كسرى انوشروان

كسرى انوشروان

فلما اتى للملك قباذ ثلاث واربعون سنه حضره الموت، ففوض الأمر الى ابنه، وهو انوشروان [4] ، فملك بعد ابيه، وامر بطلب مزدك بن مازيار الذى زين للناس ركوب المحارم، فحرض بذلك السفل على ارتكاب السيئات، وسهل للغصبه الغصب، وللظلمه الظلم، فطلب حتى وجد، فامر بقتله وصلبه، وقتل من كان في ملته.
ثم قسم كسرى انوشروان المملكة اربعه ارباع، وولى كل ربع رجلا من ثقاته، فاحد الارباع: خراسان، وسجستان، وكرمان، والثانى: أصبهان، وقم، والجبل، واذربيجان، وأرمينية، والثالث: فارس، والاهواز الى البحرين، والرابع: العراق الى حد مملكه الروم. وبلغ كل رجل من هؤلاء الأربعة غاية الشرف والكرامه.
__________
[1] جمع استان وهو اربع الكور.
[2] الكورة: هي المدينة الكبيره او الصقع.
[3] جى وتيمره قريتان بأصبهان.
.Nouschirwan [4]
ووجه الجيوش الى بلاد الهياطلة، وافتتح تخارستان وزابلستان [1] ، وكابلستان والصغانيان.
وان ملك الترك سنجبو خاقان جمع اليه اهل المملكة، واستعد، وسار نحو ارض خراسان حتى غلبا على الشاش [2] ، وفرغانه، وسمرقند، وكش [3] ونسف [4] ، وانتهى الى بخارى.
وبلغ ذلك كسرى، فعقد لابنه هرمز، الذى ملك من بعده، على جيش كثيف، ووجهه لمحاربه خاقان التركى، فسار حتى إذا قرب منه خلى ما كان غلب عليه، ولحق ببلاده، فكتب كسرى الى ابنه هرمز بالانصراف.
دولتا الفرس والروم في عهد كسرى
قالوا: وان خالد بن جبله الغساني غزا النعمان بن المنذر، وهو المنذر الأخير، وكانا منذرين، ونعمانين، فالمنذر الاول هو الذى قام بأمر بهرام جور، والمنذر الثانى الذى كان في زمان كسرى انوشروان، وكانوا عمال كسرى على تخوم ارض العرب، فقتل من اصحاب المنذر مقتله عظيمه، واستاق ابل المنذر وخيله، فكتب المنذر الى كسرى انوشروان يخبره بما ارتكب منه خالد بن جبله.
فكتب كسرى الى قيصر: ان يأمر خالدا باقاده المنذر ومن [5] قتل من اصحابه، ورد ما أخذ من أمواله، فلم يحفل قيصر بكتابه، فتجهز كسرى لمحاربته، فسار حتى اوغل في بلاد الجزيرة، وكانت إذ ذاك في يد الروم، فاحتوى على مدينه
__________
[1] زابلستان: خطه واقعه جنوب افغانستان وشمال بلوجستان، وكانت محاطه بكابلستان وخراسان وسيستان وسند، ومن مدنها غزنه، وهي إقليم جميل كثير المياه، واهله مشهورون بالشجاعة.
[2] مدينه بالقرب من فرغانه، وتقع على مجرى نهر سيحون.
[3] قريه على ثلاثة فراسخ من جرجان، تقع على جبل، وهي مسقط راس تيمور لنك.
[4] نسف: مدينه كبيره بين جيحون وسمرقند، لها اربعه أبواب، وهي على مدرج بخارى وبلخ، والجبال منها على مرحلتين فيما يلى كش، وبينها وبين جيحون مفازة لا جبل فيها، ولها نهر واحد يجرى في وسط المدينة.
[5] في الأصل: ما.
دارا [1] ومدينه الرها [2] ومدينه قنسرين [3] ومدينه منبج [4] ومدينه حلب حتى انتهى الى أنطاكية، فأخذها، وكانت اعظم مدينه في الشام والجزيرة، وسبى اهل أنطاكية، وحملهم الى العراق، وامر، فبنيت لهم مدينه الى جانب طيسفون، على بناء مدينه أنطاكية، بازقتها، وشوارعها، ودورها، لا يغادر منها شيئا، وسماها زبر خسرو وهي المدينة التي الى جانب المدائن، تسمى الرومية، ثم سرحوا فيها، فانطلق كل انسان منها الى مثل داره بمدينه أنطاكية، وولى القيام بامرهم رجلا من نصارى الاهواز، يقال له يزدفنا.
وان قيصر كتب الى كسرى يسأله الصلح، ورد ما احتوى عليه من هذه المدن، على ان يؤدى اليه ضريبه موظفه عليه في كل عام وكره كسرى البغى، فأجابه الى ما بذل، ووكل بقبضه وتوجيهه اليه في كل عام شروين الدستباى، فأقام مع ملك الروم هناك ومعه خزين مملوكه المشهور الخبر، وكان نجدا فارسا بطلا.
ولما قفل كسرى منصرفا من ارض الشام اصابه مرض شديد، فمال الى مدينه حمص، فأقام بها في جنوده الى ان تماثل، فكان قيصر يحمل اليه كفاية عسكره الى ان شخص.
قالوا: وكان لكسرى انوشروان ابن يسمى انوش زاذ، كانت أمه نصرانية، ذات جمال، وكان كسرى معجبا بها، وأرادها على ترك النصرانية والدخول
__________
[1] كان موقعها في ارض الجزيرة بين نصيبين وماردين، ويقال انها بنيت بعد غلبه دارا على الاسكندر، وقد فتحها الروم واتخذوها مركزا هاما ضد الايران، ويذكر ابن بطوطه في رحلته انه رآها، وهي تحوى منازل بيضاء وبها قلعه ويوجد بجوار خرابها وآثارها اليوم قريه صغيره.
[2] مدينه ذات مياه جاريه كثيره، تقع على بعد 190 ك. م شمال شرقى حلب، 145 ك. م جنوب غرب ديار بكر.
[3] مدينه قديمه على بعد 25 ك. م. جنوب غربي الشام، وقد فتحت على يد ابى عبيده الجراح سنه 17 هـ، وخربت ايام سيف الدولة بن حمدان في القرن الرابع.
[4] مدينه في الإقليم الشمالي سوريا شمال شرقى حلب، حكمها الشاعر ابو فراس الحمدانى، وفيها اسره الروم.
في المجوسية، فابت، فورث ذلك منها ابنها انوش زاذ، وخالف أباه في الديانه، فغضب عليه، وامر بحبسه في مدينه جنديسابور.
فلما غزا كسرى بلاد الشام بلغ انوش زاذ مرضه ومقامه بحمص، استغوى اهل الحبس، وبث رسله في نصارى جنديسابور، وسائر كور الاهواز، وكسر السجن، وخرج، واجتمع اليه أولئك النصارى، فطرد عمال ابيه من كور الاهواز، واحتوى على الأموال، واشاع بموت ابيه، وتهيأ للمسير نحو العراق. وكتب خليفته بمدينه طيسفون يعلمه خبر ابنه، وما خرج اليه، فكتب اليه كسرى: وجه اليه الجنود، واكمش في حربه، واحتل لأخذه، فان يأت القضاء عليه، فيقتل، فأهون دم، واضيع نفس، واللبيب يعلم ان الدنيا لا يخلص صفوها، ولا يدوم عفوها، ولو كان شيء يسلم من شائبه اذن لكان الغيث الذى يحيى الارض الميته، ولكان النهار الذى ياتى الناس رقودا فيبعهم، وعميا فيضيء لهم، فكم مع ذلك من متأذ بالغيث ومتداع عليه من البنيان، وكم في سيوله وبروقه من هالك، وكم في هواجر النهار من ضرر وفساد، فاستاصل الثؤلول [1] الذى نجم بحدك، ولا يهولنك كثره القوم، فليست لهم شوكه تبقى، وكيف تبقى النصارى وفي دينهم: ان الرجل منهم ان لطم خده الأيسر امكن من الأيمن؟!، فان استسلم انوش زاذ واصحابه فرد من كان منهم في المحابس الى محابسهم، ولا تزدهم على ما كانوا فيه من ضيق ونقص المطعم والملبس، ومن كان منهم من الأساورة [2] فاضرب عنقه، ولا يكن منك عليهم رافه، ومن كان منهم من سفل الناس واوغادهم، فخل سبيلهم، ولا تعرض لهم، وقد فهمت ما ذكرت مما كان منك في نكال القوم الذين أظهروا شتم انوش زاذ، وذكروا أمه، فاعلم ان أولئك ذوو احقاد كامنه وعداوة باطنه، فجعلوا شتم
__________
[1] الثؤلول بالضم: حلمه الثدى، وقد استعير للدلالة على ضالة الشان وصغر الهمه.
[2] القاده والرماه.
انوش زاذ ذريعه لشتمنا، ومرقاه الى ذكرنا، وقد وفقت في تأديبك إياهم، فلا ترخص لأحد في مثل مقالتهم، والسلام.
ثم ان كسرى عوفى من مرضه، فانصرف في جنوده الى دار ملكه، وقد أخذ ابنه انوش زاذ أسيرا، وانتهى فيه الى ما امر به.

الخراج في عهد كسرى
قالوا: وكانت ملوك الأعاجم يضعون على غلات الارضين شيئا معروفا من المقاسمات: النصف، والثلث، والربع، والخمس الى العشر، على قدر قرب الضياع من المدن، وعلى حسب الزكاء والريع، فهم قباذ باسقاط ذلك، ووضع الخراج، فمات قبل ان يستتم المساحة، فامر كسرى انوشروان باستتمامها.
فلما فرغ منها امر الكتاب ففصلوها، ووضعوا عليها الوضائع، ووظف الجزية على اربع طبقات، وأسقطها عن اهل البيوتات والمرازبه [1] والأساورة [2] والكتاب، ومن كان في خدمه الملك، ولم يلزم أحدا لم يأت له عشرون سنه، او جاز الخمسين. وكتب تلك الوضائع في ثلاث نسخ، نسخه خلدها ديوانه، ونسخه بعث بها الى ديوان الخراج، ونسخه دفعت الى القضاء في الكور، ليمنعوا العمال من اعتداء ما في الدستور الذى عندهم، وامر ان يجبى الخراج في ثلاثة انجم [3] ، وسمى الدار التي يجبى فيها ذلك سراى شمره، وتفسيره دار الثلاثة الانجم، وهي التي تعرف بالشمرج اليوم، وقد قيل في تفسير ذلك غير هذا، اى انما هي دار الحساب، والحساب شمره، وهذا كلام معروف في لغة فارس الى اليوم، يسمون الخراج الشمره بالشين على معنى الحساب، ورفع خراج الرءوس عن الفقراء والزمنى، وكذلك خراج الغلات، ورفعه عما نالته
__________
[1] رؤساء الفرس.
[2] قواد الفرس ومجيدو الرمى بالسهام.
[3] اوقات مضروبه، والمفرد نجم.
الآفة على قدر ما أصاب منها، ووكل بكل ذلك قوما ثقاتا، ذوى عدالة، ينفذونه، ويحملون الناس منه على النصفه.
ولم يكن في ملوك العجم ملك كان اجمع لفنون الأدب والحكم، ولا اطلب للعلم منه، وكان يقرب اهل الآداب والحكمه، ويعرف لهم فضلهم، وكان اكبر علماء عصره بزرجمهر بن البختكان، وكان من حكماء العجم وعقلائهم، وكان كسرى يفضله على وزرائه وعلماء دهره.
وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نبيها معروفا بالعقل والكفاية، يقال له بابك بن النهروان، ديوان الجند، فقال لكسرى: ايها الملك، انك قد قلدتني امرا، من صلاحه ان تحتمل لي بعض الغلظه في الأمور: عرض الجنود في كل اربعه اشهر، وأخذ كل طبقه بكمال آلاتها، ومحاسبه المؤدبين على ما يأخذون على تاديب الرجال بالفروسيه والرمى، والنظر في مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم، فان ذلك ذريعه الى اجراء السياسة مجاريها.
فقال كسرى: ما المجاب بما قال باحظى من المجيب، لاشتراكهما في فضله، وانفراد المجيب بعد بالراحة، فحقق مقالتك، وامر، فبنيت له في موضع العرض مصطبه [1] ، وبسط له عليها الفرش الفاخره، ثم جلس، ونادى مناديه: لا يبقين احد من المقاتله الا حضر العرض، فاجتمعوا، ولم ير كسرى فيهم، فأمرهم، فانصرفوا. وفعل ذلك في اليوم الثانى، ولم ير كسرى فانصرفوا، فنادى في اليوم الثالث: ايها الناس، لا يتخلفن من المقاتله احد، ولا من اكرم بالتاج والسرير، فانه عرض لا رخصه فيه ولا محاباه.
وبلغ كسرى ذلك، فتسلح سلاحه، ثم ركب فاعترض على بابك، وكان
__________
[1] مرتفع يقعد عليه.
الذى يؤخذ به الفارس تجفافا [1] ، ودرعا وجوشنا [2] ، وبيضه، ومغفرا [3] وساعدين، وساقين، ورمحا، وترسا، وجرزا [4] ، يلزمه منطقته، وطبرزينا وعمودا، وجعبة فيها قوسان بوتريهما، وثلاثين نشابه، ووترين ملفوفين، يعلقهما الفارس في مغفره ظهريا، فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام، خلا الوترين اللذين يستظهر بهما، فلم يجز بابك على اسمه، فذكر كسرى الوترين، فعلقهما في مغفره، واعترض على بابك فأجاز على اسمه، وقال: لسيد الكماة اربعه آلاف درهم ودرهم. وكان اكثر من له من الرزق، اربعه آلاف درهم، ففضل كسرى بدرهم، فلما قام بابك من مجلسه دخل على كسرى، فقال: ايها الملك، لا تلمني على ما كان من اغلاظى، فما اردت به الا الدربه للمعدله والإنصاف، وحسم المحاباه.
قال كسرى: ما غلظ علينا احد فيما يريد به اقامه أودنا او صلاح ملكنا الا احتملنا له غلظته كاحتمال الرجل شرب الدواء الكريه لما يرجو من منفعته.
قالوا: وكانت كسكر كوره صغيره، فزاد كسرى انوشروان فيها من كوره بهرسير وكوره هرمزدخره، وكوره ميسان، فوسعها بذلك، وجعلها طسوجين [5] ، طسوج جنديسابور، وطسوج الزندورد، وكور بجوخى كوره خسروماه، وجعل لها سته طساسيج، طسوج طيسفون، وهي المدائن، وطيسفون قريه على دجلة اسفل من قباب حميد بثلاثة فراسخ، يقال لها بالنبطية طيسفونج، وطسوج جازر، وطسوج كلواذى، وطسوج نهر بوق، وطسوج جلولاء، وطسوج نهر الملك.
__________
[1] التجفاف بالكسر: آله للحرب، يلبسه الفرس والإنسان ليقيه.
[2] الصدر يدرع به في الحرب.
[3] المغفر كمنبر زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة او حلق يتقنع بها المتسلح.
[4] عمود من حديد.
[5] الطسوج لفظ فارسي معرب، معناه، الناحية.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “كسرى انوشروان

  1. Pingback: سيف بن ذي يزن |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *