سيف بن ذي يزن

سيف بن ذي يزن

فلما طال ذلك على اهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميرى من ولد ذي نواس حتى اتى قيصر، وهو بأنطاكية [1] ، فشكى اليه ما هم فيه من السودان، وساله ان ينصرهم وينفيهم عن ارضهم، ويكون ملك اليمن له، فقال قيصر:
أولئك هم على ديني، وأنتم عبده أوثان، فلم أكن لانصركم عليهم.
فلما يئس منه توجه الى كسرى، فقدم الحيرة على النعمان بن المنذر، فشكى اليه امره، فقال له النعمان: ما كان سبب اخراج جدنا ربيعه بن نصر إيانا عن ارض اليمن، واسكاننا بهذا المكان الا لهذا الشان فاقم، فان لي وفادة في كل عام الى الملك كسرى بن قباذ، وقد حان ذلك، فإذا خرجت أخرجتك معى، واستأذنت لك، وتشفعت لك اليه فيما قصدت له، ففعل واستاذن، وتشفع، فوجه كسرى بجيش ممن كان في السجون، وامر
__________
[1] أنطاكية: مدينه غربي مدينه حلب بالاقليم الشمالي للجمهوريه العربية المتحده، تبعد عنها بحوالى 95 ك. م، وقد كانت مدينه عظيمه بنيت سنه 301 ق. م. وتاثرت على مرور الزمن بالغزوات والحروب، ولا تزال آثارها القديمه باقيه.
عليهم رجلا منهم، يقال له وهرز بن الكامجار، وكان شيخا كبيرا، قد اناف على المائه، وكان من فرسان العجم، وابطالها، ومن اهل البيوتات والشرف، وكان اخاف السبيل، فحبسه كسرى.
فسار وهرز باصحابه الى الأبله [1] ، فركب منها البحر، ومعه سيف بن ذي يزن، حتى خرجوا بساحل عدن، وبلغ الخبر مسروقا، فسار اليهم، فلما التقوا وتواقفوا للحرب اسرع له وهرز بنشابه، فرماه، فلم يخطئ بين عينيه، وخرجت من قفاه، وخر ميتا، وانفض جيشه، ودخل وهرز صنعاء، وضبط اليمن، وكتب الى كسرى بالفتح، فكتب اليه كسرى، يأمره بقتل كل اسود باليمن، وبتمليك سيف عليها، وبالاقبال اليه، ففعل. وان بقايا من السودان قد كان سيف استبقاهم، وضمهم الى نفسه، يجمزون [2] بين يديه إذا ركب، شدوا على سيف يوما، وهم بين يديه في موكبه، فضربوه بحرابهم حتى قتلوه.
الفرس واليمن
فرد كسرى وهرز الى ارض اليمن، وامره الا يدع بها اسود ولا من ضربت فيه السودان الا قتله، فأقام بها خمسه احوال، فلما ادركه الموت دعا بقوسه ونشابه، ثم قال: أسندوني، ثم تناول قوسه، فرمى، وقال: انظروا حيث وقعت نشابتى، فابنوا لي هناك ناووسا، واجعلوني فيه، فوقعت نشابته من وراء الكنيسه، وسمى ذلك المكان الى اليوم مقبره وهرز، ثم وجه كسرى الى ارض اليمن بادان، فلم يزل ملكا عليها الى ان قام الاسلام.
قالوا: وكان قباذ عند ما افضى اليه الملك حدث السن من أبناء خمس عشره سنه، غير انه كان حسن المعرفة، ذكى الفؤاد، رحيب الذراع، بعيد الغور، فولى شوخر امر المملكة، فاستخف الناس بقباذ، وتهاونوا به لاستيلاء شوخر
__________
[1] الأبله: بلده في زاوية الخليج العربي على شاطئ نهر دجلة.
[2] يعدون.
على الأمر دونه، فاغضى قباذ على ذلك خمس سنين من ملكه، ثم انف من ذلك، فكتب الى سابور الرازى من ولد مهران الاكبر، وكان عامله على بابل وخطرنيه [1] ، ان يقدم عليه فيمن معه من الجنود، فلما قدم افشى اليه ما في نفسه، وامره بقتل شوخر، فغدا سابور على قباذ، فوجد شوخر عنده جالسا، فمشى نحو قباذ مجاوزا لشوخر، فلم يابه له شوخر حتى اوهقه سابور، فوقع الوهق [2] في عنقه، ثم اجتره حتى اخرجه من المجلس، فاثقله حديدا، واستودعه السجن، ثم امر به قباذ، فقتل.

الديانة المزدكية

فلما مضى لملك قباذ عشر سنين أتاه رجل من اهل اصطخر، يقال له مزدك، فدعاه الى دين المزدكية، فمال قباذ إليها، فغضبت الفرس من ذلك غضبا شديدا، وهموا بقتل قباذ، فاعتذر اليهم، فلم يقبلوا عذره، وخلعوه من الملك، وحبسوه في محبس، ووكلوا به، وملكوا عليهم جاماسف بن فيروز أخا قباذ. وان اخت قباذ اندست لقباذ حتى اخرجته بحيله، فمكث أياما مستخفيا الى ان امن الطلب، ثم خرج في خمس نفر من ثقاته، فيهم زرمهر بن شوخر نحو الهياطلة [3] ، يستنصر ملكها، فاخذ طريق الاهواز، فانتهى الى ارمشير، ثم صار الى قريه في حد الاهواز وأصبهان، فنزلها متنكرا، وكان نزوله عند دهقانها [4] ، فنظر قباذ الى بنت لصاحب منزله، ذات جمال، فوقعت بقلبه، فقال لزرمهر بن شوخر: انى قد هويت هذه الجاريه، ووقعت بقلبي، فانطلق الى أبيها، فاخطبها على، ففعل.
__________
[1] خطرنيه: بلد كانت بأرض بابل
[2] الحبل يرمى في انشوطه فتؤخذ به الدابة او الإنسان، والانشوطه كانبوبه: عقده يسهل انحلالها.
[3] هياطله اسم لبلاد ما وراء النهر.
[4] الدهقان بالكسر والضم زعيم فلاحى العجم ورئيس الإقليم، وهو لفظ معرب.
فأرسل قباذ الى الجاريه بخاتمه، وجعل ذلك مهرها، فهيئت وادخلت عليه، فخلا بها قباذ، وسر بها سرورا شديدا لما الفاها ذات عقل وجمال وادب وهيئة، فأقام عندها ثلاثا، ثم امرها بحفظ نفسها، وخرج سائرا حتى ورد على صاحب الهياطلة، فشكا اليه صنيع رعيته به، وساله ان يمده بجيش ليسترجع ملكه، فأجابه الى ذلك، وشرط عليه ان يسلم له حيز الصغانيان، ووجه معه ثلاثين الف رجل.
فاقبل بهم يريد أخاه، فاخذ على طريقه الذى شخص فيه بديئا حتى نزل القرية التي تزوج فيها بتلك المرأة، فنزل على أبيها، وساله عنها، فاخبره انها ولدت غلاما، فامر بإدخالها عليه مع ابنها، فدخلت ومعها الغلام، فابتهج به، ورآه كاجمل ما يكون من الغلمان، فسماه كسرى، وهو كسرى انوشروان الذى تولى الملك من بعده، فقال لزرمهر: اخرج، فسل لي عن هذا الرجل ابى الجاريه هل له قديم شرف؟، فسال عنه، فاخبر انهم من ولد فريدون الملك، ففرح بذلك قباذ، وامر بالجارية وابنها، فحملا معه.
ولما انتهى الى مدينه طيسفون تلاومت العجم فيما بينها، وقالوا: ان قباذ تنصل إلينا من شان مزدك، ورجع عما كنا اتهمناه، فلم نقبل ذلك منه، وظلمناه حقه، وأسأنا اليه، فخرجوا اليه جميعا، وفيهم جاماسف اخوه الذى ملكوه، فاعتذروا اليه، فقبل ذلك منهم، وصفح عن أخيه جاماسف، وعنهم، واقبل فدخل قصر المملكة، ووصل الجيش الذى اقبل بهم، واجازهم، واحسن اليهم، وردهم الى ملكهم، وامر بالجارية، فانزلت في افضل مساكنه.
ثم ان قباذ تجهز وسار في جنوده، غازيا بلاد الروم، فافتتح مدينه آمد وميافارقين، وسبى أهلها، وامر فبنيت لهم مدينه فيما بين فارس والاهواز، فأسكنهم فيها، وسماها ايرقباذ، وهي استان الأعلى، وجعل لها اربعه طساسيج:
طسوج [1] الأنبار، وكان منها هيت وعانات [2] ، فضمها يزيد بن معاويه حين ملك
__________
[1] الطسوج: هو الناحية.
[2] بلدان بأرض العراق.
الى الجزيرة، وطسوج بادوريا، وطسوج مسكن، وكور كوره بهقباذ الأوسط، وبهقباذ الأسفل، وضم إليها ثمانية طساسيج، لكل كوره اربعه طساسيج، وهي الاستانات [1] ، وشق كوره [2] أصبهان كورتين، شق جى، وشق التيمره [3] .
وكان لقباذ عده من الأولاد، لم يكن فيهم آثر عنده من كسرى، لاجتماع الشرف فيه، غير انه كان به ظنه، اى سيئ الظن، فلم يكن قباذ يحمده عليها، فقال له ذات يوم: يا بنى قد كملت فيك الخصال التي هي جماع امور الملك، غير ان بك ظنه، وان الظنه في غير موضعها داعيه الأوزار، ومحبطة للأعمال فاعتذر كسرى الى ابيه مما وقع في قلبه من ذلك، واستصلح نفسه عنده.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

2 thoughts on “سيف بن ذي يزن

  1. Pingback: كسرى انوشروان |

  2. Pingback: يزدجرد بن بهرام |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *