ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الرُّومِ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ

ذِكْرُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الرُّومِ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ إِلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

زَعَمُوا أَنَّ مُلْكَ الشَّامِ جَمِيعِهِ صَارَ بَعْدَ طِيبَارِيُوسَ إِلَى وَلَدِهِ جَايُوسَ وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنٌ لَهُ آخَرُ اسْمُهُ قُلُودِيُوسُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ نِيرُونُ الَّذِي قَتَلَ بُطْرَسَ وَبُولُسَ فَصَلَبَهُمَا مُنَكَّسَيْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بُوطِلَايِسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ إِسْفِسْيَانُوسُ، وَهَذَا الَّذِي وَجَّهَ ابْنَهُ طِيطُوسَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فَهَدَمَهُ وَقَتَلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَضَبًا لِلْمَسِيحِ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ طِيطُوسُ، ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ دُومِطْيَانُوسُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ نَارُوَاسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ طَرَايَانُوسُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ هِدْرِيَانُوسُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْطُونِينُوسُ بْنُ بِطْيَانُوسَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَرْقُوسُ وَأَوْلَادُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُومُودُوسُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ فَرْطِينَاجُوسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ سِيوَارُوشُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَنْطِينَاوُسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ مَرْقِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ أَنْطِينَانُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَفِي مُلْكِهِ مَاتَ جَالِينُوسُ الطَّبِيبُ.
ثُمَّ مَلَكَ الْخَسَنْدَرُوسُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَكْسِيمَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ جُورْدِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ فَيْلُفُوسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ دَاقِيوُسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ قَالُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَرِيبَانُوسُ وَقَالِينُوسُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قِرِيطَالِيُوسُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ أُورِلْيَانُوسُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ طِيقُطُوسُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ فُولُورُنُوسُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مَلَكَ فُرُوبُوسُ سِتَّ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ دِقْلَطْيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَخْسِيمِيَانُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قُسْطَنْطِينُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُلْيَانُوسُ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ يُويَانُوسُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ وَالِنْطِيَانُوسُ وَغِرْطِيَانُوسُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ خِرْطِيَانُوسُ وَوَالِنْطِيَانُوسُ الصَّغِيرُ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تِيَادَاسِيسُ الْأَكْبَرُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُرْقَادِيُوسُ وَأَنُورْيُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تِيَادَاسِيسُ الْأَصْغَرُ وَوَالِنْطِيَانُوسُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مُرْقِيَانُوسُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ لَاوْ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ زَانُونُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أَنِسْطَاسُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِنْيَانُوسُ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِنْيَانُوسُ الشَّيْخُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينَسُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ طِيبَارِيُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَرِيقِيشُ وَتَادَاسِيسُ ابْنُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ فَوْقَا الَّذِي قُتِلَ سَبْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ هِرَقْلُ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثَلَاثَ سِنِينَ.
فَمِنْ لَدُنْ عُمِّرَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ بَعْدَ أَنْ أَخْرَبَهُ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى الْهِجْرَةِ، عَلَى قَوْلِهِمْ، أَلْفُ سَنَةٍ وَنَيِّفٌ، وَمِنْ مُلْكِ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَيْهَا تِسْعُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَمِنْ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ ظُهُورِهِ إِلَى مَوْلِدِ عِيسَى – عَلَيْهِ السَّلَامُ – ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَمِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى ارْتِفَاعِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَمِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَمِنْ وَقْتِ ارْتِفَاعِهِ إِلَى الْهِجْرَةِ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَشْهُرٌ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ عَدَدِ مُلُوكِ الرُّومِ، وَقَدْ أَخْلَى ذِكْرَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيَّامِهِمْ، وَقَدْ سَطَّرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّارِيخِ وَخَالَفَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا وَوَافَقَهُ فِي الْبَاقِي مَعَ مُخَالَفَةِ الِاسْمِ وَأَضَافَ إِلَى أَسْمَائِهِمْ ذِكْرَ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي أَيَّامِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُهُ مُخْتَصَرًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

ذِكْرُ مُلُوكِ الرُّومِ وَهُمْ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ، فَالطَّبَقَةُ الْأُولَى الصَّابِئُونَ

ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ أَنَّ الرُّومَ غَلَبَتِ الْيُونَانَ، وَهُمْ وَلَدُ صُوفِيرَ، وَالْإِسْرَائِيلِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنَّ صُوفِيرَ هُوَ الْأَصْفَرُ بْنُ نَفَرِ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانُوا يُنْزِلُونَ رُومِيَّةَ قَبْلَ غَلَبَتِهِمْ عَلَى الْيُونَانِ، وَكَانُوا يَدِينُونَ قَبْلَ النَّصْرَانِيَّةِ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ، وَلَهُمْ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا عَلَى عَادَةِ الصَّابِئِينَ. فَكَانَ أَوَّلَ مُلُوكِهِمْ بِرُومِيَّةَ غَالِيُوسُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقِيلَ: كَانَ مَلَكَ قَبْلَهُ رُومَلْسُ وَأَرْمَانُوسُ، وَهُمَا بَنَيَاهَا، وَإِلَيْهِمَا نُسِبَتْ، وَأُضِيفَ الرُّومُ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا غَالِيُوسُ أَوَّلُ مَنْ يُعَدُّ فِي التَّارِيخِ لِشُهْرَتِهِ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُولْيُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ أُوغُسْطُسُ، وَمَعْنَاهُ الصِّبَاءُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ قَيْصَرَ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ شُقَّ عَنْهُ بَطْنُ أُمِّهِ لِأَنَّهَا مَاتَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، فَأُخْرِجَ مِنْ بَطْنِهَا، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ لَقَبًا لِمُلُوكِهِمْ، وَكَانَ مُلْكُهُ سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَأَكْثَرُ الْمُؤَرِّخِينَ يَبْتَدِئُونَ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْ رُومِيَّةَ وَسَيَّرَ الْجُنُودَ بَرًّا وَبَحْرًا، وَغَزَا الْيُونَانِيِّينَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مُلْكِهِمْ، وَقَتَلَ قُلُوبَطْرَةَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَقَلَ مَا فِيهَا إِلَى رُومِيَّةَ، وَمَلَكَ الشَّامَ، وَاضْمَحَلَّ مُلْكُ الْيُونَانِيِّينَ، وَدَخَلُوا فِي الرُّومِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ هِيرُودَسَ بْنَ أَنْطِيقُوسَ، وَلِاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ كَانَتْ وِلَادَةُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى قَيْصَارِيَّةَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ طِيبَارِيُوسُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ طَبَرِيَّةَ، فَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ، وَعَرَّبَهَا الْعَرَبُ، وَفِي مُلْكِهِ رُفِعَ الْمَسِيحُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَمَلَكَ بَعْدَ رَفْعِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غَالِيُوسُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ إِصْطِفَنُوسَ رَئِيسَ الشَّمَامِسَةِ عِنْدَ النَّصَارَى وَيَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بْنِ زَبْدِيٍّ، وَهُمَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنَ النَّصَارَى، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ قَتَلَ النَّصَارَى.
ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ بْنُ طِيبَارِيُوسَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ حُبِسَ شَمْعُونُ الصَّفَا، ثُمَّ خَلَصَ شَمْعُونُ مِنَ الْحَبْسِ وَسَارَ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، فَدَعَا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى رُومِيَّةَ فَدَعَا أَهْلَهَا أَيْضًا، فَأَجَابَتْهُ زَوْجَةُ الْمَلِكِ وَسَارَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَأَخْرَجَتِ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ، فَأَخَذَتْهَا وَرَدَّتْهَا إِلَى النَّصَارَى.
ثُمَّ مَلَكَ نِيرُونُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي آخِرِ مُلْكِهِ قَتَلَ بُطْرُسَ وَبُولُسَ بِمَدِينَةِ رُومِيَّةَ وَصَلَبَهُمَا مُنَكَّسَيْنِ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَفِرَتِ الْيَهُودُ بِيَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، وَهُوَ أَوَّلُ الْأَسَاقِفَةِ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا خَشَبَةَ الصَّلِيبِ فَدَفَنُوهَا، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ مَارِينُوسُ الْحَكِيمُ صَاحِبُ كِتَابِ الْجُغْرَافِيَا فِي صُورَةِ الْأَرْضِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ غَلْبَاسُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ أُوثُونُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ بِيطَالِيسُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ مَلَكَ إِسْبَاسِيَانُوسُ تِسْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ خَالَفَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ قَيْصَرُ فَحَصَرَهُمْ وَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعَمَّهُمُ الْأَذَى فِي أَيَّامِهِ.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ طِيطُوسُ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ أَظْهَرَ مَرْقِيُونُ مَقَالَتَهُ بِالِاثْنَيْنِ، وَهُمَا: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَبُعْدٌ ثَالِثٌ بَيْنَهُمَا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَرْقُونِيَّةُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ.
ثُمَّ مَلَكَ ذُومَطْيَانُشُ بْنُ إِسْبَاسِيَانُوسَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَلِتِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ نَفَى يُوحَنَّا الْحَوَارِيَّ كَاتِبَ الْإِنْجِيلِ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ رَدَّهُ.
ثُمَّ مَلَكَ نَرْوَاسُ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ.
ثُمَّ مَلَكَ طَرَايَانُوسُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي السَّادِسَةِ مِنْ مُلْكِهِ تُوُفِّيَ يُوحَنَّا كَاتِبُ الْإِنْجِيلِ بِمَدِينَةِ أَفَسَيِسَ.
ثُمَّ مَلَكَ إِيلِيَا أَنْدَرْيَانُوسُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَقَتَلَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا لِخِلَافٍ كَانَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَأَخْرَبَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ آخِرُ خَرَابِهِ، فَلَمَّا مَضَى مِنْ مُلْكِهِ ثَمَانِي سِنِينَ عَمَّرَهُ أَيْضًا وَسَمَّاهُ إِيلِيَا، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ فَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُسَمَّى أُورْشَلْمَ، وَأَسْكَنَ الْمَدِينَةَ جَمَاعَةً مِنَ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، وَبَنَى هَيْكَلًا عَظِيمًا لِلزُّهْرَةِ، وَكَانَ عَالِيَ الْبُنْيَانِ، فَهُدِمَ مِنْ أَعْلَاهُ كَثِيرٌ.
وَهُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَهُوَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ، وَهُوَ مُحْكَمُ الْبِنَاءِ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ نُسِبَ إِلَى دَاوُدَ وَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، عَلَى أَنَّنِي سَمِعْتُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنْ جَمَاعَةٍ يَذْكُرُونَ أَنَّ دَاوُدَ بَنَاهُ وَكَانَ يَتَفَرَّغُ فِيهِ لِعِبَادَتِهِ.
وَفِي أَيَّامِ هَذَا الْمَلِكِ كَانَ سَاقَيْدَسُ الْفَيْلَسُوفُ الصَّامِتُ.
ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُنْيَنْسُ بِيُوسُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ بَطْلَيْمُوسُ صَاحِبُ الْمَجِسْطِي وَالْجُغْرَافِيَا وَغَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ وَلَدِ قُلُودِيُوسَ، وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ الْقُلُودِيُّ نِسْبَةً إِلَيْهِ، وَهُوَ السَّادِسُ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَيْسَ مِنْ مُلُوكِ الْيُونَانِ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْمَجِسْطِي أَنَّهُ رَصَدَ الشَّمْسَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ لِبُخْتُنَصَّرَ، وَكَانَ مِنْ مُلْكِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَى قَتْلِ دَارَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمِنْ قَتْلِ دَارَا إِلَى زَوَالِ مُلْكِ قُلُوبَطْرَةَ الْمَلِكَةِ آخِرِ مُلُوكِ الْيُونَانِ عَلَى يَدِ أُوغُسْطُسَ مِائَتَا سَنَةٍ وَسِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَمُذْ غَلَبَةِ أُوغُسْطُسَ إِلَى أَنْطُنِينُوسَ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَمُذْ مَلَكَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى أَدْرِيَانُوسَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً تَقْرِيبًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا حَكَاهُ بَطْلَيْمُوسُ.
قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ قُلُوبَطْرَةَ آخِرِ مُلُوكِ الْيُونَانِيِّينَ فَقَدْ أَبْطَلَ ذِكْرَ هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّارِيخِ وَعَدَّ مُلُوكَ الْيُونَانِ وَذَكَرَ مُدَّةَ مُلْكِهِمْ عَلَى مَا قَالَ، وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مُدَّةِ مُلْكِهِمْ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مُرْقُسُ، وَيُسَمَّى أُورُلْيُوسَ، تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ أَظْهَرَ ابْنُ دِيصَانَ مَقَالَتَهُ، وَكَانَ أُسْقُفًا بِالرُّهَاءِ، وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالِاثْنَيْنِ، وَنُسِبَ إِلَى نَهْرٍ عَلَى بَابِ الرُّهَاءِ يُسَمَّى دِيصَانَ وُجِدَ عَلَيْهِ مَنْبُوذًا، وَبَنَى عَلَى هَذَا النَّهْرِ كَنِيسَةً.
ثُمَّ مَلَكَ قُومُودُوسُ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ جَالِينُوسُ قَدْ أَدْرَكَ بَطْلَيْمُوسَالْقَلُّودِيَّ، وَكَانَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ ظَهَرَ فِي أَيَّامِهِ وَذَكَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ: فِي جَوَامِعِ كِتَابِ أَفْلَاطُونَ فِي السِّيَاسَةِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَرْطِينْقَشُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ يُولْيَانُوسُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ سِيوَارَسُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَشَمِلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي أَيَّامِهِ الْقَتْلُ وَالتَّشْرِيدُ، وَبَنَى بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَيْكَلًا عَظِيمًا سَمَّاهُ هَيْكَلَ الْآلِهَةِ.
ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُونْيُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَقْرُونِيُوسُ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، ثُمَّ مَلَكَ أَنْطُونْيُوسُ الثَّانِي أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ الْأَكْصَنْدَرُوسُ، وَيُلَقَّبُ مَامِيَاسَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِمْيَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِمُوسُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ غَرْدِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ فِيلِبُوسُ سِتَّ سِنِينَ، وَتَنَصَّرَ وَتَرَكَ دِينَ الصَّابِئِينَ وَتَبِعَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَاخْتَلَفُوا لِذَلِكَ، وَكَانَ فِيمَنْ خَالَفَهُ بِطْرِيقٌ يُقَالُ لَهُ دَاقُيُوسُ، قَتَلَ فِيلِبُوسَ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ فِيلِبُوسَ دَاقُيُوسُ سَنَتَيْنِ وَتَتَبَّعَ النَّصَارَى، فَهَرَبَ مِنْهُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ شَرْقِيِّ مَدِينَةِ أَفْسِيسَ، وَقَدْ خُرِّبَتِ الْمَدِينَةُ، وَكَانَ لُبْثُهُمْ فِيهِ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ مِنْ حِينِ رُفِعَ الْمَسِيحُ إِلَى الْآنِ نَحْوُ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ لُبْثُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ظُهُورُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِنَحْوِ سِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ لَدُنْ ظُهُورِهِمْ إِلَى الْهِجْرَةِ زِيَادَةً عَلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ أَكْثَرُ مِنَ الْفَتْرَةِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالنَّبِيِّ – عَلَيْهِمْا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّاقِلَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ غَيْبَتَهُمْ كَانَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً عَلَى مَا نَرَاهُ مَذْكُورًا، وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْقُرْآنِ، وَلَوْلَا نَصُّ الْقُرْآنِ لَكَانَ اسْتَقَامَ لَهُ مَا يُرِيدُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ غَالِيُوسُ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمُلْكِ يُولْيَانُوسُ، مَلَكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ قُلُودِيُوسُ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ أُورْلِيَانُوسُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ طَافِسْطُوسُ وَأَخُوهُ فُورَسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بُرُوبَسُ تِسْعَ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ قَارُوسُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ دِقْلَطْيَانُوسُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ مَقْسِيمَانُوسُ وَشَارَكَهُ مَقْسَنْطِيُوسُ، ثُمَّ اقْتَتَلَا فَاقْتَسَمَا الْمُلْكَ، فَمَلَكَ الْأَبُ عَلَى الشَّامِ وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَبَعْضِ الرُّومِ، وَمَلَكَ الِابْنُ رُومِيَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ أَرْضِ الْفِرِنْجِ، وَمَلَكَا تِسْعَ سِنِينَ، وَتَمَلَّكَ مَعَهُمَا قُسْطَنْسُ أَبُو قُسْطَنْطِينَ بِلَادَ بُوزَنْطِيَا وَمَا يَلِيهَا، وَهِيَ نَوَاحِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ حِينَئِذٍ، ثُمَّ مَاتَ قُسْطَنْسُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ الْمَعْرُوفُ بِأُمِّهِ هِيلَانَى، وَهُوَ الَّذِي تَنَصَّرَ.
قَالَ: وَمِنْ أَوَّلِ مُلُوكِ الرُّومِ إِلَى هَاهُنَا كَانُوا شَبِيهًا بِمُلُوكِ الطَّوَائِفِ، لَا يَنْضَبِطُ عَدَدُهُمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمْ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعَوِّلُ عَلَيْهِ مِنْ قُسْطَنْطِينَ إِلَى هِرَقْلَ الَّذِي بُعِثَ مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي أَيَّامِهِ، وَلَقَدْ صَدَقَ قَائِلُ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ مَا ذَكَرْنَا بَعْضَهُ عِنْدَ ذِكْرِ دِقْيُوسَ وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يَذْكُرِ الطَّبَرِيُّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ فِي زَمَانِ أَيِّ الْمُلُوكِ كَانُوا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ نَحْنُ لِمَا فِي أَيَّامِ الْمُلُوكِ مِنَ الْحَوَادِثِ.

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ الْمُتَنَصِّرَةِ

ثُمَّ مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ الْمَعْرُوفُ بِأُمِّهِ هِيلَانَى فِي جَمِيعِ بِلَادِ الرُّومِ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْسِيمَانُوسَ وَابْنِهِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا مَاتَا اسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ وَتَفَرَّدَ بِهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ الَّذِي تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ وَقَاتَلَ عَلَيْهَا حَتَّى قَبِلَهَا النَّاسُ وَدَانُوا بِهَا إِلَى هَذَا الْوَقْتِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ تَنَصُّرِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ بِهِ بَرَصٌ وَأَرَادُوا نَزْعَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ وُزَرَائِهِ مِمَّنْ كَانَ يَكْتُمُ النَّصْرَانِيَّةَ بِإِحْدَاثِ دِينٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ ثُمَّ حَسَّنَ لَهُ النَّصْرَانِيَّةَ لِيُسَاعِدَهُ مَنْ دَانَ بِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَتَبِعَهُ النَّصَارَى مِنَ الرُّومِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَقَوِيَ بِهِمْ وَقَهَرَ مَنْ خَالَفَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ سَيَّرَ عَسَاكِرَ عَلَى أَسْمَاءِ أَصْنَامِهِمْ، فَانْهَزَمَتِ الْعَسَاكِرُ، وَكَانَ لَهُمْ سَبْعَةُ أَصْنَامٍ عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ عَلَى عَادَةِ الصَّابِئِينَ، فَقَالَ لَهُ وَزِيرٌ لَهُ يَكْتُمُ النَّصْرَانِيَّةَ فِي هَذَا وَأَزْرَى بِالْأَصْنَامِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِالنَّصْرَانِيَّةِ. فَأَجَابَهُ، فَظَفِرَ، وَدَامَ مُلْكُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لِثَلَاثِ سِنِينَ خَلَتْ مِنْ مُلْكِهِ بِمَكَانِهَا الْآنَ، اخْتَارَهُ لِحَصَانَتِهِ، وَهِيَ عَلَى الْخَلِيجِ الْآخِذِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَسْوَدِ إِلَى بَحْرِ الرُّومِ، وَالْمَدِينَةُ عَلَى الْبَرِّ الْمُتَّصِلِ بِرُومِيَّةَ وَبِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالْأَنْدَلُسِ، وَالرُّومُ تُسَمِّيهَا اسْتَنْبُولَ، يَعْنِي مَدِينَةَ الْمُلْكِ.
وَلِعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الْأَوَّلُ بِمَدِينَةِ نِيقِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَمَعْنَاهُ الِاجْتِمَاعُ، فِيهِ أَلْفَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أُسْقُفًا، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًا مُتَّفِقِينَ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، فَحَرَّمُوا آرِيُوسَ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ الْآرِيُوسِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَوَضَعَ شَرَائِعَ النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَكَانَ رَئِيسُ هَذَا الْمَجْمَعِ بَطْرَقَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ مُلْكِهِ سَارَتْ أُمُّهُ هِيلَانَى الرُّهَاوِيَّةُ، كَانَ أَبُوهُ سَبَاهَا مِنَ الرُّهَاءِ، فَأَوْلَدَهَا هَذَا الْمَلِكَ، فَسَارَتْ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَأَخْرَجَتِ الْخَشَبَةَ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَهُوَ عِيدُ الصَّلِيبِ، وَبَنَتِ الْكَنِيسَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِقُمَامَةَ، وَتُسَمَّى الْقِيَامَةَ، وَهِيَ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا يَحُجُّهَا أَنْوَاعُ النَّصَارَى.
وَقِيلَ: كَانَ مَسِيرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ ابْنَهَا دَانَ النَّصْرَانِيَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ. وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ مُلْكِهِ طَبَّقَ جَمِيعَ مَمَالِيكِهِ بِالْبِيَعِ هُوَ وَأُمُّهُ، مِنْهَا: كَنِيسَةُ حِمْصَ، وَكَنِيسَةُ الرُّهَاءِ، وَهِيَ مِنَ الْعَجَائِبِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُسْطَنْطِينُ أَنْطَاكِيَّةَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَإِلَى أَخِيهِ قُسْطَنْسَ أَنْطَاكِيَّةَ، وَالشَّامَ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَإِلَى أَخِيهِ قَسْطُوسَ رُومِيَّةَ وَمَا يَلِيهَا مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ وَالصَّقَالِبَةِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْا الْمَوَاثِيقَ بِالِانْقِيَادِ لِأَخِيهِمَا قُسْطَنْطِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُولْيَانُوسُ ابْنُ أَخِيهِ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ يَدِينُ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ وَيُخْفِي ذَلِكَ. فَلَمَّا مَلَكَ أَظْهَرَهَا وَخَرَّبَ الْبِيَعَ وَقَتَلَ النَّصَارَى، وَهُوَ الَّذِي سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ أَيَّامَ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ فَقَتَلَ بِسَهْمٍ غَرْبٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ خَبَرَ هَذَا الْمَلِكِ مَعَ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ وَهُوَ بَعْدَ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ يُونْيَانُوسُ سَنَةً فَأَظْهَرَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ وَدَانَ بِهَا وَعَادَ مِنَ الْعِرَاقِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ وَلَنْطِيُوشُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَنْسُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مَلَكَ وَالَنْطِيَانُوسُ ثَلَاثَ سِنِينَ. ثُمَّ مَلَكَ تَدُوسُ الْكَبِيرُ، وَمَعْنَاهُ عَطِيَّةُ اللَّهِ، تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الثَّانِي بِمَدِينَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أُسْقُفًا لَعَنُوا مَقْدُونِسَ وَأَشْيَاعَهُ، وَكَانَ فِيهِ بَطْرَقُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَبَطْرَقُ أَنْطَاكِيَّةَ وَبَطْرَقُ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَالْمُدُنُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا كَرَاسِيُّ الْبَطْرَقُ أَرْبَعٌ: إِحْدَاهُمَا رُومِيَّةُ، وَهِيَ لِبُطْرُسَ الْحَوَارِيِّ، وَالثَّانِيَةُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَهِيَ لِمُرْقُسَ أَحَدِ أَصْحَابِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ، وَالثَّالِثَةُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَالرَّابِعَةُ أَنْطَاكِيَّةُ، وَهِيَ لِبُطْرُسَ أَيْضًا، وَلِثَمَانِي سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ ظَهَرَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ.
ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهُ أَرْقَادِيُوسُ بْنُ تَدُوسَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ تَدُوسُ الصَّغِيرُ بْنُ تَدُوسَ الْكَبِيرِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلِإِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الثَّالِثُ بِمَدِينَةِ أَفْسُسْ، وَحَضَرَ هَذَا الْمَجْمَعَ مِائَتَا أَسْقُفٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا ظَهَرَ مِنْ نَسْطُورَسْ بَطْرَقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَهُوَ رَأْسُ النَّسْطُورِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، مِنْ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِهِمْ فَلَعَنُوهُ وَنَفَوْهُ، فَسَارَ إِلَى صَعِيدِ مِصْرَ فَأَقَامَ بِبِلَادِ إِخْمِيمَ، وَمَاتَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سَيَصْلُحْ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَصَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُخَالِفِيهِمْ حَرْبٌ وَقِتَالٌ، ثُمَّ دُثِرَتْ مَقَالَتُهُ إِلَى أَنْ أَحْيَاهَا بُرْصُومَا مُطْرَانْ نَصِيبِينَ قَدِيمًا.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّ الشَّهْرِسْتَانِيَّ مُصَنِّفَ كِتَابِ: ” نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ فِي الْأُصُولِ “، وَمُصَنِّفَ كِتَابِ: ” الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ “، فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ نَسْطُورْ كَانَ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ، وَهَذَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقًا.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مَرْقَيَانْ سِتَّ سِنِينَ، وَفِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الرَّابِعُ عَلَى تَسْقَرَسْ بَطْرَقِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ أَسْقُفًا، وَفِي هَذَا الْمَجْمَعِ خَالَفَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ سَائِرَ النَّصَارَى.
ثُمَّ مَلَكَ لِيُونُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ لِيُونُ الصَّغِيرُ سَنَةً، وَكَانَ يَعْقُوبِيَّ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ مَلَكَ زِينُونْ سَبْعَ سِنِينَ، وَكَانَ يَعْقُوبِيًّا، فَزَهِدَ فِي الْمُلْكِ فَاسْتَخْلَفَ ابْنًا لَهُ فَهَلَكَ، فَعَادَ إِلَى الْمُلْكِ، ثُمَّ مَلَكَ نِسْطَاسُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَعْقُوبِيَّ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى عَمُورِيَّةَ، فَلَمَّا حَفَرَ أَسَاسَهَا أَصَابَ فِيهِ مَالًا وَفَّى بِالنَّفَقَةِ عَلَى بِنَائِهَا وَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بَنَى بِهِ بِيَعًا وَأَدْيِرَةً.
ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينْ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي الْيَعْقُوبِيَّةِ.
ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطَانُوسْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَنَى بِالرُّهَاءِ كَنِيسَةً عَجِيبَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ الْخَامِسُ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَحَرَّمُوا أَدْرِيحَا أَسْقُفَ مَنْبِجْ لِقَوْلِهِ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ فِي أَجْسَادِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ جَزَاءَ مَا ارْتَكَبُوهُ. وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ بَيْنَ الْيَعَاقِبَةِ وَالْمَلَكِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ فِتَنٌ، وَفِي أَيَّامِهِ ثَارَ الْيَهُودُ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ وَجَبَلِ الْخَلِيلِ عَلَى النَّصَارَى فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَنَى الْمَلِكُ مِنَ الْبِيَعِ وَالْأَدْيِرَةِ شَيْئًا كَثِيرًا.
ثُمَّ مَلَكَ يُوسْطِينُوسْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانْ، ثُمَّ مَلَكَ طَبَايُوسْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنُوشِرْوَانْ مُرَاسَلَاتٌ وَمُهَادَاةٌ، وَكَانَ مُغْرًى بِالْبِنَاءِ وَتَحْسِينِهِ وَتَزْوِيقِهِ.
ثُمَّ مَلَكَ مُورِيقْ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ حَمَاةَ يُعْرَفُ بِمَارُونْ إِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمَارُونِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى، وَأَحْدَثَ رَأْيًا يُخَالِفُ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ انْقَرَضُوا وَلَمْ يُعْرَفِ الْآنَ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَهَذَا مُورِيقْ هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ كِسْرَى أَبْرَوِيزْ حِينَ انْهَزَمَ مِنْ بَهْرَامَ جُوبِينْ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَأَمَدَّهُ بِعَسَاكِرِهِ وَأَعَادَهُ إِلَى مُلْكِهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ فُوقَاسْ، وَكَانَ مِنْ بَطَارِقَةِ مُورِيقْ، فَوَثَبَ بِهِ فَاغْتَالَهُ فَقَتَلَهُ وَمَلَكَ الرُّومَ بَعْدَهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا مَلَكَ تَتَبَّعَ وَلَدَ مُورِيقْ وَحَاشِيَتَهُ بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبْرَوِيزْ غَضِبَ وَسَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ فَاحْتَوَى عَلَيْهِمَا وَقَتَلُوا مِنَ النَّصَارَى خَلْقًا كَثِيرًا، وَسَيَرِدُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ أَبْرَوِيزْ.
ثُمَّ مَلَكَ هِرَقْلُ، وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِهِ أَنَّ عَسَاكِرَ الْفُرْسِ لَمَّا فَتَكَتْ فِي الرُّومِ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَحَصَرُوهَا، وَكَانَ هِرَقْلُ يَحْمِلُ الْمِيرَةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى أَهْلِهَا، فَحَسُنَ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِنَ الرُّومِ وَبَانَتْ شَهَامَتُهُ وَشَجَاعَتُهُ وَأَحَبَّهُ الرُّومُ فَحَمَلَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِفُوقَاسْ، وَذَكَّرَهُمْ سُوءَ آثَارِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ هِرَقْلَ.

ذِكْرُ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ
فَأَوَّلُهُمْ هِرَقْلُ، قَدْ ذُكِرَ سَبَبُ مُلْكِهِ، وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمِنْهُ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ، وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ أَخِيهِ قُسْطَنْطِينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَسَيَرِدُ خَبَرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ غَزَاةِ الصَّوَارِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِي أَيَّامِهِ كَانَ السَّنْهُودَسُ السَّادِسُ عَلَى لَعْنِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ قُورَسْ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ خَالَفَ الْمَلَكِيَّةَ وَوَافَقَ الْمَارُونِيَّةَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قَسْطَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَمُعَاوِيَةَ. ثُمَّ مَلَكَ هِرَقْلُ الْأَصْغَرُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ مَلَكَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ قَسْطَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْضَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ وَأَيَّامِ يَزِيدَ وَابْنِهِ مُعَاوِيَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ثُمَّ مَلَكَ أَسْطِينَانْ، الْمَعْرُوفُ بِالْأَخْرَمِ، تِسْعَ سِنِينَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَلَعَهُ الرُّومُ وَخَرَمُوا أَنْفَهُ وَحُمِلَ إِلَى بَعْضِ الْجَزَائِرِ، فَهَرَبَ وَلَحِقَ بِمَلِكِ الْخَزَرِ وَاسْتَنْجَدَهُ فَلَمْ يُنْجِدْهُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَلِكِ بُرْجَانْ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ لُونْطَشْ ثَلَاثَ سِنِينَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُلْكَ وَتَرَهَّبَ. ثُمَّ مَلَكَ ابْسَمِيرْ، الْمَعْرُوفُ بِالطَّرَسُوسِيِّ، سَبْعَ سِنِينَ، فَقَصَدَهُ أَسْطِينَانْ وَمَعَهُ بُرْجَانْ وَجَرَى بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَظَفِرَ بِهِ أَسْطِينَانْ وَخَلَعَهُ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَيَّامَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَاسْتَقَرَّ أَسْطِينَانْ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ لِمَلِكِ بُرْجَانْ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَرَاجًا كُلَّ سَنَةٍ، فَعَسَفَ الرُّومَ وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ الثَّانِي سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ دَوْلَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ نِسْطَاسُ بْنُ فِيلَفُوسْ، وَكَانَ فِي أَيَّامِهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الرُّومِ فَخَلَعُوهُ وَنَفَوْهُ.
ثُمَّ مَلَكَ تِيدُوسْ الْمَعْرُوفُ بِالْأَرْمَنِيِّ فِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي حَصَرَهُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْيُونُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ لِضَعْفِهِ عَنِ الْمُلْكِ، وَضَمِنَ الْيُونُ لِلرُّومِ رَدَّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَمَلَّكُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِي السَّنَةِ الَّتِي بُويِعَ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ انْقَرَضَتِ الدَّوْلَةُ الْأُمَوِيَّةُ وَتُوُفِّيَ لِعَشْرِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ أَيَّامِ الْمَنْصُورِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْيُونُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمَنْصُورِ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ رِينِي امْرَأَةُ الْيُونَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، وَمَعَهَا ابْنُهَا قُسْطَنْطِينُ بْنُ الْيُونَ، وَهِيَ تُدَبِّرُ الْأَمْرَ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ وَالْهَادِي وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ. فَلَمَّا كَبِرَ ابْنُهَا أَفْسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّشِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مُهَادِنَةً لَهُ، فَقَصَدَهُ الرَّشِيدُ وَجَرَى لَهُ مَعَهُ وَقْعَةٌ، فَانْهَزَمَ وَكَادَ يُؤْخَذُ، فَكَحَّلَتْهُ أُمُّهُ وَانْفَرَدَتْ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ خَمْسَ سِنِينَ وَهَادَنَتِ الرَّشِيدَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهَا نَقَفُورْ، أَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهَا، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ نَقَفُورْ أَبُو اسْتَبْرَاقْ، وَكُنْتُ قَدْ رَأَيْتُهُ مَضْبُوطًا بِكَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ بِسُكُونِ الْقَافِ، حَتَّى رَأَيْتُ رَجُلًا زَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ نَقَفُورْ، بِفَتْحِ الْقَافِ.
وَعَهِدَ نَقَفُورْ إِلَى ابْنِهِ اسْتَبْرَاقْ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَبْلَ نَقَفُورْ تَحْلِقُ لِحَاهَا، وَكَذَلِكَ مَلِكُ الْفُرْسِ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ نَقَفُورْ. وَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ قَبْلَهُ تَكْتُبُ: مِنْ فُلَانٍ مَلِكِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَكَتَبَ نَقَفُورْ: مِنْ فُلَانٍ مَلِكِ الرُّومِ، وَقَالَ: لَسْتُ مَلِكَ النَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهَا.
وَكَانَتِ الرُّومُ تُسَمِّي الْعَرَبَ سَارَقْيُوسْ، يَعْنِي عَبِيدَ سَارَّةَ، بِسَبَبِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَجَرَى بَيْنَ نَقَفُورْ وَبَيْنَ بُرْجَانْ حَرْبٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَقُتِلَ فِيهَا.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ اسْتَبْرَقْ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ شَهْرَيْنِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ مِيخَائِيلُ بْنُ جِرْجِسَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ نَقَفُورْ، وَقِيلَ: ابْنُ اسْتَبْرَقَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْأَمِينِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَوَثَبَ بِهِ الْيُونُ الْمَعْرُوفُ بِالْبَطْرِيقِ، وَغَلَبَ عَلَى الْأَمْرِ وَحَبَسَهُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ الْيُونُ الْبَطْرِيقُ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَوَثَبَ بِهِ أَصْحَابُ مِيخَائِيلَ فِي خَلَاصِ صَاحِبِهِمْ، وَقُتِلَ الْيُونُ ثُمَّ فُتِحَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَعَادَ مِيخَائِيلُ إِلَى الْمُلْكِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ تَرَهَّبَ أَيَّامَ الْيُونَ، وَكَانَ مُلْكُهُ هَذِهِ الدُّفْعَةَ الثَّانِيَةَ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ نُوفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي فَتَحَ زِبَطْرَةَ، وَسَارَ الْمُعْتَصِمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَفَتَحَ عَمُورِيَّةَ، وَكَانَ مَوْتُهُ أَيَّامَ الْوَاثِقِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مِيخَائِيلُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُدَبِّرُ الْمُلْكَ مَعَهُ، وَأَرَادَ قَتْلَهَا فَتَرَهَّبَتْ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ عَمُورِيَّةَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ السَّالِفَةِ يُعْرَفُ بِابْنِ بُقْرَاطَ، فَلَقِيَهُ مِيخَائِيلُ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرَ بِهِ مِيخَائِيلُ فَمَثَّلَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ فَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَقَتَلَ مِيخَائِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ عِشْرِينَ سَنَةً أَيَّامَ الْمُعْتَزِّ وَالْمُهْتَدِي وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ الْمُعْتَمِدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ صَقْلَبِيَّةٌ فَنُسِبَ إِلَيْهَا.
وَقَدْ خَلَطَ ” حَمْزَةُ الْأَصْفَهَانِيُّ ” فِيهِ فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ مِيخَائِيلَ: ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُلْكُ عِنْدَ الرُّومِ وَصَارَ فِي الصَّقْلَبِ، فَقَتَلَهُ بُسَيْلُ الصَّقْلَبِيُّ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ صَقْلَبِيًّا.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْيُونُ بْنُ بُسَيْلَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً أَيَّامَ الْمُعْتَمِدِ وَالْمُعْتَضِدِ وَالْمُكْتَفِي وَصَدْرًا مِنْ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ، وَقِيلَ: إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ الْإِكْسَنْدَرُوسُ سَنَةً وَشَهْرَيْنِ، وَمَاتَ بِالدُّبَيْلَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتِيلَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قُسْطَنْطِينُ بْنُ الْيُونَ، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَتَوَلَّى لَهُ الْأَمْرَ بَطْرِيقُ الْبَحْرِ، وَاسْمُهُ ارْمَانُوسْ، وَشَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شُرُوطًا، مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْمُلْكَ وَلَا يَلْبَسُ التَّاجَ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ سَنَتَيْنِ حَتَّى خُوطِبَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ بِالْمُلُوكِ، وَجَلَسَ مَعَ قُسْطَنْطِينَ عَلَى السَّرِيرِ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَخَصَى أَحَدَهُمْ وَجَعَلَهُ بَطْرَقًا لِيَأْمَنَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ، فَإِنَّ الْبَطْرَقَ يَحْكُمُ عَلَى الْمَلِكِ، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَاتَّفَقَ ابْنَاهُ مَعَ قُسْطَنْطِينَ عَلَى إِزَالَةِ أَبِيهِمَا، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَقَبَضَاهُ، وَسَيَّرَاهُ إِلَى دَيْرٍ لَهُ فِي جَزِيرَةٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرَادَا الْفَتْكَ بِهِ، فَسَبَقَهُمَا إِلَى ذَلِكَ وَقَبَضَ عَلَيْهِمَا وَسَيَّرَهُمَا إِلَى جَزِيرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَوَثَبَ أَحَدُهُمَا بِالْمُوَكَّلِ بِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ فَقَتَلُوهُ وَأَرْسَلُوا رَأْسَهُ إِلَى قُسْطَنْطِينَ الْمَلِكِ، فَجَزِعَ لِقَتْلِهِ.
وَأَمَّا ارْمَانُوسْ فَقَدْ مَاتَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ تَرَهُّبِهِ. وَدَامَ مُلْكُ قُسْطَنْطِينَ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ وَالْقَاهِرِ وَالرَّاضِي وَالْمُسْتَكْفِي وَبَعْضَ أَيَّامِ الْمُطِيعِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى قُسْطَنْطِينَ هَذَا قُسْطَنْطِينُ بْنُ أَنْدَرُونَقَسْ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْمُكْتَفِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَتُوُفِّيَ. فَهَرَبَ ابْنُهُ هَذَا عَلَى طَرِيقِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، فَسَارَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَنَازَعَ الْمَلِكَ قُسْطَنْطِينَ فِي مُلْكِهِ، وَذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَظَفِرَ بِهِ الْمَلِكُ فَقَتَلَهُ.
وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ أَيْضًا صَاحِبُ رُومِيَّةَ، وَهِيَ كُرْسِيُّ مَلِكِ الْإِفْرِنْجِ، وَتُسَمَّى بِالْمُلْكِ، وَلَبِسَ ثِيَابَ الْمُلُوكِ. وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُطِيعُونَ مُلُوكَ الرُّومِ أَصْحَابَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَوِيَ مُلْكُ رُومِيَّةَ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُسْطَنْطِينُ الْعَسَاكِرَ يُقَاتِلُونَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَعَادَتْ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَنْكُوبَةً فَكَفَّ حِينَئِذٍ قُسْطَنْطِينُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَرَضِيَ بِالْمُسَالَمَةِ وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ، فَزَوَّجَ قُسْطَنْطِينُ ابْنَهُ أَرْمَانُوسْ بِابْنَةِ مَلِكِ رُومِيَّةَ.
وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ الْإِفْرِنْجِ بَعْدَ هَذَا يَقْوَى وَيَزْدَادُ وَيَتَّسِعُ مُلْكُهُمْ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ وَكَأَخْذِهِمْ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَبِلَادَ سَاحِلِ الشَّامِ وَالْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ مَلَكُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَذَا أَنَّ الطَّوَائِفَ مِنَ التُّرْكِ اجْتَمَعَتْ، مِنْهُمُ الْبَجْنَاكُ وَالْبُخْتِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَصَدُوا مَدِينَةً لِلرُّومِ قَدِيمَةً تُسَمَّى وَلِيدُرْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَحَصَرُوهَا، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى أَرْمِيَانُوسْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيفًا فِيهِمْ مِنَ الْمُتَنَصِّرَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَاسْتَوْلَى التُّرْكُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَّبُوهَا بَعْدَ أَنْ أَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهَا وَالسَّبْيَ وَالنَّهْبَ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَحَصَرُوهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِ الرُّومِ وَاتَّصَلَتْ غَارَاتُهُمْ إِلَى بِلَادِ الْإِفْرِنْجِ، ثُمَّ عَادُوا رَاجِعِينَ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *