مبايعة معاوية

مبايعة معاوية

ثم انصرف عمرو واهل الشام الى معاويه، فسلموا عليه بالخلافة.
واقبل ابن عباس وشريح بن هانئ ومن كان معهما من اهل العراق الى على، فاخبروه الخبر، فقام سعيد بن قيس الهمدانى، فقال: والله لو اجتمعنا على الهدى ما زادنا على ما نحن عليه بصيره. ثم تكلم عامه الناس بنحو من هذا.

فتنة الخوارج

قالوا: ولما بلغ اهل العراق ما كان من امر الحكمين لقيت الخوارج بعضها بعضا، واتعدوا ان يجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبى، فاجتمع عنده عظماؤهم وعبادهم، فكان أول من تكلم منهم عبد الله بن وهب، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: معاشر إخواني، ان متاع الدنيا قليل، وان فراقها وشيك، فاخرجوا بنا منكرين لهذه الحكومة، فانه لا حكم الا لله، وإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
ثم تكلم حمزه بن سيار، فقال: الرأي ما رايتم، ومنهج الحق فيما قلتم، فولوا امركم رجلا منكم، فانه لا بد لكم من قائد وسائس ورايه تحفون بها، وترجعون إليها.
فعرضوا الأمر على يزيد بن الحصين، وكان من عبادهم، فأبى ان يقبلها، ثم عرضوها على ابن ابى اوفى العبسى، فأبى ان يقبلها، ثم عرضوها على عبد الله ابن وهب الراسبى، فقال: هاتوها، فو الله ما اقبلها رغبه في الدنيا، ولا فرارا من الموت، ولكن اقبلها لما أرجو فيها من عظيم الاجر. ثم مد يده، فقاموا اليه، فبايعوه، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على النبي ص، ثم قال: اما بعد، فان الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق والجهاد في سبيله إِنَّ الَّذِينَ
يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وقال الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، واشهد على ان اهل دعوتنا من اهل ديننا ان قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب وجاروا في الحكم، وان جهادهم لحق، فاقسم بمن تعنو له الوجوه وتخشع له الابصار، لو لم أجد على قتالهم مساعدا لقاتلتهم وحدي حتى القى ربى شهيدا.
فلما سمع ذلك عبد الله بن السخبر، وكان من اصحاب البرانس [1] استعبر باكيا، ثم قال: لحى الله امرأ لا يكون تشريح ما بين عظمه ولحمه وعصبه ايسر عنده من سخط الله عليه في لحظه يسعى بها على مقته، فكيف وانما تريدون بذلك وجه الله، يا اخوتى، تقربوا الى الله ببغض من عصاه، واخرجوا اليهم، فاضربوا وجوههم بالسيوف حتى يطاع الله يثبكم ثواب المطيعين العاملين بمرضاته، القائمين بحقوقه، فان تظفروا فالغنيمة والفتح، وان تغلبوا فأي شيء افضل من المصير الى رضوان الله وجنته ثم افترقوا يومهم ذلك.
فلما كان من الغد اقبل عبد الله بن وهب الراسبى في نفر من اصحابه حتى دخل على شريح بن ابى اوفى العبسى، وكان من عظمائهم، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: اما بعد، فان هذين الحكمين قد حكما بغير ما انزل الله، وقد كفر إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال في دينهم، ونحن على الشخوص من بين اظهرهم، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق.
فقال شريح: انذر أصحابك. واعلمهم خروجك، ثم اخرج بنا على بركة الله حتى ناتى المدائن، فننزلها، ونرسل الى إخواننا الذين بالبصرة، فيقدموا علينا، فتكون ايديهم مع أيدينا.
__________
[1] البرنس كل ثوب راسه منه ملتزق به، ذراعه كان او ممطرا او جبه، وقال الجوهرى، الرنس: قلنسوة كبيره، وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام.
فقال يزيد بن حصين الطائي: انكم ان خرجتم بجماعتكم طلبتم، ولكن اخرجوا فرادى مستخفين، فاما المدائن فان بها من يمنع منها، ولكن توعدوا ان توافوا جسر النهروان، فتقيموا هناك، وتكتبوا الى إخوانكم من اهل البصره ان يوافوكم بها. قالوا: هذا الرأي. فاتفقوا على ذلك، وانذروا جميعا اصحابهم، فاستعدوا للخروج فرادى، وكتبوا الى من كان منهم بالبصرة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن وهب، ويزيد بن الحصين، وحرقوص بن زهير، وشريح ابن ابى اوفى الى من بلغه كتابنا بالبصرة من المؤمنين المسلمين، سلام عليكم، فانا نحمد الله إليكم الذى لا اله الا هو، الذى جعل أحب عباده اليه اعملهم بكتابه، واقومهم بالحق في طاعته، واشدهم اجتهادا في مرضاته، وان اهل دعوتنا حكموا الرجال في امر الله، فحكموا بغير ما في كتاب الله ولا في سنه نبى الله، فكفروا لذلك، وصدوا عن سواء السبيل، وقد نابذناهم على سواء، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ، اما بعد، فقد اجتمعنا بجسر النهروان، فسيروا إلينا رحمكم الله لتاخذوا نصيبكم من الاجر والثواب، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وكتابنا هذا إليكم مع رجل من إخوانكم ذي امانه ودين، فسلوه عما احببتم، واكتبوا إلينا بما رايتم، والسلام. ثم وجهوا كتابهم مع عبد الله بن سعد العبسى، فسار حتى البصره، واوصل الكتاب الى اصحابه، فاجتمعوا فقرؤوه، ثم كتبوا اليهم بوشك موافاتهم.
ثم ان القوم خرجوا من الكوفه عباديد، الرجل والرجلين والثلاثة، وخرج يزيد بن الحصين على بغله يقود فرسا، وهو يتلو هذه الآية [1] : فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ، قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ، قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. وسار حتى انتهى الى السيب [2] ، فاجتمع
__________
[1] سوره القصص الآية العشرون.
[2] السيب: مجرى الماء ويطلق لفظ السيبه الان على ناحيه في العراق على الضفة اليسرى من شط العرب قباله مدينه عبادان الايرانيه.
اليه جمع كثير من اصحابه، وفيهم زيد بن عدى بن حاتم، فخرج عدى في طلب ابنه حتى انتهى الى المدائن، فلم يلحقه، فاتى سعد بن مسعود الثقفى، وكان سعد عامل على على المدائن، فاخذ حذره، وتحاماه القوم.
وخرج عبد الله بن وهب الراسبى في جوف الليل، والتام اليه جميع اصحابه، فصاروا جمعا كبيرا منهم، فأخذوا على الأنبار، وتبطنوا شط الفرات حتى عبروا من قبل دير العاقول فاستقبله عدى بن حاتم، وهو منصرف الى الكوفه، فاردا عبد الله اخذه، فمنعه منه عمرو بن مالك النبهاني وبشير بن يزيد البولانى، وكانا من رؤساء الخوارج، فاستخلف سعد بن مسعود على المدائن ابن أخيه، المختار ابن ابى عبيد، وخرج في طلب عبد الله بن وهب واصحابه، فلقيهم بكرخ بغداد مع مغيب الشمس، وسعد في خمسمائة فارس، والخوارج ثلاثون رجلا، فتناوشوا ساعه، فقال اصحاب سعد لسعد: ايها الأمير، ما تريد الى قتال هؤلاء، ولم يأتك فيهم أمر؟ خل سبيلهم، واكتب الى امير المؤمنين تعلمه امرهم، فمضى وتركهم.
وسار عبد الله بن وهب، فمر ببغداد، وأخذ دهاقينها بالمعابر، وذلك قبل ان تبنى بغداد، فأتاه الدهقان بها، فعبر الى ارض جوخى ثم مضى من هناك حتى انضم الى اصحابه، وهم بنهروان [1] ، ووافاهم من كان على رأيهم من اهل البصره، وكانوا خمسمائة رجل.

قتال الخوارج

[2] وكان على البصره يومئذ عبد الله بن العباس، فلما بلغه خروجهم وجه في طلبهم أبا الأسود الديلى في الف فارس، فلحقهم بجسر تستر، وحال بينهم الليل، ففاتوه
__________
[1] بلد في العراق واقعه بين بغداد وواسط، وقد حدثت فيها الوقعه بين على بن ابى طالب والخوارج سنه 658 م.
[2] كان في سنه 39 هـ 659.
وكانوا في جميع مسيرهم لا يلقون أحدا الا قالوا له: ما تقول في الحكمين؟ فان تبرا منهما تركوه، وان ابى قتلوه.
ثم أقبلوا حتى انتهوا الى دجلة، فعبروها من ناحيه صريفين [1] حتى وافوا نهروان، فكتب اليهم على رضى الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على امير المؤمنين الى عبد الله بن وهب الراسبى ويزيد بن الحصين ومن قبلهما، سلام عليكم، فان الرجلين اللذين ارتضيناهما للحكومة خالفا كتاب الله، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلما لم يعملا بالسنه ولم يحكما بالقرآن تبرأنا من حكمهما، ونحن على امرنا الاول، فاقبلوا الى رحمكم الله، فانا سائرون الى عدونا وعدوكم، لنعود لمحاربتهم حتى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينهم، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
فلما وصل اليهم كتابه، كتبوا اليه: اما بعد، فإنك لم تغضب لربك، ولكن غضبت لنفسك، فان شهدت على نفسك انك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين، واستانفت التوبة والايمان نظرنا فيما سالتنا من الرجوع إليك، وان تكن الاخرى، فاننا ننابذك على سواء، أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ.
فلما قرأ على كتابهم، يئس منهم، وراى ان يدعهم على حالهم، ويسير الى الشام، ليعاود معاويه الحرب، فسار بالناس حتى عسكر بالنخيلة، وقال لأصحابه: تأهبوا للمسير الى اهل الشام، فانى كاتب الى جميع إخوانكم ليقدموا عليكم، فإذا وافوا شخصنا ان شاء الله.
ثم كتب كتابه الى جميع عماله ان يخلفوا خلفاءهم على اعمالهم، ويقدموا عليه، وكتب الى عبد الله بن عباس، وكان على البصره: اما بعد، فانا قد عسكرنا بالنخيلة، وقد أزمعنا على المسير الى عدونا، الى اهل الشام، فاشخص الى فيمن قبلك حين يأتيك كتابي والسلام.
فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصره، وكانوا زهاء سبعه آلاف رجل
__________
[1] قريه من قرى الكوفه.
فلما تهيأ للمسير أتاه عن الخوارج اخبار فظيعه، من قتلهم عبد الله بن خباب وامراته.
وذلك انهم لقوهما، فقالوا لهما: ارضيتما بالحكمين؟ قالا: نعم. فقتلوهما، وقتلوا أم سنان الصيداويه، واعتراضهم الناس يقتلونهم. فلما بلغه ذلك بعث اليهم الحارث بن مره الفقعسي ليأتيه بخبرهم، فاخذوه، فقتلوه.
فلما بلغ الناس ذلك اجتمعوا الى على، فقالوا: يا امير المؤمنين، اتدع هؤلاء على ضلالتهم وتسير، فيفسدوا في الارض، ويعترضوا الناس بالسيف؟ سر اليهم بالناس، وادعهم الى الرجوع الى الطاعة والجماعه، فان تابوا وقبلوا فان الله يحب التوابين، وان أبوا فاذنهم بالحرب، فإذا ارحت الامه منهم سرت الى الشام.
فنادى في الناس بالرحيل، وسار حتى ورد عليهم نهروان، فعسكر على فرسخ منهم، وارسل اليهم قيس بن سعد بن عباده، وأبا أيوب الأنصاري، فاتياهم، فقالا: عباد الله، انكم قد ارتكبتم امرا عظيما باستعراضكم الناس تقتلونهم، وشهادتكم علينا «بالشرك، والشرك ظلم عَظِيمٌ» .
فأجابهما عبد الله بن السخبر، فقال: إليكما عنا، فان الحق قد أضاء لنا كالصبح، ولسنا بمتابعيكم ولا راجعين إليكم، او تأتوا بمثل عمر بن الخطاب. فقال قيس بن سعد ما نعرفه فينا الا على بن ابى طالب فهل تعرفونه فيكم؟. قالا: لا. قال: فأنشدكم الله في انفسكم ان تهلكوها، فانى ارى الفتنة قد دخلت قلوبكم.
ثم تكلم ابو أيوب بنحو هذا، فقالوا: يا أبا أيوب، انا ان بايعناكم اليوم حكمتم غدا آخر.
قال: فانا ننشدكم الله ان تعجلوا فتنه العام مخافه ما ناتى به في قابل.
قالوا: إليكما عنا، فقد نابذناكم على سواء.
فانصرفا الى على، فأخبراه حتى وقف عليهم بحيث يسمعون كلامه، فنادى: [أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجه، وصدها عن الحق الهوى، فأصبحت
في لبس وخطا، انى نذير لكم ان تتمادوا في ضلالتكم فتلفوا مصرعين من غير بينه من ربكم ولا برهان، الم تعلموا انى شرطت على الحكمين ان يحكما بما في كتاب الله؟ وأخبرتكم ان طلب القوم الحكومة مكيده، فلما ابيتم الا الحكومة شرطت عليهم ان يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فخالفا الكتاب والسنه، وعملا بالهوى، فنبذنا امرهما، ونحن على امرنا الاول، فأين يتاه بكم، ومن اين اتيتم؟] .
فقالوا: انا كفرنا حين رضينا بالحكمين، وقد تبنا الى الله من ذلك، فان تبت كما تبنا فنحن معك، والا فائذن بحرب، فانا منابذوك على سواء.
فقال لهم على: اشهد على نفسي بالكفر..؟! لقد ضللت اذن وما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. ثم قال: ليخرج الى رجل منكم ترضون به حتى اقول ويقول، فان وجبت على الحجه اقررت لكم وتبت الى الله، وان وجبت عليكم فاتقوا الذى مردكم اليه.
فقالوا لعبد الله بن الكواء، وكان من كبرائهم: اخرج اليه حتى تحاجه، فخرج اليه.
فقال على: هل رضيتم؟.
قالوا: نعم.
قال: اللهم اشهد، «فكفى بك شَهِيداً» *.
فقال على رضى الله عنه: يا ابن الكواء، ما الذى نقمتم على بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معى وطاعتكم لي؟ فهلا برئتم منى يوم الجمل؟.
قال ابن الكواء: لم يكن هناك تحكيم.
فقال على: يا ابن الكواء، انا اهدى أم رسول الله ص؟.
قال ابن الكواء: بل رسول الله ص.
قال: فما سمعت قول الله عز وجل:: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ. كان الله يشك انهم هم الكاذبون؟.
قال: ان ذلك احتجاج عليهم، وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين، فنحن احرى ان نشك فيك.
قال: وان الله تعالى يقول: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ الله، هُوَ أَهْدى مِنْهُما، أَتَّبِعْهُ.
قال ابن الكواء: ذلك أيضا احتجاج منه عليهم.
فلم يزل على ع يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه، فقال ابن الكواء: أنت صادق في جميع ما تقول، غير انك كفرت حين حكمت الحكمين.
قال على: ويحك يا ابن الكواء، انى انما حكمت أبا موسى وحده وحكم معاويه عمرا.
قال ابن الكواء: فان أبا موسى كان كافرا.
فقال على: ويحك، متى كفر، احين بعثته أم حين حكم؟.
قال: لا، بل حين حكم.
قال: افلا ترى انى انما بعثته مسلما، فكفر في قولك بعد ان بعثته؟
ارايت لو ان رسول الله ص بعث رجلا من المسلمين الى اناس من
الكافرين،
ليدعوهم الى الله، فدعاهم الى غيره، هل كان على رسول الله ص من ذلك شيء؟.
قال: لا.
قال: ويحك، فما كان على ان ضل ابو موسى؟ افيحل لكم بضلاله ابى موسى ان تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا بها الناس؟.
فلما سمع عظماء الخوارج ذلك قالوا لابن الكواء: انصرف ودع مخاطبه الرجل.
فانصرف الى اصحابه، وابى القوم الا التمادي في الغى.
وامر على بالنداء في الناس ان يأخذوا اهبه الحرب، ثم عبى جنوده، فولى الميمنه حجر بن عدى، وولى الميسره شبث بن ربعي، وولى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وولى الرجاله أبا قتادة.
واستعد الخوارج فجعلوا على ميمنتهم يزيد بن حصين، وعلى ميسرتهم شريح ابن ابى اوفى العبسى وكان من نساكهم وعلى الرجاله حرقوص بن زهير، وعلى الخيل كلها عبد الله بن وهب.
ورفع على رايه، وضم إليها الفى رجل، ونادى: من التجأ الى هذه الراية فهو آمن.
ثم تواقف الفريقان، فقال فروه بن نوفل الاشجعى وكان من رؤساء الخوارج لأصحابه: يا قوم، والله ما ندري، علام نقاتل عليا، وليست لنا في قتله حجه ولا بيان، يا قوم، انصرفوا بنا حتى تنفذ لنا البصيره في قتاله او اتباعه.
فترك اصحابه في مواقفهم، ومضى في خمسمائة رجل حتى اتى الى البندنيجين [1] ، وخرجت طائفه اخرى حتى لحقوا بالكوفه، واستامن الى الراية منهم الف رجل، فلم يبق مع عبد الله بن وهب الا اقل من اربعه آلاف رجل.
فقال على لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم، فتنادت الخوارج: لا حكم الا لله، «وان كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» . * ثم شدوا على اصحاب على شده رجل واحد، فلم تثبت خيل على لشدتهم، وافترقت الخوارج فرقتين، فرقه أخذت نحو الميمنه، وفرقه اخرى نحو الميسره.
وعطف عليهم اصحاب على، وحمل قيس بن معاويه البرجمى من اصحاب على على شريح بن ابى اوفى، فضربه بالسيف على ساقه، فأبانها، فجعل يقاتل برجل واحده وهو يقول: الفحل يحمى شوله معقولا [2] ، فحمل عليه قيس ابن سعد فقتله، وقتلت الخوارج كلها ربضه [3] واحده.
__________
[1] بلده مشهوره في طرف النهروان من ناحيه الجبل، وهي من اعمال بغداد.
[2] عقل الفحل: ثنى وظيفه مع ذراعه وشدهما في وسط ذراعه والشول: جمع شائل وهو الناقه اللاقح التي تشول بذنبها آيه لقاحها.
[3] مقتل كل قوم قتلوا في بقعه واحده.
قال: وامر على بمن كان منهم ذا رمق ان يدفعوا الى عشائرهم، وامر بأخذ ما كان في معسكرهم من سلاح ودواب، فقسمه في اصحابه، وامر بما سوى ذلك، فدفع الى وراثهم.
فلما اراد على الانصراف من النهروان قام في اصحابه، فقال: ايها الناس، ان الله قد نصركم على المارقين، فتوجهوا من فوركم هذا الى القاسطين يعنى اهل الشام، فقام اليه رجال من اصحابه، فيهم الاشعث بن قيس، فقالوا: يا امير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت اسنه رماحنا، فارجع بنا الى مصرنا، لنستعد باحسن عدتنا.
فرحل بالناس حتى نزل النخيله، فعسكر بها، فأقاموا أياما، فجعلوا يتسللون الى الكوفه، فلم يبق معه في المعسكر الا زهاء الف رجل من الوجوه.
فلما راى ذلك دخل الكوفه، فأقام بها، وسار فروه بن نوفل بمن كان معه الى حلوان، فجعل يجبى خراجها ويقسمه في اصحابه.
نهاية على بن ابى طالب
قالوا ولما راى على رضى الله عنه تثاقل اصحابه اهل الكوفه عن المسير معه الى قتال اهل الشام، وانتهى اليه ورود خيل معاويه الأنبار، وقتلهم مسلحه على بها والغارة عليها، كتب كتابا، ودفعه الى رجل، وامره ان يقرأه على الناس يوم الجمعه إذا فرغوا من الصلاة، وكانت نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على امير المؤمنين الى شيعته من اهل الكوفه، سلام عليكم، اما بعد، [فان الجهاد باب من أبواب الجنه، من تركه البسه الله الذلة وشمله بالصغار، وسيم الخسف وسيل [1] الضيم،] وانى قد دعوتكم الى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وقلت لكم، [اغزوهم قبل ان يغزوكم، فما غزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم،] هذا أخو بنى عامر قد ورد الأنبار، وقتل
__________
[1] كذا في الأصل، وفي روايات اخرى ومنع النصف.
ابن حسان البكرى، وأزال مسالحكم عن مواضعها، وقتل منكم رجالا صالحين، وقد بلغنى انهم كانوا يدخلون بيت المرأة المسلمه والاخرى المعاهده [1] فينزع حجلها [2] من رجلها، وقلائدها من عنقها، وقد انصرفوا موفورين، ما كلم رجل منهم كلما، فلو ان أحدا مات من هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان جديرا، يا عجبا من امر يميت القلوب، ويجتلب الهم ويسعر الأحزان من اجتماع القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فبعدا لكم وسحقا، قد صرتم غرضا، ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم سيروا في الشتاء قلتم كيف نغزو في هذا القر والصر [3] وان قلت لكم سيروا في الصيف قلتم حتى ينصرم عنا حماره القيظ، وكل هذا فرار من الموت، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف افر، والذى نفسي بيده، ما من ذلك تهربون، ولكن من السيف تحيدون، يا اشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، اما والله لوددت ان الله أخرجني من بين أظهركم وقبضنى الى رحمته من بينكم، ووددت ان لم أركم ولم اعرفكم، فقد والله ملأتم صدري غيظا، وجرعتموني الأمرين أنفاسا، وافسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ان ابن ابى طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. لله ابوهم، هل كان فيهم رجل أشد لها مراسا واطول مقاساه مني؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها انا ذا اليوم قد جنفت الستين. لا، ولكن [لا راى لمن لا يطاع.
] فقام اليه الناس من كل ناحيه، فقالوا: سر بنا، فو الله لا يتخلف عنك الا ظنين. فامر الحارث الهمدانى بالنداء في الناس ان يصبحوا غدا في الرحبه [4] ، ولا يأتينا الا صادق النيه.
فلما اصبح صلى الغداة، واقبل الى الرحبه، فلم ير فيها الا نحو من ثلاثمائه
__________
[1] هي التي لها عهد من اهل الذمة.،
[2] الحجل بالكسر الخلخال.
[3] القرو الصر شده البرد.
[4] الرحبه: مدينه موقعها على الفرات الأوسط.
رجل، فقال: لو كانوا ألوفا لكان لي فيهم راى.
فمكث بعد ذلك يومين، باد حزنه، شديد كآبته.
فقام اليه حجر بن عدى، وسعيد بن قيس الهمدانى، فقالا: اجبر الناس على المسير، وناد فيهم، فمن تخلف، فمر بمعاقبته. فامر مناديا، فنادى في الناس: لا يتخلفن احد، وامر معقل بن قيس ان يسير في الرساتيق [4] فلا يدع أحدا من جنوده فيها الا حشره. فلم ينصرف معقل بن قيس الا بعد ما قتل على رضي الله عنه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *