سلطان عبد الله بن الزبير

سلطان عبد الله بن الزبير

قالوا: ولما قتل المختار، واستتب الأمر لعبد الله بن الزبير، ارسل الى عبد الله ابن عباس ومحمد بن الحنفيه: اما ان تبايعاني او تخرجا من جواري.
فخرجا من مكة، فنزلا الطائف، وأقاما هناك.
وتوفى عبد الله بن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد بن الحنفيه.
وخرج محمد بن الحنفيه حتى اتى ايله [1] ، وكتب الى عبد الملك بن مروان، يستاذنه في القدوم عليه، والنزول في جواره، فكتب اليه: وراءك اوسع لك، ولا حاجه لي فيك.
فأقام محمد بن الحنفيه عامه ذلك بايله، ثم توفى بها.
وقتل المختار، وابراهيم بن الاشتر عامله على كوره الجزيرة، فكتب الى مصعب يسأله الامان، وكتب اليه يأمره بالقدوم عليه، فقدم وبايعه، وفوض مصعب اليه جميع امره، واظهر بره والطافه، ولم تزل السته الآلاف [2] الذين دخلوا القصر متحصنين فيه شهرين، حتى نفد جميع ما كان المختار اعده فيه من الطعام، فسألوا الامان، فأبى مصعب ان يعطيهم الامان الا على حكمه.
فأرسلوا اليه: انا ننزل على حكمك.
فنزلوا عند ما بلغ اليهم الجوع.
فضرب أعناقهم كلها، وكانوا سته آلاف: الفين من العرب، واربعه آلاف من العجم.
ودعا مصعب بامرأتي المختار، أم ثابت ابنه سمره بن جندب، وعمره بنت النعمان بن بشير، فدعاهما الى البراءة من المختار، فاما أم ثابت فإنها تبرات منه، وأبت عمره ان تتبرأ منه.
فامر بها مصعب، فأخرجت الى الجبانة، فضربت عنقها.
__________
[1] مدينه كانت على ساحل البحر الأحمر مما يلى الشام، وهي مدينه اليهود الذين اعتدوا في السبت، وكان حجاج مصر يجتازونها.
[2] في الأصل: آلاف.
فقال بعض الشعراء في ذلك:
ان من اعجب العجائب عندي … قتل بيضاء حره عطبول [1]
قتلوها بغير ذنب سفاها … ان لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا … وعلى المحصنات جر الذيول
وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك:
الم تعجب الأقوام من قتل حرة … من المخلصات الدين محموده الأدب؟
من الغافلات المؤمنات بريئة … من الزور والبهتان والشك والريب
علينا كتاب الله في القتل واجب … وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب
فقلت ولم اظلم، اعمرو بن مالك … يقتل ظلما، لم يخالف ولم يرب
ويسبقنا آل الزبير بوترنا … ونحن حماة الناس في البارق الاشب [2]
فان تعقب الأيام منهم نجازهم … على حنق بالقتل والاسر والحنب [3]
ثم ان مصعب بن الزبير نزل القصر بالكوفه، واستعمل العمال، وجبى الخراج، فولى البصره عبيد الله بن معمر التيمى، ورد المهلب الى قتال الازارقه.
قالوا: ولما صفا الأمر لعبد الله بن الزبير ودانت له البلدان الا ارض الشام، جمع عبد الملك بن مروان اخوته، وعظماء اهل بيته، فقال لهم: ان مصعب بن الزبير قد قتل المختار، ودانت له ارض العراق، وسائر البلدان، ولست آمنه ان يغزوكم في عقر بلادكم، وما من قوم غزوا في عقر دارهم الا ذلوا، فما ترون؟.
فتكلم بشر بن مروان، فقال:
يا امير المؤمنين، ارى ان تجمع إليك اطرافك، وتستجيش جنودك، وتضم إليك قواصيك، وتسير اليه، وتلف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.
__________
[1] المرأة العطبول هي الفتيه الجميلة الممتلئة الطويله العنق.
[2] البارق: موضع قرب الكوفه، والاشب: كثير الشجر.
[3] الحنب والتحنيب: اعوجاج في الضلوع.
فقال القوم: هذا الرأي، فاعمل به، فان بنا قوه ونهوضا.
فوجه رسله الى كور الشام ليجتمع اليه، فاجتمع له جميع اجناد الشام، ثم سار وقد احتشد، ولم ينزل.

خضوع العراق لجند الشام

وبلغ مصعب بن الزبير خروجه، فضم اليه اطرافه، وجمع اليه قواصيه، واستعد، ثم خرج لمحاربته، فتوافى العسكران بدير الحانات، فقال عدى بن زيد بن عدى، وكان مع عبد الملك:
لعمري لقد اصحرت خيلنا … بأكناف دجلة للمصعب [1]
يجرون كل طويل الكعوب … معتدل النصل والثعلب [2]
بكل فتى واضح وجهه … كريم الضرائب [3] والمنصب
ولما نظر اصحاب مصعب الى كثره جموع عبد الملك تواكلوا، وشملهم الرعب، فقال مصعب لعروه بن المغيره، وهو يسايره:
ادن يا عرو اكلمك.
فدنا منه.
فقال: أخبرني عن الحسين، كيف صنع حين نزل به الأمر؟
قال عروه: فجعلت احدثه بحديث الحسين، وما عرض عليه ابن زياد من النزول على حكمه، فأبى ذلك، وصبر للموت.
فضرب مصعب معرفه [4] دابته بالسوط، ثم قال:
فان الالى بالطف [5] من آل هاشم … تأسوا فسنوا للكرام التأسيا
وان عبد الملك كتب الى رؤساء اصحاب مصعب يستميلهم اليه، ويعرض عليهم الدخول في طاعته، ويبذل لهم على ذلك الأموال.
__________
[1] اصحرت الخيل: برزت في الصحراء، والأكناف جمع كنف بفتحتين وهو الجانب.
[2] المقصود بالثعلب طرف الرمح الداخل في جبه السنان.
[3] الضرائب: جمع ضريبه، وهي الطبيعة والسجية، او السيف وحده، كالمضرب.
[4] المعرفة موضع العرف من الفرس.
[5] الطف: موضع قرب الكوفه.
وكتب الى ابراهيم بن الاشتر فيمن كتب.
فاقبل ابراهيم بالكتاب مختوما فناوله مصعبا، وقال:
ايها الأمير، هذا كتاب الفاسق عبد الملك بن مروان.
قال له مصعب: فهلا قراته.
قال: ما كنت لافضه، ولا اقراه الا بعد قراءتك له.
ففضه مصعب، وإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك امير المؤمنين الى ابراهيم ابن الاشتر، اما بعد، فانى اعلم ان تركك الدخول في طاعتي ليس الا عن معتبه، فلك الفرات وما سقى، فانجز الى فيمن أطاعك من قومك، والسلام.
فقال مصعب: فما يمنعك يا ابن النعمان؟
قال: لو جعل لي ما بين المشرق الى المغرب ما اعنت بنى اميه على ولد صفيه.
فقال مصعب: جزيت خيرا أبا النعمان.
فقال ابراهيم لمصعب: ايها الأمير، لست اشك ان عبد الملك قد كتب الى عظماء أصحابك بنحو مما كتب الى، وانهم قد مالوا اليه، فائذن لي في حبسهم الى فراغك، فان ظفرت مننت بهم على عشائرهم، وان تكن الاخرى كنت قد أخذت بالحزم.
قال مصعب: اذن يحتجوا على عند امير المؤمنين.
فقال ابراهيم: ايها الأمير، لا امير المؤمنين والله لك اليوم، وما هو الا الموت، فمت كريما.
فقال مصعب: يا أبا النعمان، انما هو انا وأنت فنقدم للموت.
قال ابراهيم: اذن، والله افعل.
قال: ولما نزلوا بدير الجاثليق [1] باتوا ليلتهم.
__________
[1] الجاثليق رئيس للنصارى في بلاد الاسلام بمدينه السلام، ويكون تحت يد بطريق أنطاكية، ثم المطران تحت يده، ثم الاسقف يكون في كل بلد من تحت المطران، ثم القسيس، ثم الشماس.
فلما أصبحوا نظر ابراهيم بن الاشتر، فإذا القوم الذين اتهمهم قد ساروا تلك الليلة، فلحقوا بعبد الملك بن مروان، فقال لمصعب:
كيف رايت رأيي؟.
ثم زحف بعضهم الى بعض، فاقتتلوا، فاعتزلت ربيعه، وكانوا في ميمنه مصعب، وقالوا لمصعب: لا نكون معك ولا عليك.
وثبت مع مصعب اهل الحفاظ، فقاتلوا، وامامهم ابراهيم بن الاشتر، فقتل ابراهيم.
فلما راى مصعب ذلك، استمات، فترجل، وترجل معه حماه اصحابه، فقاتلوا حتى قتل عامتهم، وانكشف الباقون عن مصعب.
فحمل عليه عبد الله بن ظبيان، فضربه من ورائه بالسيف، ولا يشعر به مصعب، فخر صريعا، فنزل واجهز عليه، واحتز راسه.
فاتى به عبد الملك، فخزن عليه حزنا شديدا، وقال: متى تغدو قريش مثل مصعب؟ وددت لو انه قبل الصلح، وانى قاسمته مالي.
ولما قتل مصعب بن الزبير استامن من بقي من اصحابه الى عبد الملك، فامنهم.
فقال عبد الله بن قيس الرقيات:
لقد ورد المصرين خزى وذله … قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما صبرت في الحرب بكر بن وائل … ولا ثبتت عند اللقاء تميم
ولكنه ضاع الذمار فلم يكن … بها عربي عند ذاك كريم
وكان قتل مصعب يوم الخميس للنصف من جمادى الاولى سنه اثنتين وسبعين [1] .
فارتحل عبد الملك بالناس حتى دخل الكوفه، فدعاهم الى البيعه، فبايعوه.
ثم جهز الجيوش الى تهامه لمحاربه عبد الله بن الزبير، وولى الحرب قدامه ابن مظعون، وامره بالمسير.
وانصرف عبد الملك الى الشام.
__________
[1] سنه 691 م

مقتل عبد الله بن الزبير

ثم وجه الحجاج بن يوسف لمحاربه عبد الله بن الزبير، وعزل قدامه بن مظعون، فسار الحجاج حتى نزل الطائف، واقام شهرا.
ثم كتب الى عبد الملك: انك يا امير المؤمنين متى تدع ابن الزبير يعمل فكره، ويستجيش ويجمع انصاره، وتثوب اليه فلاله كان في ذلك قوه له، فائذن في معاجلته لي.
فاذن له.
فقال الحجاج لأصحابه: تجهزوا للحج.
وكان ذلك في ايام الموسم.
ثم سار من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على ابى قبيس [1] .
فقال الاقيشر الأسدي:
لم أر جيشا غر بالحج مثلنا … ولم أر جيشا مثلنا غير ما خرس
دلفنا لبيت الله نرمي ستوره … باحجارنا زفن الولائد في العرس [2] .
دلفنا له يوم الثلاثاء من منى … بجيش كصدر الفيل ليس بذى راس
فالا ترحنا من ثقيف وملكها … نصل لايام السباسب والنحس [3] .
فطلبه الحاج، فهرب، واناخ الحجاج بابن الزبير.
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد.
واستعمل الحجاج على المنجنيق ابن خزيمة [4] ، فجعل يرمى اهل المسجد ويقول:
خطاره مثل الفنيق الملبد … نرمي بها عواذ اهل المسجد [5]
__________
[1] ابو قبيس جبل بمكة سمى باسم رجل من مذحج حداد، لأنه أول من بنى فيه.
[2] زفن كضرب: رقص.
[3] السباسب هي ايام السعانين، والسعانين، او الشعانين: عيد للنصارى قبل عيد الفصح باسبوع، يخرجون فيه بصلبائهم.
[4] الخثعمى
[5] الخطاره: المقلاع والمنجنيق، والفنيق الفحل المكرم.
فلما اشتد على ابن الزبير واصحابه الحصار، خرجت بنو سهم من بابهم، فقال ابن الزبير:
فرت سلامان، وفرت النمر … وقد تكون معهم فلا تفر
وجعل اهل الشام يدخلون عليه المسجد، فيشد عليهم، فيخرجهم من المسجد حتى رمى بحجر، فأصاب جبهته، فسقط لوجهه، ثم تحامل، فقام، وهو يقول:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدما
ثم قال لأصحابه: اخرجوا الى من بالباب، واحملوا، ولا يلهينكم طلبى، والسؤال عنى، فانى في الرعيل الاول.
فخرج، وخرجوا معه، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل عامه من كانوا معه، واحدقوا به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه.
فامر به الحجاج، فصلب.
فمر به عبد الله بن عمر، فقال:
رحمك الله أبا بكر، اما والله لقد كنت صواما قواما، غير انك رفعت الدنيا فوق قدرها، وليست لذلك باهل، وان أمه أنت شرها لامه صدق.
وكان مقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشره ليله خلت من جمادى الآخرة، سنه ثلاث وسبعين [1] .
ولما قتل عبد الله بن الزبير خرج اخوه عروه بن الزبير هاربا من الحجاج حتى اتى الشام، فاستجار بعبد الملك بن مروان، فاجاره، واظهر إكرامه، واقام عنده.
فكتب الحجاج الى عبد الملك به ان اموال عبد الله بن الزبير عند أخيه عروه، فرده الى لاستخرجها منه.
فقال عبد الملك لبعض احراسه:
انطلق بعروة الى الحجاج.
__________
[1] سنه 692 م
فقال عروه:
يا بنى مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه.
فتذمم عبد الملك، وخلى سبيل عروه.
وكتب الى الحجاج: اله عن عروه، فلن أسلطك عليه.
فأقام الحجاج بمكة حتى اقام للناس الحج.
وامر بالكعبه فنقضت، واعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم.
وفي ذلك العام توفى عبد الله بن عمر، وله اربع وسبعون سنه. فدفن بذى طوى [1] في مقبره المهاجرين.
وكان يكنى أبا عبد الرحمن.
وفيها مات ابو سعيد الخدرى، واسمه سعد بن مالك.
وفيها مات رافع بن خديج، وله ست وثمانون سنه، وكان يكنى أبا عبد الله.

سك النقود العربية

قالوا: وامر عبد الملك بضرب الدراهم سنه ست وسبعين، ثم امر بعد ذلك بضرب الدنانير، وهو أول من ضربها في الاسلام.
وانما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم.
وفي تلك السنه مات جابر بن عبد الله، وله سبع وتسعون سنه.

ابن الاشعث وفتنته

ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس على الحجاج.
وكان سبب خروجه انه دخل على الحجاج يوما، فقال له الحجاج:
انك لمنظر انى.
قال عبد الرحمن: اى والله، ومخبرانى.
وقام عبد الرحمن، فخرج.
__________
[1] ذو طوى، مثلث الطاء موضع قرب مكة.
فقال الحجاج لمن كان عنده:
ما نظرت الى هذا قط، الا اشهيت ان اضرب عنقه.
وكان عامر الشعبى حاضرا.
وان عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبى، فقام عبد الرحمن اليه.
فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجى من عنده بشيء؟
فقال الشعبى: أعطني عهدا وثيقا الا يسمعه منك احد.
فاعطاه ذلك.
فاخبره بما كان الحجاج قال فيه.
فقال عبد الرحمن:
والله لاجهدن في قطع خيط رقبته.
ثم ان عبد الرحمن دب في عباد اهل الكوفه وقرائهم، فقال:
ايها الناس، الا ترون هذا الجبار يعنى الحجاج وما يصنع بالناس؟
الا تغضبون لله؟ الا ترون ان السنه قد أميتت، والأحكام قد عطلت، والمنكر قد اعلن، والقتل قد فشا؟ اغضبوا لله، واخرجوا معى، فما يحل لكم السكوت.
فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعباد، وواعدهم يوما يخرجون فيه.
فخرجوا على بكره ابيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الاهواز، ثم كتبوا الى الحجاج:
خلع الملوك وسار تحت لوائه … شجر العرى وعراعر الأقوام [1]
فأرسل الحجاج كتابه الى عبد الملك بن مروان.
فكتب عبد الملك في جوابه:
وانى وإياهم كمن نبه القطا … ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى [2]
اخال صروف الدهر للحين منهم … ستحملهم منى على مركب وعر
__________
[1] جمع عرور بضم الاول والثانى وهو الاجرب.
[2] القطا: طائر ومفرده قطاة.
قالوا: واهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جاريه إفريقية، أهداها اليه موسى ابن نصير، عامله على ارض المغرب، وكانت من اجمل نساء دهرها، فباتت عنده تلك الليلة، فلم ينل منها شيئا اكثر من ان غمز كفها، وقال لها: ان دونك امنيه المتمنى.
قالت: فما يمنعك؟
قال: يمنعني بيت مدحنا به، وهو:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء ولو باتت باطهار
فزعموا انه مكث سبعه اشهر لا يقرب امراه حتى أتاه قتل عبد الرحمن بن محمد.
ثم ان الحجاج بعث أيوب بن القرية الى عبد الرحمن بن محمد، وقال:
انطلق، فادفعه الى الطاعة، وله الامان على ما سلف من ذنبه.
فانطلق اليه ابن القرية، فدعاه، فابلغ في الدعاء، فقال له عبد الرحمن:
ويحك يا ابن القرية، ايحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم، واستحلاله المحارم؟ اتق الله يا ابن القرية، ووال عباد الله في البريه.
ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما ارسل فيه، واقام مع عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن:
انى اريد ان اكتب الى الحجاج كتابا مسجعا، اعرفه فيه سوء فعاله، وابصره قبح سريرته، فامله على.
فقال أيوب: ان الحجاج يعرف الفاظى.
قال: وما عليك، انى لأرجو ان نقتله عن قريب.
فاملى عليه، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد، الى الحجاج بن يوسف، سلام على اهل طاعه الله، الذين يحكمون بما انزل الله، ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون لله احكاما، فانى احمد الله الذى بعثني لمنازلتك، وقواني على محاربتك
حين تهتكت ستورك، وتحيرت امورك، فأصبحت حيران تائها، لهفان لا تعرف حقا، ولا تلائم صدقا، ولا ترتق فتقا، ولا تفتق رتقا، وطالما تطاولت فيما تناولت، فصرت في الغى مذبذبا، وعلى الشراره مركبا، فتدبر امرك، وقس شبرك بفترك [1] ، فإنك مراق عراق [2] ، ومعك عصابه فساق، جعلوك مثالهم، كحذوهم نعالهم، فاستعد للابطال بالسيوف والعوال [3] ، فستذوق وبال امرك، ويرجع عليك غيك، والسلام.
فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف الفاظ ابن القرية، وعلم انه من املائه.
فكتب الى عبد الرحمن في جوابه.
بسم اللهالرحمن الرحيم ، من الحجاج بن يوسف الى عبد الرحمن بن الاشعث، سلام على اهل التورع لا التبدع، فانى احمد الله الذى حيرك بعد البصيره، فمرقت عن الطاعة، وخرجت عن الجماعه، فعسكرت في الكفر، وذهلت عن الشكر، فلا تحمد الله في سراء، ولا تصبر لأمره في ضراء، قد أتاني كتابك بلفظات فاجر، فاسق غادر، وسيمكن الله منه، ويهتك ستوره، اما بعد فهلم الى فعل وفعال، ومعانقه الابطال بالبيض والعوال، فان ذلك احرى بك من قيل وقال، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، وخشي الله، واتقى.
وان عبد الملك وجه الى الحجاج عشره آلاف رجل من فرسان اهل الشام لمحاربه عبد الرحمن بن محمد.
فلما قدموا عليه تجهز، وسار نحو عبد الرحمن، فالتقوا بالاهواز، فاقتتلوا، فانهزم عبد الرحمن، ومضى على وجهه، فمر على رجل من اصحابه مسلوب حاف، يمشى ويعثر.
__________
[1] الشبر: ما بين اعلى الابهام واعلى الخنصر، والفتر بالكسر ما بين طرف الابهام وطرف المشيره.
[2] المرق: اكثار مرقه القدر والعرق العظم بلحمه.
[3] الرماح.
فأنشأ عبد الرحمن يقول:
منخرق الخفين يشكو الوجى … تنكئه اطراف مرو حداد [1]
اخرجه الخذلان عن أرضه … كذلك من يكره حر الجلاد
ان كان في الموت له راحة … فالموت حتم في رقاب العباد
فقال الرجل:
فهلا ثبت، فنقاتل معك.
فقال له عبد الرحمن:
اوبمثلك تسد الثغور؟!.
ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الاتراك، فأقام عنده.
فكتب عبد الملك الى ملك الاتراك، يخبره بشقاق عبد الرحمن، وخلعه الطاعة، وخروجه عليه، ويسأله ان يرده عليه.
فقال ملك الاتراك لطراخنته [2] :
ان ابن الاشعث هذا رجل مخالف للملوك، فلا ينبغى لي ان آويه، بل ابعث به الى ملكه، فيتولى من امره ما أحب.
فوجه به مع مائه رجل من ثقاته، فانزلوه في طريقه قصرا في قريه، فرقى الى ظهر القصر، ورمى بنفسه من السور، فمات.
وان أيوب بن القرية اسر فيمن اسر من اصحاب عبد الرحمن، فادخل به على الحجاج.
فلما ادخل عليه، قال له:
يا عدو الله، بعثتك رسولا الى عبد الرحمن، فتركت ما بعثت له، وصرت وزيرا ومشيرا، تصدر له الكتب، وتسجع له الكلام، وتدبر له الأمور.
__________
[1] الوجى: الحفا، او أشد منه، ونكى: جرح، والمرو: حجارة بيض تورى النار.
[2] جمع طرخان بالفتح وهو اسم للرئيس الشريف.
فقال ابن القرية:
اصلح الله الأمير، كان شيطانا في مسك انسان، استمالني بسحره، وخلبنى بلفظه، فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب.
قال الحجاج:
كذبت يا ابن اللخناء [1] ، بل كان قلبك منافقا، ولسانك مدامجا، فكتمت امرا اظهره الله، واطعت فاسقا خذله الله، فما بقي من نعتك؟
قال ابن القرية: ذهني جديد، وجوابي عتيد.
قال: كيف علمك بالأرض؟
قال: ليسألني الأمير عما أحب.
قال: أخبرني عن الهند.
قال: بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عطر.
قال: فأخبرني عن مكران.
قال: ماؤها وشل [2] ، وتمرها دقل [3] ، وسهلها جبل، ولصها بطل، ان كثر الجيش بها جاعوا، وان قلوا ضاعوا.
قال: فخراسان.
قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، بأسهم شديد، وشرهم عتيد، وخيرهم بعيد.
قال: فاليمن.
قال: ارض العرب، ومعدن الذهب.
قال: فعمان.
قال: حرها شديد، وصيدها موجود، وأهلها عبيد.
__________
[1] اللخن محركه: قبح ريح الفرج، والمرأة اللخناء التي لم تختن.
[2] الوشل محركه: الماء القليل.
[3] الدقل: اردا التمر.
قال: فالبحرين.
قال: كناسه [1] بين مصرين، وجنه بين بحرين.
قال: فمكه.
قال: قوم ذوو جفاء، ومن سجيتهم الوفاء.
قال: فالمدينة.
قال: ذوو لطف وبر، وخير وشر.
قال: فالبصره.
قال: حرها فادح، وماؤها مالح، وفيضها سائح.
قال: فالكوفة.
قال: جنه بين حماه وكنه [2] ، العراق تحشد لها، والشام يدر عليها، سفلت عن برد الشام، وارتفعت عن حر الحجاز.
قال: فالشام.
قال: تلك عروس بين نسوه جلوس، تجلب إليها الأموال، وفيها الضراغمه الابطال.
قال له الحجاج: ثكلتك أمك، أنت المصدر الكتب لابن الاشعث، الم تعلم انى لا اصاحب على الشقاق، ولا اجامع على النفاق؟
قال ابن القرية: استبقني ايها الأمير.
قال: لماذا؟
قال: لنبوه بعد هفوة.
قال الحجاج: لا، بل لغدره بعد نكثه، يا غلام، ناولني الحربه.
وقد امسك ابن القرية اربعه رجال فلا يستطيع تحريكا، وهز الحجاج الحربه ثلاثا.
__________
[1] الكناسة: المرأة الحسناء.
[2] موضعان أولهما بالشام والثانى بفارس.
فقال ابن القرية: اسمع منى ثلاث كلمات، تكن بعدي مثلا.
قال: هات.
قال: لكل جواد كبوه، ولكل حليم هفوة، ولكل شجاع نبوه.
فوضع الحجاج الحربه في ثندوه ابن القرية، ودفعها حتى خالطت جوفه، ثم خضخضها [1] ، وأخرجها، فاتبعها دم اسود.
فقال الحجاج:
هكذا تشخب أوداج الإبل.
وفحص ابن القرية برجليه وشخص بصره، وجعل الحجاج ينظر اليه حتى قضى.
فحمل في النطع [2] .
فقال الحجاج:
لله درك يا ابن القرية، اى ادب فقدنا منك، واى كلام رصين سمعنا منك.
ودخل بعد ذلك انس بن مالك.
فقال له الحجاج:
هيه يا انس، يوما مع المختار، ويوما مع ابن الاشعث، جوال في الفتن، والله لقد هممت ان اطحنك طحن الرحى بالثفال [3] ، واجعلك غرضا للنبال.
قال انس: من يعنى الأمير؟ اصلحه الله.
قال: إياك اعنى، اسك الله سمعك.
فانصرف انس الى منزله، وكتب من ساعته الى عبد الملك بن مروان:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك امير المؤمنين من انس بن مالك،
__________
[1] الخضخضة: تحريك الماء.
[2] النطع: بساط من الأديم.
[3] الثفال ككتاب الحجر الأسفل من الرحى.
اما بعد، فان الحجاج قال لي نكرا، واسمعنى هجرا، ولم أكن لذلك أهلا، فخذ على يديه، وأعدني عليه، والسلام.
فلما قرأ عبد الملك كتاب انس استشاط غضبا، ثم كتب اليه.
هيه يا ابن يوسف، اردت ان تعلم راى امير المؤمنين في انس، فان سوغك مضيت قدما، وان لم يسوغك رجعت القهقرى، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب [1] ، انسيت مكاسب آبائك بالطائف في حفر الابار، وسد السكور [2] ، وحمل الصخور على الظهور؟ ابلغ من جرأتك على امير المؤمنين ان تعنت بانس ابن مالك، خادم رسول الله ص ست سنين، يطلعه على سره، ويفشى اليه الاخبار التي كانت تأتيه عن ربه؟ فإذا أتاك كتابي هذا فامش اليه على قدميك حتى تأخذ كتابه الى بالرضى، والسلام.
فلما وصل كتاب عبد الملك الى الحجاج قال لمن حوله من اصحابه: قوموا بنا الى ابى حمزه. فقام ماشيا.
ومضى معه اصحابه حتى اتى أنسا، فاقراه كتاب عبد الملك اليه.
فقال انس: جزى الله امير المؤمنين خيرا، كذلك كان رجائى فيه.
قال له الحجاج: فان لك العتبى، وانا صائر الى مسرتك، فاكتب الى امير المؤمنين بالرضى.
فكتب اليه انس بالرضى عنه.
ودفعه الى الحجاج، فانفذه الحجاج على البريد الى عبد الملك.

نهاية عبد الملك بن مروان

قالوا: ولما حضرت عبد الملك الوفاة، وذلك في سنه ست وثمانين أخذ البيعه
__________
[1] العجم كل ما كان في جوف ماكول كالزبيب، واستفرمت المرأة بعجم الزبيب يعنى انها عالجت به فرجها ليضيق.
[2] السكور جمع سكر وهو ما يسد به النهر.
لابنه الوليد، وكان ولده: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ومسلمه، ومحمد.
ثم قال للوليد: يا وليد، لا الفينك إذا وضعتني في حفرتي ان تعصر عينيك كالأمة الورهاء [1] بل ائتزر وشمر، والبس جلد النمر، وادع الناس الى البيعه ثانيا، فمن قال برأسه كذا، فقل بالسيف كذا. ووعك وعكا شديدا.
فلما اصبح جاء الوليد، فقام بباب المجلس، وهو غاص بالنساء، فقال:
كيف اصبح امير المؤمنين؟
قيل له: يرجى له العافيه.
وسمع عبد الملك ذلك، فقال:
وكم سائل عنا يريد لنا الردى … وكم سائلات والدموع ذوارف
ثم امر بالنساء، فخرجن.
واذن لبنى اميه فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاويه فقال لهما:
يا بنى يزيد، اتحبان ان اقيلكما بيعه الوليد؟
قالا: معاذ الله، يا امير المؤمنين.
قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت بقتلكما على حالتي هذه.
ثم خرجوا عنه، واشتد وجعه، فتمثل ببيت اميه بن ابى الصلت:
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لي … في قلال الجبال ارعى الوعولا
فلم يمس يومه ذلك حتى قضى.
وكان سلطانه احدى وعشرين سنه وسته اشهر، وكان له يوم مات ثمان وخمسون سنه، من ذلك سبع سنين، كان فيها محاربا لعبد الله بن الزبير، ثم صفا له الملك بعد قتله ابن الزبير ثلاثة عشر سنه ونصفا.
__________
[1] الجاريه الحمقاء.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “سلطان عبد الله بن الزبير

  1. Pingback: ملك التبابعة |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *