قيس لعلى: انك قد منيت بحجر الارض، وداهيه العرب، وقد عجمت أبا موسى، فوجدته كليل الشفرة، قريب العقر، وانه لا يصلح لهذا الأمر الا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه، ويبعد منه حتى يكون مكان النجم، فان شئت ان تجعلني حكما فافعل، والا فثانيا او ثالثا، فان قلت: انى لست من اصحاب رسول الله ص، فابعث رجلا من صحابته، واجعلنى وزيرا له ومشيرا.
فقال على: ان القوم قد أبوا ان يرضوا بغير ابى موسى، «والله بالِغُ أَمْرِهِ» .
قالوا: فقال ايمن بن خريم الأسدي من اهل الشام، وكان معتزلا للقوم:
لو كان للقوم راى يهتدون به … بعد القضاء رموكم بابن عباس
لكن رموكم بشيخ من ذوى يمن … لم يدر ما ضرب اخماس لأسداس
[2]
__________
[1] العرض: الجانب من كل شيء
[2] تقول العرب لمن خاتل، ضرب أخماسا لأسداس، وهو مثل، اصله ان شيخا كان في ابله ومعه اولاده رجالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم، فقال لهم ذات يوم: ارعوا ابلكم بربعا، فرعوا ربعا نحو طريق أهلهم، فقالوا له: لو رعيناها خمسا، فزادوا يوما قبل أهلهم، فقالوا: لو رعيناها سدسا، ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم الا ضرب اخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، انما همتكم أهلكم.
قالوا: وقد كان معاويه جعل لايمن بن خريم ناحيه من فلسطين على ان يبايعه، فأبى، وقال:
لست بقاتل رجلا يصلى … على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلى إثمي … معاذ الله من سفه وطيش
ااقتل مسلما في غير حق … فليس بنافعى ما عشت عيشي

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب

  1. Pingback: موقعة الجمل |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *