ذِكْرُ مَقْتَلِ كُلَيْبٍ وَالْأَيَّامِ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ

ذِكْرُ مَقْتَلِ كُلَيْبٍ وَالْأَيَّامِ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ

وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ الْحَرْبِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بِسَبَبِ قَتْلِ كُلَيْبٍ، وَاسْمُهُ وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ تَغْلِبَ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ كُلَيْبًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَارَ أَخَذَ مَعَهُ جَرْوَ كَلْبٍ، فَإِذَا مَرَّ بِرَوْضَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُعْجِبُهُ ضَرَبَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهُوَ يَصِيحُ وَيَعْوِي، فَلَا يَسْمَعُ عُوَاءَهُ أَحَدٌ إِلَّا تَجَنَّبَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ كُلَيْبُ وَائِلٍ، ثُمَّ اخْتَصَرُوا فَقَالُوا كُلَيْبٌ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ.
وَكَانَ لِوَاءُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ لِلْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ مِنْ وَلَدِهِ، فَكَانَ اللِّوَاءُ فِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سُنَّتَهُمْ أَنَّهُمْ يُصَفِّرُونَ لِحَاهُمْ وَيَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ رَبِيعَةَ إِلَّا مَنْ يُخَالِفُهُمْ وَيُرِيدُ حَرْبَهُمْ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ فِي عَبْدِ قَيْسِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ إِذَا شُتِمُوا لَطَمُوا مَنْ شَتَمَهُمْ، وَإِذَا لُطِمُوا قَتَلُوا مَنْ لَطَمَهُمْ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ فِي النَّمِرِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبٍ، وَكَانَ لَهُمْ غَيْرُ سُنَّةِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَسَاءُوا غَيْرَهُمْ فِي فَرْخِ طَائِرٍ، وَكَانُوا يُوثِقُونَ الْفَرْخَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا عُلِمَ بِمَكَانِهِ لَمْ يَسْلُكْ أَحَدٌ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، وَيَسْلُكُ مَنْ يُرِيدُ الذَّهَابَ وَالْمَجِيءَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ.
ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ إِلَى تَغْلِبَ، فَوَلِيَهُ وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرْوِ الْكَلْبِ.
وَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَدٌّ إِلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَهُمْ: عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ بَكْرِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ عَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَهُوَ النَّاسُ بْنُ مُضَرَ – بِالنُّونِ – وَهُوَ أَخُو إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ حِينَ تَمَذْحَجَتْ مَذْحِجٌ وَسَارَتْ إِلَى تِهَامَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَ تِهَامَةَ وَالْيَمَنِ.
وَالثَّانِي: رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ كَلْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ يَوْمَ السُّلَّانِ بَيْنَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ.
وَالثَّالِثُ: وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ يَوْمَ خَزَازٍ، فَفَضَّ جُمُوعَ الْيَمَنِ فَهَزَمَهُمْ، وَجَعَلَتْ لَهُ مَعَدٌّ قَسَمَ الْمُلْكِ وَتَاجَهُ وَطَاعَتَهُ، وَبَقِيَ زَمَانًا مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ دَخَلَهُ زَهْوٌ شَدِيدٌ، وَبَغَى عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى بَلَغَ مِنْ بَغْيِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِي مَوَاقِعَ السَّحَابِ فَلَا يُرْعَى حِمَاهُ، وَكَانَ يَقُولُ: وَحْشُ أَرْضِ كَذَا فِي جِوَارِي، فَلَا يُصَادُ، وَلَا يُورِدُ أَحَدٌ مَعَ إِبِلِهِ وَلَا يُوقِدُ نَارًا مَعَ نَارِهِ، وَلَا يَمُرُّ أَحَدٌ بَيْنَ بُيُوتِهِ وَلَا يُحْتَبَى فِي مَجْلِسِهِ.
وَكَانَتْ بَنُو جُشَمَ وَبَنُو شَيْبَانَ أَخْلَاطًا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ إِرَادَةَ الْجَمَاعَةِ وَمَخَافَةَ الْفُرْقَةِ، وَتَزَوَّجَ كُلَيْبٌ جَلِيلَةَ بِنْتَ مُرَّةَ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَهِيَ أُخْتُ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ، وَحَمَى كُلَيْبٌ أَرْضًا مِنَ الْعَالِيَةِ فِي أَوَّلِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ لَا يَقْرَبُهَا إِلَّا مُحَارِبٌ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سَعْدُ بْنُ شُمَيْسِ بْنِ طَوْقٍ الْجَرْمِيُّ نَزَلَ بِالْبَسُوسِ بِنْتِ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيَّةِ خَالَةِ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ. وَكَانَ لِلْجَرْمِيِّ نَاقَةٌ اسْمُهَا سَرَابُ تَرْعَى مَعَ نُوقِ جَسَّاسٍ، وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِهَا الْمَثَلَ فَقَالُوا: ” أَشْأَمُ مِنْ سَرَابٍ “، ” وَأَشْأَمُ مِنَ الْبَسُوسِ “.
فَخَرَجَ كُلَيْبٌ يَوْمًا يَتَعَهَّدُ الْإِبِلَ وَمَرَاعِيَهَا فَأَتَاهَا وَتَرَدَّدَ فِيهَا، وَكَانَتْ إِبِلُهُ وَإِبِلُ جَسَّاسٍ مُخْتَلِطَةً، فَنَظَرَ كُلَيْبٌ إِلَى سَرَابٍ فَأَنْكَرَهَا، فَقَالَ لَهُ جَسَّاسٌ، وَهُوَ مَعَهُ: هَذِهِ نَاقَةُ جَارِنَا الْجَرْمِيِّ. فَقَالَ: لَا تَعُدْ هَذِهِ النَّاقَةُ إِلَى هَذَا الْحِمَى. فَقَالَ جَسَّاسٌ: لَا تَرْعَى إِبِلِي مَرْعًى إِلَّا وَهَذِهِ مَعَهَا، فَقَالَ كُلَيْبٌ: لَئِنْ عَادَتْ لَأَضَعَنَّ سَهْمِي فِي ضَرْعِهَا، فَقَالَ جَسَّاسٌ: لَئِنْ وَضَعْتَ سَهْمَكَ فِي ضَرْعِهَا لَأَضَعَنَّ سِنَانَ رُمْحِي فِي لَبَّتِكَ! ثُمَّ تَفَرَّقَا، وَقَالَ كُلَيْبٌ لِامْرَأَتِهِ: أَتَرَيْنَ أَنَّ فِي الْعَرَبِ رَجُلًا مَانِعًا مِنِّي جَارَهُ؟ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا جَسَّاسًا، فَحَدَّثَهَا الْحَدِيثَ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْحِمَى مَنَعَتْهُ وَنَاشَدَتْهُ اللَّهَ أَنْ لَا يَقْطَعَ رَحِمَهُ، وَكَانَتْ تَنْهَى أَخَاهَا جَسَّاسًا أَنْ يُسَرِّحَ إِبِلَهُ.
ثُمَّ إِنَّ كُلَيْبًا خَرَجَ إِلَى الْحِمَى، وَجَعَلَ يَتَصَفَّحُ الْإِبِلَ، فَرَأَى نَاقَةَ الْجَرْمِيِّ فَرَمَى ضَرْعَهَا فَأَنْفَذَهُ، فَوَلَّتْ وَلَهَا عَجِيجٌ حَتَّى بَرَكَتْ بِفَنَاءِ صَاحِبِهَا. فَلَمَّا رَأَى مَا بِهَا صَرَخَ بِالذُّلِّ، وَسَمِعَتِ الْبَسُوسُ صُرَاخَ جَارِهَا، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِنَاقَتِهِ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ صَاحَتْ: وَاذُلَّاهُ! وَجَسَّاسٌ يَرَاهَا وَيَسْمَعُ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: اسْكُتِي وَلَا تُرَاعِي، وَسَكَّنَ الْجَرْمِيَّ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنِّي سَأَقْتُلُ جَمَلًا أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ النَّاقَةِ، سَأَقْتُلُ غِلَالًا، وَكَانَ غِلَالٌ فَحْلُ إِبِلِ كُلَيْبٍ لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ جَسَّاسٌ بِمَقَالَتِهِ كُلَيْبًا.
وَكَانَ لِكُلَيْبٍ عَيْنٌ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَأَعَادَ الْكَلَامَ عَلَى كُلَيْبٍ، فَقَالَ: لَقَدِ اقْتَصَرَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى غِلَالٍ. وَلَمْ يَزَلْ جَسَّاسٌ يَطْلُبُ غِرَّةَ كُلَيْبٍ، فَخَرَجَ كُلَيْبٌ يَوْمًا آمِنًا، فَلَمَّا بَعُدَ عَنِ الْبُيُوتِ رَكِبَ جَسَّاسٌ فَرَسَهُ وَأَخَذَ رُمْحَهُ وَأَدْرَكَ كُلَيْبًا، فَوَقَفَ كُلَيْبٌ. فَقَالَ لَهُ جَسَّاسٌ: يَا كُلَيْبُ الرُّمْحُ وَرَاءَكَ! فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَقْبِلْ إِلَيَّ مِنْ أَمَامِي، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَطَعَنَهُ فَأَرْدَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: يَا جَسَّاسُ أَغِثْنِي بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَلَمْ يَأْتِهِ بِشَيْءٍ، وَقَضَى كُلَيْبٌ نَحْبَهُ. فَأَمَرَ جَسَّاسٌ رَجُلًا كَانَ مَعَهُ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ أَحْجَارًا لِئَلَّا تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَخُو كُلَيْبٍ:
قَتِيلٌ مَا قَتِيلُ الْمَرْءِ عَمْرٌو … وَجَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ ذِي صَرِيمِ
أَصَابَ فُؤَادَهُ بِأَصَمَّ لَدْنٍ … فَلَمْ يَعْطِفْ هُنَاكَ عَلَى حَمِيمِ
فَإِنَّ غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ لَرَهْنٌ … لِأَمْرٍ مَا يُقَامُ لَهُ عَظِيمِ
جَسِيمًا مَا بَكَيْتُ بِهِ كُلَيْبًا … إِذَا ذُكِرَ الْفِعَالُ مِنَ الْجَسِيمِ
سَأَشْرَبُ كَأْسَهَا صِرْفًا … وَأَسْقِي بِكَأْسٍ غَيْرِ مِنْطَقَةٍ مُلِيمِ
وَلَمَّا قَتَلَ جَسَّاسٌ كُلَيْبًا انْصَرَفَ عَلَى فَرَسِهِ يُرْكِضُهُ وَقَدْ بَدَتْ رُكْبَتَاهُ، فَلَمَّا نَظَرَ أَبُوهُ مَرَّةً إِلَى ذَلِكَ قَالَ: لَقَدْ أَتَاكُمْ جَسَّاسٌ بِدَاهِيَةٍ، مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ بَادِيَ الرُّكْبَتَيْنِ إِلَى الْيَوْمِ! فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ قَالَ: مَا لَكَ يَا جَسَّاسُ؟ قَالَ: طَعَنْتُ طَعْنَةً يَجْتَمِعُ بَنُو وَائِلٍ غَدًا لَهَا رَقْصًا. قَالَ: وَمَنْ طَعَنْتَ؟ لِأُمِّكِ الثُّكْلُ! قَالَ: قَتَلْتُ كُلَيْبًا. قَالَ: أَفَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِئْسَ وَاللَّهِ مَا جِئْتَ بِهِ قَوْمَكَ! فَقَالَ جَسَّاسٌ:
تَأَهَّبْ عَنْكَ أُهْبَةَ ذِي امْتِنَاعٍ … فَإِنَّ الْأَمْرَ جَلَّ عَنِ التَّلَاحِي
فَإِنِّي قَدْ جَنَيْتُ عَلَيْكَ حَرْبًا … تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ
فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهُ قَوْلَهُ خَافَ خِذْلَانَ قَوْمِهِ لِمَا كَانَ مِنْ لَائِمَتِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ يُجِيبُهُ:
فَإِنْ تَكُ قَدْ جَنَيْتَ عَلَيَّ حَرْبًا … تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ
جَمَعَتْ بِهَا يَدَيْكَ عَلَى كُلَيْبٍ … فَلَا وَكْلٌ وَلَا رَثُّ السِّلَاحِ
سَأَلْبَسُ ثَوْبَهَا وَأَذُودُ عَنِّي … بِهَا عَارَ الْمَذَلَّةِ وَالْفَضَاحِ
ثُمَّ إِنَّ مُرَّةَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى نُصْرَتِهِ، فَأَجَابُوهُ وَجَلُوا الْأَسِنَّةَ وَشَحَذُوا السُّيُوفَ وَقَوَّمُوا الرِّمَاحَ وَتَهَيَّأُوا لِلرِّحْلَةِ إِلَى جَمَاعَةِ قَوْمِهِمْ.
وَكَانَ هَمَّامُ بْنُ مُرَّةَ أَخُو جَسَّاسٍ، وَمُهَلْهِلٌ أَخُو كُلَيْبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَشْرَبَانِ، فَبَعَثَ جَسَّاسٌ إِلَى هَمَّامٍ جَارِيَةً لَهُمْ تُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَانْتَهَتْ إِلَيْهِمَا وَأَشَارَتْ إِلَى هَمَّامٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: مَا قَالَتْ لَكَ الْجَارِيَةُ؟ وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَهْدٌ أَلَّا يَكْتُمَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَتِ الْجَارِيَةُ، وَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ ذَلِكَ فِي مُدَاعَبَةٍ وَهَزْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: اسْتُ أَخِيكَ أَضْيَقُ مِنْ ذَلِكَ! فَأَقْبَلَا عَلَى شُرْبِهِمَا، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: اشْرَبْ، فَالْيَوْمَ خَمْرٌ وَغَدًا أَمْرٌ. فَشَرِبَ هَمَّامٌ وَهُوَ حَذِرٌ خَائِفٌ، فَلَمَّا سَكِرَ مُهَلْهِلٌ عَادَ هَمَّامٌ إِلَى أَهْلِهِ، فَسَارُوا مِنْ سَاعَتِهِمْ إِلَى جَمَاعَةِ قَوْمِهِمْ، وَظَهَرَ أَمْرُ كُلَيْبٍ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ فَدَفَنُوهُ، فَلَمَّا دُفِنَ شُقَّتِ الْجُيُوبُ وَخُمِشَتِ الْوُجُوهُ وَخَرَجَ الْأَبْكَارُ وَذَوَاتُ الْخُدُودِ الْعَوَائِقُ إِلَيْهِ وَقُمْنَ لِلْمَأْتَمِ، فَقَالَ النِّسَاءُ لِأُخْتِ كُلَيْبٍ: أَخْرِجِي جَلِيلَةَ أُخْتَ جَسَّاسٍ عَنَّا، فَإِنَّ قِيَامَهَا فِيهِ شَمَاتَةٌ وَعَارٌ عَلَيْنَا، وَكَانَتِ امْرَأَةَ كُلَيْبٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَالَتْ لَهَا أُخْتُ كُلَيْبٍ: اخْرُجِي عَنْ مَأْتَمِنَا، فَأَنْتِ أُخْتُ قَاتِلِنَا، وَشَقِيقَةُ وَاتِرِنَا، فَخَرَجَتْ تَجُرُّ عِطَافَهَا، فَلَقِيَهَا أَبُوهَا مُرَّةُ فَقَالَ لَهَا: مَا وَرَاءَكِ يَا جَلِيلَةُ؟ فَقَالَتْ: ثُكْلُ الْعَدَدِ، وَحُزْنُ الْأَبَدِ، وَفَقْدُ خَلِيلٍ، وَقَتْلُ أَخٍ عَنْ قَلِيلٍ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ غَرْسُ الْأَحْقَادِ، وَتَفَتُّتُ الْأَكْبَادِ. فَقَالَ لَهَا: أَوَيَكُفُّ ذَلِكَ كَرَمُ الصَّفْحِ وَإِغْلَاءُ الدِّيَاتِ؟ فَقَالَتْ: أُمْنِيَةُ مَخْدُوعٍ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! أَلِبُدْنٍ تَدَعُ لَكَ تَغْلِبُ دَمَ رَبِّهَا!
وَلَمَّا رَحَلَتْ جَلِيلَةُ قَالَتْ أُخْتُ كُلَيْبٍ: رِحْلَةُ الْمُعْتَدِي وَفِرَاقُ الشَّامِتِ، وَيْلٌ غَدًا لِآلِ مُرَّةَ مِنَ الْكَرَّةِ بَعْدَ الْكَرَّةِ. فَبَلَغَ قَوْلُهَا جَلِيلَةَ، فَقَالَتْ: وَكَيْفَ تَشْمَتُ الْحُرَّةُ بِهَتْكِ سِتْرِهَا وَتَرَقُّبِ وَتْرِهَا! أَسْعَدَ اللَّهُ أُخْتِي أَلَا قَالَتْ: نَفْرَةُ الْحَيَاءِ وَخَوْفُ الْأَعْدَاءِ! ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
يَا ابْنَةَ الْأَقْوَامِ إِنْ شِئْتِ فَلَا … تَعْجَلِي بِاللَّوْمِ حَتَّى تَسْأَلِي
فَإِذَا أَنْتِ تَبَيَّنْتِ الَّذِي … يُوجِبُ اللَّوْمَ فَلُومِي وَاعْذُلِي
إِنْ تَكُنْ أُخْتُ امْرِئٍ لِيمَتْ عَلَى … شَفَقٍ مِنْهَا عَلَيْهِ فَافْعَلِي
جَلَّ عِنْدِي فِعْلُ جَسَّاسٍ فَيَا … حَسْرَتَا عَمَّا انْجَلَى أَوْ يَنْجَلِي
فِعْلُ جَسَّاسٍ عَلَى وَجْدِي بِهِ … قَاطِعٌ ظَهْرِي وَمُدْنٍ أَجَلِي
لَوْ بِعَيْنٍ فُقِئَتْ عَيْنٌ سِوَى … أُخْتِهَا فَانْفَقَأَتْ لَمْ أَحْفِلِ
تَحْمِلُ الْعَيْنُ قَذَى الْعَيْنِ كَمَا … تَحْمِلُ الْأُمُّ أَذَى مَا تَفْتَلِي
يَا قَتِيلًا قَوَّضَ الدَّهْرُ بِهِ … سَقْفَ بَيْتَيَّ جَمِيعًا مِنْ عَلِ
هَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي اسْتَحْدَثْتُهُ … وَانْثَنَى فِي هَدْمِ بَيْتِي الْأَوَّلِ
وَرَمَانِي قَتْلُهُ مِنْ كَثَبٍ … رَمْيَةَ الْمُصْمِي بِهِ الْمُسْتَأْصِلِ
يَا نِسَائِي دُونَكُنَّ الْيَوْمَ قَدْ … خَصَّنِي الدَّهْرُ بِرُزْءٍ مُعْضِلِ
خَصَّنِي قَتْلُ كُلَيْبٍ بِلَظًى … مِنْ وَرَائِي وَلَظًى مُسْتَقْبِلِ
لَيْسَ مَنْ يَبْكِي لِيَوْمَيْهِ … كَمَنْ إِنَّمَا يَبْكِي لِيَوْمٍ مُقْبِلِ
يَشْتَفِي الْمُدْرِكُ بِالثَّأْرِ وَفِي … دَرْكِيَ ثَأْرِيَ ثُكْلُ الْمُثْكِلِ
لَيْتَهُ كَانَ دَمًا فَاحْتَلَبُوا … دِرَرًا مِنْهُ دَمِي مِنْ أَكْحَلِي
إِنَّنِي قَاتِلَةٌ مَقْتُولَةٌ … وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْتَاحَ لِي
وَأَمَّا مُهَلْهِلٌ، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ، وَقِيلَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَهُوَ خَالُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيِّ وَإِنَّمَا لُقِّبَ مُهَلْهِلًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَلْهَلَ الشِّعْرَ وَقَصَّدَ الْقَصَائِدَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَذَبَ فِي شِعْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَحَا لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا النِّسَاءُ يَصْرُخْنَ: أَلَا إِنَّ كُلَيْبًا قُتِلَ، فَقَالَ، وَهُوَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ:
كُنَّا نَغَارُ عَلَى الْعَوَاتِقِ أَنْ تُرَى … بِالْأَمْسِ خَارِجَةً عَنِ الْأَوْطَانِ
فَخَرَجْنَ حَيْثُ ثَوَى كُلَيْبٌ حُسَّرًا … مُسْتَيْقِنَاتٍ بَعْدَهُ بِهَوَانِ
فَتَرَى الْكَوَاعِبَ كَالظِّبَاءِ عَوَاطِلًا … إِذْ حَانَ مَصْرَعُهُ مِنَ الْأَكْفَانِ
يَخْمِشْنَ مِنْ أَدَمِ الْوُجُوهِ حَوَاسِرًا … مِنْ بَعْدِهِ وَيَعِدْنَ بِالْأَزْمَانِ
مُتَسَلِّبَاتٍ نَكْدَهُنَّ وَقَدْ رَوَى … أَجْوَافَهُنَّ بِحُرْقَةٍ وَوَرَانِي
وَيَقُلْنَ مَنْ لِلْمُسْتَضِيفِ إِذَا دَعَا … أَمْ مَنْ لَخَضْبِ عَوَالِيَ الْمُرَّانِ
أَمْ لِاتِّسَارٍ بِالْجَزُورِ إِذَا غَدَا … رِيحٌ يُقَطِّعُ مَعْقِدَ الْأَشْطَانِ
أَمَّنْ لِإِسْبَاقِ الدِّيَاتِ وَجَمْعِهَا … وَلِفَادِحَاتِ نَوَائِبِ الْحَدَثَانِ
كَانَ الذَّخِيرَةَ لِلزَّمَانِ فَقَدْ أَتَى … فُقْدَانُهُ وَأَخَلَّ رُكْنَ مَكَانِي
يَا لَهْفَ نَفْسِي مِنْ زَمَانٍ فَاجِعٍ … أَلْقَى عَلَيَّ بِكَلْكَلٍ وَجِرَانِ
بِمُصِيبَةٍ لَا تُسْتَقَالُ جَلِيلَةٍ … غَلَبَتْ عَزَاءَ الْقَوْمِ وَالنِّسْوَانِ
هَدَّتْ حُصُونًا كُنَّ قَبْلُ مَلَاوِذًا … لِذَوِي الْكُهُولِ مَعًا وَلِلشُّبَّانِ
أَضْحَتْ وَأَضْحَى سُورُهَا مِنْ بَعْدِهِ … مُتَهَدِّمَ الْأَرْكَانِ وَالْبُنْيَانِ
فَابْكِينَ سَيِّدَ قَوْمِهِ وَانْدُبْنَهُ … شُدَّتْ عَلَيْهِ قَبَاطِيَ الْأَكْفَانِ
وَابْكِينَ لِلْأَيْتَامِ لَمَّا أَقْحَطُوا … وَابْكِينَ عِنْدَ تَخَاذُلِ الْجِيرَانِ
وَابْكِينَ مَصْرَعَ جِيدِهِ مُتَزَمِّلًا … بِدِمَائِهِ فَلَذَاكَ مَا أَبْكَانِي
فَلْأَتْرُكَنَّ بِهِ قَبَائِلَ تَغْلِبٍ … قَتْلَى بِكُلِّ قَرَارَةٍ وَمَكَانِ
قَتْلَى تُعَاوِرُهَا النُّسُورُ أَكُفَّهَا … يَنْهَشْنَهَا وَحَوَاجِلُ الْغِرْبَانِ
ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ كُلَيْبٌ فَرَأَى دَمَهُ، وَأَتَى قَبْرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ تَحْتَ التُّرَابِ حَزْمًا وَعَزْمًا … وَخَصِيمًا أَلَدَّ ذَا مِعْلَاقِ
حَيَّةً فِي الْوِجَارِ أَرْبُدَ لَا يَنْ … فَعُ مِنْهُ السَّلِيمَ نَفْثُ الرَّاقِي
ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ، وَقَصَّرَ ثَوْبَهُ، وَهَجَرَ النِّسَاءَ، وَتَرَكَ الْغَزَلَ، وَحَرَّمَ الْقِمَارَ وَالشَّرَابَ، وَجَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ رِجَالًا مِنْهُمْ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ، فَأَتَوْا مُرَّةَ بْنَ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكُمْ أَتَيْتُمْ عَظِيمًا بِقَتْلِكُمْ كُلَيْبًا بِنَاقَةٍ وَقَطَّعْتُمُ الرَّحِمَ، وَانْتَهَكْتُمُ الْحُرْمَةَ، وَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خِلَالًا أَرْبَعًا، لَكُمْ فِيهَا مَخْرَجٌ، وَلَنَا فِيهَا مَقْنَعٌ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَ لَنَا كُلَيْبًا، أَوْ تَدْفَعَ إِلَيْنَا قَاتِلَهُ جَسَّاسًا فَنَقْتُلَهُ بِهِ، أَوْ هَمَّامًا فَإِنَّهُ كُفُؤٌ لَهُ، أَوْ تُمَكِّنُنَا مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ فِيكَ وَفَاءً لِدَمِهِ.
فَقَالَ لَهُمْ: أَمَّا إِحْيَائِي كُلَيْبًا فَلَسْتُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا دَفْعِي جَسَّاسًا إِلَيْكُمْ فَإِنَّهُ غُلَامٌ طَعَنَ طَعْنَةً عَلَى عَجَلٍ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَا أَدْرِي أَيَّ بِلَادٍ قَصَدَ، وَأَمَّا هَمَّامٌ فَإِنَّهُ أَبُو عَشَرَةٍ وَأَخُو عَشَرَةٍ وَعَمُّ عَشَرَةٍ كُلُّهُمْ فُرْسَانُ قَوْمِهِمْ فَلَنْ يُسْلِمُوهُ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَنَا فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَجُولَ الْخَيْلُ جَوْلَةً فَأَكُونَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فَمَا أَتَعَجَّلُ الْمَوْتَ، وَلَكِنْ لَكُمْ عِنْدِي خَصْلَتَانِ: أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَهَؤُلَاءِ أَبْنَائِي الْبَاقُونَ فَخُذُوا أَيَّهُمْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ بِصَاحِبِكُمْ وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنِّي أَدْفَعُ إِلَيْكُمْ أَلْفَ نَاقَةٍ سُودِ الْحَدَقِ حُمْرِ الْوَبَرِ.
فَغَضِبَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: قَدْ أَسَأْتَ بِبَذْلِ هَؤُلَاءِ وَتَسُومُنَا اللَّبَنَ مِنْ دَمِ كُلَيْبٍ؟ وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَلَحِقَتْ جَلِيلَةُ زَوْجَةُ كُلَيْبٍ بِأَبِيهَا وَقَوْمِهَا، وَاعْتَزَلَتْ قَبَائِلُ بَكْرٍ الْحَرْبَ وَكَرِهُوا مُسَاعَدَةَ بَنِي شَيْبَانَ عَلَى الْقِتَالِ وَأَعْظَمُوا قَتْلَ كُلَيْبٍ، فَتَحَوَّلَتْ لُجَيْمٌ وَيَشْكُرُ، وَكَفَّ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ عَنْ نَصْرِهِمْ وَمَعَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ مُهَلْهِلٌ عِدَّةَ قَصَائِدَ يَرْثِي كُلَيْبًا مِنْهَا:
كُلَيْبٌ لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا … إِذْ أَنْتَ خَلَّيْتَهَا فِيمَنْ يُخَلِّيهَا
كُلَيْبٌ أَيُّ فَتَى عِزٍّ وَمَكْرُمَةٍ … تَحْتَ السَّقَائِفِ إِذْ يَعْلُوكَ سَافِيهَا
نَعَى النُّعَاةُ كُلَيْبًا لِي فَقُلْتُ لَهُمْ
:
مَالَتْ بِنَا الْأَرْضُ أَوْ زَالَتْ رَوَاسِيهَا … الْحَزْمُ وَالْعَزْمُ كَانَا مِنْ صَنِيعَتِهِ
مَا كُلُّ آلَائِهِ يَا قَوْمِ أُحْصِيهَا … الْقَائِدُ الْخَيْلَ تَرْدِي فِي أَعِنَّتِهَا
رَهْوًا إِذَا الْخَيْلُ لَجَّتْ فِي تَعَادِيهَا … مِنْ خَيْلِ تَغْلِبَ مَا تُلْقَى أَسِنَّتُهَا
إِلَّا وَقَدْ خَضَّبُوهَا مِنْ أَعَادِيهَا … يُهَزْهِزُونَ مِنَ الْخَطِّيِّ مُدْمَجَةً
صُمًّا أَنَابِيبُهَا زُرْقًا عَوَالِيهَا … لَيْتَ السَّمَاءَ عَلَى مَنْ تَحْتَهَا وَقَعَتْ
وَانْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَانْجَابَتْ بِمَنْ فِيهَا … لَا أَصْلَحَ اللَّهُ مِنَّا مَنْ يُصَالِحُكُمْ
مَا لَاحَتِ الشَّمْسُ فِي أَعْلَى مَجَارِيهَا
فَالْتَقَوْا فِي أَوَّلِ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَهُمْ – فِي قَوْلٍ – يَوْمَ عُنَيْزَةَ، وَهِيَ عِنْدَ فُلْجَةٍ، وَكَانَا عَلَى السَّوَاءِ، فَقَالَ مُهَلْهِلٌ:
كَأَنَّا غُدْوَةً وَبَنِي أَبِينَا … بِجَنْبِ عُنَيْزَةٍ رَحَيَا مُدِيرِ
وَلَوْلَا الرِّيحُ أُسْمِعَ أَهْلُ حُجْرٍ … صَلِيلَ الْبِيضِ تُقْرَعُ بِالذُّكُورِ
فَتَفَرَّقُوا ثُمَّ بَقُوا زَمَانًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ الْتَقَوْا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ النِّهْيُ، كَانَتْ بَنُو شَيْبَانَ نَازِلَةً عَلَيْهِ، وَيُرْوَى أَنَّهَا أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ رَئِيسَ تَغْلِبَ مُهَلْهِلٌ، وَرَئِيسَ شَيْبَانَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ لِبَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَتِ الشَّوْكَةُ فِي بَنِي شَيْبَانَ، وَاسْتَحَرَّ الْقِتَالُ فِيهِمْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي مُرَّةَ.
ثُمَّ الْتَقَوْا بِالذَّنَائِبِ، وَهِيَ أَعْظَمُ وَقْعَةٍ كَانَتْ لَهُمْ، فَظَفِرَتْ بَنُو تَغْلِبَ وَقَتَلَتْ بَكْرًا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَ فِيهَا شَرَاحِيلُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَهُوَ جَدُّ الْحَوْفَزَانِ وَجَدُّ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، وَقُتِلَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَمْرُو بْنُ سَدُوسِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ بَكْرٍ.
ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمَ وَارِدَاتٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَظَفِرَتْ تَغْلِبُ أَيْضًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي بَكْرٍ، فَقُتِلَ هَمَّامُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ أَخُو جَسَّاسٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَمَرَّ مُهَلْهِلٌ، فَلَمَّا رَآهُ قَتِيلًا قَالَ: وَاللَّهِ مَا قُتِلَ بَعْدَ كُلَيْبٍ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْكَ، وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بَكْرٌ بَعْدَكُمَا عَلَى خَيْرٍ أَبَدًا.
وَقِيلَ: إِنَّمَا قُتِلَ يَوْمَ الْقُصَيْبَاتِ، قَبْلَ يَوْمِ قِضَةَ، قَتَلَهُ نَاشِرَةُ، وَكَانَ هَمَّامٌ قَدِ الْتَقَطَهُ وَرَبَّاهُ وَسَمَّاهُ نَاشِرَةَ، وَكَانَ عِنْدَهُ. فَلَمَّا شَبَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَغْلَبِيٌّ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ جَعَلَ هَمَّامٌ يُقَاتِلُ فَإِذَا عَطِشَ جَاءَ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ يَشْرَبُ مِنْهَا، فَتَغَفَّلَهُ نَاشِرَةُ فَقَتَلَهُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ تَغْلِبَ، وَكَادَ جَسَّاسٌ يُؤْخَذُ فَسَلِمَ، فَقَالَ مُهَلْهِلٌ:
لَوْ
أَنَّ خَيْلِيَ أَدْرَكَتْكَ وَجَدْتَهُمْ … مِثْلَ اللُّيُوثِ بِسَتْرِ غُبِّ عَرِينِ
وَيَقُولُ فِيهَا:
وَلَأُورِدَنَّ الْخَيْلَ بَطْنَ أَرَاكَةٍ … وَلَأَقْضِيَنَّ بِفِعْلِ ذَاكَ دُيُونِي
وَلَأَقْتُلَنَّ جَحَاجِحًا مِنْ بِكْرِكُمْ … وَلَأُبْكِيَنَّ بِهَا جُفُونَ عُيُونِ
حَتَّى تَظَلَّ الْحَامِلَاتُ مَخَافَةً … مِنْ وَقَعِنَا يَقْذِفْنَ كُلَّ جَنِينِ
وَقِيلَ فِي تَرْتِيبِ الْأَيَّامِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ أَبُو نُوَيْرَةَ التَّغْلِبِيُّ وَغَيْرُهُ طَلَائِعَ قَوْمِهِ، وَكَانَ جَسَّاسٌ وَغَيْرُهُ طَلَائِعَ قَوْمِهِمْ، وَالْتَقَى بَعْضَ اللَّيَالِي جَسَّاسٌ وَأَبُو نُوَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَيْرَةَ: اخْتَرْ إِمَّا الصِّرَاعَ أَوِ الطِّعَانَ أَوِ الْمُسَايَفَةَ. فَاخْتَارَ جَسَّاسٌ الصِّرَاعَ، فَاصْطَرَعَا وَأَبْطَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْحَابِ حَيِّهِ، وَطَلَبُوهُمَا فَأَصَابُوهُمَا وَهُمَا يَصْطَرِعَانِ، وَقَدْ كَادَ جَسَّاسٌ يَصْرَعُهُ، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا.
وَجَعَلَتْ تِغْلِبُ تَطْلُبُ جَسَّاسًا أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَقَالَ لَهُ مُرَّةُ: الْحَقْ بِأَخْوَالِكَ بِالشَّامِ، فَامْتَنَعَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ فَسَيَّرَهُ سِرًّا فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ، فَنَدَبَ أَبَا نُوَيْرَةَ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ فَسَارُوا مُجِدِّينَ، فَأَدْرَكُوا جَسَّاسًا، فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ أَبُو نُوَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ، وَجُرِحَ جَسَّاسٌ جُرْحًا شَدِيدًا مَاتَ مِنْهُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يَسْلَمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ أَيْضًا، فَعَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّالِمَيْنِ إِلَى أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ مُرَّةُ قَتْلَ ابْنِهِ جَسَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا يُحْزِنُنِي أَنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَتَلَ بِيَدِهِ أَبَا نُوَيْرَةَ رَئِيسَ الْقَوْمِ، وَقَتَلَ مَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَا شَرَكَهُ مِنَّا أَحَدٌ فِي قَتْلِهِمْ وَقَتَلْنَا نَحْنُ الْبَاقِينَ، فَقَالَ: ذَلِكَ مِمَّا يُسْكِنُ قَلْبِي عَنْ جَسَّاسٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ جَسَّاسًا آخِرُ مَنْ قُتِلَ فِي حَرْبِ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّ أُخْتَهُ جَلِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ كُلَيْبِ وَائِلٍ. فَلَمَّا قُتِلَ كُلَيْبٌ عَادَتْ إِلَى أَبِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ، وَكَانَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا كَانَ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمُوَادَعَةِ بَعْدَمَا كَادَتِ الْفِئَتَانِ تَتَفَانَيَانِ، فَوَلَدَتْ أُخْتُ جَسَّاسٍ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ هِجْرِسًا، وَرَبَّاهُ جَسَّاسٌ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ أَبًا غَيْرَهُ، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَوَقَعَ بَيْنَ هِجْرِسَ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ بَكْرٍ كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ الْبَكْرِيُّ: مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ حَتَّى نُلْحِقَكَ بِأَبِيكَ. فَأَمْسَكَ عَنْهُ وَدَخَلَ إِلَى أُمِّهِ كَئِيبًا حَزِينًا فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. فَلَمَّا نَامَ إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ رَأَتْ مِنْ هَمِّهِ وَفِكْرِهِ مَا أَنْكَرَتْهُ، فَقَصَّتْ عَلَى أَبِيهَا جَسَّاسٍ قِصَّتَهُ، فَقَالَ: ثَائِرٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! وَبَاتَ عَلَى مِثْلِ الرَّضْفِ حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَحْضَرَ الْهِجْرِسَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَنْتَ وَلَدِي وَأَنْتَ مِنِّي بِالْمَكَانِ الَّذِي تَعَلَمُ، وَزَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، وَقَدْ كَانَتِ الْحَرْبُ فِي أَبِيكَ زَمَانًا طَوِيلًا، وَقَدِ اصْطَلَحْنَا وَتَحَاجَزْنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ تَدْخُلَ فِي مَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الصُّلْحِ، وَأَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي حَتَّى نَأْخُذَ عَلَيْكَ مِثْلَ مَا أُخِذَ عَلَيْنَا. فَقَالَ الْهِجْرِسُ: أَنَا فَاعِلٌ. فَحَمَلَهُ جَسَّاسٌ عَلَى فَرَسٍ فَرَكِبَهُ وَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَقَالَ: مِثْلِي لَا يَأْتِي أَهْلَهُ بِغَيْرِ سِلَاحِهِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا جَمَاعَةً مِنْ قَوْمِهِمَا، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ جَسَّاسٌ الْقِصَّةَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْهِجْرِسَ يَدْخُلُ فِي الَّذِي دَخَلَ فِيهِ جَمَاعَتُهُمْ وَقَدْ حَضَرَ لِيَعْقِدَ مَا عَقَدْتُمْ. فَلَمَّا قَرَّبُوا الدَّمَ وَقَامُوا إِلَى الْعَقْدِ أَخَذَ الْهِجْرِسُ بِوَسَطِ رُمْحِهِ ثُمَّ قَالَ: وَفَرَسِي وَأُذُنَيْهِ، وَرُمْحِي وَنَصْلَيْهِ، وَسَيْفِي وَغِرَارَيْهِ لَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ طَعَنَ جَسَّاسًا فَقَتَلَهُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ، وَكَانَ آخِرَ قَتِيلٍ فِي بَكْرٍ. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.
وَنَرْجِعُ إِلَى سِيَاقَةِ الْحَدِيثِ.
فَلَمَّا قُتِلَ جَسَّاسٌ أَرْسَلَ أَبُوهُ مُرَّةُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ: إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ ثَأْرَكَ وَقَتَلْتَ جَسَّاسًا، فَاكْفُفْ عَنِ الْحَرْبِ وَدَعِ اللَّجَاجَ وَالْإِسْرَافَ وَأَصْلِحْ ذَاتَ الْبَيْنِ فَهُوَ أَصْلَحُ لِلْحَيَّيْنِ وَأَنْكَأُ لِعَدُوِّهِمْ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ.
وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ قَدِ اعْتَزَلَ الْحَرْبَ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا، فَلَمَّا قُتِلَ جَسَّاسٌ وَهَمَّامٌ ابْنَا مُرَّةَ حَمَلَ ابْنَهُ بُجَيْرًا، وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَادٍ أَخِي الْحَارِثِ بْنِ عُبَادٍ، فَلَمَّا حَمَلَهُ عَلَى النَّاقَةِ كَتَبَ مَعَهُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ: إِنَّكَ قَدْ أَسْرَفْتَ فِي الْقَتْلِ وَأَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ سِوَى مَا قَتَلْتَ مِنْ بَكْرٍ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ ابْنِي إِلَيْكَ فَإِمَّا قَتَلْتَهُ بِأَخِيكَ وَأَصْلَحْتَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَإِمَّا أَطْلَقْتَهُ وَأَصْلَحْتَ ذَاتَ الْبَيْنِ، فَقَدْ مَضَى مِنَ الْحَيَّيْنِ فِي هَذِهِ الْحُرُوبِ مَنْ كَانَ بَقَاؤُهُ خَيْرًا لَنَا وَلَكُمْ. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى كِتَابِهِ أَخَذَ بُجَيْرًا فَقَتَلَهُ وَقَالَ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهُ بِقَتْلِهِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ بِأَخِيهِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ، فَقَالَ: نِعْمَ الْقَتِيلُ قَتِيلًا أَصْلَحَ بَيْنَ ابْنَيْ وَائِلٍ! فَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ: (بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ) ، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ وَقَالَ:
قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي لَقِحَتْ … حَرْبُ وَائِلٍ عَنْ حِيَالِ
قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي … شَابَ رَأْسِي وَأَنْكَرَتْنِي رِجَالِي
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّ … هُ وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِي
فَأَتَوْهُ بِفَرَسِهِ النَّعَامَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهَا مِثْلُهَا، فَرَكِبَهَا وَوَلِيَ أَمْرَ بَكْرٍ وَشَهِدَ حَرْبَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ شَهِدَهُ يَوْمُ قِضَةَ، وَهُوَ يَوْمُ تَحْلَاقِ اللِّمَمِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ تَحْلَاقُ اللِّمَمِ لِأَنَّ بَكْرًا حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا جَحْدَرَ بْنَ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسٍ أَبُو الْمَسَامِعَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا قَصِيرٌ فَلَا تَشِينُونِي، وَأَنَا أَشْتَرِي لَمَّتِي مِنْكُمْ بِأَوَّلِ فَارِسٍ يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ. فَطَلَعَ ابْنُ عَنَّاقٍ فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَرْتَجِزُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَقُولُ:
رُدُّوا عَلَيَّ الْخَيْلَ إِنْ أَلَمَّتِ … إِنْ لَمْ أُقَاتِلْهُمْ فَجُزُّوا لِمَّتِي
وَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ فِي تَغْلِبَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَفِيهِ يَقُولُ طَرَفَةُ:
سَائِلُوا عَنَّا الَّذِي يَعْرِفُنَا … بِقُوَانَا يَوْمَ تَحْلَاقِ اللِّمَمِ
يَوْمَ تُبْدِي الْبِيضُ عَنْ أَسْؤُقِهَا … وَتَلُفُّ الْخَيْلُ أَفْوَاجَ النَّعَمْ
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أَسَرَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ مُهَلْهِلًا، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى عَدِيٍّ وَأَنَا أُخَلِّي عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ الْمُهَلْهِلُ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ بِذَلِكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنَا عَدِيٌّ، فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَتَرَكَهُ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ:
لَهْفُ نَفْسِي عَلَى عَدِيٍّ وَلَمْ أَعْ … رِفْ عَدِيًّا إِذْ أَمْكَنَتْنِي الْيَدَانِ
وَكَانَتِ الْأَيَّامُ الَّتِي اشْتَدَّتْ فِيهَا الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عُنَيْزَةَ تَكَافَأُوا فِيهِ وَتَنَاصَفُوا. ثُمَّ الْيَوْمُ الثَّانِي يَوْمُ وَارِدَاتٍ، كَانَ لِتَغْلِبَ عَلَى بَكْرٍ. ثُمَّ الْيَوْمُ الثَّالِثُ الْحِنْوُ، كَانَ لِبَكْرٍ عَلَى تَغْلِبَ. ثُمَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ يَوْمُ الْقُصَيْبَاتِ، أُصِيبَ بَكْرٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقِيلُوا. ثُمَّ الْيَوْمُ الْخَامِسُ يَوْمُ قِضَةَ، وَهُوَ يَوْمُ التَّحَالُقِ، وَشَهِدَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ. ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامٌ دُونَ هَذِهِ، مِنْهَا: يَوْمُ النَّقِيَّةِ، وَيَوْمُ الْفَصِيلِ لِبَكْرٍ عَلَى تَغْلِبَ.
ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُزَاحَفَةٌ إِنَّمَا كَانَ مُغَاوَرَاتٌ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا قَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ تُقْبِلُوا عَلَى قَوْمِكُمْ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ صَلَاحَكُمْ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى حَرْبِكُمْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمَا لُمْتُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ طَلَبِكُمْ بِوَتْرِكُمْ، فَلَوْ مَرَّتْ هَذِهِ السُّنُونَ فِي رَفَاهِيَةِ عَيْشٍ لَكَانَتْ تُمَلُّ مِنْ طُولِهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ فَنِيَ الْحَيَّانِ وَثَكِلَتِ الْأُمَّهَاتُ وَيُتِّمَ الْأَوْلَادُ وَنَائِحَةٌ لَا تَزَالُ تَصْرُخُ فِي النَّوَاحِي، وَدُمُوعٌ لَا تُرْقَأُ، وَأَجْسَادٌ لَا تُدْفَنُ، وَسُيُوفٌ مَشْهُورَةٌ، وَرِمَاحٌ مُشْرَعَةٌ! وَإِنَّ الْقَوْمَ سَيَرْجِعُونَ إِلَيْكُمْ غَدًا بِمَوَدَّتِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ وَتَتَعَطَّفُ الْأَرْحَامُ حَتَّى تَتَوَاسَوْا فِي قُبَالِ النَّعْلِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ.
ثُمَّ قَالَ مُهَلْهِلٌ: أَمَّا أَنَا فَمَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أُقِيمَ فِيكُمْ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ كُلَيْبٍ، وَأَخَافُ أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ وَأَنَا سَائِرٌ إِلَى الْيَمَنِ، وَفَارَقَهُمْ وَسَارَ إِلَى الْيَمَنِ وَنَزَلَ فِي جَنْبٍ، وَهِيَ حَيٌّ مِنْ مَذْحِجٍ، فَخَطَبُوا إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَمَنَعَهُمْ، فَأَجْبَرُوهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَسَاقُوا إِلَيْهِ صَدَاقَهَا جُلُودًا مَنْ أُدُمٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
أَعْزِرْ عَلَى تَغْلِبَ بِمَا لَقِيَتْ … أُخْتُ بَنِي الْأَكْرَمِينَ مِنْ جُشَمِ
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي … جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أُدُمِ
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا … ضُرَّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمٍ
الْأَرَاقِمُ بَطْنٌ مِنْ جُشَمَ بْنِ تَغْلِبَ، يَعْنِي حَيْثُ فَقَدَتِ الْأَرَاقِمَ، وَهُمْ عَشِيرَتُهَا، تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ جَنْبٍ بِأُدُمٍ.
ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا عَادَ إِلَى دِيَارِ قَوْمِهِ، فَأَخَذَهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْبَكْرِيُّ أَسِيرًا بِنَوَاحِي هَجَرَ فَأَحْسَنَ إِسَارَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ تَاجِرٌ يَبِيعُ الْخَمْرَ قَدِمَ بِهَا مِنْ هَجَرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِمُهَلْهِلٍ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ وَهُوَ أَسِيرٌ زِقًّا مِنْ خَمْرٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَنُو مَالِكٍ فَنَحَرُوا عِنْدَهُ بِكْرًا وَشَرِبُوا عِنْدَ مُهَلْهِلٍ فِي بَيْتِهِ الَّذِي أَفْرَدَ لَهُ عَمْرٌو. فَلَمَّا أَخَذَ فِيهِمُ الشَّرَابُ تَغَنَّى مُهَلْهِلٌ بِمَا كَانَ يَقُولُهُ مِنَ الشِّعْرِ وَيَنُوحُ بِهِ عَلَى أَخِيهِ كُلَيْبٍ، فَسَمِعَ مِنْهُ عَمْرٌو ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَرَيَّانٌ، وَاللَّهِ لَا يَشْرَبُ عِنْدِي مَاءً حَتَّى يَرِدَ زَبِيبٌ، وَهُوَ فَحْلٌ كَانَ لَهُ لَا يَرِدُ إِلَّا خَمْسًا فِي حَمَارَةِ الْقَيْظِ، فَطَلَبَ بَنُو مَالِكٍ زَبِيبًا وَهُمْ حُرَّاصٌ عَلَى أَنْ يَهْلِكَ مُهَلْهِلٌ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ مُهَلْهِلٌ عَطَشًا.
وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَةَ خَالِ الْمُهَلْهِلِ، وَهِيَ ابْنَةُ الْمُجَلَّلِ التَغْلِبِيِّ، كَانَتِ امْرَأَةَ عَمْرٍو، وَأَرَادَتْ أَنْ تَأْتِيَ مُهَلْهِلًا وَهُوَ أَسِيرٌ، فَقَالَ يَذْكُرُهَا:
طِفْلَةٌ مَا ابْنَةُ الْمُجَلَّلِ بَيْضَا … ءُ لَعُوبٌ لَذِيذَةٌ فِي الْعِنَاقِ
فَاذْهَبِي مَا إِلَيْكِ غَيْرَ بَعِيدٍ لَا … يُؤَاتِي الْعِنَاقَ مَنْ فِي الْوَثَاقِ
ضَرَبَتْ نَحْرَهَا إِلَيَّ وَقَالَتْ … يَا عَدِيٌّ لَقَدْ وَقَتْكَ الْأَوَاقِي
وَهِيَ أَبْيَاتٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ، فَنُقِلَ شِعْرُهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، فَحَلَفَ عَمْرٌو أَنْ لَا يَسْقِيَهُ الْمَاءَ حَتَّى يَرِدَ زَبِيبٌ، فَسَأَلَهُ النَّاسُ أَنْ يُورِدَ زَبِيبًا قَبْلَ وُرُودِهِ، فَفَعَلَ وَأَوْرَدَهُ وَسَقَاهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَقَى مُهَلْهِلًا مِنْ مَاءٍ هُنَاكَ هُوَ أَوْخَمُ الْمِيَاهِ، فَمَاتَ مُهَلْهِلٌ.
(عُبَادٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِهَا) .

ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ وَبَنِي تَغْلِبَ

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ بَكْرًا وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ اجْتَمَعَتْ لِلْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ، وَذَلِكَ بَعْدَ حَرْبِهِمْ، وَكَانَ الَّذِي أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ قَيْسُ بْنُ شَرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامٍ، فَغَزَا بِهِمُ الْمُنْذِرُ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ، وَجَعَلَ عَلَى بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَهُ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ، وَقَالَ: أُغْزُ أَخْوَالَكَ. فَغَزَاهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ وَأُسِرُوا، وَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى الْمُنْذِرِ فَقَتَلَهُمْ.
ثُمَّ انْتَقَضَتْ تَغْلِبُ عَلَى الْمُنْذِرِ وَلَحِقَتْ بِالشَّامِ، (وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ ذَلِكَ فِي أَخْبَارِ شَيْبَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكْرٍ، فَخَرَجَ مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّامِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ، فَمَرَّ بِأَفَارِيقَ مِنْ تَغْلِبَ، فَلَمْ يَسْتَقْبِلُوهُ. وَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَغْلِبِيُّ فَلَقِيَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا مَنْعَ قَوْمَكَ أَنْ يَتَلَقَّوْنِي؟ فَقَالَ: لَمْ يَعْلَمُوا بِمُرُورِكَ، فَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأَغْزُوَنَّهُمْ غَزْوَةً تَتْرُكُهُمْ أَيْقَاظًا لِقُدُومِي، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا اسْتَيْقَظَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا نَبُلَ رَأْيُهُمْ وَعَزَّتْ جَمَاعَتُهُمْ، فَلَا تُوقِظَنَّ نَائِمَهُمْ. فَقَالَ: كَأَنَّكَ تَتَوَعَّدُنِي بِهِمْ، أَمَّا وَاللَّهِ لِتَعْلَمُنَّ إِذَا أَجَالَتْ غَطَارِيفُ غَسَّانَ الْخَيْلَ فِي دِيَارِكُمْ أَنَّ أَيْقَاظَ قَوْمِكَ سَيَنَامُونَ نَوْمَةً لَا حُلْمَ فِيهَا، تُجْتَثُّ أُصُولُهُمْ، وَيُنْفَى فَلُّهُمْ إِلَى الْيَابِسِ الْجَرِدِ وَالنَّازِحِ الثَّمِدِ.
ثُمَّ رَجَعَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ عَنْهُ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ وَقَالَ:
أَلَا فَاعْلَمْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ أَنَّا … أَبَيْتَ اللَّعْنَ نَأْبَى مَا تُرِيدُ
تَعَلَّمْ أَنَّ مَحْمَلَنَا ثَقِيلٌ … وَأَنَّ دِبَارَ كَبَّتِنَا شَدِيدُ
وَأَنَّا لَيْسَ حَيٌّ مِنْ مَعَدٍّ … يُقَاوِمُنَا إِذَا لُبِسَ الْحَدِيدُ
فَلَمَّا عَادَ الْحَارِثُ الْأَعْرَجُ غَزَا بَنِي تَغْلِبَ، فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْحَارِثُ وَبَنُو غَسَّانَ وَقُتِلَ أَخُو الْحَارِثِ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
هَلَّا عَطَفْتَ عَلَى أَخِيكَ إِذَا دَعَا بِالثُّكْلِ … وَيْلَ أَبِيكَ يَا ابْنَ أَبِي شِمْرِ
فَذُقِ الَّذِي جَشَمْتَ نَفْسَكَ وَاعْتَرِفْ … فِيهَا أَخَاكَ وَعَامِرَ بْنَ أَبِي حُجْرِ

يَوْمُ عَيْنِ أُبَاغٍ

وَهُوَ بَيْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ وَبَيْنَ الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ جَبَلَةَ، وَقِيلَ: أَبُو شِمْرٍ عَمْرُو بْنُ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُجْرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَيْهَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَارِيَةَ الْغَسَّانِيُّ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ أَزْدِيٌّ تَغَلَّبَ عَلَى غَسَّانَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ، وَهُوَ الَّذِي طَلَبَ أَدْرَاعَ امْرِئِ الْقَيْسِ مِنَ السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَاءَ وَقَتَلَ ابْنَهُ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ مَاءِ السَّمَاءِ مَلِكَ الْعَرَبِ سَارَ مِنَ الْحِيرَةِ فِي مَعَدٍّ كُلِّهَا حَتَّى نَزَلَ بِعَيْنِ أُبَاغٍ بِذَاتِ الْخِيَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْرَجَ بْنَ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرٍو مُزَيْقِيَاءَ بْنَ عَامِرٍ الْغَسَّانِيَّ مَلِكَ الْعَرَبِ بِالشَّامِ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي الْفِدْيَةَ فَأَنْصَرِفَ عَنْكَ بِجُنُودِي، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنَ بِحَرْبٍ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ: أَنْظِرْنَا نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا. فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ نَحْوَ الْمُنْذِرِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا شَيْخَانِ فَلَا نُهْلِكُ جُنُودِي وَجُنُودَكَ، وَلَكِنْ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي وَيَخْرُجُ مِنْ وَلَدِكَ، فَمَنْ قُتِلَ خَرَجَ عِوَضَهُ آخَرُ، وَإِذَا فَنِيَ أَوْلَادُنَا خَرَجْتُ أَنَا إِلَيْكَ فَمَنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ ذَهَبَ بِالْمُلْكِ. فَتَعَاهَدَا عَلَى ذَلِكَ، فَعَمِدَ الْمُنْذِرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَقِفَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيُظْهِرَ أَنَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَخْرَجَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ ابْنَهُ أَبَا كَرِبٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِابْنِ الْمُنْذِرِ إِنَّمَا هُوَ عَبْدُهُ أَوْ بَعْضُ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَجَزِعْتَ مِنَ الْمَوْتِ؟ مَا كَانَ الشَّيْخُ لِيَغْدِرَ. فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ الْفَارِسُ وَأَلْقَى رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُنْذِرِ، وَعَادَ فَأَمَرَ الْحَارِثُ ابْنًا لَهُ آخَرَ بِقِتَالِهِ وَالطَّلَبِ بِثَأْرِ أَخِيهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَاقَفَهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا وَاللَّهِ عَبْدُ الْمُنْذِرِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا كَانَ الشَّيْخُ لِيَغْدِرَ. فَعَادَ إِلَيْهِ فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ شِمْرُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، وَكَانَتْ أَمُّهُ غَسَّانِيَّةٌ، وَهُوَ مَعَ الْمُنْذِرِ، قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْمُلُوكِ وَلَا الْكِرَامِ، وَقَدْ غَدَرْتَ بِابْنِ عَمِّكَ دُفْعَتَيْنِ، فَغَضِبَ الْمُنْذِرُ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، فَلَحِقَ بِعَسْكَرِ الْحَارِثِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: حُلَّتُكُ وَخَلَّتُكَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَّى الْحَارِثُ أَصْحَابَهُ وَحَرَّضَهُمْ، وَكَانَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ وَهُزِمَتْ جُيُوشُهُ، فَأَمَرَ الْحَارِثُ بِابْنَيْهِ الْقَتِيلَيْنِ فَحُمِلَا عَلَى بَعِيرٍ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُنْذِرَ فَوْقَهُمَا فَوَدَا وَقَالَ: ” يَا لَعِلَاوَةٍ دُونَ الْعِدْلَيْنِ “! فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَسَارَ إِلَى الْحِيرَةِ فَأَنْهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا وَدَفَنَ ابْنَيْهِ بِهَا وَبَنَى الْغَرِيِّينِ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي الرَّعْلَاءِ الضُّبْيَانِيُّ:
كَمَا تَرَكْنَا بِالْعَيْنِ عَيْنِ أُبَاغٍ … مِنْ مُلُوكٍ وَسُوقَةٍ أَكْفَاءِ
أَمْطَرَتْهُمْ سَحَائِبُ الْمَوْتِ تَتْرَى … إِنَّ فِي الْمَوْتِ رَاحَةَ الْأَشْقِيَاءِ
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إِنَّمَا الْمَيِّتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ

يَوْمُ مَرْجِ حَلِيمَةَ وَقَتْلِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ

لَمَّا قُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُنْذِرُ وَتَلَقَّبَ الْأَسْوَدَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ وَثَبَّتَ قَدَمَهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ طَالِبًا بِثَأْرِ أَبِيهِ عِنْدَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ: إِنَّنِي قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ الْكُهُولَ عَلَى الْفُحُولِ، فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ: قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ الْمُرْدَ عَلَى الْجُرْدِ. فَسَارَ الْمُنْذِرُ حَتَّى نَزَلَ بِمَرْجِ حَلِيمَةَ، فَتَرَكَهُ مَنْ بِهِ مِنْ غَسَّانَ لِلْأَسْوَدِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَرْجَ حَلِيمَةَ بِحَلِيمَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ، وَسَنَذْكُرُ خَبَرَهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ سَارَ فَنَزَلَ بِالْمَرْجِ أَيْضًا، فَأَمَرَ أَهْلَ الْقُرَى الَّتِي فِي الْمَرْجِ أَنْ يَصْنَعُوا الطَّعَامَ لِعَسْكَرِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَحَمَلُوهُ فِي الْجِفَانِ وَتَرَكُوهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ فَإِذَا أَرَادَ الطَّعَامَ جَاءَ إِلَى تِلْكَ الْجِفَانِ فَأَكَلَ مِنْهَا. فَأَقَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثِ أَيَّامًا لَمْ يَنْتَصِفْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا رَأَى الْحَارِثُ ذَلِكَ قَعَدَ فِي قَصْرِهِ وَدَعَا ابْنَتَهُ هِنْدًا وَأَمْرَهَا فَاتَّخَذَتْ طِيبًا كَثِيرًا فِي الْجِفَانِ وَطَيَّبَتْ بِهِ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ نَادَى: يَا فِتْيَانَ غَسَّانَ مَنْ قَتَلَ مَلِكَ الْحِيرَةِ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي هِنْدًا. فَقَالَ لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ أَنَا قَاتِلُ مَلِكِ الْحِيرَةِ أَوْ مَقْتُولٌ دُونَهُ لَا مَحَالَةَ، وَلَسْتُ أَرْضَى فَرَسِي فَأَعْطِنِي فَرَسَكَ الزَّيْتِيَّةَ. فَأَعْطَاهُ فَرَسَهُ. فَلَمَّا زَحَفَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، شَدَّ لَبِيدٌ عَلَى الْأَسْوَدِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَنَزَلَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى الْحَارِثِ، وَهُوَ عَلَى قَصْرِهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَأَلْقَى الرَّأْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: شَأْنَكَ بِابْنَةِ عَمِّكِ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا. فَقَالَ: بَلْ أَنْصَرِفُ فَأُوَاسِي أَصْحَابِي بِنَفْسِي فَإِذَا انْصَرَفَ النَّاسُ انْصَرَفْتُ. فَرَجَعَ فَصَادَفَ أَخَاهُ الْأَسْوَدَ قَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَهُوَ يُقَاتِلُ وَقَدِ اشْتَدَّتْ نِكَايَتُهُ، فَتَقَدَّمَ لَبِيدٌ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، وَلَمْ يُقْتَلْ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ بَعْدَ تِلْكَ الْهَزِيمَةِ غَيْرُهُ، وَانْهَزَمَتْ لَخْمٌ هَزِيمَةً ثَانِيَةً وَقُتِلُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَانْصَرَفَتْ غَسَّانُ بِأَحْسَنِ ظَفَرٍ.
وَذُكِرَ أَنَّ الْغُبَارَ فِي هَذَا الْيَوْمِ اشْتَدَّ وَكَثُرَ حَتَّى سَتَرَ الشَّمْسَ، وَحَتَّى ظَهَرَتِ الْكَوَاكِبُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنْ مَطَالِعِ الشَّمْسِ لِكَثْرَةِ الْعَسَاكِرِ، لِأَنَّ الْأَسْوَدَ سَارَ بِعَرَبِ الْعِرَاقِ أَجْمَعَ، وَسَارَ الْحَارِثُ بِعَرَبِ الشَّامِ أَجْمَعَ، وَهَذَا الْيَوْمُ مِنْ أَشْهَرِ أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَخَرَ بِهِ بَعْضُ شُعَرَاءِ غَسَّانَ فَقَالَ:
يَوْمَ وَادِي حَلِيمَةَ وَازْدَلَفْنَا … بِالْعَنَاجِيجِ وَالرِّمَاحِ الظِّمَاءِ
إِذْ شَحَنَّا أَكُفَّنَا مِنْ رِقَاقٍ … رَقَّ مِنْ وَقْعِهَا سَنَا السَّحْنَاءِ
وَأَتَتْ هِنْدٌ بِالْخَلُوقِ إِلَى مَنْ … كَانَ ذَا نَجْدَةٍ وَفَضْلِ غَنَاءِ
وَنَصَبْنَا الْجِفَانَ فِي سَاحَةِ … الْمَرْ جِ فَمِلْنَا إِلَى جِفَانٍ مِلَاءِ
وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَعْرَجَ الْغَسَّانِيَّ خَطَبَ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيِّ ابْنَتَهُ وَقَصَدَ انْقِطَاعَ الْحَرْبِ بَيْنَ لَخْمٍ وَغَسَّانَ، فَزَوَّجَهُ الْمُنْذِرُ ابْنَتَهُ هِنْدًا، وَكَانَتْ لَا تُرِيدُ الرِّجَالَ، فَصَنَعَتْ بِجِلْدِهَا شَبِيهًا بِالْبَرَصِ وَقَالَتْ لِأَبِيهَا: أَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَتُهْدِينِي لِمَلِكِ غَسَّانَ؟ فَنَدِمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا فَأَمْسَكَهَا. ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ أَرْسَلَ يَطْلُبُهَا فَمَنَعَهَا أَبُوهَا وَاعْتَلَّ عَلَيْهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمُنْذِرَ خَرَجَ غَازِيًا، فَبَعَثَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ جَيْشًا إِلَى الْحِيرَةِ فَانْتَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا. فَانْصَرَفَ الْمُنْذِرُ مِنْ غَزَاتِهِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَسَارَ يُرِيدُ غَسَّانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْحَارِثَ فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَقَوْمَهُ فَسَارَ بِهِمْ، فَتَوَافَقُوا بِعَيْنِ أُبَاغٍ فَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ الْمُنْذِرِ عَلَى مَيْسَرَةِ الْحَارِثِ، وَفِيهَا ابْنُهُ فَقَتَلُوهُ، وَانْهَزَمَتِ الْمَيْسَرَةُ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ الْحَارِثِ عَلَى مَيْسَرَةِ الْمُنْذِرِ فَانْهَزَمَ مَنْ بِهَا وَقُتِلَ مُقَدِّمُهَا فَرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَحَمَلَتْ غَسَّانُ مِنَ الْقَلْبِ عَلَى الْمُنْذِرِ فَقَتَلُوهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَأُسِرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِائَةُ أَسِيرٍ، مِنْهُمْ شَأْسُ بْنُ عَبَدَةَ، فَوَفَدَ أَخُوهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ الشَّاعِرُ عَلَى الْحَارِثِ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَ أَخَاهُ، وَمَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا:
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ … بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ
تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ أَهْلُهَا … وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَخُطُوبُ

يَقُولُ فِيهَا:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي
بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ … إِذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلَّ مَالُهُ
فَلَيْسَ لَهُ فِي وُدِّهِنَّ نَصِيبُ … يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ وَجَدْنَهُ
وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ … وَقَاتَلَ مِنْ غَسَّانَ أَهْلُ حِفَاظِهَا
وَهِنْبٌ وَقَاسٌ جَالَدَتْ وَشَبِيبُ
تُخَشْخِشُ أَبْدَانُ الْحَدِيدِ عَلَيْهِمُ كَمَا … خَشْخَشَتْ يَبْسَ الْحَصَادِ جَنُوبُ
فَلَمْ تَنْجُ إِلَّا شَطْبَةٌ بِلِجَامِهَا … وَإِلَّا طِمِرٌّ كَالْقَنَاةِ نَجِيبُ
وَإِلَّا كَمِيٌّ ذُو حِفَاظٍ كَأَنَّهُ بِمَا … ابْتَلَّ مِنْ حَدِّ الظُّبَاتِ خَضِيبُ
وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ … فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذُنُوبُ
فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ … فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ
فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذُنُوبُ، قَالَ الْمَلِكُ: إِي وَاللَّهِ وَأَذْنِبَةٌ، ثُمَّ أَطْلَقَ شَأْسًا وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ الْحِبَاءَ وَإِنْ شِئْتَ أُسَرَاءَ قَوْمِكَ؟ وَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: إِنِ اخْتَارَ الْحِبَاءَ عَلَى قَوْمِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا كُنْتُ لِأَخْتَارَ عَلَى قَوْمِي شَيْئًا. فَأَطْلَقَ لَهُ الْأَسْرَى مِنْ تَمِيمٍ وَكَسَاهُ وَحَبَاهُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَسْرَى جَمِيعَهُمْ وَزَوَّدَهُمْ زَادًا كَثِيرًا. فَلَمَّا بَلَغُوا بِلَادَهُمْ أَعْطَوْا جَمِيعَ ذَلِكَ لِشَأْسٍ وَقَالُوا: أَنْتَ كُنْتَ السَّبَبَ فِي إِطْلَاقِنَا فَاسْتَعِنْ بِهَذَا عَلَى دَهْرِكَ، فَحَصَلَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ إِبِلٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(عَبَدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرًا ضَخْمًا وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الشَّامَ، وَسَارَ مَلِكُ الشَّامِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ، فَنَزَلَ مَرْجَ حَلِيمَةَ، وَهُوَ يُنْسَبُ إِلَى حَلِيمَةَ بِنْتِ الْمَلِكِ، وَنَزَلَ الْمَلِكُ اللَّخْمِيُّ فِي مَرْجِ الصُّفَّرِ، فَسَيَّرَ الْحَارِثُ فَارِسَيْنِ طَلِيعَةً، أَحَدُهُمَا فَارِسُ خَصَافٍ، وَكَانَتْ فَرَسُهُ تَجْرِي عَلَى ثَلَاثٍ فَلَا تُلْحَقُ، فَسَارَا حَتَّى خَالَطَا الْقَوْمَ وَقَرُبَا مِنَ الْمَلِكِ وَأَمَامَهُ شَمْعَةٌ فَقَتَلَا حَامِلَهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ فَاضْطَرَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى أَصْبَحُوا، وَأَتَاهُمْ رُسُلُ الْحَارِثِ مَلِكِ غَسَّانَ يَبْذُلُ الصُّلْحَ وَالْإِتَاوَةَ وَقَالَ: إِنِّي بَاعِثٌ رُءُوسَ الْقَبَائِلِ لِتَقْرِيرِ الْحَالِ، وَنَدَبَ أَصْحَابَهُ، فَانْتُدِبَ لَهُ مِائَةُ غُلَامٍ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ غُلَامًا، فَأَلْبَسَهُمُ السِّلَاحَ وَأَمَرَ ابْنَتَهُ حَلِيمَةَ أَنْ تُطَيِّبَهُمْ وَتُلْبِسَهُمْ، فَفَعَلَتْ. فَلَمَّا مَرَّ بِهَا لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو فَارِسُ الزَّيْتِيَّةِ قَبَّلَهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا بَاكِيَةً، فَقَالَ: هُوَ أَسَدُ الْقَوْمِ وَلَئِنْ سَلِمَ لَأُنْكِحَنَّهُ إِيَّاكِ، وَأَمَّرَهُ عَلَى الْقَوْمِ وَسَارُوا، فَلَمَّا قَارَبُوا الْعَسْكَرَ الْعِرَاقِيَّ جَمَعَ الْمَلِكُ رُءُوسَ أَصْحَابِهِ. وَجَاءَ الْغَسَّانِيُّونَ وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، قَدْ لَبِسُوا فَوْقَهَا الثِّيَابَ وَالْبَرَانِسَ، فَلَمَّا تَتَامُّوا عِنْدَ الْمَلِكِ أَبْدَوُا السِّلَاحَ فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، وَقُتِلَ لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو مَلِكُ الْعِرَاقِيِّينَ وَأُحِيطَ بِالْغَسَّانِيِّينَ فَقُتِلُوا إِلَّا لَبِيدَ بْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّ فَرَسَهُ لَمْ تَبْرَحْ، فَاسْتَوَى عَلَيْهَا، وَعَادَ فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنَكَحْتُكَ ابْنَتِي حَلِيمَةَ. فَقَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي فَلُّ مِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ. وَتَفَقَّدَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَشْرَافَهُمْ وَإِذَا بِهِمْ قَدْ قُتِلُوا فَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ لِذَلِكَ وَزَحَفَتْ إِلَيْهِمْ غَسَّانُ فَانْهَزَمُوا.
قُلْتُ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّسَّابُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ فِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَقْتُولِ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ يَوْمَ حَلِيمَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ، وَيَوْمَ أُبَاغٍ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْيَوْمَيْنِ وَاحِدًا فَيَقُولُ: لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ. وَأَمَّا ابْنُهُ الْمُنْذِرُ فَمَاتَ بِالْحِيرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ مُلُوكِ الْحِيرَةِ غَيْرُهُمَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَقْتُولَ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا ابْنُهُ فَفِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَمَنْ أَثْبَتَ قَتْلَهُ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ اخْتِلَافَهُمْ وَالْحَادِثَةُ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْهَا قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَمَتَى تَرَكْنَا أَحَدَهُمَا ظَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْهَا حَادِثٌ مُسْتَقِلٌّ. وَقَدْ أَهْمَلْنَاهُ، فَأَتَيْنَا بِهِمَا جَمِيعًا لِذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ.

ذِكْرُ قَتْلِ مُضَرِّطِ الْحِجَارَةِ

وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ اللَّخْمِيُّ صَاحِبُ الْحِيرَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ مُضَرِّطَ الْحِجَارَةِ لِشِدَّةِ مُلْكِهِ وَقُوَّةِ سِيَاسَتِهِ، وَأُمُّهُ هِنْدٌ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو الْمَقْصُورِ بْنِ آكِلِ الْمُرَارِ، وَهِيَ عَمَّةُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ.
وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي يَأْنَفُ أَنْ تَخْدِمَ أُمُّهُ أُمِّي؟ قَالُوا: مَا نَعْرِفُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ التَغْلِبِيَّ، فَإِنَّ أُمَّهُ لَيْلَى بِنْتُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمُّهَا كُلَيْبُ وَائِلٍ، وَزَوْجُهَا كُلْثُومٌ، وَابْنُهَا عَمْرٌو.
فَسَكَتَ مُضَرِّطُ الْحِجَارَةِ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ يَسْتَزِيرُهُ، وَيَأْمُرُ أَنْ تَزُورَ أُمُّهُ لَيْلَى أُمَّ نَفْسِهِ هِنْدًا بِنْتَ الْحَارِثِ. فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي فُرْسَانٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَعَهُ أُمُّهُ لَيْلَى، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ قُدُومُهُ، فَأَمَرَ فَضُرِبَتْ خِيَامُهُ بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ، وَأَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ عَلَى بَابِ السُّرَادِقِ، وَجَلَسَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ وَخَوَاصُّ أَصْحَابِهِ فِي السُّرَادِقِ، وَلِأُمِّهِ هِنْدٍ قُبَّةٌ فِي جَانِبِ السُّرَادِقِ، وَلَيْلَى أُمُّ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ مَعَهَا فِي الْقُبَّةِ، وَقَدْ قَالَ مُضَرِّطُ الْحِجَارَةِ لِأُمِّهِ: إِذَا فَرَغَ النَّاسُ مِنَ الطَّعَامِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الطُّرَفُ فَنَحِّي خَدَمَكِ عَنْكِ، فَإِذَا دَنَا الطُّرَفُ فَاسْتَخْدِمِي لَيْلَى وَمُرِيهَا فَلْتُنَاوِلْكِ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ.
فَفَعَلَتْ هِنْدٌ مَا أَمَرَهَا بِهِ ابْنُهَا، فَلَمَّا اسْتُدْعِيَ الطُّرَفُ قَالَتْ هِنْدٌ لِلَيْلَى: نَاوِلِينِي هَذَا الطَّبَقَ. فَقَالَتْ: لِتَقُمْ صَاحِبَةُ الْحَاجَةِ إِلَى حَاجَتِهَا. فَأَلَحَّتْ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ لَيْلَى: وَاذُلَّاهُ يَا آلَ تَغْلِبَ! فَسَمِعَهَا وَلَدُهَا عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ، فَثَارَ الدَّمُ فِي وَجْهِهِ وَالْقَوْمُ يَشْرَبُونَ، فَعَرَفَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، وَثَارَ ابْنُ كُلْثُومٍ إِلَى سَيْفِ ابْنِ هِنْدٍ وَهُوَ مُعَلَّقٌ فِي السُّرَادِقِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَيْفٌ غَيْرَهُ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ رَأْسَ مُضَرِّطِ الْحِجَارَةِ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ فَنَادَى: يَا آلَ تَغْلِبَ! فَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَخَيْلَهُ وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَسَارُوا فَلَحِقُوا بِالْحِيرَةِ، فَقَالَ أَفْنُونُ التَغْلِبِيُّ:
لَعَمْرُكَ مَا عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ وَقَدْ دَعَا … لِتَخْدِمَ لَيْلَى أُمَّهُ بِمُوَفَّقِ
فَقَامَ ابْنُ كُلْثُومٍ إِلَى السَّيْفِ مُصْلَتًا … وَأَمْسَكَ مِنْ نُدْمَانِهِ بِالْمُخَنَّقِ

يَوْمُ الْكُلَابِ الْأَوَّلُ

قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَوَّلُ مَنِ اشْتَدَّ مُلْكُهُ مِنْ كِنْدَةَ حُجْرٌ آكِلُ الْمُرَارِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، فَلَمَّا هَلَكَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو مِثْلَ مُلْكِ أَبِيهِ فَسُمِّيَ الْمَقْصُورَ لِأَنَّهُ قَصَرَ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، فَتَزَوَّجَ عَمْرٌو أُمَّ أُنَاسٍ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ مُحَلَّمٍ الشَّيْبَانِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَارِثَ، فَمَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتِّينَ سَنَةً، فَخَرَجَ يَتَصَيَّدُ فَرَأَى عَانَةً وَهِيَ حُمُرُ الْوَحْشِ، فَشَدَّ عَلَيْهَا، فَانْفَرَدَ مِنْهَا حِمَارٌ، فَتَتَبَّعَهُ وَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ كَبِدِهِ وَهُوَ بِمُسْحُلَانَ، فَطَلَبَتْهُ الْخَيْلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَدْرَكَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ وَقَدْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ، فَشُوِيَ عَلَى النَّارِ وَأُطْعِمَ مِنْ كَبِدِهِ وَهِيَ حَارَّةٌ فَمَاتَ.
وَكَانَ الْحَارِثُ فَرَّقَ بَنِيهِ فِي قَبَائِلِ مَعَدٍّ، فَجَعَلَ حُجْرًا فِي بَنِي أَسَدٍ وَكِنَانَةَ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَجَعَلَ شُرَحْبِيلَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَبَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَبَنِي أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالرِّبَابِ، وَجَعَلَ سَلَمَةَ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فِي بَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَجَعَلَ ابْنَهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَيُعْرَفُ بِغَلْفَاءَ، فِي قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي قَتْلِ حُجْرٍ أَبِي امْرِئِ الْقَيْسِ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هَاهُنَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا هَلَكَ الْحَارِثُ تَشَتَّتَ أَمْرُ أَوْلَادِهِ وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَمَشَى بَيْنَهُمُ الرِّجَالُ، وَكَانَتِ الْمُغَاوَرَةُ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ حَتَّى جَمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ الْجُمُوعَ وَزَحَفَ إِلَيْهِ بِالْجُيُوشِ. فَسَارَ شُرَحْبِيلُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ فَنَزَلَ الْكُلَابَ، وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَأَقْبَلَ سَلَمَةُ فِيمَنْ مَعَهُ وَفِي الصَّنَائِعِ أَيْضًا، وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مَعَ الْمُلُوكِ مِنْ شُذَّاذِ الْعَرَبِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْكُلَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ السَّفَّاحُ بْنُ خَالِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَذَلَتْ بَنُو حَنْظَلَةَ وَعَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالرِّبَابُ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَانْهَزَمُوا، وَثَبَتَتْ بَكْرٌ وَانْصَرَفَتْ بَنُو سَعْدٍ وَمَنْ مَعَهَا عَنْ تَغْلِبَ وَصَبَرَتْ تَغْلِبُ، وَنَادَى مُنَادِي شُرَحْبِيلَ: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ سَلَمَةَ فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَادَى مُنَادِي سَلَمَةَ: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ شُرَحْبِيلَ فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حِينَئِذٍ كُلٌّ يَطْلُبُ أَنْ يَظْفَرَ لَعَلَّهُ يَصِلُ إِلَى قَتْلِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ لِيَأْخُذَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَكَانَتِ الْغَلَبَةُ آخِرَ النَّهَارِ لِتَغْلِبَ وَسَلَمَةَ، وَمَضَى شُرَحْبِيلُ مُنْهَزِمًا، فَتَبِعَهُ ذُو السُّنَيْنَةِ التَغْلِبِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ شُرَحْبِيلُ فَضَرَبَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ فَأَطَنَّ رِجْلَهُ.
وَكَانَ ذُو السُّنَيْنَةِ أَخَا أَبِي حَنَشٍ لِأُمِّهِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: قَتَلَنِي الرَّجُلُ! وَهَلَكَ ذُو السُّنَيْنَةِ! فَقَالَ أَبُو حَنَشٍ لِشُرَحْبِيلَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ! وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَنَشٍ اللَّبَنَ اللَّبَنَ! يَعْنِي الدِّيَةَ. فَقَالَ: قَدْ هَرَقْتَ لَبَنًا كَثِيرًا! فَقَالَ: يَا أَبَا حَنَشٍ أَمَلِكًا بِسُوقَةٍ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي مَلِكِي. فَطَعَنَهُ فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ رَأْسَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى سَلَمَةَ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَأَتَاهُ بِهِ وَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ سَلَمَةُ: لَوْ كُنْتَ أَلْقَيْتَهُ أَرْفَقَ مِنْ هَذَا! وَعُرِفَتِ النَّدَامَةُ فِي وَجْهِ سَلَمَةَ وَالْجَزَعُ عَلَيْهِ. فَهَرَبَ أَبُو حَنَشٍ مِنْهُ، فَقَالَ سَلَمَةُ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا حَنَشٍ رَسُولًا … فَمَا لَكَ لَا تَجِيءُ إِلَى الثَّوَابِ
لِتَعْلَمَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ طُرًّا … قَتِيلٌ بَيْنَ أَحْجَارِ الْكُلَابِ
تَدَاعَتْ حَوْلَهُ جُشَمُ بْنُ بَكْرٍ … وَأَسْلَمَهُ جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ
فَأَجَابَهُ أَبُو حَنَشٍ فَقَالَ:
أُحَاذِرُ أَنْ أَجِيئَكَ ثُمَّ تَحْبُو … حِبَاءَ أَبِيكَ يَوْمَ صُنَيْبِعَاتِ
وَكَانَتْ غَدْرَةٌ شَنْعَاءُ تَهْفُو … تَقَلَّدَهَا أَبُوكَ إِلَى الْمَمَاتِ
وَكَانَ سَبَبَ صُنَيْبِعَاتٍ أَنَّ ابْنًا لِلْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي تَمِيمٍ وَبَكْرٍ وَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ، فَأَخَذَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ تَمِيمٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَكْرٍ فَقَتَلَهُمْ بِهِ.
وَلَمَّا قُتِلَ شُرَحْبِيلُ قَامَ بَنُو زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ دُونَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، فَمَنَعُوهُمْ وَحَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِقَوْمِهِمْ وَمَأْمَنِهِمْ، وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ قَتْلِهِ أَخَاهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ غَلْفَاءُ، قَالَ يَرْثِيهِ:
إِنْ جَنْبِي عَنِ الْفِرَاشِ لَنَابِي … كَتَجَافِي الْأَسَرِّ فَوْقَ الظِّرَابِ
مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إِلَيَّ فَمَا تَرْ … قَأُ عَيْنِي وَلَا أُسِيغُ شَرَابِي
مُرَّةً كَالذُّعَافِ أَكْتُمُهَا النَّا … سَ عَلَى حَرِّ مَلَّةٍ كَالشِّهَابِ
مِنْ شُرَحْبِيلَ إِذَا تَعَاوَرَهُ الْأَرْ … مَاحُ مِنْ بَعْدِ لَذَّةٍ وَشَبَابِ
يَا ابْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ … عُو تَمِيمًا وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابِ
ثَمَّ طَاعَنْتُ مِنْ وَرَائِكَ حَتَّى … يُبْلَغَ الرَّحْبُ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابِي
أَحْسَنَتْ وَائِلٌ وَعَادَتُهَا الْإِحْ … سَانُ بِالْحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ
يَوْمَ فَرَّتْ بَنُو تَمِيمٍ وَوَلَّتْ … خَيْلُهُمْ يَكْتَسِعْنَ بِالْأَذْنَابِ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
ثُمَّ إِنَّ تَغْلِبَ أَخْرَجُوا سَلَمَةَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَلَجَأَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ، وَلَحِقَتْ تَغْلِبُ بِالْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ اللَّخْمِيِّ.
(الْكُلَابُ: بِضَمِّ الْكَافِ. أُسَيِّدُ بْنُ عَمْرٍو: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ. وَذُو السُّنَيْنَةِ: بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ سِنٍّ.
وَالرِّبَابُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْأُولَى الْمُوَحَّدَةِ.

يَوْمُ أُوَارَةَ الْأَوَّلُ

وَهُوَ يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَبَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.
وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ تَغْلِبَ لَمَّا أَخْرَجَتْ سَلَمَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَنْهَا، الْتَجَأَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، فَلَمَّا صَارَ عِنْدَ بَكْرٍ أَذْعَنَتْ لَهُ وَحَشَدَتْ عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَا يَمْلِكُنَا غَيْرُكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمُنْذِرُ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَحَلَفَ الْمُنْذِرُ لَيَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ فَلَيَذْبَحَنَّهُمْ عَلَى قُلَّةِ جَبَلِ أُوَارَةَ حَتَّى يَبْلُغَ الدَّمُ الْحَضِيضَ.
وَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جُمُوعِهِ، فَالْتَقَوْا بِأُوَارَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَأَجْلَتِ الْوَاقِعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ بَكْرٍ وَأَسْرِ يَزِيدَ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْكِنْدِيِّ، فَأَمَرَ الْمُنْذِرُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرَ الْمُنْذِرُ مِنْ بَكْرٍ أَسْرَى كَثِيرَةً فَأَمَرَ بِهِمْ فَذُبِحُوا عَلَى جَبَلِ أُوَارَةَ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَجْمُدُ. فَقِيلَ لَهُ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَوْ ذَبَحْتَ كُلَّ بَكْرِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ تَبْلُغْ دِمَاؤُهُمُ الْحَضِيضَ! وَلَكِنْ لَوْ صَبَبْتَ عَلَيْهِ الْمَاءَ! فَفَعَلَ فَسَالَ الدَّمُ إِلَى الْحَضِيضِ، وَأَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يُحْرَقْنَ بِالنَّارِ.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْمُنْذِرِ، فَكَلَّمَهُ فِي سَبْيِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَطْلَقَهُنَّ الْمُنْذِرُ، فَقَالَ الْأَعْشَى يَفْتَخِرُ بِشَفَاعَةِ الْقَيْسِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ فِي بَكْرٍ:
وَمِنَّا الَّذِي أَعْطَاهُ بِالْجَمْعِ رَبُّهُ … عَلَى فَاقَةٍ وَلِلْمُلُوكِ هِبَاتُهَا
سَبَايَا بَنِي شَيْبَانَ يَوْمَ أُوَارَةَ … عَلَى النَّارِ إِذْ تُجْلَى لَهُ فَتَيَاتُهَا

يَوْمُ أُوَارَةَ الثَّانِي

كَانَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيُّ قَدْ تَرَكَ ابْنًا لَهُ اسْمُهُ أَسْعَدُ عِنْدَ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسٍ التَّمِيمِيِّ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ مَرَّتْ بِهِ نَاقَةٌ سَمِينَةٌ فَعَبَثَ بِهَا فَرَمَى ضَرْعَهَا، فَشَدَّ عَلَيْهِ رَبُّهَا سُوَيْدٌ
أَحَدُ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ التَّمِيمِيُّ فَقَتَلَهُ. وَهَرَبَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَحَالَفَ قُرَيْشًا. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ غَزَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَهُ زُرَارَةُ فَأَخْفَقَ، فَلَمَّا كَانَ حِيَالَ جَبَلَيْ طَيِّءٍ قَالَ لَهُ زُرَارَةُ: أَيُّ مَلِكٍ إِذَا غَزَا لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُصَبْ، فَمِلْ عَلَى طَيِّءٍ فَإِنَّكَ بِحِيَالِهَا، فَمَالَ إِلَيْهِمْ فَأَسَرَ وَقَتَلَ وَغَنِمَ، فَكَانَتْ فِي صُدُورِ طَيِّءٍ عَلَى زُرَارَةَ، فَلَمَّا قَتَلَ سُوَيْدٌ أَسْعَدَ، وَزُرَارَةُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ عَمْرٍو، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ مِلْقَطٍ الطَّائِيُّ يُحَرِّضُ عَمْرًا عَلَى زُرَارَةَ:
مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا بِأَنَّ الْ … مَرْءَ لَمْ يُخْلَقْ صُبَارَهْ
هَا إِنَّ عَجْزَةَ أُمِّهِ … بِالسَّفْحِ أَسْفَلُ مِنْ أُوَارَهْ
فَاقْتُلْ زُرَارَةَ لَا أَرَى … فِي الْقَوْمِ أَوْفَى مِنْ زُرَارَهْ
فَقَالَ عَمْرٌو يَا زُرَارَةُ مَا تَقُولُ؟ قَالَ كُذِبْتَ، قَدْ عَلِمْتَ عَدَاوَتَهُمْ فِيكَ. قَالَ: صَدَقْتَ. فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ سَارَ زُرَارَةُ مُجِدًّا إِلَى قَوْمِهِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرِضَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا حَاجِبُ ضُمَّ إِلَيْكَ غِلْمَتِي فِي بَنِي نَهْشَلٍ. وَقَالَ لِابْنِ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو: عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ مِلْقَطٍ فَإِنَّهُ حَرَّضَ عَلَيَّ الْمَلِكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَمَّاهُ لَقَدْ أَسْنَدْتَ إِلَيَّ أَبْعَدَهُمَا شُقَّةً وَأَشَدَّهُمَا شَوْكَةً.
فَلَمَّا مَاتَ زُرَارَةُ تَهَيَّأَ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو فِي جَمْعٍ وَغَزَا طَيِّئًا فَأَصَابَ الطَّرِيفَيْنِ: طَرِيفَ بْنَ مَالِكٍ، وَطَرِيفَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَتَلَ الْمَلَاقِطَ، فَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ فِي ذَلِكَ:
وَنَحْنُ جَلَبْنَا مِنْ ضَرِيَّةِ خَيْلِنَا … نُجَنِّبُهَا حَدَّ الْإِكَامِ قِطَاطَا
أَصَبْنَا الطَّرِيفَ وَالطَّرِيفَ بْنَ مَالِكٍ … وَكَانَ شِفَاءَ الْوَاصِبِينَ الْمُلَاقِطَا
فَلَمَّا بَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْمُنْذِرِ وَفَاةُ زُرَارَةَ غَزَا بَنِي دَارِمٍ، وَقَدْ كَانَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ مِنْهُمْ مِائَةً، فَسَارَ يَطْلُبُهُمْ حَتَّى بَلَغَ أُوَارَةَ، وَقَدْ نَذَرُوا بِهِ فَتَفَرَّقُوا. فَأَقَامَ مَكَانَهُ وَبَثَّ سَرَايَاهُ فِيهِمْ، فَأَتَوْهُ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ رَجُلًا سِوَى مَنْ قَتَلُوهُ فِي غَارَاتِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ شَاعِرٌ لِيَمْدَحَهُ فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ لِيُتِمَّ مِائَةً، ثُمَّ قَالَ: ” إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ “! فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ نَذَرَ أَنْ يُحْرِقَهُمْ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُحْرِقًا، فَأَحْرَقَ مِنْهُمْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، وَاجْتَازَ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ فَشَمَّ قُتَارَ اللَّحْمِ فَظَنَّ أَنَّ الْمَلِكَ يَتَّخِذُ طَعَامًا فَقَصَدَهُ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ أَنَا وَافِدُ الْبَرَاجِمِ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ فِي النَّارِ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ:
أَيْنَ الَّذِينَ بِنَارِ عَمْرٍو أُحْرِقُوا … أَمْ أَيْنَ أَسْعَدُ فِيكُمُ الْمُسْتَرْضِعُ
وَصَارَتْ تَمِيمٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُعَيَّرُونَ بِحُبِّ الْأَكْلِ لِطَمَعِ الْبُرْجُمِيِّ فِي الْأَكْلِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
إِذَا مَا مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ تَمِيمٍ … فَسَرَّكَ أَنْ يَعِيشَ فَجِئْ بِزَادِ
بِخُبْزٍ أَوْ بِلَحْمٍ أَوْ بِتَمْرٍ … أَوِ الشَّيْءِ الْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ
تَرَاهُ يُنَقِّبُ الْبَطْحَاءَ حَوْلًا … لِيَأْكُلَ رَأْسَ لُقْمَانَ بْنِ عَادِ
قِيلَ: دَخَلَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا الشَّيْءُ الْمُلَفَّقُ فِي الْبِجَادِ يَا أَبَا بَحْرٍ؟ قَالَ: السَّخِينَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالسَّخِينَةُ: طَعَامٌ تُعَيَّرُ بِهِ قُرَيْشٌ كَمَا كَانَتْ تُعَيَّرُ تَمِيمٌ بِالْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ. قَالَ: فَلَمْ يُرَ مُتَمَازِحَانِ أَوْقَرَ مِنْهُمَا.

ذِكْرُ قَتْلِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ وَخَالِدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ وَالْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ الْمُرِّيِّ وَذِكْرُ يَوْمِ الرَّحْرَحَانِ 

كَانَ زُهَيْرُ بْنُ جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ الْعَبْسِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ صَاحِبِ حَرْبِ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، سَيِّدُ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَتَزَوَّجَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْحِيرَةِ، وَهُوَ النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ جَدُّ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ لِشَرَفِهِ وَسُؤْدُدِهِ، فَأَرْسَلَ النُّعْمَانُ إِلَى زُهَيْرٍ يَسْتَزِيرُهُ بَعْضَ أَوْلَادِهِ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ شَأْسًا فَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ، فَأَكْرَمَهُ وَحَبَاهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى أَبِيهِ كَسَاهُ حُلَلًا وَأَعْطَاهُ مَالًا طَيِّبًا. فَخَرَجَ شَأْسٌ يُرِيدُ قَوْمَهُ فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِ غَنِيِّ بْنِ أَعْصَرَ فَقَتَلَهُ رَبَاحُ بْنُ الْأَشَلِّ الْغَنَوِيُّ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ.
وَقِيلَ لِزُهَيْرٍ: إِنَّ شَأْسًا أَقْبَلَ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ آخِرُ الْعَهْدِ بِهِ بِمَاءٍ مِنْ مِيَاهِ غَنِيٍّ. فَسَارَ زُهَيْرٌ إِلَى دِيَارِ غَنِيٍّ، وَهُمْ حُلَفَاءُ فِي بَنِي عَامِرِ ابْنِ صَعْصَعَةَ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ ابْنِهِ، فَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا خَبَرَهُ، قَالَ: لَكِنِّي أَعْلَمُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ: فَمَا الَّذِي يُرْضِيكَ مِنَّا؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا تُحْيُونَ وَلَدِي، وَإِمَّا تُسْلِمُونَ إِلَيَّ غَنِيًّا حَتَّى أَقْتُلَهُمْ بِوَلَدِي، وَإِمَّا الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَا بَقِينَا وَبَقِيتُمْ. فَقَالُوا: مَا جَعَلْتَ لَنَا فِي هَذِهِ مَخْرَجًا، أَمَّا إِحْيَاءُ وَلَدِكَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا تَسْلِيمُ غَنِيٍّ إِلَيْكَ فَهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْأَحْرَارُ، وَأَمَّا الْحَرْبُ بَيْنَنَا فَوَاللَّهِ إِنَّنَا لَنُحِبُّ رِضَاكَ وَنَكْرَهُ سُخْطَكَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شِئْتَ تَطْلُبُ قَاتِلَ ابْنِكَ فَنُسَلِّمُهُ إِلَيْكَ، أَوْ تَهَبُ دَمَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضِيعُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ تَعَدِّيَ زُهَيْرٍ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ غَنِيٍّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ تَعَدِّيَ رَجُلٍ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ طِلْبَتِي عِنْدَكَ وَأَتْرُكُ غَنِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْصَرَفَ زُهَيْرٌ وَهُوَ يَقُولُ:
فَلَوْلَا كُلَابٌ قَدْ أَخَذْتُ قَرِينَتِي … بِرَدٍّ غَنِيٍّ أَعْبُدًا وَمَوَالِيَا
وَلَكِنْ حَمَتْهُمْ عُصْبَةٌ عَامِرِيَّةٌ
يَهُزُّونَ فِي الْأَرْضِ الْقِصَارَ الْعَوَالِيَا … مَسَاعِيرُ فِي الْهَيْجَا مَصَالِيتُ فِي الْوَغَى
أَخُوهُمْ عَزِيزٌ لَا يَخَافُ الْأَعَادِيَا … يُقِيمُونَ فِي دَارِ الْحِفَاظِ تَكَرُّمًا
إِذَا مَا فَنِيَ الْقَوْمُ أَضْحَتْ خَوَالِيَا
ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ امْرَأَةً وَأَمَرَهَا أَنْ تَكْتُمَ نَسَبَهَا وَأَعْطَاهَا لَحْمَ جَزُورٍ سَمِينَةٍ وَسَيَّرَهَا إِلَى غَنِيٍّ لِتَبِيعَ اللَّحْمَ بِطِيبٍ وَتَسْأَلَ عَنْ حَالِ وَلَدِهِ. فَانْطَلَقَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى غَنِيٍّ وَفَعَلَتْ مَا أَمَرَهَا، فَانْتَهَتْ إِلَى امْرَأَةِ رَبَاحِ بْنِ الْأَشَلِّ وَقَالَتْ لَهَا: قَدْ زَوَّجْتُ بِنْتًا لِي وَأَبْغِي الطِّيبَ بِهَذَا اللَّحْمِ، فَأَعْطَتْهَا طِيبًا وَحَدَّثَتْهَا بِقَتْلِ زَوْجِهَا شَأْسًا. فَعَادَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زُهَيْرٍ وَأَخْبَرَتْهُ، فَجَمَعَ خَيْلَهُ وَجَعَلَ يُغِيرُ عَلَى غَنِيٍّ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ بَنِي عَبْسٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَعَظُمَ الشَّرُّ.
ثُمَّ إِنَّ زُهَيْرًا خَرَجَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلَى عُكَاظٍ، فَالْتَقَى هُوَ وَخَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لَقَدْ طَالَ شَرُّنَا مِنْكَ يَا زُهَيْرُ! فَقَالَ زُهَيْرٌ: أَمَا وَاللَّهِ مَا دَامَتْ لِي قُوَّةٌ أُدْرِكُ بِهَا ثَأْرًا فَلَا انْصِرَامَ لَهُ.
وَكَانَتْ هَوَازِنُ تُؤْتِي زُهَيْرَ بْنَ جَذِيمَةَ الْإِتَاوَةَ كُلَّ سَنَةٍ بِعُكَاظٍ، وَهُوَ يَسُومُهَا الْخَسْفَ، وَفِي أَنْفُسِهَا مِنْهُ غَيْظٌ وَحِقْدٌ، ثُمَّ عَادَ خَالِدٌ وَزُهَيْرٌ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَسَبَقَ خَالِدٌ إِلَى بِلَادِ هَوَازِنَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمَهُ وَنَدَبَهُمْ إِلَى قِتَالِ زُهَيْرٍ، فَأَجَابُوهُ وَتَأَهَّبُوا لِلْحَرْبِ وَخَرَجُوا يُرِيدُونَ زُهَيْرًا وَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِ، وَسَارَ زُهَيْرٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِ هَوَازِنَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ قَيْسٌ: انْجُ بِنَا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَإِنَّا قَرِيبٌ مِنْ عَدُوِّنَا. فَقَالَ لَهُ: يَا عَاجِزٌ وَمَا الَّذِي تُخَوِّفُنِي بِهِ مِنْ هَوَازِنَ وَتَتَّقِي شَرَّهَا؟ فَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا. فَقَالَ ابْنُهُ: دَعْ عَنْكَ اللَّجَاجَ وَأَطِعْنِي وَسِرْ بِنَا، فَإِنِّي خَائِفٌ عَادِيَتَهُمْ.
وَكَانَتْ تُمَاضِرُ بِنْتُ الشَّرِيدِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ عُصَيَّةَ السُّلَمِيَّةُ أُمَّ وَلَدِ زُهَيْرٍ، وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ إِخْوَتِهَا دَمًا فَلَحِقَ بِبَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ فِيهِمْ، فَأَرْسَلَهُ خَالِدٌ عَيْنًا لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ زُهَيْرٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ، فَعَلِمَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ حَالَهُ، وَأَرَادَ هُوَ وَأَبُوهُ أَنْ يُوثِقُوهُ وَيَأْخُذُوهُ مَعَهُمْ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِ هَوَازِنَ، فَمَنَعَتْ أُخْتُهُ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ أَلَّا يُخْبِرَ بِهِمْ وَأَطْلَقُوهُ، فَسَارَ إِلَى خَالِدٍ وَوَقَفَ إِلَى شَجَرَةٍ يُخْبِرُهَا الْخَبَرَ، فَرَكِبَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى زُهَيْرٍ، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَالْتَقَى خَالِدٌ وَزُهَيْرٌ فَاقْتَتَلَا طَوِيلًا ثُمَّ تَعَانَقَا فَسَقَطَا عَلَى الْأَرْضِ، وَشَدَّ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى خَالِدٍ وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَحَمَلَ جُنْدُحُ بْنُ الْبَكَّاءِ، وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ خَالِدٍ، عَلَى زُهَيْرٍ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ وَخَالِدٌ يَعْتَرِكَانِ، فَثَارَ خَالِدٌ عَنْهُ وَعَادَتْ هَوَازِنُ إِلَى مَنَازِلِهَا، وَحَمَلَ بَنُو زُهَيْرٍ أَبَاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي ذَلِكَ:
رَأَيْتُ زُهَيْرًا تَحْتَ كَلْكَلِ خَالِدٍ … فَأَقْبَلْتُ أَسْعَى كَالْعَجُولِ أُبَادِرُ
إِلَى بَطَلَيْنِ يَعْتِرَانِ كِلَاهُمَا … يُرِيدُ رِيَاشَ السَّيْفِ وَالسَّيْفُ نَادِرُ
فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ خَالِدًا … وَيَمْنَعُهُ مِنِّي الْحَدِيدُ الْمُظَاهِرُ
فَيَا لَيْتَ أَنِّي قَبْلَ أَيَّامِ خَالِدٍ … وَقَبْلَ زُهَيْرٍ لَمْ تَلِدْنِي تُمَاضِرُ
لَعَمْرِي لَقَدْ بُشِّرْتِ بِي إِذْ وَلَدْتِنِي … فَمَاذَا الَّذِي رَدَّتْ عَلَيْكِ الْبَشَائِرُ؟
فَلَا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحًا بِحُرَّةٍ … لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وَيَسْلَمُ عَامِرُ
فَطِرْ خَالِدٌ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ طَيْرَةً … وَلَا تَقَعَنْ إِلَّا وَقَلْبُكَ حَاذِرُ
أَتَتْكَ الْمَنَايَا إِنْ بَقِيتَ بِضَرْبَةٍ … تُفَارِقُ مِنْهَا الْعَيْشَ وَالْمَوْتُ حَاضِرُ
وَقَالَ خَالِدٌ يَمُنُّ عَلَى هَوَازِنَ بِقَتْلِهِ زُهَيْرًا:
أَبْلِغْ هَوَازِنَ كَيْفَ تَكْفُرُ بَعْدَمَا … أَعْتَقْتُهُمْ فَتَوَالَدُوا أَحْرَارَا
وَقَتَلْتُ رَبَّهُمُ زُهَيْرًا بَعْدَمَا … جَدَعَ الْأُنُوفَ وَأَكْثَرَ الْأَوْتَارَا
وَجَعَلْتُ مَهْرَ نِسَائِهِمْ وَدِيَاتِهِمْ … عَقْلَ الْمُلُوكِ هَجَائِنًا وَبِكَارَا
وَكَانَ زُهَيْرٌ سَيِّدَ غَطَفَانَ، فَعَلِمَ خَالِدٌ أَنَّ غَطَفَانَ سَتَطْلُبُهُ بِسَيِّدِهَا، فَسَارَ إِلَى
النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بِالْحِيرَةِ فَاسْتَجَارَهُ، فَأَجَارَهُ. فَضَرَبَ لَهُ قُبَّةً، وَجَمَعَ بَنُو زُهَيْرٍ لِهَوَازِنَ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ الْمُرِّيُّ: اكْفُونِي حَرْبَ هَوَازِنَ فَأَنَا أَكْفِيكُمْ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرٍ.
وَسَارَ الْحَارِثُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ خَالِدٌ، وَهُمَا يَأْكُلَانِ تَمْرًا، فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ يُسَائِلُهُ، فَحَسَدَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ! هَذَا رَجُلٌ لِي عِنْدَهُ يَدٌ عَظِيمَةٌ، قَتَلْتُ زُهَيْرًا وَهُوَ سَيِّدُ غَطَفَانَ فَصَارَ هُوَ سَيِّدَهَا. فَقَالَ الْحَارِثُ: سَأَجْزِيكَ عَلَى يَدِكَ عِنْدِي، وَجَعَلَ الْحَارِثُ يَتَنَاوَلُ التَّمْرَ لِيَأْكُلَهُ فَيَقَعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ مِنَ الْغَضَبِ، فَقَالَ عُرْوَةُ لِأَخِيهِ خَالِدٍ: مَا أَرَدْتَ بِكَلَامِهِ وَقَدْ عَرَفْتَهُ فَتَّاكًا؟ فَقَالَ خَالِدٌ: وَمَا يُخَوِّفُنِي مِنْهُ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ رَآنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي.
ثُمَّ خَرَجَ خَالِدٌ وَأَخُوهُ إِلَى قُبَّتِهِمَا فَشَرَجَاهَا عَلَيْهِمَا، وَنَامَ خَالِدٌ وَعُرْوَةُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَحْرُسُهُ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ انْطَلَقَ الْحَارِثُ إِلَى خَالِدٍ فَقَطَعَ شَرَجَ الْقُبَّةِ وَدَخَلَهَا وَقَالَ لِعُرْوَةَ: لَئِنْ تَكَلَّمْتَ قَتَلْتُكَ! ثُمَّ أَيْقَظَ خَالِدًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: أَنْتَ الْحَارِثُ. قَالَ: خُذْ جَزَاءَ يَدِكَ عِنْدِي! وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ الْمَعْلُوبِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْقُبَّةِ وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَسَارَ.
وَخَرَجَ عُرْوَةُ مِنَ الْقُبَّةِ يَسْتَغِيثُ وَأَتَى بَابَ النُّعْمَانِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَثَّ الرِّجَالَ فِي طَلَبِ الْحَارِثِ.
قَالَ الْحَارِثُ: فَلَمَّا سِرْتُ قَلِيلًا خِفْتُ أَنْ أَكُونَ لَمْ أَقْتُلْهُ فَعُدْتُ مُتَنَكِّرًا وَاخْتَلَطْتُ بِالنَّاسِ وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَيَقَّنْتُ أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَعُدْتُ فَلَحِقْتُ بِقَوْمِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ الْكُلَابِيُّ:
يَا حَارِ لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ … لَا طَائِشًا رَعِشًا وَلَا مِعْزَالَا
شَقَّتْ عَلَيْهِ الْجَعْفَرِيَّةُ جَيْبَهَا … جَزَعًا وَمَا تَبْكِي هُنَاكَ ضَلَالَا
فَانْعُوا أَبَا بَحْرٍ بِكُلِّ مُجَرَّبٍ … حَرَّانَ يُحْسَبُ فِي الْقَنَاةِ هِلَالَا
فَلَيُقْتَلَنَّ بِخَالِدٍ سَرَوَاتِكُمْ
وَلَيُجْعَلَنَّ لِظَالِمٍ تِمْثَالَا
فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ:
تَاللَّهِ قَدْ نَبَّهْتُهُ فَوَجَدْتُهُ … رَخْوَ الْيَدَيْنِ مُوَاكِلًا عِسْقَالَا
فَعَلَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أَضْرِبُ رَأْسَهُ … حَتَّى أَضَلَّ بِسَلْحِهِ السِّرْبَالَا
فَجَعَلَ النُّعْمَانُ يَطْلُبُهُ لِيَقْتُلَهُ بِجَارِهِ، وَهَوَازِنُ تَطْلُبُهُ لِتَقْتُلَهُ بِسَيِّدِهَا خَالِدٍ، فَلَحِقَ بِتَمِيمٍ فَاسْتَجَارَ بِضَمْرَةَ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ قَطَنِ بْنِ نَهْشَلِ بْنِ دَارِمٍ، فَأَجَارَهُ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَوَازِنَ، فَلَمَّا عَلِمَ النُّعْمَانُ ذَلِكَ جَهَّزَ جَيْشًا إِلَى بَنِي دَارِمٍ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْخِمْسِ التَغْلِبِيُّ، وَكَانَ يَطْلُبُ الْحَارِثَ بِدَمِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَهُ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَحْوَصَ بْنَ جَعْفَرٍ أَخَا خَالِدٍ جَمَعَ بَنِي عَامِرٍ وَسَارَ بِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا هُمْ وَعَسْكَرُ النُّعْمَانِ عَلَى بَنِي دَارِمٍ وَسَارُوا، فَلَمَّا صَارُوا بِأَدْنَى مِيَاهِ بَنِي دَارِمٍ رَأَوُا امْرَأَةً تَجْنِي الْكَمْأَةَ وَمَعَهَا جَمَلٌ لَهَا، فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْ غَنِيٍّ وَتَرَكَهَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَامَ فَقَامَتْ إِلَى جَمَلِهَا فَرَكِبَتْهُ، وَسَارَتْ حَتَّى صَبَّحَتْ بَنِي دَارِمٍ، وَقَصَدَتْ سَيِّدَهُمْ زُرَارَةَ بْنَ عُدَسٍ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ وَقَالَتْ: أَخَذَنِي أَمْسِ قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ غَيْرَكَ وَلَا أَعْرِفُهُمْ. قَالَ: فَصِفِيهِمْ لِي. قَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ فَهُوَ يَرْفَعُهُمَا بِخِرْقَةٍ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، وَعَنْ أَمْرِهِ يَصْدُرُونَ. قَالَ: ذَاكَ الْأَحْوَصُ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَوْمِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا قَلِيلَ الْمَنْطِقِ إِذَا تَكَلَّمَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ كَمَا تَجْتَمِعُ الْإِبِلُ لِفَحْلِهَا، أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ يُلَازِمَانِهِ. قَالَ: ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنَاهُ عَامِرٌ وَطُفَيْلٌ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا جَسِيمًا كَأَنَّ لِحْيَتَهُ مُحَمَّرَةٌ مُعَصْفَرَةٌ. قَالَ: ذَاكَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا هِلْقَامًا جَسِيمًا. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كُلَابٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا أَسْوَدَ أَخْنَسَ قَصِيرًا.
قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا أَقْرَنَ الْحَاجِبَيْنِ، كَثِيرَ شَعْرِ السَّبْلَةِ، يَسِيلُ لُعَابُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ إِذَا تَكَلَّمَ. قَالَ: ذَاكَ جُنْدُحُ بْنُ الْبَكَّاءِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، ضَيِّقَ الْجَبْهَةِ، يَقُودُ فَرَسًا لَهُ، مَعَهُ جَفِيرٌ لَا يُفَارِقُ يَدَهُ. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ كَعْبٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا مَعَهُ ابْنَانِ أَصْهَبَانِ، إِذَا أَقْبَلَا رَمَاهُمَا النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَإِذَا أَدْبَرَا كَانَا كَذَلِكَ. قَالَ: ذَاكَ الصَّعْقُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَابْنَاهُ يَزِيدُ وَزُرْعَةُ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَقُولُ كَلِمَةً إِلَّا وَهِيَ أَحَدُّ مِنْ شَفْرَةٍ. قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ كَعْبٍ.
وَأَمَرَهَا زُرَارَةُ فَدَخَلَتْ بَيْتَهَا، وَأَرْسَلَ زُرَارَةُ إِلَى الرِّعَاءِ يَأْمُرُهُمْ بِإِحْضَارِ الْإِبِلِ، فَفَعَلُوا. وَأَمَرَهُمْ فَحَمَلُوا الْأَهْلَ وَالْأَثْقَالَ وَسَارُوا نَحْوَ بِلَادِ بَغِيضٍ، وَفَرَّقَ الرُّسُلَ فِي بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَأَمَرَهُمْ، فَوَجَّهُوا أَثْقَالَهُمْ إِلَى بِلَادِ بَغِيضٍ، فَفَعَلُوا وَبَاتُوا مُعَدِّينَ.
وَأَصْبَحَ بَنُو عَامِرٍ وَأَخْبَرَهُمُ الْغَنَوِيُّ حَالَ الظَّعِينَةِ وَهَرَبَهَا فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَاجْتَمَعُوا يُدِيرُونَ الرَّأْيَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَأَنِّي بِالظَّعِينَةِ قَدْ أَتَتْ قَوْمَهَا فَأَخْبَرَتْهُمُ الْخَبَرَ، فَحَذِرُوا وَأَرْسَلُوا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى بِلَادِ بَغِيضٍ، وَبَاتُوا مُعَدِّينَ لَكُمْ فِي السِّلَاحِ، فَارْكَبُوا بِنَا فِي طَلَبِ نَعَمِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ حَتَّى نُصِيبَ حَاجَتَنَا وَنَنْصَرِفَ. فَرَكِبُوا يَطْلُبُونَ ظُعْنَ بَنِي دَارِمٍ، فَلَمَّا أَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ تَوَجَّهُوا إِلَى ظُعُنِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ فَسِيرُوا إِلَيْهِمْ. فَسَارُوا مُجِدِّينَ فَلَحِقُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الظُّعُنِ وَالنَّعَمِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَتْ بَنُو مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ ابْنِ الْخِمْسِ التَغْلِبِيِّ رَئِيسَ جَيْشِ النُّعْمَانِ، وَأَسَرَتْ بَنُو عَامِرٍ مَعْبَدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَصَبَرَ بَنُو دَارِمٍ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَأَقْبَلَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَانْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ وَجَيْشُ النُّعْمَانِ وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَمَعْبَدٌ أَسِيرٌ مَعَ بَنِي عَامِرٍ، فَبَقِيَ مَعَهُمْ حَتَّى مَاتَ.
وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَيْضًا مَاتَ زُرَارَةُ بْنُ عُدَسٍ.
وَقِيلَ فِي اسْتِجَارَةِ الْحَارِثِ بِبَنِي تَمِيمٍ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ النُّعْمَانَ طَلَبَ شَيْئًا يَغِيظُ بِهِ الْحَارِثَ بَعْدَ قَتْلِ خَالِدٍ وَهَرَبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: كَانَ قَصَدَ الْحِيرَةَ وَنَزَلَ عَلَى عِيَاضِ بْنِ دَيْهَثٍ التَّمِيمِيِّ وَهُوَ صَدِيقٌ لَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ النُّعْمَانُ فَأَخَذَ إِبِلًا لَهُ، فَرَكِبَ الْحَارِثُ وَأَتَى الْحِيرَةَ مُتَخَفِّيًا وَاسْتَنْقَذَ مَالَهُ مِنَ الرِّعَاءِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَطَلَبَ شَيْئًا يَغِيظُ بِهِ النُّعْمَانَ، فَرَأَى ابْنَهُ غَضْبَانَ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ الْخَبَرُ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرَكْ، فَقَالَ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ:
أَخُصْيَيْ حِمَارٍ بَاتَ يَكْدُمُ نَجْمَةً … أَتُؤْكَلُ جَارَاتِي وَجَارُكَ سَالِمُ
فَإِنْ تَكُ أَذْوَادًا أَصَبْتَ وَنِسْوَةً … فَهَذَا ابْنُ سَلْمَى رَأْسُهُ مُتَفَاقِمُ
عَلَوْتُ بِذِي الْحَيَّاتِ مَفْرِقَ رَأْسِهِ … وَلَا يَرْكَبُ الْمَكْرُوهَ إِلَّا الْأَكَارِمُ
فَتَكْتُ بِهِ كَمَا فَتَكْتُ بِخَالِدٍ … وَكَانَ سِلَاحِي تَحْتَوِيهِ الْجَمَاجِمُ
بَدَأْتُ بِتِلْكَ وَانْثَنَيْتُ بِهَذِهِ … وَثَالِثَةٌ تَبْيَضُّ مِنْهَا الْمَقَادِمُ
حَسِبْتَ أَبَا قَابُوسَ أَنَّكَ مُخْفِرِي … وَلَمَّا تَذُقْ ثُكْلًا وَأَنْفُكَ رَاغِمُ
كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ شُرَحْبِيلَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ تَرَكَ ابْنَهُ شُرَحْبِيلَ عِنْدَ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ تُرْضِعُهُ زَوْجَتُهُ. فَمِنْ هُنَاكَ كَانَ لِسِنَانٍ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُهُ هَرِمٌ يُعْطَى مِنْهُ، فَجَاءَ الْحَارِثُ مُتَخَفِّيًا فَاسْتَعَارَ سَرْجَ سِنَانٍ وَلَا يَعْلَمُ سِنَانٌ، ثُمَّ أَتَى امْرَأَةَ سِنَانٍ فَقَالَ: يَقُولُ بَعْلُكِ ابْعَثِي بِشُرَحْبِيلَ بْنِ الْمَلِكِ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ حَتَّى يَسْتَأْمِنَ بِهِ وَيَتَخَفَّرَ بِهِ، وَهَذَا سَرْجُهُ عَلَامَةٌ. فَزَيَّنَتْهُ وَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَهَرَبَ.
فَغَزَا الْأَسْوَدُ بَنِي ذُبْيَانَ وَبَنِي أَسَدٍ بِشَطِّ أَرْبَكَ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَسَبَى وَاسْتَأْصَلَ الْأَمْوَالَ وَأَقْسَمَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ، فَسَارَ الْحَارِثُ مُتَخَفِّيًا إِلَى الْحِيرَةِ لِيَفْتِكَ بِالْأَسْوَدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَنْزِلِهِ إِذْ سَمِعَ صَارِخَةً تَقُولُ: أَنَا فِي جِوَارِ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَعَرَفَ حَالَهَا، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ أَخَذَ لَهَا صِرْمَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَهَا: انْطَلِقِي غَدًا إِلَى مَكَانِ كَذَا، وَأَتَاهُ الْحَارِثُ. فَلَمَّا وَرَدَتْ إِبِلُ النُّعْمَانِ أَخَذَ مَالَهَا فَسَلَّمَهُ إِلَيْهَا وَفِيهَا نَاقَةٌ تُسَمَّى اللَّقَاعَ، فَقَالَ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ:
إِذَا سَمِعْتِ حَنَّةَ اللَّقَاعِ فَادْعِي … أَبَا لَيْلَى فَنِعْمَ الدَّاعِي
يَمْشِي بِغَضَبٍ صَارِمٍ قَطَّاعِ … يَفْرِي بِهِ مَجَامِعَ الصُّدَّاعِ
ثُمَّ أَقْبَلَ يَطْلُبُ مُجِيرًا، فَلَمْ يُجِرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَقَالُوا: يُجِيرُكَ عَلَى هَوَازِنَ وَالنُّعْمَانِ وَقَدْ قَتَلْتَ وَلَدَهُ؟ فَأَتَى زُرَارَةَ بْنَ عُدَسٍ وَضَمْرَةَ بْنَ ضَمْرَةَ فَأَجَارَاهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ.
ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْإِطْنَابَةِ الْخَزْرَجِيَّ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ وَجَدَهُ يَقْظَانَ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُهُ. وَبَلَغَ الْحَارِثَ قَوْلُهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ فِي رَحْلٍ وَلَا أَلْقَاهُ إِلَّا وَمَعَهُ سِلَاحُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْإِطْنَابَةِ فَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا:
أَبْلِغِ الْحَارِثَ بْنَ ظَالِمٍ الْمَوْ … عِدَ وَالنَّاذِرَ النُّذُورَ عَلَيَّا
إِنَّمَا تَقْتُلُ النِّيَامَ وَلَا تَقْ … تُلُ يَقْظَانَ ذَا سِلَاحٍ كَمِيَّا
فَبَلَغَ الْحَارِثَ شِعْرُهُ فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلَ عَنْ مَنْزِلِ ابْنِ الْإِطْنَابَةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ نَادَى: يَا ابْنَ الْإِطْنَابَةِ أَغِثْنِي! فَأَتَاهُ عَمْرٌو فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ خَرَجْتُ أُرِيدُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَضَ لِي قَوْمٌ قَرِيبًا مِنْكَ، فَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعِي فَارْكَبْ مَعِي حَتَّى نَسْتَنْقِذَهُ. فَرَكِبَ مَعَهُ وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَمَضَى مَعَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ مَنْزِلِهِ عَطَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَنَائِمٌ أَنْتَ أَمْ يَقْظَانُ؟ فَقَالَ: يَقِظَانٌ. فَقَالَ: أَنَا أَبُو لَيْلَى وَسَيْفِيَ الْمَعْلُوبُ، فَأَلْقَى ابْنُ الْإِطْنَابَةِ سَيْفَهُ، وَقِيلَ: رُمْحَهُ، وَقَالَ: قَدْ أَعْجَلْتَنِي فَأَمْهِلْنِي حَتَّى آخُذَ سَيْفِي. فَقَالَ: خُذْهُ. قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَعْجِلَنِي عَنْ أَخْذِهِ. قَالَ: لَكَ ذِمَّةُ ظَالِمٍ لَا أُعْجِلُكَ عَنْ أَخْذِهِ.
قَالَ: فَوَذِمَّةِ الْإِطْنَابَةِ لَا آخُذُهُ! فَانْصَرَفَ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ أَبْيَاتًا، مِنْهَا:
بَلَغَتْنَا مَقَالَةُ الْمَرْءِ عَمْرٍو … فَالْتَقَيْنَا وَكَانَ ذَاكَ بَدِيًّا
فَهَمَمْنَا بِقَتْلِهِ إِذْ بَرَزْنَا … وَوَجَدْنَاهُ ذَا سِلَاحٍ كَمِيَّا
غَيْرَ مَا نَائِمٍ يُرَوَّعُ بِالْفَتْ … كِ وَلَكِنْ مُقَلَّدًا مَشْرَفِيَّا
فَمَنَنَّا عَلَيْهِ بَعْدَ عُلُوٍّ … بِوَفَاءٍ وَكُنْتُ قِدْمًا وَفِيَّا
ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ النُّعْمَانَ قَدْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ، وَهَوَازِنَ لَا تَقْعُدُ عَنِ الطَّلَبِ بِثَأْرِ خَالِدٍ، خَرَجَ مُتَنَكِّرًا إِلَى الشَّامِ وَاسْتَجَارَ بِيَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، فَأَكْرَمَهُ وَأَجَارَهُ. وَكَانَ لِيَزِيدَ نَاقَةٌ مُحْمَاةٌ، فِي عُنُقِهَا مُدْيَةٌ وَزِنَادٌ وَمُلَحٌ لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ رَعِيَّتَهُ، فَوَحِمَتْ زَوْجَةُ الْحَارِثِ وَاشْتَهَتْ شَحْمًا وَلَحْمًا، فَأَخَذَ الْحَارِثُ النَّاقَةَ فَأَدْخَلَهَا شِعْبًا فَذَبَحَهَا، وَحَمَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ مِنْ شَحْمِهَا وَلَحْمِهَا وَرَفَعَ مِنْهُ. وَفُقِدَتِ النَّاقَةُ فَطُلِبَتْ فَوُجِدَتْ عَقِيرَةً بِالْوَادِي، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى كَاهِنٍ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ الْحَارِثَ نَحَرَهَا، فَأَرْسَلَ امْرَأَةً بِطِيبٍ تَشْتَرِي مِنْ لَحْمِهَا مِنَ امْرَأَةِ الْحَارِثِ، فَأَدْرَكَهَا الْحَارِثُ وَقَدِ اشْتَرَتِ اللَّحْمَ فَقَتَلَهَا وَدَفَنَهَا فِي الْبَيْتِ. فَسَأَلَ الْمَلِكُ الْكَاهِنَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ: قَتَلَهَا مَنْ نَحَرَ النَّاقَةَ، وَإِذَا كَرِهْتَ أَنْ تُفَتِّشَ بَيْتَهُ فَتَأْمُرُ الرَّجُلَ بِالرَّحِيلِ، فَإِذَا رَحَلَ فَتَّشْتُ بَيْتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْحَارِثُ فَتَّشَ الْكَاهِنُ بَيْتَهُ فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ، وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَعَادَ إِلَى الْكَاهِنِ فَقَتَلَهُ، فَأُخِذَ

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *