ذِكْرُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ

ذِكْرُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ

قِيلَ: لَمَّا قَتَلَ ذُو نُوَاسٍ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي الْأُخْدُودِ لِأَجْلِ الْعَوْدِ عَنِ النَّصْرَانِيَّةِ، أَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: دَوْسٌ ذُو ثَعْلَبَانَ حَتَّى أَعْجَزَ الْقَوْمَ، فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى ذِي نُوَاسٍ وَجُنُودِهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلَ بِهِمْ. فَقَالَ لَهُ قَيْصَرُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا، وَلَكِنْ سَأَكْتُبُ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَقَرِيبٌ مِنْكُمْ. فَكَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَرْيَاطُ، وَفِي جُنُودِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى نَزَلُوا بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَجَمَعَ ذُو نُوَاسٍ جُنُودَهُ فَاجْتَمَعُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَرْبٌ غَيْرَ أَنَّهُ نَاوَشَ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ انْهَزَمُوا، وَدَخَلَهَا أَرْيَاطُ. فَلَمَّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلْ بِهِ وَبِقَوْمِهِ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ بِفَرَسِهِ فَغَرِقَ، وَوَطِئَ أَرْيَاطُ الْيَمَنَ فَقَتَلَ ثُلُثَ رِجَالِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِثُلُثِ سَبَايَاهُمْ، ثُمَّ أَقَامَ بِهَا وَذَلَّ أَهْلُهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ الْحَبَشَةَ لَمَّا خَرَجُوا إِلَى الْمَنْدَبِ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، كَتَبَ ذُو نُوَاسٍ إِلَى أَقْيَالِ الْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَقَالُوا: يُقَاتِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَنْ بِلَادِهِ. فَصَنَعَ مَفَاتِيحَ وَحَمَلَهَا عَلَى عِدَّةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَلَقِيَ الْحَبَشَةَ وَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَمْوَالِ بِالْيَمَنِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا الرِّجَالَ وَالذُّرِّيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى صَنْعَاءَ، فَقَالَ لِكَبِيرِهِمْ: وَجِّهْ أَصْحَابَكَ لِقَبْضِ الْخَزَائِنِ. فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِمُ الْمَفَاتِيحَ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَقْيَالِ يَقْتُلُ كُلَّ ثَوْرٍ أَسْوَدَ، فَقُتِلَتِ الْحَبَشَةُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ.
فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ جَهَّزَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ أَرْيَاطَ وَالْأَشْرَمِ، فَمَلَكَ الْبِلَادَ وَأَقَامَ بِهَا سِنِينَ، وَنَازَعَهُ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، وَكَانَ فِي جُنْدِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَبَقِيَ أَرْيَاطُ فِي طَائِفَةٍ، وَسَارَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، وَأَرْسَلَ أَبْرَهَةُ: إِنَّكَ لَنْ تَصْنَعَ بِأَنْ تُلْقِيَ الْحَبَشَةَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهَا شَيْئًا، فَيَهْلِكُوا، وَلَكِنِ ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قَهَرَ صَاحِبَهُ اسْتَوْلَى عَلَى جُنْدِهِ.
فَتَبَارَزَا، فَرَفَعَ أَرْيَاطُ الْحَرْبَةَ فَضَرَبَ أَبْرَهَةَ، فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَشَرَمَتْ أَنْفَهُ وَعَيْنَهُ، فَسُمِّيَ الْأَشْرَمَ. وَحَمَلَ غُلَامٌ لِأَبْرَهَةَ يُقَالُ لَهُ عَتُودَةُ، كَانَ قَدْ تَرَكَهُ كَمِينًا مِنْ خَلْفِ أَرْيَاطَ، عَلَى أَرْيَاطَ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى أَبْرَهَةُ عَلَى الْجُنْدِ وَالْبِلَادِ وَقَالَ لِعَتُودَةَ: احْتَكِمْ. فَقَالَ: لَا تَدْخُلُ عَرُوسٌ عَلَى زَوْجِهَا مِنَ الْيَمَنِ حَتَّى أُصِيبَهَا قَبْلَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَبَقِيَ يَفْعَلُ بِهِمْ هَذَا الْفِعْلَ حِينًا، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَتَلَهُ، فَسُرَّ أَبْرَهَةُ بِقَتْلِهِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَحْتَكِمُ هَكَذَا لَمْ أُحَكِّمْهُ.
وَلَمَّا بَلَغَ النَّجَاشِيَّ قَتْلُ أَرْيَاطَ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَحَلَفَ أَلَّا يَدَعَ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَهُ وَيَجُزَّ نَاصِيَتَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَهَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَرْسَلَهَا أَيْضًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَإِرْسَالِ شَعْرِهِ وَتُرَابِهِ لِيَبِرَّ قَسَمَهُ بِوَضْعِ التُّرَابِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْيَمَنِ بَعَثَ إِلَى أَبِي مُرَّةَ ذِي يَزَنٍ، فَأَخَذَ زَوْجَتَهُ رَيْحَانَةَ بِنْتَ ذِي جُدْنٍ وَنَكَحَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ مَسْرُوقًا وَكَانَتْ قَدْ وَلَدَتْ لِذِي يَزَنٍ وَلَدًا اسْمُهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ سَيْفٌ، فَخَرَجَ ذُو يَزَنٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَدِمَ الْحِيرَةَ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى كِسْرَى كِتَابًا يُعْلِمْهُ مَحَلَّهُ وَشَرَفَهُ وَحَاجَتَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفِدُ إِلَى الْمَلِكِ كُلَّ سَنَةٍ وَهَذَا وَقْتُهَا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى وَفَدَ مَعَهُ وَدَخَلَ إِلَى كِسْرَى مَعَهُ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَشَكَا مَا يَلْقَوْنَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْيَمَنِ وَكَثْرَةِ مَالِهَا، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أُسْعِفَكَ بِحَاجَتِكَ وَلَكِنَّ الْمَسَالِكَ إِلَيْهَا صَعْبَةٌ وَسَأَنْظُرُ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ.
وَنَشَأَ ابْنُهُ مَعْدِي كَرِبَ ذِي يَزَنٍ فِي حُجْرَةِ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ أَبُوهُ، فَسَبَّهُ ابْنٌ لَأَبْرَهَةَ وَسَبَّ أَبَاهُ، فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ أَبِيهِ، فَصَدَقَتْهُ، وَأَقَامَ حَتَّى مَاتَ أَبْرَهَةُ وَابْنُهُ يَكْسُومُ وَسَارَ عَنِ الْيَمَنِ، فَفَعَلَ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ بْنِ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جَوْرَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ

لَمَّا لَبِسَ التَّاجَ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ مَا ابْتُلُوا بِهِ مِنْ فَسَادِ أُمُورِهِمْ وَدِينِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يُصْلِحُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِرُءُوسِ الْمَزْدَكِيَّةِ فَقُتِلُوا وَقُسِّمَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ.
وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِمْ أَنَّ قُبَاذَ كَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا، قَدِ اتَّبَعَ مَزْدَكَ عَلَى دِينِهِ وَمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَأَطَاعَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَيَّامَ قُبَاذَ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ يَوْمَئِذٍ عَامِلًا عَلَى الْحِيرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فَدَعَاهُ قُبَاذُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ، فَأَجَابَهُ، فَسَدَّدَ لَهُ مُلْكَهُ وَطَرَدَ الْمُنْذِرَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ، وَكَانَتْ أُمُّ أَنُوشِرْوَانَ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ قُبَاذَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَزْدَكُ. فَلَمَّا رَأَى أُمَّ أَنُوشِرْوَانَ قَالَ لِقُبَاذَ: ادْفَعْهَا إِلَيَّ لِأَقْضِيَ حَاجَتِي مِنْهَا. فَقَالَ دُونَكَهَا. فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَنُوشِرْوَانُ، وَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ أُمَّهُ حَتَّى قَبَّلَ رِجْلَهُ، فَتَرَكَهَا فَحَاكَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ.
فَهَلَكَ قُبَاذُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَمَلَكَ أَنُوشِرْوَانُ، فَجَلَسَ لِلْمُلْكِ، وَلَمَّا بَلَغَ الْمُنْذِرَ هَلَاكُ قُبَاذَ أَقْبَلَ إِلَى أَنُوشِرْوَانَ، وَقَدْ عَلِمَ خِلَافَهُ عَلَى أَبِيهِ فِي مَذْهَبِهِ وَاتِّبَاعِ مَزْدَكَ، فَإِنَّ أَنُوشِرْوَانَ كَانَ مُنْكِرًا لِهَذَا الْمَذْهَبِ كَارِهًا لَهُ، ثُمَّ إِنَّ أَنُوشِرْوَانَ أَذِنَ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًّا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ مَزْدَكُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرُ، فَقَالَ أَنُوشِرْوَانُ: إِنِّي كُنْتُ تَمَنَّيْتُ أُمْنِيَتَيْنِ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – قَدْ جَمَعَهَا إِلَيَّ. فَقَالَ مَزْدَكُ: وَمَا هُمَا أَيُّهَا الْمَلِكُ؟ .
قَالَ: تَمَنَّيْتُ أَنْ أَمْلِكَ وَأَسْتَعْمِلَ هَذَا الرَّجُلَ الشَّرِيفَ، يَعْنِي الْمُنْذِرَ، وَأَنْ أَقْتُلَ هَذِهِ الزَّنَادِقَةَ. فَقَالَ مَزْدَكُ: أَوَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَقْتُلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ؟ فَقَالَ: وَإِنَّكَ هَاهُنَا يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ! وَاللَّهِ مَا ذَهَبَ نَتَنُ رِيحِ جَوْرَبِكَ مِنْ أَنْفِي مُنْذُ قَبَّلْتُ رِجْلَكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَصُلِبَ. وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا بَيْنَ جَازِرَ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَإِلَى الْمَدَائِنِ فِي ضَحْوَةٍ وَاحِدَةٍ مِائَةَ أَلْفِ زِنْدِيقٍ وَصَلَبَهُمْ، وَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ أَنُوشِرْوَانُ.
وَطَلَبَ أَنُوشِرْوَانُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ وَهُوَ بِالْأَنْبَارِ، فَخَرَجَ هَارِبًا فِي صَحَابَتِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، فَمَرَّ بِالثَّوِيَّةِ، فَتَبِعَهُ الْمُنْذِرُ بِالْخَيْلِ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادَ وَبَهْرَاءَ، فَلَحِقَ بِأَرْضِ كَلْبٍ وَنَجَا وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَهَجَائِنَهُ، وَأَخَذَتْ بَنُو تَغْلِبَ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ فَقَدِمُوا بِهِمْ عَلَى الْمُنْذِرِ، فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ بِجَفْرِ الْأَمْلَاكِ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَ الْعَبَّادِيِّينَ بَيْنَ دَيْرِ بَنِي هِنْدٍ وَالْكُوفَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا … وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا.
وَفِيهِمْ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ عَمْرٍو … يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يَقْتُلُونَا.

فَلَوْ فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا … وَلَكِنْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا
وَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمُهُمْ بِغُسْلٍ … وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُرَمَّلِينَا
تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ … وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا
وَلَمَّا قَتَلَ أَنُوشِرْوَانُ مَزْدَكَ وَأَصْحَابَهُ، أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَرَدَّ الْأَمْوَالَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَمَرَ بِكُلِّ مَوْلُودٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ أَبُوهُ، وَأَنْ يُعْطَى نَصِيبًا مِنْ مِلْكِ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْنَدُ إِلَيْهِ إِذَا قَبِلَهُ الرَّجُلُ، وَبِكُلِّ امْرَأَةٍ غُلِبَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ يُؤْخَذَ مَهْرُهَا مِنَ الْغَالِبِ، ثُمَّ تُخَيَّرَ الْمَرْأَةُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ فَتُرَدَّ إِلَيْهِ.
وَأَمَرَ بِعِيَالِ ذَوِي الْأَحْسَابِ الَّذِينَ مَاتَ قَيِّمُهُمْ فَأَنْكَحَ بَنَاتِهِمُ الْأَكْفَاءَ، وَجَهَّزَهُنَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنْكَحَ نِسَاءَهُمْ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَاسْتَعَانَ بِأَبْنَائِهِمْ فِي أَعْمَالِهِ، وَعَمَّرَ الْجُسُورَ وَالْقَنَاطِرَ، وَأَصْلَحَ الْخَرَابَ، وَتَفَقَّدَ الْأَسَاوِرَةَ وَأَعْطَاهُمْ، وَبَنَى فِي الطُّرُقِ الْقُصُورَ وَالْحُصُونَ، وَتَخَيَّرَ الْوُلَاةَ وَالْعُمَّالَ وَالْحُكَّامَ، وَاقْتَدَى بِسِيرَةِ أَرْدَشِيرَ، وَارْتَجَعَ بِلَادًا كَانَتْ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ، مِنْهَا: السِّنْدُ وَسِنْدُوسِتْ وَالرُّخَّجُ وَزَابُلِسْتَانُ وَطَخَارِسْتَانُ، وَأَعْظَمَ الْقَتْلَ فِي الْبَازِرِ وَأَجْلَى بَقِيَّتَهُمْ عَنْ بِلَادِهِ.
وَاجْتَمَعَ أَبْخَزُ وَبَنْجَرُ وَبَلَنْجَرُ وَاللَّانُ عَلَى قَصْدِ بِلَادِهِ، فَقَصَدُوا أَرْمِينِيَّةَ لِلْغَارَةِ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ الطَّرِيقُ سَهْلًا، فَأَمْهَلَهُمْ كِسْرَى حَتَّى تَوَغَّلُوا فِي الْبِلَادِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جُنُودًا، فَقَاتَلُوهُمْ فَأَهْلَكُوهُمْ مَا خَلَا عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ أُسِرُوا فَأُسْكِنُوا أَذْرَبِيجَانَ.
وَكَانَ لِكِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ وَلَدٌ هُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ اسْمُهُ أَنُوشَزَادَ، فَبَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، فَسَيَّرَهُ إِلَى جُنْدَيْسَابُورَ وَجَعَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَثِقُ بِدِينِهِمْ لِيُصْلِحُوا دِينَهُ وَأَدَبَهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ إِذْ بَلَغَهُ خَبَرُ مَرَضِ وَالِدِهِ لَمَّا دَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَوَثَبَ بِمَنْ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُمْ وَأَخْرَجَ أَهْلَ السُّجُونِ فَاسْتَعَانَ بِهِمْ وَجَمَعَ عِنْدَهُ جُمُوعًا مِنَ الْأَشْرَارِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ نَائِبَ أَبِيهِ بِالْمَدَائِنِ عَسْكَرًا، فَحَصَرُوهُ بِجُنْدَيْسَابُورَ، وَأَرْسَلَ الْخَبَرَ إِلَى كِسْرَى، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِ وَأَخْذِهِ أَسِيرًا، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ وَدَخَلَ الْعَسَاكِرُ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً فَقَتَلُوا بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَأَسَرُوا أَنُوشَزَادَ، فَبَلَغَهُ خَبَرُ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الدَّاوُرِ الرَّازِيِّ، فَوَثَبَ بِعَامِلِ سِجِسْتَانَ وَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ الْعَامِلُ، فَالْتَجَأَ إِلَى مَدِينَةِ الرُّخَّجِ وَامْتَنَعَ بِهَا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَعْتَذِرُ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُنْفِذَ إِلَيْهِ مَنْ يُسَلِّمُ لَهُ الْبَلَدَ، فَفَعَلَ وَآمَنُهُ.
وَكَانَ الْمَلِكُ فَيْرُوزُ قَدْ بَنَى بِنَاحِيَةِ صُولٍ وَاللَّانِ بِنَاءً يُحَصِّنُ بِهِ بِلَادَهُ، وَبَنَى عَلَيْهِ ابْنُهُ قُبَاذُ زِيَادَةً، فَلَمَّا مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بَنَى فِي نَاحِيَةِ صُولٍ وَجُرْجَانَ بِنَاءً كَثِيرًا وَحُصُونًا حَصَّنَ بِهَا بِلَادَهُ جَمِيعَهَا.
وَإِنَّ سَيْجَيُورْ خَاقَانَ قَصَدَ بِلَادَهُ، وَكَانَ أَعْظَمَ التُّرْكِ، وَاسْتَمَالَ الْخَزَرَ وَأَبْخَزَ وَبَلَنْجَرَ، فَأَطَاعُوهُ، فَأَقْبَلَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِتَاوَةَ وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَمْ يُجِبْهُ كِسْرَى إِلَى شَيْءٍ مِمَّا طَلَبَ لِتَحْصِينِهِ بِلَادَهُ، وَإِنَّ ثَغْرَ أَرْمِينِيَّةَ قَدْ حَصَّنَهُ، فَصَارَ يَكْتَفِي بِالْعَدَدِ الْيَسِيرِ، فَقَصَدَهُ خَاقَانُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَعَادَ خَائِبًا، وَهَذَا خَاقَانُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ وِرْدَ مَلِكِ الْهَيَاطِلَةِ وَأَخَذَ كَثِيرًا مِنْ بِلَادِهِمْ.

ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى بِلَادَ الرُّومِ

كَانَ بَيْنَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ وَبَيْنَ غَطْيَانُوسْ مَلِكِ الرُّومِ هُدْنَةٌ، فَوَقَعَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، كَانَ مَلَّكَهُ غَطْيَانُوسْ عَلَى عَرَبِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ خَالِدُ بْنُ جَبَلَةَ، وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ لَخْمٍ كَانَ مَلَّكَهُ كِسْرَى عَلَى عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ إِلَى الطَّائِفِ وَسَائِرِ الْحِجَازِ يُقَالُ لَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، فِتْنَةٌ، فَأَغَارَ خَالِدٌ عَلَى ابْنِ النُّعْمَانِ، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُ ; فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى غَطْيَانُوسْ يُذَكِّرُهُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ وَيُعْلِمُهُ مَا لَقِيَ الْمُنْذِرُ مِنْ خَالِدٍ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ خَالِدًا بِرَدِّ مَا غَنِمَ إِلَى الْمُنْذِرِ، وَيَدْفَعَ لَهُ دِيَةَ مَنْ قَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيُنْصِفَهُ مِنْ خَالِدٍ، وَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَنْقُضُ الصُّلْحَ. وَوَالَى الْكُتُبَ إِلَى غَطْيَانُوسْ فِي إِنْصَافِ الْمُنْذِرِ، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهِ.
فَاسْتَعَدَّ كِسْرَى وَغَزَا بِلَادَ غَطْيَانُوسْ فِي بِضْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا، وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَخَذَ مَدِينَةَ دَارَا وَمَدِينَةَ الرُّهَاءِ، وَعَبَرَ إِلَى الشَّامِ فَمَلَكَ مَنْبِجَ وَحَلَبَ وَأَنْطَاكِيَّةَ، وَكَانَتْ أَفْضَلَ مَدَائِنِ الشَّامِ وَفَامِيَّةَ وَحِمْصَ وَمُدُنًا كَثِيرَةً مُتَاخِمَةً لِهَذِهِ الْمَدَائِنِ عَنْوَةً، وَاحْتَوَى كُلَّ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ، وَسَبَى أَهْلَ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ وَنَقَلَهُمْ إِلَى أَرْضِ السَّوَادِ، وَأَمَرَ فَبُنِيَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةِ طَيْسَفُونَ عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ وَأَسْكَنَهُمْ إِيَّاهَا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الرُّومِيَّةُ، وَكَوَّرَ لَهَا خَمْسَةَ طَسَاسِيجَ: طَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَعْلَى، وَطَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَوْسَطُ، وَطَسُّوجُ النَّهْرَوَانِ الْأَسْفَلُ، وَطَسُّوجُ بَادَرَايَا، وَطَسُّوجُ بَاكُسَايَا، وَأَجْرَى عَلَى السَّبْيِ الَّذِينَ نَقَلَهُمْ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَّةَ الْأَرْزَاقَ، وَوَلَّى الْقِيَامَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْأَهْوَازِ لِيَسْتَأْنِسُوا بِهِ لِمُوَافَقَتِهِ عَلَى الدِّينِ.
وَأَمَّا سَائِرُ مُدُنِ الشَّامِ وَمُضَرَ فَإِنَّ غَطْيَانُوسْ ابْتَاعَهَا مِنْ كِسْرَى بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ حَمَلَهَا إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ فِدْيَةً يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَ بِلَادَهُ، فَكَانُوا يَحْمِلُونَهَا كُلَّ عَامٍ.
وَسَارَ أَنُوشِرْوَانُ مِنَ الرُّومِ إِلَى الْخَزَرِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ وَغَنِمَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ بِثَأْرِ رَعِيَّتِهِ، ثُمَّ قَصَدَ الْيَمَنَ فَقَتَلَ فِيهَا وَغَنِمَ، وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَقَدْ مَلَكَ مَا دُونَ هِقْلَةَ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ. وَمَلَّكَ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ عَلَى الْحِيرَةِ وَأَكْرَمَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْهَيَاطِلَةِ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ جَدِّهِ فَيْرُوزَ، وَكَانَ أَنُوشِرْوَانُ قَدْ صَاهَرَ خَاقَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَدَخَلَ كِسْرَى بِلَادَهُمْ فَقَتَلَ مَلِكُهُمْ، وَاسْتَأْصَلَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَتَجَاوَزَ بَلْخَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَأَنْزَلَ جُنُودَهُ فَرْغَانَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَغَزَا الْبُرْجَانَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَرْسَلَ جُنْدَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَتَلُوا الْحَبَشَةَ وَمَلَكُوا الْبِلَادَ.
وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَكَانَ مَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي آخِرِ مُلْكِهِ.
وَقِيلَ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ أَنُوشِرْوَانَ، وَوُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِنْ مُلْكِهِ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ الْعَرَبَ مِنْ قِبَلِ مُلُوكِ الْفُرْسِ بَعْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَخُوهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو يَعْفُرَ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَدِيٍّ اللَّخْمِيُّ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ الْمُنْذِرُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ وَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِضَفِيرَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ، وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ، وَهِيَ مَاوِيَّةُ ابْنَةُ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ: وَلِثَمَانِي سِنِينَ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَايَتِهِ وُلِدَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَذَلِكَ أَيَّامَ أَنُوشِرْوَانَ عَامَ الْفِيلِ.
فَلَمَّا دَانَتْ لِكِسْرَى بِلَادُ الْيَمَنِ وَجَّهَ إِلَى سَرَنْدِيبَ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَهِيَ أَرْضُ الْجَوْهَرِ، قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ مِنْ جُنْدٍ كَثِيفٍ، فَقَاتَلَ مَلِكَهَا، فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَحَمَلَ إِلَى كِسْرَى مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَجَوَاهِرَ كَثِيرَةً.
وَلَمْ يَكُنْ بِبِلَادِ فَارِسَ بَنَاتُ آوَى، فَجَاءَتْ إِلَيْهَا مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ فِي مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، فَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأَحْضَرَ مُوبَذَانْ مُوبَذْ وَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنَا تَسَاقُطُ هَذِهِ السِّبَاعِ إِلَى بِلَادِنَا وَقَدْ تَعَاظَمْنَا ذَلِكَ، فَأَخْبِرْنَا بِرَأْيِكَ فِيهَا. فَقَالَ: سَمِعْتُ فُقَهَاءَنَا يَقُولُونَ: مَتَى لَمْ يَغْلِبِ الْعَدْلُ الْجَوْرَ فِي الْبِلَادِ بَلْ جَارَ أَهْلُهَا، غَزَاهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ وَأَتَاهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. فَلَمْ يَلْبَثْ كِسْرَى أَنْ أَتَاهُ أَنَّ فِتْيَانًا مِنَ التُّرْكِ قَدْ غَزَوْا أَقْصَى بِلَادِهِ، فَأَمَرَ وُزَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ أَنْ لَا يَتَعَدُّوا فِيمَا هُمْ بِسَبِيلِهِ الْعَدْلَ، وَلَا يَعْمَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِهِ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَدُوَّ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ.

ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ أَنُوشِرْوَانُ بِأَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ

كَانَتْ أَرْمِينِيَّةُ وَأَذْرَبِيجَانُ بَعْضُهَا لِلرُّومِ وَبَعْضُهَا لِلْخَزَرِ، فَبَنَى قُبَاذُ سُورًا مِمَّا يَلِي بَعْضَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَلَكَ ابْنُهُ أَنُوشِرْوَانُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ وَغَزَا فَرْغَانَةَ وَالْبُرْجَانَ، وَعَادَ بَنَى الشَّابَرَانَ وَمَدِينَةَ مَسْقَطَ وَمَدِينَةَ الْبَابِ وَالْأَبْوَابَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ أَبْوَابًا لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى طَرِيقٍ فِي الْجَبَلِ، وَأَسْكَنَ الْمُدُنَ قَوْمًا سَمَّاهُمُ السَّيَاسَجِينَ، وَبَنَى غَيْرَ هَذِهِ الْمُدُنِ، وَبَنَى لِكُلِّ بَابٍ قَصْرًا مِنْ حِجَارَةٍ، وَبَنَى بِأَرْضِ جُرْزَانَ مَدِينَةَ سَغْدَبِيلَ وَأَنْزَلَهَا السُّغْدَ وَأَبْنَاءَ فَارِسَ، وَبَنَى بَابَ اللَّانِ، وَفَتَحَ جَمِيعَ مَا كَانَ بِأَرْضِ الرُّومِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَعَمَّرَ مَدِينَةَ أَرْدَبِيلَ وَعِدَّةَ حُصُونٍ، وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ يَسْأَلُهُ الْمُوَادَعَةَ وَالِاتِّفَاقَ وَيَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، وَرَغِبَ فِي صِهْرِهِ، وَتَزَوَّجَ كُلُّ وَاحِدٍ بِابْنَةِ الْآخَرِ.
فَأَمَّا كِسْرَى فَإِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ بِنْتًا كَانَتْ قَدْ تَبَنَّتْهَا بَعْضُ نِسَائِهِ وَذَكَرَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ التُّرْكِ ابْنَتَهُ، وَاجْتَمَعَا، فَأَمَرَ أَنُوشِرْوَانُ جَمَاعَةً مِنْ ثِقَاتِهِ أَنْ يَكْبِسُوا طَرَفًا مِنْ عَسْكَرِ التُّرْكِ وَيُحْرِقُوا فِيهِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا شَكَا مَلِكُ التُّرْكِ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ لَيَالٍ، فَضَجَّ التُّرْكِيُّ، فَرَفُقَ بِهِ أَنُوشِرْوَانُ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنُوشِرْوَانُ أَنْ تُلْقَى النَّارُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ فِيهَا أَكْوَاخٌ مِنْ حَشِيشٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ شَكَا إِلَى التُّرْكِيِّ، قَالَ: كَافَأْتَنِي بِالتُّهْمَةِ! فَحَلَفَ التُّرْكِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَنُوشِرْوَانُ لَهُ: إِنَّ جُنْدَنَا قَدْ كَرِهُوا صُلْحَنَا لِانْقِطَاعِ الْعَطَاءِ وَالْغَارَاتِ، وَلَا آمَنُ أَنْ يُحْدِثُوا حَدَثًا يُفْسِدُ قُلُوبَنَا فَنَعُودَ إِلَى الْعَدَاوَةِ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَأْذَنَ لِي فِي بِنَاءِ سُورٍ يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ نَجْعَلُ عَلَيْهِ أَبْوَابًا فَلَا يَدْخُلُ إِلَيْكَ إِلَّا مَنْ تُرِيدُهُ وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْنَا إِلَّا مَنْ نُرِيدُهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ.
وَبَنَى أَنُوشِرْوَانُ السُّورَ مِنَ الْبَحْرِ وَأَلْحَقَهُ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ، وَعَمِلَ عَلَيْهِ أَبْوَابَ الْحَدِيدِ وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْرُسُهُ. فَقِيلَ لِمَلِكِ التُّرْكِ: إِنَّهُ خَدَعَكَ وَزَوَّجَكَ غَيْرَ ابْنَتِهِ وَتَحَصَّنَ مِنْكَ فَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى حِيلَةٍ.
وَمَلَّكَ أَنُوشِرْوَانُ مُلُوكًا رَتَّبَهُمْ عَلَى النَّوَاحِي، فَمِنْهُمْ صَاحِبُ السَّرِيرِ، وَفِيلَانْ شَاهْ، وَاللَّكْزُ وَمَسْقَطُ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ تَزَلْ أَرْمِينِيَّةُ بِأَيْدِي الْفُرْسِ حَتَّى ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، فَرَفَضَ كَثِيرٌ مِنَ السَّيَاسَجِينُ حُصُونَهُمْ وَمَدَائِنَهُمْ حَتَّى خُرِّبَتْ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْخَزَرُ وَالرُّومُ، وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ كَذَلِكَ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *