ذِكْرُ وَقْعَةِ ذِي قَارٍ وَسَبَبِهِ

ذِكْرُ وَقْعَةِ ذِي قَارٍ وَسَبَبِهِ

ذَكَرُوا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ «قَالَ لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ ظَفَرِ رَبِيعَةَ بِجَيْشِ كِسْرَى: (هَذَا أَوَّلُ يَوْمٍ انْتَصَفَ الْعَرَبُ فِيهِ مِنَ الْعَجَمِ وَبِي نُصِرُوا) » . فَحَفِظَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَكَانَ يَوْمَ الْوَاقِعَةِ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ التَّمِيمِيُّ وَأَخُوهُ عَمَّارٌ، وَهُوَ أُبَيٌّ، وَعَمْرٌو، وَهُوَ سُمَيٌّ، يَكُونُونَ مَعَ الْأَكَاسِرَةِ وَلَهُمْ إِلَيْهِمُ انْقِطَاعٌ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ لَمَّا مَلَكَ جَعَلَ ابْنَهُ النُّعْمَانَ فِي حِجْرِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ غَيْرَ النُّعْمَانِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْأَشَاهِبَ لِجَمَالِهِمْ. فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَّفَ أَوْلَادَهُ أَرَادَ كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَى الْعَرَبِ مَنْ يَخْتَارُهُ، فَأَحْضَرَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وَسَأَلَهُ عَنْ أَوْلَادِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: هُمْ رِجَالٌ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهِمْ. فَكَتَبَ عَدِيٌّ فَأَحْضَرَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ، وَكَانَ يُفَضِّلُ إِخْوَةَ النُّعْمَانِ عَلَيْهِ وَيُرِيهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجُو النُّعْمَانَ وَيَخْلُو بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ لَهُ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ قُولُوا: نَكْفِيكَهُمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. وَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: إِذَا سَأَلَكَ الْمَلِكُ عَنْ إِخْوَتِكَ فَقُلْ لَهُ: إِذَا عَجِزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ.
وَكَانَ مِنْ بَنِي مَرِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَوْسِ بْنِ مَرِينَا، وَكَانَ دَاهِيًا شَاعِرًا، وَكَانَ يَقُولُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ: قَدْ عَرَفْتَ أَنِّي أَرْجُوكَ وَعَيْنِي إِلَيْكَ، وَإِنَّنِي أُرِيدُكَ أَنْ تُخَالِفَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا يَنْصَحُ لَكَ أَبَدًا! فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ.
فَلَمَّا أَمَرَ كِسْرَى عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُحْضِرَهُمْ، أَحْضَرَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا وَسَأَلَهُمْ كِسْرَى: أَتَكْفُونَنِي الْعَرَبَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ إِلَّا النُّعْمَانَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ رَأَى رَجُلًا دَمِيمًا أَحْمَرَ أَبْرَشَ قَصِيرًا فَقَالَ لَهُ: أَتَكْفِينِي إِخْوَتَكَ وَالْعَرَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ عَجَزْتُ عَنْ إِخْوَتِي فَأَنَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَعْجَزُ. فَمَلَّكَهُ وَكَسَاهُ وَأَلْبَسَهُ تَاجًا قِيمَتُهُ سِتُّونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَدِيُّ بْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: دُونَكَ فَقَدْ خَالَفْتَ الرَّأْيَ.
ثُمَّ صَنَعَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ طَعَامًا وَدَعَا عَدِيَّ بْنَ مَرِينَا إِلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي عَرَفْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ الْأَسْوَدَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ صَاحِبِي النُّعْمَانِ، فَلَا تَلُمْنِي عَلَى شَيْءٍ كُنْتَ عَلَى مِثْلِهِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَلَّا تَحْقِدَ عَلَيَّ، وَإِنَّ نَصِيبِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ لَيْسَ بِأَوْفَرَ مِنْ نَصِيبِكَ، وَحَلَفَ لِابْنِ مَرِينَا أَنْ لَا يَهْجُوهُ وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً أَبَدًا، فَقَامَ ابْنُ مَرِينَا وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَهْجُوهُ وَيَبْغِيهِ الْغَوَائِلَ. وَسَارَ النُّعْمَانُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَقَالَ ابْنُ مَرِينَا لِلْأَسْوَدِ: إِذَا فَاتَكَ فَلَا تَعْجَزْ أَنْ تَطْلُبَ بِثَأْرِكَ مِنْ عَدِيٍّ فَإِنَّ مَعَدًّا لَا يَنَامُ مُكْرَهًا، وَأَمَرْتُكَ بِمَعْصِيَتِهِ فَخَالَفْتَنِي، وَأُرِيدُ أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنْ مَالِكَ شَيْءٌ إِلَّا عَرَضْتَهُ عَلَيَّ. فَفَعَلَ.
وَكَانَ ابْنُ مَرِينَا كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ لَا يُخَلِّي النُّعْمَانَ يَوْمًا مِنْ هَدِيَّةٍ وَطُرْفَةٍ، فَصَارَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذَا ذُكِرَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ وَصَفَهُ وَقَالَ: إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَاسْتَمَالَ أَصْحَابَ النُّعْمَانِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَوَاضَعَهُمْ عَلَى أَنْ قَالُوا لِلنُّعْمَانِ: إِنَّ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ إِنَّكَ عَامِلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا بِالنُّعْمَانِ حَتَّى أَضْغَنُوهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَدِيٍّ يَسْتَزِيرُهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَدِيٌّ كِسْرَى فِي ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ حَتَّى حَبَسَهُ وَمَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عَدِيٌّ يَقُولُ الشِّعْرَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ قَوْلُهُ فَنَدِمَ عَلَى حَبْسِهِ إِيَّاهُ وَخَافَ مِنْهُ إِذَا أَطْلَقَهُ.
فَكَتَبَ عَدِيٌّ إِلَى أَخِيهِ أُبَيٍّ أَبْيَاتًا يُعْلِمُهُ بِحَالِهِ، فَلَمَّا قَرَأَ أَبْيَاتَهُ وَكِتَابَهُ كَلَّمَ كِسْرَى فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَرْسَلَ رَجُلًا فِي إِطْلَاقِ عَدِيٍّ، وَتَقَدَّمَ أَخُو عَدِيٍّ إِلَى الرَّسُولِ بِالدُّخُولِ إِلَى عَدِيٍّ قَبْلَ النُّعْمَانِ، فَفَعَلَ وَدَخَلَ عَلَى عَدِيٍّ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ أُرْسِلَ لِإِطْلَاقِهِ، فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: لَا تَخْرُجْ مِنْ عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكِتَابَ حَتَّى أُرْسِلَهُ، فَإِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي قَتَلَنِي، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَدَخَلَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ فَأَعْلَمُوهُ الْحَالَ وَخَوَّفُوهُ مِنْ إِطْلَاقِهِ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ فَخَنَقُوهُ ثُمَّ دَفَنُوهُ.
وَجَاءَ الرَّسُولُ فَدَخَلَ عَلَى النُّعْمَانِ بِالْكِتَابِ فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ مِثْقَالٍ وَجَارِيَةٍ وَقَالَ: إِذَا أَصْبَحْتَ ادْخُلْ إِلَيْهِ فَخُذْهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّسُولُ غَدَا إِلَى السِّجْنِ فَلَمْ يَرَ عَدِيًّا، وَقَالَ لَهُ الْحَرَسُ: إِنَّهُ مَاتَ مُنْذُ أَيَّامٍ. فَرَجَعَ إِلَى النُّعْمَانِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَرَهُ الْيَوْمَ، فَقَالَ: كَذَبْتَ! وَزَادَهُ رِشْوَةً وَاسْتَوْثَقَ مِنْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَ كِسْرَى، إِلَّا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى النُّعْمَانِ. قَالَ: وَنَدِمَ النُّعْمَانُ عَلَى قَتْلِهِ، وَاجْتَرَأَ أَعْدَاءُ عَدِيٍّ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَابَهُمْ هَيْبَةً شَدِيدَةً. فَخَرَجَ النُّعْمَانُ فِي بَعْضِ صَيْدِهِ، فَرَأَى ابْنًا لِعَدِيٍّ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ، فَكَلَّمَهُ وَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ وَسَيَّرَهُ، إِلَى كِسْرَى وَوَصَفَهُ لَهُ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مَكَانَ أَبِيهِ، فَفَعَلَ كِسْرَى، وَكَانَ يَلِي مَا يُكْتَبُ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنِ النُّعْمَانِ فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمَلِكِ سَنَوَاتٍ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ، وَكَانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ عَلَى كِسْرَى.
وَكَانَ لِمُلُوكِ الْأَعَاجِمِ صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُمْ، وَكَانُوا يَبْعَثُونَ فِي طَلَبِ مَنْ يَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَلَا يَقْصِدُونَ الْعَرَبَ، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ: إِنِّي أَعْرِفُ عِنْدَ عَبْدِكَ النُّعْمَانِ مِنْ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ عَمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ امْرَأَةً عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ: فَتَكْتُبُ فِيهِنَّ. قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ شَرَّ شَيْءٍ فِي الْعَرَبِ، وَفِي النُّعْمَانِ أَنَّهُمْ يَتَكَرَّمُونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنِ الْعَجَمِ، فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تُعْنِتَهُنَّ، وَإِنْ قَدِمْتُ أَنَا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَابْعَثْنِي وَابْعَثْ مَعِيَ رَجُلًا يَفْقَهُ الْعَرَبِيَّةَ، فَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا جَلْدًا، فَخَرَجَا حَتَّى بَلَغَا الْحِيرَةَ وَدَخَلَا عَلَى النُّعْمَانِ. قَالَ لَهُ زَيْدٌ: إِنَّ الْمَلِكَ احْتَاجَ إِلَى نِسَاءٍ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَأَرَادَ كَرَامَتَكَ فَبَعَثَ إِلَيْكَ. قَالَ: وَمَا هَؤُلَاءِ النِّسْوَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ صِفَتُهُنَّ قَدْ جِئْنَا بِهَا.
وَكَانَتِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُنْذِرَ أَهْدَى إِلَى أَنُوشِرْوَانَ جَارِيَةً أَصَابَهَا عِنْدَ الْغَارَةِ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، وَكَتَبَ يَصِفُهَا أَنَّهَا مُعْتَدِلَةُ الْخَلْقِ، نَقِيَّةُ اللَّوْنِ وَالثَّغْرِ، بَيْضَاءُ، وَطْفَاءُ، قَمْرَاءُ، دَعْجَاءُ، حَوْرَاءُ، عَيْنَاءُ، قَنْوَاءُ، شَمَّاءُ، زَجَّاءُ بَرْجَاءُ، أَسِيلَةُ الْخَدِّ، شَهِيَّةُ الْقَدِّ، جَثِيلَةُ الشَّعْرِ، بَعِيدَةُ مَهْوَى الْقُرْطِ، عَيْطَاءُ، عَرِيضَةُ الصَّدْرِ، كَاعِبُ الثَّدْيِ، ضَخْمَةُ مُشَاشَةِ الْمَنْكِبِ وَالْعَضُدِ، حَسَنَةُ الْمِعْصَمِ، لَطِيفَةُ الْكَفِّ، سَبْطَةُ الْبَنَانِ، لَطِيفَةُ طَيِّ الْبَطْنِ، خَمِيصَةُ الْخَصْرِ، غَرْثَى الْوِشَاحِ، رَدَاحُ الْقَبَلِ، رَابِيَةُ الْكَفَلِ، لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ، رَيَّا الرَّوَادِفِ، ضَخْمَةُ الْمَأْكِمَتَيْنِ، عَظِيمَةُ الرُّكْبَةِ، مُفْعَمَةُ السَّاقِ، مُشْبَعَةُ الْخَلْخَالِ، لَطِيفَةُ الْكَعْبِ وَالْقَدَمِ، قَطُوفُ الْمَشْيِ، مِكْسَالُ الضُّحَى، بَضَّةُ الْمُتَجَرَّدِ، سَمُوعٌ لِلسَّيِّدِ، لَيْسَتْ بِخَنْسَاءَ وَلَا سَفْعَاءَ، ذَلِيلَةُ الْأَنْفِ، عَزِيزَةُ النَّفَرِ، لَمْ تُغَذَّ فِي بُؤْسٍ، حَيِيَّةٌ، رَزِينَةٌ، رَكِينَةٌ، كَرِيمَةُ الْخَالِ، تَقْتَصِرُ بِنَسَبِ أَبِيهَا دُونَ فَصِيلَتِهَا، وَبِفَصِيلَتِهَا دُونَ جِمَاعِ قَبِيلَتِهَا، قَدْ أَحْكَمَتْهَا الْأُمُورُ فِي الْأَدَبِ، فَرَأْيُهَا رَأْيُ أَهْلِ الشَّرَفِ، وَعَمَلُهَا عَمَلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ، صَنَاعُ الْكَفَّيْنِ، قَطِيعَةُ اللِّسَانِ، رَهْوَةُ الصَّوْتِ، تَزِينُ الْبَيْتَ وَتَشِينُ الْعَدُوَّ، إِنْ أَرَدْتَهَا اشْتَهَتْ، وَإِنْ تَرَكْتَهَا انْتَهَتْ، تُحَمْلِقُ عَيْنَاهَا، وَيَحْمَرُّ خَدَّاهَا، وَتَذَبْذَبُ شَفَتَاهَا، وَتُبَادِرُ الْوَثْبَةَ، وَلَا تَجْلِسُ إِلَّا بِأَمْرِكَ إِذَا جَلَسَتْ.
فَقَبِلَهَا كِسْرَى وَأَمَرَ بِإِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَقِيَتْ إِلَى أَيَّامِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ. فَقَرَأَ زَيْدٌ هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى النُّعْمَانِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ لِزَيْدٍ، وَالرَّسُولُ يَسْمَعُ: أَمَا فِي عَيْنِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا تَبْلُغُونَ حَاجَتَكُمْ! قَالَ الرَّسُولُ لِزَيْدٍ: مَا الْعَيْنُ؟ قَالَ: الْبَقَرُ.
وَأَنْزَلَهُمَا يَوْمَيْنِ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّ الَّذِي طَلَبَ الْمَلِكُ لَيْسَ عِنْدِي وَقَالَ لِزَيْدٍ اعْذُرْنِي عِنْدَهُ.
فَلَمَّا عَادَ إِلَى كِسْرَى قَالَ لِزَيْدٍ: أَيْنَ مَا كُنْتَ أَخْبَرْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لِلْمَلِكِ وَعَرَّفْتُهُ بُخْلَهُمْ بِنِسَائِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَأَنَّ ذَلِكَ لِشَقَائِهِمْ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ، وَسَلْ هَذَا الرَّسُولَ عَنِ الَّذِي قَالَ، فَإِنِّي أُكْرِمُ الْمَلِكَ عَنْ ذَلِكَ. فَسَأَلَ الرَّسُولَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَالَ: أَمَا فِي بَقَرِ السَّوَادِ وَفَارِسَ مَا يَكْفِيهِ حَتَّى يَطْلُبَ مَا عِنْدَنَا؟ فَعُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ وَقَالَ: رُبَّ عَبْدٍ قَدْ أَرَادَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا فَصَارَ أَمْرُهُ إِلَى التَّبَابِ.
وَبَلَغَ هَذَا الْكَلَامُ النُّعْمَانَ، وَسَكَتَ كِسْرَى عَلَى ذَلِكَ أَشْهُرًا وَالنُّعْمَانُ يَسْتَعِدُّ، حَتَّى أَتَاهُ كِتَابُ كِسْرَى يَسْتَدْعِيهِ. فَحِينَ وَصَلَ الْكِتَابُ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَمَا قَوِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِجَبَلَيْ طَيِّءٍ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ كِسْرَى، فَأَقْبَلَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْبَلُهُ، حَتَّى نَزَلَ فِي ذِي قَارٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ سِرًّا، فَلَقِيَ هَانِئَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ وَكَانَ سَيِّدًا مَنِيعًا، وَالْبَيْتُ مِنْ رَبِيعَةَ فِي آلِ ذِي الْجَدَّيْنِ لِقَيْسِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ كِسْرَى قَدْ أَطْعَمَهُ الْأُبُلَّةَ، فَكَرِهَ النُّعْمَانُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ لِذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّ هَانِئًا يَمْنَعُهُ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ أَهْلَهُ، فَأَوْدَعَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَفِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِمِائَةِ دِرْعٍ.
وَتَوَجَّهَ النُّعْمَانُ إِلَى كِسْرَى فَلَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَدِيٍّ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، فَقَالَ: انْجُ نُعَيْمُ. فَقَالَ: أَنْتَ يَا زَيْدُ فَعَلْتَ هَذَا! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنِ انْفَلَتُّ لِأَفْعَلَنَّ بِكَ مَا فَعَلْتُ بِأَبِيكَ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: امْضِ نُعَيْمُ فَقَدْ وَاللَّهِ وَضَعْتُ لَكَ عِنْدَهُ أَخِيَّةً لَا يَقْطَعُهَا الْمُهْرُ الْأَرِنُ.
فَلَمَّا بَلَغَ كِسْرَى أَنَّهُ بِالْبَابِ بَعَثَ إِلَيْهِ فَقَيَّدَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى خَانِقِينَ حَتَّى وَقَعَ الطَّاعُونُ فَمَاتَ فِيهِ، قَالَ: وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَابَاطَ بِبَيْتِ الْأَعْشَى وَهُوَ يَقُولُ:
فَذَاكَ وَمَا أَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ رَبُّهُ … بِسَابَاطَ حَتَّى مَاتَ وَهْوَ مُحَرْزَقُ وَكَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
فَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ عَلَى الْحِيرَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ. وَكَانَ كِسْرَى اجْتَازَ بِهِ لَمَّا سَارَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ كِسْرَى بِأَنْ يَجْمَعَ مَا خَلَّفَهُ النُّعْمَانُ وَيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِيَاسٌ إِلَى هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ مَا اسْتَوْدَعَهُ النُّعْمَانُ، فَأَبَى هَانِئٌ أَنْ يُسَلِّمَ مَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَبَى هَانِئٌ غَضِبَ كِسْرَى، وَعِنْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ التَّغْلِبِيُّ، وَهُوَ يُحِبُّ هَلَاكَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَقَالَ لِكِسْرَى: أَمْهِلْهُمْ حَتَّى يَقِيظُوا وَيَتَسَاقَطُوا عَلَى ذِي قَارٍ تَسَاقُطَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ فَتَأْخُذَهُمْ كَيْفَ شِئْتَ.
فَصَبَرَ كِسْرَى حَتَّى جَاءُوا حِنْوَ ذِي قَارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ كِسْرَى النُّعْمَانَ بْنَ زُرْعَةَ يُخَيِّرُهُمْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُحَارِبُوا. فَوَلُّوا أَمْرَهُمْ حَنْظَلَةَ بْنَ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيَّ، فَأَشَارَ بِالْحَرْبِ، فَآذَنُوا الْمَلِكَ بِالْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ كِسْرَى إِيَاسَ بْنَ قَبِيصَةَ الطَّائِيَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ، وَمَعَهُ مَرَازِبَةُ الْفُرْسِ وَالْهَامَرْزُ التُّسْتَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعَرَبِ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَقَيْسَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ذِي الْجَدَّيْنِ، وَكَانَ عَلَى طَفِّ سَفَوَانَ، فَأَرْسَلَ الْفُيُولَ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَسَّمَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ دُرُوعَ النُّعْمَانِ وَسِلَاحَهُ.
فَلَمَّا دَنَتِ الْفُرْسُ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ قَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ فِي قِتَالِ كِسْرَى فَارْكَنُوا إِلَى الْفَلَاةِ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَثَبَ حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْعِجْلِيُّ وَقَالَ: يَا هَانِئُ أَرَدْتَ نَجَاءَنَا فَأَلْقَيْتَنَا فِي الْهَلَكَةِ، وَرَدَّ النَّاسَ وَقَطَّعَ وُضُنَ الْهَوَادِجِ، وَهِيَ الْحُزُمُ لِلرِّجَالِ، فَسُمِّيَ مُقَطِّعَ الْوُضُنِ، وَضَرَبَ عَلَى نَفْسِهِ قُبَّةً، وَأَقْسَمَ أَلَّا يَفِرَّ حَتَّى تَفِرَّ الْقُبَّةُ، فَرَجَعَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا مَاءً لِنِصْفِ شَهْرٍ. فَأَتَتْهُمُ الْعَجَمُ فَقَاتَلَتْهُمْ بِالْحِنْوِ، فَانْهَزَمَتِ الْعَجَمُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ إِلَى الْجُبَابَاتِ، فَتَبِعَتْهُمْ بَكْرٌ وَعِجْلٌ وَأَبْلَتْ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، وَاضْطَمَّتْ عَلَيْهِمْ جُنُودُ الْعَجَمِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكَتْ عِجْلٌ.
ثُمَّ حَمَلَتْ بَكْرٌ فَوَجَدَتْ عِجْلًا تُقَاتِلُ، وَامْرَأَةً مِنْهُمْ تَقُولُ:
إِنْ يَظْفَرُوا يُحَرِّزُوا فِينَا الْغُرَلْ … إِيهًا فِدَاءٌ لَكُمْ بَنِي عِجِلْ
فَقَاتَلُوهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَالَتِ الْعَجَمُ إِلَى بَطْحَاءِ ذِي قَارٍ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَرْسَلَتْ إِيَادٌ إِلَى بَكْرٍ، وَكَانُوا مَعَ الْفُرْسِ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ هَرَبْنَا اللَّيْلَةَ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَقَمْنَا وَنَفِرُّ حِينَ تُلَاقُونَ النَّاسَ. فَقَالُوا: بَلْ تُقِيمُونَ وَتَنْهَزِمُونَ إِذَا الْتَقَيْنَا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَسَّانَ السَّكُونِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَبَنِي شَيْبَانَ: أَطِيعُونِي وَاكْتُمُوا لَهُمْ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَاتَلُوا وَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَالَتِ ابْنَةُ الْقَرِينِ الشَّيْبَانِيَّةُ:
وَيْهًا بَنِي شَيْبَانَ صَفًّا بَعْدَ صَفْ … إِنْ تُهْزَمُوا يُصَبِّغُوا فِينَا الْقُلَفْ
فَقَطَعَ سَبْعُمِائَةٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ أَيْدِي أَقْبِيَتِهِمْ مِنْ مَنَاكِبِهِمْ لِتَخِفَّ أَيْدِيهِمْ لِضَرْبِ السُّيُوفِ، فَجَالَدُوهُمْ وَبَارَزَ الْهَامَرْزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ بُرْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْيَشْكُرِيُّ فَقَتَلَهُ بُرْدٌ، ثُمَّ حَمَلَتْ مَيْسَرَةُ بَكْرٍ وَمَيْمَنَتُهَا، وَخَرَجَ الْكَمِينُ فَشَدُّوا عَلَى قَلْبِ الْجَيْشِ وَفِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَوَلَّتْ إِيَادٌ مُنْهَزِمَةً كَمَا وَعَدَتْهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَاتَّبَعَتْهُمْ بَكْرٌ تَقْتُلُ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَى سَلَبٍ وَغَنِيمَةٍ. وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي وَقْعَةِ ذِي قَارٍ فَأَكْثَرُوا.

ذِكْرُ مُلُوكِ الْحِيرَةِ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ

قَدْ ذَكَرْنَا مَنْ مَلَكَ مِنْ آلِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ إِلَى هَلَاكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. فَلَمَّا هَلَكَ عَمْرٌو مَلَكَ مَوْضِعَهُ أَخُوهُ قَابُوسُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَرْبَعَ سِنِينَ، مِنْ ذَلِكَ أَيَّامَ أَنُوشِرْوَانَ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِ هُرْمُزَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَ قَابُوسَ السُّهْرَبُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ أَرْبَعَ سِنِينَ.
ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو قَابُوسَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ هُرْمُزَ سَبْعُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَانِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
ثُمَّ وَلِيَ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ وَمَعَهُ النَّخِيرَخَانُ فِي زَمَانِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَايَةِ إِيَاسٍ بَعَثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثُمَّ وَلِيَ ازَّادَبِهُ بْنُ مَابِيَانَ الْهَمْدَانِيُّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَانِ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَانِ شِيرَوَيْهِ بْنِ كِسْرَى ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَوَيْهِ سَنَةٌ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي زَمَنِ بُورَانَ دُخْتَ ابْنَةِ كِسْرَى شَهْرًا.
ثُمَّ وَلِيَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْمَغْرُورَ الَّذِي قُتِلَ بِالْبَحْرَيْنِ يَوْمَ جُوَاثَاءَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ إِلَى أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْحِيرَةَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ آلِ نَصْرٍ، وَانْقَرَضَ مُلْكُهُمْ مَعَ انْقِرَاضِ مُلْكِ فَارِسَ، فَجَمِيعُ مُلُوكِ آلِ نَصْرٍ فِيمَا زَعَمَ هِشَامٌ عِشْرُونَ مَلِكًا مَلَكُوا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ.

ذِكْرُ الْمَرْوَزَانِ وَوِلَايَتِهِ الْيَمَنَ مِنْ قِبَلِ هُرْمُزَ

قَالَ هِشَامٌ: اسْتَعْمَلَ كِسْرَى هُرْمُزَ الْمَرْوَزَانَ بَعْدَ عَزْلِ زَرِينَ عَنِ الْيَمَنِ، وَأَقَامَ بِالْيَمَنِ حَتَّى وُلِدَ لَهُ فِيهَا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ الْمَضَايِعُ مَنَعُوهُ الْخَرَاجَ، فَقَصَدَهُمْ فَرَأَى جَبَلَهُمْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِحَصَانَتِهِ وَلَهُ طَرِيقٌ وَاحِدٌ يَحْمِيهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَكَانَ يُحَاذِي ذَلِكَ الْجَبَلَ جَبَلٌ آخَرُ، وَقَدْ قَارَبَ هَذَا الْجَبَلَ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ فَعَبَرَ بِهِ ذَلِكَ الْمَضِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ حِمْيَرُ قَالُوا: هَذَا شَيْطَانٌ! وَمَلَكَ حِصْنَهُمْ وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعْلِمُهُ، فَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ خُرَّخُسْرَهْ عَلَى الْيَمَنِ وَسَارَ إِلَيْهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَعَزَلَ كِسْرَى خُرَّخُسْرَهْ عَنِ الْيَمَنِ وَوَلَّى بَاذَانَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ قَدِمَ الْيَمَنَ مِنْ وُلَاةِ الْعَجَمِ.

ذِكْرُ قَتْلِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ

كَانَ كِسْرَى قَدْ طَغَى لِكَثْرَةِ مَالِهِ وَمَا فَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ وَشَرِهَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَفَسَدَتْ قُلُوبُهُمْ.
وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ امْرَأَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ، يَطَؤُهُنَّ، وَأُلُوفٌ جِوَارٍ، وَكَانَ لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دَابَّةٍ، وَكَانَ أَرْغَبَ النَّاسِ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَوَانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُحْصَى مَا جُبِيَ مِنْ خَرَاجِ بِلَادِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَكَانَ مِنَ الْوَرِقِ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ مِثْقَالٍ وَعِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ مِثْقَالٍ، وَإِنَّهُ احْتَقَرَ النَّاسَ وَأَمَرَ رَجُلًا اسْمُهُ زَاذَانُ بِقَتْلِ كُلِّ مُقَيَّدٍ فِي سُجُونِهِ، فَبَلَغُوا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَلَمْ يُقْدِمْ زَاذَانُ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَصَارُوا أَعْدَاءً لَهُ، وَكَانَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الرُّومِ فَصَارُوا أَيْضًا أَعْدَاءً لَهُ، وَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى اسْتِخْلَاصِ بَوَاقِي الْخَرَاجِ، فَعَسَفَ النَّاسَ وَظَلَمَهُمْ، فَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَمَضَى نَاسٌ مِنَ الْعُظَمَاءِ إِلَى بَابِلَ، فَأَحْضَرُوا وَلَدَهُ شِيرَوَيْهِ بْنِ أَبْرَوِيزَ، فَإِنَّ كِسْرَى كَانَ قَدْ تَرَكَ أَوْلَادَهُ بِهَا وَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَجَعَلَ عِنْدَهُمْ مَنْ يُؤَدِّبُهُمْ، فَوَصَلَ إِلَى بَهْرَسِيرَ فَدَخَلَهَا لَيْلًا فَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ فِي سُجُونِهَا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَيْضًا الَّذِينَ كَانَ كِسْرَى أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَنَادَوْا قُبَاذَ شَاهِنْشَاهْ، وَسَارُوا حِينَ أَصْبَحُوا إِلَى رَحْبَةِ كِسْرَى، فَهَرَبَ حَرَسُهُ، خَرَجَ كِسْرَى إِلَى بُسْتَانٍ قَرِيبٍ مِنْ قَصْرِهِ هَارِبًا فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَمَلَّكُوا ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيهِ يَقْرَعُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُ، ثُمَّ قَتَلَتْهُ الْفُرْسُ وَسَاعَدَهُمُ ابْنُهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَلِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا هَاجَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قِيلَ: وَكَانَ لِكِسْرَى أَبْرَوِيزَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَدًا، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ شَهْرِيَارُ، وَكَانَتْ شِيرِينُ قَدْ تَبَنَّتْهُ، فَقَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِكِسْرَى: إِنَّهُ سَيُولَدُ لِبَعْضِ وَلَدِكَ غُلَامٌ يَكُونُ خَرَابُ هَذَا الْمَجْلِسِ وَذَهَابُ الْمُلْكِ عَلَى يَدَيْهِ، وَعَلَامَتُهُ نَقْصٌ فِي بَعْضِ بَدَنِهِ، فَمَنَعَ وَلَدَهُ عَنِ النِّسَاءِ لِذَلِكَ حَتَّى شَكَا شَهْرِيَارُ إِلَى شِيرِينَ الشَّبَقَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةً كَانَتْ تُحَجِّمُهَا، وَكَانَتْ تَظُنُّ أَنَّهَا لَا تَلِدُ، فَلَمَّا وَطِئَهَا عَلِقَتْ بِيَزْدَجِرْدَ فَكَتَمَتْهُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ إِنَّهَا رَأَتْ مِنْ كِسْرَى رِقَّةً لِلصِّبْيَانِ حِينَ كَبِرَ فَقَالَتْ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَرَى لِبَعْضِ بَنِيكَ وَلَدًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَتَتْهُ بِيَزْدَجِرْدَ، فَأَحَبَّهُ وَقَرَّبَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَلْعَبُ ذَاتَ يَوْمٍ ذَكَرَ مَا قِيلَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَجُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، فَرَأَى النَّقْصَ فِي أَحَدِ وَرِكَيْهِ فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ شِيرِينُ وَقَالَتْ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمُلْكِ قَدْ حَضَرَ فَلَا مَرَدَّ لَهُ، فَأَمَرَتْ بِهِ فَحُمِلَ إِلَى سِجِسْتَانَ، وَقِيلَ: بَلْ تَرَكَتْهُ فِي السَّوَادِ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا خَمَانِيَّةُ. وَلَمَّا قُتِلَ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ مَلَكَ ابْنُهُ شِيرَوَيْهِ.

ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى شِيرَوَيْهِ بْنِ أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ

لَمَّا مَلَكَ شِيرَوَيْهِ بْنُ أَبْرَوِيزَ وَأُمُّهُ مَرْيَمُ ابْنَةُ مُورِيقَ مَلِكُ الرُّومِ وَاسْمُهُ قُبَاذُ، دَخَلَ عَلَيْهِ الْعُظَمَاءُ وَالْأَشْرَافُ فَقَالُوا: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ لَنَا مَلِكَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ كِسْرَى وَنَحْنُ عَبِيدُكَ، وَإِمَّا أَنْ نَخْلَعَكَ وَنُطِيعَهُ.
فَانْكَسَرَ شِيرَوَيْهِ وَنَقَلَ أَبَاهُ مِنْ دَارِ الْمُلْكِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ حَبَسَهُ فِيهِ، ثُمَّ جَمَعَ الْعُظَمَاءَ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَا الْإِرْسَالَ إِلَى كِسْرَى بِمَا كَانَ مِنْ إِسَاءَتِهِ وَنُوقِفُهُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أُسْتَاذُ خُشْنُشْ كَانَ يَلِي تَدْبِيرَ الْمَمْلَكَةِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لِأَبِينَا الْمَلِكَ عَنْ رِسَالَتِنَا: إِنَّ سُوءَ أَعْمَالِكَ فَعَلَ بِكَ مَا تَرَى، مِنْهَا جُرْأَتُكَ عَلَى أَبِيكَ، وَسَمْلُكَ عَيْنَيْهِ وَقَتْلُكَ إِيَّاهُ، وَمِنْهَا سُوءُ صَنِيعِكَ إِلَيْنَا مَعْشَرَ أَبْنَائِكَ فِي مَنْعِنَا مِنْ مُجَالَسَةِ النَّاسِ وَكُلِّ مَا لَنَا فِيهِ دَعَةٌ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُكَ إِلَى مَنْ خَلَّدْتَ فِي السُّجُونِ، وَمِنْهَا إِسَاءَتُكَ إِلَى النِّسَاءِ تَأْخُذُهُنَّ لِنَفْسِكَ وَتَرْكُكَ الْعَطْفَ عَلَيْهِنَّ، وَمَنْعُهُنَّ مِمَّنْ يُعَاشِرُهُنَّ وَيُرْزَقْنَ مِنْهُ الْوَلَدَ، وَمِنْهَا مَا أَتَيْتَ إِلَى رَعِيَّتِكَ عَامَّةً مِنَ الْعُنْفِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفَظَاظَةِ، وَمِنْهَا جَمْعُ الْأَمْوَالِ فِي شِدَّةٍ وَعُنْفٍ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَمِنْهَا تَجْمِيرُكَ الْجُنُودَ فِي ثُغُورِ الرُّومِ وَغَيْرِهَا، وَتَفْرِيقُكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِيهِمْ، وَمِنْهَا غَدْرُكَ بِمُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ مَعَ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عِنْدَكَ وَتَزْوِيجِهِ إِيَّاكَ بِابْنَتِهِ، وَمَنْعُكَ إِيَّاهُ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ بِكَ وَلَا بِأَهْلِ بِلَادِكَ إِلَيْهَا حَاجَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَكَ حُجَّةٌ تَذْكُرُهَا فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ حُجَّةٌ فَتُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَأْمُرَ فِيكَ بِأَمْرِهِ.
قَالَ: فَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ فَأَدَّى إِلَيْهِ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ أَبْرَوِيزُ: قُلْ عَنِّي لِشِيرَوَيْهِ الْقَصِيرِ الْعُمْرِ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتُوبَ مِنْ أَجْلِ الصَّغِيرِ مِنَ الذَّنْبِ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَيَقَّنَهُ فَضْلًا عَنْ عَظِيمِهِ مَا ذَكَرْتَ وَكَثَّرْتَ مِنَّا، وَلَوْ كُنَّا كَمَا تَقُولُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنْ تَنْشُرَ عَنَّا مِثْلَ هَذَا الْعَظِيمِ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْنَا الْقَتْلَ، لِمَا يَلْزَمُكَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِنَّ قُضَاةَ أَهْلِ مِلَّتِكَ يَنْفُونَ وَلَدَ الْمُسْتَوْجِبِ لِلْقَتْلِ مِنْ أَبِيهِ، وَيَنْفُونَهُ مِنْ مُضَامَّةِ أَهْلِ الْأَخْيَارِ وَمُجَالَسَتِهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ إِصْلَاحِنَا أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَرَعِيَّتَنَا مَا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، وَنَحْنُ نَشْرَحُ الْحَالَ فِيمَا لَزِمَنَا مِنَ الذُّنُوبِ لِتَزْدَادَ عِلْمًا بِجَهْلِكَ. فَمِنْ جَوَابِنَا: أَنَّ الْأَشْرَارَ أَغْرَوْا كِسْرَى هُرْمُزَ وَالِدَنَا بِنَا حَتَّى اتَّهَمَنَا، فَرَأَيْنَا مِنْ سُوءِ رَأْيِهِ فِينَا مَا يُخَوِّفُنَا مِنْهُ، فَاعْتَزَلْنَا بَابَهُ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَهَكَ مِنْهُ مَا انْتَهَكَ شَخَصْنَا إِلَى بَابِهِ، فَهَجَمَ الْمُنَافِقُ بَهْرَامُ عَلَيْنَا فَأَجْلَانَا عَنِ الْمَمْلَكَةِ، فَسِرْنَا إِلَى الرُّومِ وَعُدْنَا إِلَى مُلْكِنَا وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُنَا، فَبَدَأْنَا بِأَخْذِ الثَّأْرِ مِمَّنْ قَتَلَ أَبَانَا أَوْ شَرَكَ فِي دَمِهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ أَبْنَائِنَا، فَإِنَّنَا وَكَّلْنَا بِكُمْ مَنْ يَكُفُّكُمْ عَنْ الِانْتِشَارِ فِيمَا لَا يَعْنِيكُمْ فَتَتَأَذَّى بِكُمُ الرَّعِيَّةُ وَالْبِلَادُ، وَكُنَّا أَقَمْنَا لَكُمُ النَّفَقَاتِ الْوَاسِعَةَ وَجَمِيعَ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا أَنْتَ خَاصَّةً فَإِنَّ الْمُنَجِّمِينَ قَضَوْا فِي مَوْلِدِكَ أَنَّكَ مُثَرِّبٌ عَلَيْنَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِكَ، وَإِنَّ مَلِكَ الْهِنْدِ كَتَبَ إِلَيْكَ كِتَابًا وَأَهْدَى لَكَ هَدِيَّةً، فَقَرَأْنَا الْكِتَابَ فَإِذَا هُوَ يُبَشِّرُكَ بِالْمُلْكِ بَعْدَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِنَا، وَقَدْ خَتَمْنَا عَلَى الْكِتَابِ وَعَلَى مَوْلِدِكَ وَهُمَا عِنْدَ شِيرِينَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَقْرَأَهُمَا فَافْعَلْ، فَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ عَنْ بِرِّكَ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْكَ فَضْلًا عَنْ قَتْلِكَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ عَمَّنْ خَلَّدْنَاهُ فِي السُّجُونِ، فَجَوَابُنَا: إِنَّنَا لَمْ نَحْبِسْ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ أَوْ قَطْعُ بَعْضِ الْأَطْرَافِ، وَقَدْ كَانَ الْمُوَكَّلُونَ بِهِمْ وَالْوُزَرَاءُ يَأْمُرُونَنَا بِقَتْلِ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَحْتَالُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَكُنَّا بِحُبِّنَا الِاسْتِبْقَاءَ وَكَرَاهَتِنَا لِسَفْكِ الدِّمَاءِ نَتَأَنَّى بِهِمْ وَنَكِلُ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ أَخْرَجْتَهُمْ مِنْ مَحْبَسِهِمْ عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَلِتَجِدَنَّ غِبَّ ذَلِكَ.
أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا جَمَعْنَا الْأَمْوَالَ، وَأَنْوَاعَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَمْتِعَةَ بِأَعْنَفِ جَمْعٍ وَأَشَدِّ إِلْحَاحٍ، فَاعْلَمْ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقِيمُ الْمُلْكَ بَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْوَالُ وَالْجُنُودُ، وَخَاصَّةً مُلْكُ فَارِسَ الَّذِي قَدِ اكْتَنَفَهُ الْأَعْدَاءُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى كَفِّهِمْ وَرَدْعِهِمْ عَمَّا يُرِيدُونَهُ إِلَّا بِالْجُنُودِ وَالْأَسْلِحَةِ وَالْعُدَدِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَالِ، وَقَدْ كَانَ أَسْلَافُنَا جَمَعُوا الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَأَغَارَ الْمُنَافِقُ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْيَسِيرَ، فَلَمَّا ارْتَجَعْنَا مُلْكَنَا وَأَذْعَنَ لَنَا الرَّعِيَّةُ بِالطَّاعَةِ، أَرْسَلْنَا إِلَى نَوَاحِي بِلَادِنَا أَصْبَهْبَذِينَ وَقَامَرْسَانِينَ، فَكَفُّوا الْأَعْدَاءَ وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِهِمْ، وَوَصَلَ إِلَيْنَا غَنَائِمُ بِلَادِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ هَمَمْتَ بِتَفْرِيقِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ عَلَى رَأْيِ الْأَشْرَارِ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلْقَتْلِ، وَنَحْنُ نُعْلِمُكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَمْ تَجْتَمِعْ إِلَّا بَعْدَ الْكِدِّ وَالتَّعَبِ وَالْمُخَاطَرَةِ بِالنُّفُوسِ، فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا كَهْفُ مُلْكِكَ وَبِلَادِكَ وَقُوَّةٌ عَلَى عَدُوِّكَ.
فَلَمَّا انْصَرَفَ أُسْتَاذُ خُشْنَشْ إِلَى شِيرَوَيْهِ قَصَّ عَلَيْهِ جَوَابَ أَبِيهِ، ثُمَّ إِنَّ عُظَمَاءَ الْفُرْسِ عَادُوا إِلَى شِيرَوَيْهِ فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَأْمُرَ بِقَتْلِ أَبِيكَ وَإِمَّا أَنْ نُطِيعَهُ وَنَخْلَعَكَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُ وَانْتَدَبَ لِقَتْلِهِ رِجَالًا مِمَّنْ وَتِرَهُمْ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ مِهْرَهُرْمُزُ بْنُ مَرْدَانْشَاهْ مِنْ نَاحِيَةِ نِيمَرُوذَ.
فَلَمَّا قُتِلَ شَقَّ شِيرَوَيْهِ ثِيَابَهُ وَبَكَى وَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَحُمِلَتْ جِنَازَتُهُ وَتَبِعَهَا الْعُظَمَاءُ وَأَشْرَافُ النَّاسِ، فَلَمَّا دُفِنَ أَمَرَ شِيرَوَيْهِ بِقَتْلِ مِهْرَهُرْمُزَ قَاتِلِ أَبِيهِ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
ثُمَّ إِنَّ شِيرَوَيْهِ قَتَلَ إِخْوَتَهُ، فَهَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَخًا ذَوُو شَجَاعَةٍ وَأَدَبٍ، بِمَشُورَةِ وَزِيرِهِ فَيْرُوزَ.
وَابْتُلِيَ شِيرَوَيْهِ بِالْأَمْرَاضِ، وَلَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكَانَ هَلَاكُهُ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، وَجَزِعَ بَعْدَ قَتْلِ إِخْوَتِهِ جَزَعًا شَدِيدًا.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ قَتْلِ إِخْوَتِهِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ بُورَانُ وَآزَرْمِيدُخْتَ أُخْتَاهُ فَأَغْلَظَتَا لَهُ وَقَالَتَا: حَمَلَكَ الْحِرْصُ عَلَى الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لَكَ عَلَى قَتْلِ أَبِيكَ وَإِخْوَتِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا وَرَمَى التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ وَلَمْ يَزَلْ مَهْمُومًا مُدْنَفًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَبَادَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَفَشَا الطَّاعُونُ فِي أَيَّامِهِ فَهَلَكَ مِنَ الْفُرْسِ أَكْثَرُهُمْ، ثُمَّ هَلَكَ هُوَ. وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ.

ذِكْرُ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ

وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعَ سِنِينَ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ شِيرَوَيْهِ مَلَّكَ الْفُرْسُ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ أَرْدَشِيرَ، وَحَضَنَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بَهَادِرُ جُسْنَسْ، مَرْتَبَتُهُ رِئَاسَةُ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، فَأَحْسَنَ سِيَاسَةَ الْمُلْكِ، فَبَلَغَ مِنْ إِحْكَامِهِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُحَسَّ مَعَهُ بِحَدَاثَةِ سِنِّ أَرْدَشِيرَ.
وَكَانَ شَهْرَبَرَازُ بِثَغْرِ الرُّومِ فِي جُنْدٍ ضَمَّهُمْ إِلَيْهِ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ قَدْ صَلَحَ لَهُ بَعْدَهُ مَا فَعَلَ بِالرُّومِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ يُنْفِذُ لَهُ الْخُلَعَ وَالْهَدَايَا، وَكَانَ أَبْرَوِيزُ وَشِيرَوَيْهِ يُكَاتِبَانِهِ وَيَسْتَشِيرَانِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُشَاوِرْهُ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ فِي تَمْلِيكِ أَرْدَشِيرَ اتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى التَّعَنُّتِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي الْقَتْلِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِلطَّمَعِ فِي الْمُلْكِ احْتِقَارًا لِأَرْدَشِيرَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَأَقْبَلَ بِجُنْدِهِ نَحْوَ الْمَدَائِنِ، فَتَحَوَّلَ أَرْدَشِيرُ وَبَهَادِرُ جُسْنَسْ وَمَنْ بَقِيَ مِنْ نَسْلِ الْمَلِكِ إِلَى مَدِينَةِ طَيْسَفُونْ، فَحَاصَرَهُمْ شَهْرَبَرَازُ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ فَلَمْ يَظْفَرْ بِشَيْءٍ، فَأَتَاهَا مِنْ قِبَلِ الْمَكِيدَةِ، فَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُ رَئِيسَ الْحَرَسِ وَأَصْبَهْبَذَ نِيمَرُوذَ، حَتَّى فَتَحَا لَهُ بَابَ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَقَتَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَرْدَشِيرَ فِي إِيوَانِ خُسْرُوشَاهْ قُبَاذَ بِأَمْرِ شَهْرَبَرَازَ.
وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ.
ذِكْرُ مُلْكِ شَهْرَبَرَازَ
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ.
لَمَّا قُتِلَ أَرْدَشِيرُ جَلَسَ شَهْرَبَرَازُ، وَاسْمُهُ فَرُّخَانُ، عَلَى تَخْتِ الْمَمْلَكَةِ، فَحِينَ جَلَسَ عَلَيْهِ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَطْنُهُ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ. ثُمَّ عُوفِيَ.
وَتَعَاهَدَ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ عَلَى قَتْلِهِ غَضَبًا لِقَتْلِ أَرْدَشِيرَ، وَكَانُوا فِي حَرَسِهِ، وَكَانَ الْحَرَسُ يَقِفُونَ سِمَاطَيْنِ إِذَا رَكِبَ الْمَلِكُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ وَبِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ، فَإِذَا حَاذَى الْمَلِكُ بَعْضَهُمْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى تُرْسِهِ فَوْقَ التُّرْسِ كَهَيْئَةِ السُّجُودِ. فَرَكِبَ شَهْرَبَرَازُ يَوْمًا فَوَقَفَ الْإِخْوَةُ الثَّلَاثَةُ بَعْضُهُمْ قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا حَاذَاهُمْ طَعَنُوهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا، فَشَدُّوا فِي رِجْلِهِ حَبْلًا وَجَرُّوهُ، وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ الْعُظَمَاءِ وَتَسَاعَدُوا عَلَى قَتْلِ جَمَاعَةٍ قَتَلُوا أَرْدَشِيرَ، وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
ذِكْرُ مُلْكِ بُورَانَ ابْنَةِ أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ
لَمَّا قُتِلَ شَهْرَبَرَازُ مَلَّكَتِ الْفُرْسُ بُورَانَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مِنْ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ رَجُلًا يُمَلِّكُونَهُ. فَلَمَّا مَلَكَتْ أَحْسَنَتِ السِّيرَةَ فِي رَعِيَّتِهَا وَعَدَلَتْ فِيهِمْ، فَأَصْلَحَتِ الْقَنَاطِرَ، وَوَضَعَتْ مَا بَقِيَ مِنَ الْخَرَاجِ، وَرَدَّتْ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ عَلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَكَانَتْ مَمْلَكَتُهَا سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خُشَنْشَبَنْدَهْ مِنْ بَنِي عَمِّ أَبْرَوِيزَ الْأَبْعَدِينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، وَقَتَلَهُ الْجُنْدُ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا سِيرَتَهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ آزَرْمِيدُخْتَ ابْنَةِ أَبْرَوِيزَ
لَمَّا قُتِلَ خُشَنْشَبَنْدَهْ مَلَّكَتِ الْفُرْسُ آزَرْمِيدُخْتَ ابْنَةَ أَبْرَوِيزَ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَكَانَ عَظِيمُ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ فَرُّخْهُرْمُزْ أَصْبَهْبَذَ خُرَاسَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يَخْتَطِبُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ التَّزَوُّجَ لِلْمَلِكَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَغَرَضُكَ قَضَاءُ حَاجَتِكَ مِنِّي فَصِرْ إِلَيَّ وَقْتَ كَذَا. فَفَعَلَ وَسَارَ إِلَيْهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَقَدَّمَتْ إِلَى صَاحِبِ حَرَسِهَا أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ وَطُرِحَ فِي رَحْبَةِ دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَأَوْهُ قَتِيلًا فَغَيَّبُوهُ.
وَكَانَ ابْنُهُ رُسْتُمْ، وَهُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَادِسِيَّةِ، خَلِيفَةَ أَبِيهِ بِخُرَاسَانَ، فَسَارَ فِي عَسْكَرٍ حَتَّى نَزَلَ بِالْمَدَائِنِ، وَسَمَلَ عَيْنَيْ آزَرْمِيدُخْتَ وَقَتَلَهَا، وَقِيلَ: بَلْ سُمَّتْ. وَكَانَ مُلْكُهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
قِيلَ: ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِسْرَى بْنُ مِهْرُجُسْنَسْ مِنْ عَقِبِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ، كَانَ يَنْزِلُ الْأَهْوَازَ، فَمَلَّكَهُ الْعُظَمَاءُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَقُتِلَ بَعْدَ أَيَّامٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ آزَرْمِيدُخْتَ خُرَّزَادُ خُسْرُو مِنْ وَلَدِ أَبْرَوِيزَ، وَأُمُّهُ كُرْدِيَّةُ أُخْتُ بِسْطَامَ، وَقِيلَ: وُجِدَ بِحِصْنِ الْحِجَارَةِ بِقُرْبِ نَصِيبِينَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا يَسِيرَةً ثُمَّ خَلَعُوهُ وَقَتَلُوهُ. وَكَانَ مُلْكُهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
وَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا مَلَكَ كِسْرَى بْنُ مِهْرَجُسْنُسَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ طَلَبَ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ مَنْ لَهُ نَسَبٌ بَيْنَ الْمَمْلَكَةِ وَلَوْ مِنَ النِّسَاءِ، فَأَتَوْا بِرَجُلٍ كَانَ يَسْكُنُ مَيْسَانَ يُقَالُ لَهُ فَيْرُوزُ بْنُ مِهْرَانَ جُسْنُسْ، وَيُسَمَّى أَيْضًا جُسْنَسَنْدِهْ، أُمُّهُ صَهَارْ بُخْتُ ابْنَةُ يَزْدَانْزَانَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ فَمَلَّكُوهُ، وَكَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ. فَلَمَّا تُوِّجَ قَالَ: مَا أَضْيَقَ هَذَا التَّاجَ! فَتَطَيَّرُوا مِنْ كَلَامِهِ فَقَتَلُوهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ كَانَ قَتْلُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ.
ذِكْرُ مُلْكِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوِيزَ
ثُمَّ إِنَّ الْفُرْسَ اضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمْ فَطَلَبُوا أَحَدًا مِنْ بَيْنِ الْمَمْلَكَةِ لِيُمَلِّكُوهُ وَيُقَاتِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَحْفَظُوا بِلَادَهُمْ، فَظَفِرُوا بِيَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوِيزَ بِإِصْطَخْرَ، فَأَخَذُوهُ وَسَارُوا بِهِ إِلَى الْمَدَائِنِ فَمَلَّكُوهُ وَاسْتَقَرَّ فِي الْمُلْكِ، غَيْرَ أَنَّ مُلْكَهُ كَانَ كَالْخَيَالِ عِنْدَ مُلْكِ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَكَانَ الْوُزَرَاءُ وَالْعُظَمَاءُ يُدَبِّرُونَ مُلْكَهُ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ وَضَعْفِ أَمْرِ مَمْلَكَةِ فَارِسَ، وَاجْتَرَأَ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءُ وَتَطَرَّقُوا بِلَادَهُمْ، وَغَزَتِ الْعَرَبُ بِلَادَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ مُلْكِهِ سَنَتَانِ. وَكَانَ عُمْرُهُ كُلُّهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَقِيَ مِنْ أَخْبَارِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ فُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ.
هَذَا آخِرُ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَنَذْكُرُ بَعْدَهُ التَّوَارِيخَ الْإِسْلَامِيَّةَ عَلَى سِيَاقَةِ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ، وَنُقَدِّمُ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَيَّامَ الْمَشْهُورَةَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ نَأْتِي بَعْدَهَا بِالْحَوَادِثِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *