ذِكْرُ مَسِيرِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

ذِكْرُ مَسِيرِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ: كَانَ فِي عَهْدِ إِرْمِيَا النَّبِيِّ، وَدَانْيَالَ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيَشَائِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.
وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ بُخْتُنَصَّرَ مَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء: 5] . قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَرِنِي هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَعَلْتَ هَلَاكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِهِ، فَأُرِي فِي الْمَنَامِ مِسْكِينًا يُقَالُ لَهُ بُخْتُنَصَّرُ بِبَابِلَ فَسَارَ عَلَى سَبِيلِ التِّجَارَةِ إِلَى بَابِلَ، وَجَعَلَ يَدْعُو الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ حَتَّى دَلُّوهُ عَلَى بُخْتُنَصَّرَ، فَأَرْسَلَ مَنْ يُحْضِرُهُ، فَرَآهُ صُعْلُوكًا مَرِيضًا فَقَامَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ يُعَالِجُهُ حَتَّى بَرَأَ، فَلَمَّا بَرَأَ أَعْطَاهُ نَفَقَةً وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ بُخْتُنَصَّرُ وَهُوَ يَبْكِي: فَعَلْتَ مَعِي مَا فَعَلْتَ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى مُجَازَاتِكَ! قَالَ الْإِسْرَائِيلِيُّ: بَلَى تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ تَكْتُبُ لِي كِتَابًا إِنْ مَلَكْتَ أَطْلَقْتَنِي. فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا أَمْرٌ لَا مَحَالَةَ كَائِنٌ.
ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الْفُرْسِ أَحَبَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى أَحْوَالِ الشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِنْسَانًا يَثِقُ بِهِ لِيَتَعَرَّفَ لَهُ أَخْبَارَ وَحَالَ مَنْ فِيهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ بُخْتُنَصَّرُ فَقِيرٌ لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا لِلْخِدْمَةِ. فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ رَأَى أَكْبَرَ بِلَادِ اللَّهِ خَيْلًا، وَرِجَالًا، وَسِلَاحًا، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي ذَرْعِهِ، فَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ، وَجَعَلَ بُخْتُنَصَّرُ يَجْلِسُ مَجَالِسَ أَهْلِ الشَّامِ فَيَقُولُ لَهُمْ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَغْزُوا بَابِلَ، فَلَوْ غَزَوْتُمُوهَا مَا دُونَ بَيْتِ مَالِهَا شَيْءٌ! فَكُلُّهُمْ يَقُولُ لَهُ: لَا نُحْسِنُ الْقِتَالَ، وَلَا نَرَاهُ فَلَمَّا عَادُوا أَخْبَرَ الطَّلِيعَةُ بِمَا رَأَوْا مِنَ الرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ وَالْخَيْلِ، وَأَرْسَلَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى الْمَلِكِ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَهُ لِيُعَرِّفَهُ جَلِيَّةَ الْحَالِ، فَأَحْضَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ جَمِيعُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ عَسْكَرًا إِلَى الشَّامِ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَاكِبِ جَرِيدَةً، وَاسْتَشَارَ فِيمَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ، فَأَشَارُوا بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: لَا بَلْ بُخْتُنَصَّرُ، فَجَعَلَهُ عَلَيْهِمْ. فَسَارُوا فَغَنِمُوا وَأَوْقَعُوا بِبَعْضِ الْبِلَادِ وَعَادُوا سَالِمِينَ.
ثُمَّ إِنَّ لَهْرَاسِبَ اسْتَعْمَلَهُ إِصْبَهْبَذًا عَلَى مَا بَيْنَ الْأَهْوَازِ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ مِنْ غَرْبِيِّ دِجْلَةَ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي مَسِيرِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ لَهْرَاسِبُ كَمَا ذَكَرْنَا سَارَ إِلَى الشَّامِ فَصَالَحَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعَادَ عَنْهُمْ وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ، فَلَمَّا عَادَ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى طَبَرِيَّةَ وَثَبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى مَلِكِهِمُ الَّذِي صَالَحَ بُخْتُنَصَّرَ فَقَتَلُوهُ، وَقَالُوا: دَاهَنْتَ أَهْلَ بَابِلَ وَخَذَلْتَنَا، فَلَمَّا سَمِعَ بُخْتُنَصَّرُ بِذَلِكَ قَتَلَ الرَّهَائِنَ الَّذِينَ مَعَهُ وَعَادَ إِلَى الْقُدْسِ فَأَخْرَبَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ إِنَّمَا كَانَ الْمَلِكَ بَهْمَنَ بْنَ بَشْتَاسِبَ بْنِ لَهْرَاسِبَ، وَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ قَدْ خَدَمَ جَدَّهُ، وَأَبَاهُ، وَخَدَمَهُ، وَعُمِّرَ عُمُرًا طَوِيلًا. فَأَرْسَلَ بَهْمَنُ رُسُلًا إِلَى مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَتَلَهُمُ الْإِسْرَائِيلِيُّ، فَغَضِبَ بَهْمَنُ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَعْمَلَ بُخْتُنَصَّرَ عَلَى أَقَالِيمِ بَابِلَ وَسَيَّرَهُ فِي الْجُنُودِ الْكَثِيرَةِ، فَعَمِلَ بِهِمْ مَا نَذْكُرُهُ.
هَذِهِ الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ الْكُلِّيُّ الَّذِي أَحْدَثَ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلِانْتِقَامِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةُ أَوَامِرِهِ، وَكَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ إِذَا مَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا أَرْسَلَ مَعَهُ نَبِيًّا يُرْشِدُهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَسِيرِ بُخْتُنَصَّرَ إِلَيْهِمْ كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْمَعَاصِي، وَكَانَ الْمَلِكُ فِيهِمْ يَقُونِيَا بْنُ يُويَاقِيمَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ إِرْمِيَا، قِيلَ: هُوَ الْخَضِرُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فَأَقَامَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَيَذْكُرُ لَهُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِإِهْلَاكِ سَنْحَارِيبَ، فَلَمْ يَرْعَوُوا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُحَذِّرَهُمْ عُقُوبَتَهُ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُرَاجِعُوا الطَّاعَةَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَقْتُلُهُمْ وَيَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ وَيُخَرِّبُ مَدْيَنَتَهُمْ، وَيَسْتَعْبِدُهُمْ وَيَأْتِيهِمْ بِجُنُودٍ يَنْزِعُ مِنْ قُلُوبِهِمُ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَلَمْ يُرَاجِعُوهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ: لَأُقَيِّضَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ حَيْرَانَ فِيهَا وَيَضِلُّ فِيهَا رَأْيُ ذِي الرَّأْي، وَحِكْمَةُ الْحَكِيمِ، وَلَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِبًا أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ وَأَنْزِعُ مِنْ صَدْرِهِ الرَّحْمَةَ، يَتْبَعُهُ عَدَدٌ مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَعَسَاكِرُ مِثْلُ قِطَعِ السَّحَابِ، يُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَنْتَقِمُ مِنْهُمْ وَيُخَرِّبُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا سَمِعَ إِرْمِيَا ذَلِكَ صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابَهُ. وَجَعَلَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ وَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ فِي رَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي أَيَّامِهِ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: وَعِزَّتِي لَا أُهْلِكُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ مِنْ قِبَلِكَ ذَلِكَ. فَفَرِحَ إِرْمِيَا، وَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُوسَى وَأَنْبِيَاءَهُ بِالْحَقِّ لَا آمُرُ بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبَدًا.
وَأَتَى مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَعْلَمَهُ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ، ثُمَّ لَبِثُوا بَعْدَ هَذَا الْوَحْيِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَةً وَتَمَادِيًا فِي الشَّرِّ، وَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَبَ هَلَاكُهُمْ، فَقَلَّ الْوَحْيُ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا هُمْ يَتَذَكَّرُونَ. فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، انْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ! فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِ بُخْتُنَصَّرَ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَارَ فِي الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَمْلَأُ الْفَضَاءَ.
وَبَلَغَ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْخَبَرُ، فَاسْتَدْعَى إِرْمِيَا النَّبِيَّ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَالَ لَهُ: يَا إِرْمِيَا، أَيْنَ مَا زَعَمَتْ أَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى إِلَيْكَ أَنْ لَا يُهْلِكَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ مِنْكَ؟ فَقَالَ إِرْمِيَا: إِنَّ رَبِّي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ.
فَلَمَّا قَرُبَ الْأَجَلُ وَدَنَا انْقِطَاعُ مُلْكِهِمْ، وَأَرَادَ اللَّهُ إِهْلَاكَهُمْ أَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ إِلَى إِرْمِيَا، وَقَالَ لَهُ: اسْتَفْتِهِ، فَأَتَاهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا إِرْمِيَا، أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسْتَفْتِيكَ فِي ذَوِي رَحِمِي، وَصَلْتُ أَرْحَامَهُمْ بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ بِهِ وَأَتَيْتُ لَهُمْ حَسَنًا، وَكَرَامَةً فَلَا تَزِيدُهُمْ كَرَامَتِي إِيَّاهُمْ إِلَّا سُخْطًا لِي وَسُوءَ سِيرَةٍ مَعِي فَأَفْتِنِي فِيهِمْ. فَقَالَ لَهُ: أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ وَصِلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ أَنْ تَصِلَهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمَلَكُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَا: أَمَا طَهُرَتْ أَخْلَاقُهُمْ وَمَا رَأَيْتَ مِنْهُمْ مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَعْلَمُ كَرَامَةً يَأْتِيهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى ذَوِي رَحِمِهِ إِلَّا وَقَدْ أَتَيْتُهَا إِلَيْهِمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا سُوءَ سِيرَةٍ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ، وَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ. فَقَامَ الْمَلَكُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَبِثَ أَيَّامًا، وَنَزَلَ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَكْثَرَ مِنَ الْجَرَادِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ مَلِكُهُمْ لِإِرْمِيَا: أَيْنَ مَا وَعَدَكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي بِرَبِّي وَاثِقٌ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَلَكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَسْتَفْتِي إِرْمِيَا عَادَ إِلَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَشَكَا أَهْلَهُ وَجَوْرَهُمْ وَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُلُّ شَيْءٍ كُنْتُ أَصْبِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَوْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ سُخْطِي، وَقَدْ رَأَيْتُهُمُ الْيَوْمَ عَلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ كَانُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ الْيَوْمَ لَمْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ غَضَبِي، وَإِنَّمَا غَضِبْتُ الْيَوْمَ لِلَّهِ وَأَتَيْتُكَ لِأُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلَّا مَا دَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَهْلِكُوا. فَقَالَ إِرْمِيَا: يَا مَلِكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَصَوَابٍ فَأَبْقِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى سُخْطِكَ وَعَمَلٍ لَا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ. فَلَمَّا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ فِيهِ أَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْتَهَبَ مَكَانُ الْقُرْبَانِ وَخُسِفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِرْمِيَا صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: يَا مَلِكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! أَيْنَ مِيعَادُكَ، أَيَا رَبِّ، الَّذِي وَعَدْتَنِي بِهِ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاكَ الَّتِي أَفْتَيْتَ رَسُولَنَا، فَاسْتَيْقَنَ أَنَّهَا فُتْيَاهُ وَأَنَّ السَّائِلَ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَخَرَجَ إِرْمِيَا حَتَّى خَالَطَ الْوَحْشَ.
وَدَخَلَ بُخْتُنَصَّرُ وَجُنُودُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَوَطِئَ الشَّامَ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَمَرَ جُنُودَهُ، فَحَمَلُوا التُّرَابَ وَأَلْقَوْهُ فِيهِ حَتَّى مَلَئُوهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَابِلَ وَأَخَذَ مَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُمْ فَجَمَعُوا مَنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ كُلَّهُمْ، فَاجْتَمَعُوا وَاخْتَارَ مِنْهُمْ مِائَةَ أَلْفِ صَبِيٍّ فَقَسَمَهُمْ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْقُوَّادِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ دَانْيَالُ النَّبِيُّ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيشَائِيلُ، وَقَسَّمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَتَلَ ثُلُثًا، وَأَقَرَّ بِالشَّامِ ثُلُثًا، وَسَبَى ثُلُثًا، ثُمَّ عَمَّرَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِرْمِيَا، فَهُوَ الَّذِي رُئِيَ بِفَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْبُلْدَانِ.
ثُمَّ إِنَّ بُخْتُنَصَّرَ عَادَ إِلَى بَابِلَ وَأَقَامَ فِي سُلْطَانِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ. ثُمَّ رَأَى رُؤْيَا، فَبَيْنَمَا هُوَ قَدْ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى إِذْ رَأَى شَيْئًا أَنْسَاهُ مَا رَأَى، فَدَعَا دَانْيَالَ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيشَائِيلَ، وَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فَأُنْسِيتُهَا. وَلَئِنْ لَمْ تُخْبِرُونِي بِهَا وَبِتَأْوِيلِهَا لَأَنْزِعَنَّ أَكْتَافَكُمْ! فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَدَعَوُا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ إِيَّاهَا، فَأَعْلَمَهُمُ الَّذِي سَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَجَاءُوا إِلَى بُخْتُنَصَّرَ فَقَالُوا رَأَيْتَ تِمْثَالًا. قَالَ: صَدَقْتُمْ. قَالُوا: قَدَمَاهُ، وَسَاقَاهُ مِنْ فَخَّارٍ، وَرُكْبَتَاهُ وَفَخِذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَبَطْنُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَصَدْرُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَرَأْسُهُ وَعُنُقُهُ مِنْ حَدِيدٍ، فَبَيْنَمَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَكَ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَخْرَةً مِنَ السَّمَاءِ فَدَقَّتْهُ، وَهِيَ الَّتِي أَنْسَتْكَ الرُّؤْيَا! قَالَ: صَدَقْتُمْ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالُوا: أُرِيتَ مُلْكَ الْمُلُوكِ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَلْيَنَ مُلْكًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَحْسَنَ مُلْكًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهُمْ أَشَدَّ، وَكَانَ أَوَّلَ الْمُلْكِ الْفَخَّارُ، وَهُوَ أَضْعَفُهُ وَأَلْيَنُهُ، ثُمَّ كَانَ فَوْقَهُ النُّحَاسُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَشَدُّ، ثُمَّ كَانَ فَوْقَ النُّحَاسِ الْفِضَّةُ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَحْسَنُ، ثُمَّ كَانَ فَوْقَهَا الذَّهَبُ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَفْضَلُ، ثُمَّ كَانَ الْحَدِيدُ، وَهُوَ مُلْكُكَ، فَهُوَ أَشَدُّ الْمُلُوكِ وَأَعَزُّ، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ الَّتِي رَأَيْتَ قَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ فَدَقَّتْ ذَلِكَ جَمِيعَهُ نَبِيًّا يَبْعَثُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ وَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ.
فَلَمَّا عَبَرَ دَانْيَالُ وَمَنْ مَعَهُ رُؤْيَا بُخْتُنَصَّرَ قَرَّبَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي أَمْرِهِ، فَحَسَدَهُمْ أَصْحَابُهُ، وَسَعَوْا بِهِمْ إِلَيْهِ، وَقَالُوا عَنْهُمْ مَا أَوْحَشَهُ مِنْهُمْ فَأَمَرَ، فَحُفِرَ لَهُمْ أُخْدُودٌ، وَأَلْقَاهُمْ فِيهِ، وَهُمْ سِتَّةُ رِجَالٍ، وَأَلْقَى مَعَهُمْ سَبُعًا ضَارِيًا لِيَأْكُلَهُمْ، ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُ بُخْتُنَصَّرَ: انْطَلِقُوا فَلْنَأْكُلْ وَلْنَشْرَبْ، فَذَهَبُوا فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ رَاحُوا فَوَجَدُوهُمْ جُلُوسًا وَالسَّبُعُ مُفْتَرِشٌ ذِرَاعَيْهِ بَيْنَهُمْ لَمْ يَخْدِشْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَوَجَدُوا مَعَهُمْ رَجُلًا سَابِعًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ السَّابِعُ، وَكَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَلَطَمَ بُخْتُنَصَّرَ لَطْمَةً فَمَسَخَهُ وَصَارَ فِي الْوَحْشِ فِي صُورَةِ أَسَدٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْقِلُ مَا يَعْقِلُهُ الْإِنْسَانُ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى صُورَةِ الْإِنْسِ وَأَعَادَ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى مُلْكِهِ كَانَ دَانْيَالُ وَأَصْحَابُهُ أَكْرَمَ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَعَادَ الْفُرْسُ وَسَعَوْا بِهِمْ إِلَى بُخْتُنَصَّرَ، وَقَالُوا لَهُ فِي سِعَايَتِهِمْ: إِنَّ دَانْيَالَ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ كَثْرَةِ الْبَوْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَارًا، فَصَنَعَ لَهُمْ بُخْتُنَصَّرُ طَعَامًا وَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ وَقَالَ لِلْبَوَّابِ: انْظُرْ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ لِيَبُولَ فَاقْتُلْهُ، وَإِنْ قَالَ لَكَ: أَنَا بُخْتُنَصَّرُ، فَقُلْ لَهُ: كَذَبْتَ، بُخْتُنَصَّرُ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ وَاقْتُلْهُ.
فَحَبَسَ اللَّهُ عَنْ دَانْيَالَ الْبَوْلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَامَ مِنَ الْجَمْعِ بُخْتُنَصَّرُ فَقَامَ مُدِلًّا أَنَّهُ الْمَلِكُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّابُ شَدَّ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا بُخْتُنَصَّرُ! فَقَالَ: كَذَبْتَ، بُخْتُنَصَّرُ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ، وَقَتَلَهُ.
وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ وَصَعِدَتْ إِلَى رَأْسِهِ، فَكَانَ لَا يَقَرُّ وَلَا يَسْكُنُ حَتَّى يُدَقَّ رَأْسُهُ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِأَهْلِهِ: شُقُّوا رَأْسِي فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي قَتَلَنِي، فَلَمَّا مَاتَ شَقُّوا رَأْسَهُ فَوَجَدُوا الْبَعُوضَةَ بِأُمِّ رَأْسِهِ، لِيُرِيَ اللَّهُ الْعِبَادَ قُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَضَعْفَ بُخْتُنَصَّرَ، لَمَّا تَجَبَّرَ قَتَلَهُ بِأَضْعَفِ مَخْلُوقَاتِهِ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.
وَأَمَّا دَانْيَالُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِأَرْضِ بَابِلَ، وَانْتَقَلَ عَنْهَا، وَمَاتَ وَدُفِنَ بِالسُّوسِ مِنْ أَعْمَالِ خُوزِسْتَانَ.
وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ بُخْتُنَصَّرُ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ أُولْمَرْدَجُ، فَلَمَّا مَلَكَ تَخَلَّطَ فِي أَمْرِهِ، فَعَزَلَهُ مَلِكُ الْفُرْسِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ دَارِيُوشَ عَلَى بَابِلَ، وَالشَّامِ، وَبَقِيَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ أَخْشُوِيرَشَ، فَبَقِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ كِيرَشُ الْعِلْمِيُّ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّمَ التَّوْرَاةَ وَدَانَ بِالْيَهُودِيَّةِ، وَفَهِمَ عَنْ دَانْيَالَ وَمَنْ مَعَهُ مِثْلَ حَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَغَيْرِهِمَا، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ بَقِيَ مِنْكُمْ أَلْفُ نَبِيٍّ مَا فَارَقْتُكُمْ، وَوَلَّى دَانْيَالَ الْقَضَاءَ وَجَعَلَ إِلَيْهِ جَمِيعَ أَمْرِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ مَا غَنِمَهُ بُخْتُنَصَّرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ بِعِمَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعُمِّرَ فِي أَيَّامِهِ، وَعَادَ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
وَهَذِهِ الْمُدَّةُ لِهَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ مَعْدُودَةٌ مِنْ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى بُخْتُنَصَّرَ، وَكَانَ مُلْكُ كِيرَشَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَ بِعَوْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الشَّامِ بَشْتَاسِبُ بْنُ لَهْرَاسِبَ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ خَرَابُ بِلَادِ الشَّامِ، وَأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحَدٌ فَنَادَى فِي أَرْضِ بَابِلَ: مَنْ شَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الشَّامِ فَلْيَرْجِعْ. وَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ آلِ دَاوُدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَمِّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَجَعُوا وَعَمَّرُوهُ.
وَكَانَ إِرْمِيَا بْنُ خِلْقِيَا مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا وَطِئَ بُخْتُنَصَّرُ الشَّامَ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسَبَاهُمْ، فَارَقَ الْبِلَادَ وَاخْتَلَطَ بِالْوَحْشِ، فَلَمَّا عَادَ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى بَابِلَ أَقْبَلَ إِرْمِيَا عَلَى حِمَارٍ لَهُ مَعَهُ عَصِيرُ عِنَبٍ وَفِي يَدِهِ سَلَّةُ تِينٍ فَرَأَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَرَابًا، فَقَالَ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ} [البقرة: 259] ثُمَّ أَمَاتَ حِمَارَهُ، وَأَعْمَى عَنْهُ الْعُيُونَ، فَلَمَّا انْعَمَرَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَحْيَا اللَّهُ مِنْ إِرْمِيَا عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَحْيَا جَسَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [البقرة: 259] . قِيلَ: {بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]- وَيَتَغَيَّرُ {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259] فَنَظَرَ إِلَى عِظَامِ حِمَارِهِ وَهِيَ تَجْتَمِعُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ كُسِيَ لَحْمًا، ثُمَّ قَامَ حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ تُبْنَى، وَقَدْ كَثُرَ فِيهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ وَتَرَاجَعُوا إِلَيْهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ عَهْدُهُمْ خَرَابًا، وَأَهْلُهَا مَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، فَلَمَّا رَآهَا عَامِرَةً {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259] .
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ أَحْيَاهُ كَانَ عُزَيْرًا، فَلَمَّا عَاشَ قَصَدَ مَنْزِلَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى وَهْمٍ مِنْهُ فَرَأَى عِنْدَهُ عَجُوزًا عَمْيَاءَ زَمِنَةً كَانَتْ جَارِيَةً لَهُ، وَلَهَا مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَقَالَ لَهَا: هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَبَكَتْ وَقَالَتْ: مَا أَرَى أَحَدًا يَذْكُرُ عُزَيْرًا غَيْرَكَ! فَقَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ. فَقَالَتْ: إِنَّ عُزَيْرًا كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَادْعُ اللَّهَ لِي بِالْعَافِيَةِ، فَدَعَا لَهَا فَعَادَ بَصَرُهَا وَقَامَتْ وَمَشَتْ، فَلَمَّا رَأَتْهُ عَرَفَتْهُ. وَكَانَ لِعُزَيْرٍ وَلَدٌ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَهُ أَوْلَادٌ شُيُوخٌ، فَذَهَبَتْ إِلَيْهِمُ الْجَارِيَةُ وَأَخْبَرَتْهُمْ بِهِ، فَجَاءُوا، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَرَفَهُ ابْنُهُ بِشَامَةٍ كَانَتْ فِي ظَهْرِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ عُزَيْرًا كَانَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعِرَاقِ، فَعَادَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَدَّدَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ لِأَنَّهُمْ عَادُوا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمُ التَّوْرَاةُ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ أُخِذَتْ فِيمَا أُخِذَ وَأُحْرِقَتْ وَعُدِمَتْ، وَكَانَ عُزَيْرٌ قَدْ أُخِذَ مَعَ السَّبْيِ، فَلَمَّا عَادَ عُزَيْرٌ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَعَلَ يَبْكِي لَيْلًا نَهَارًا وَانْفَرَدَ عَنِ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي حُزْنِهِ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا عُزَيْرُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَعُدِمَ. قَالَ: فَتُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهُ اللَّهُ عَلَيْكَمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَارْجِعْ، وَصُمْ، وَتَطَهَّرْ، وَالْمِيعَادُ بَيْنَنَا غَدًا هَذَا الْمَكَانُ. فَفَعَلَ عُزَيْرٌ ذَلِكَ وَأَتَى الْمَكَانَ فَانْتَظَرَهُ، وَأَتَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، وَكَانَ مَلَكًا بَعَثَهُ اللَّهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَسَقَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ، فَتَمَثَّلَتِ التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ، فَرَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَوَضَعَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ يَعْرِفُونَهَا بِحَلَالِهَا وَحَرَامِهَا وَحُدُودِهَا، فَأَحَبُّوهُ حُبًّا شَدِيدًا لَمْ يُحِبُّوا شَيْئًا قَطُّ مِثْلَهُ، وَأَصْلَحَ أَمَرَهُمْ، وَأَقَامَ عُزَيْرٌ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، وَحَدَثَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَلَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَادُوا وَكَثُرُوا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الرُّومُ زَمَنَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَمْرِ بُخْتُنَصَّرَ، وَعِمَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا.

ذِكْرُ غَزْوِ بُخْتُنَصَّرَ الْعَرَبَ
قِيلَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَرْخِيَّا بْنِ حَنِيَّا يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُولَ لَبُخْتُنَصَّرَ لِيَغْزُوَ الْعَرَبَ فَيَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَيَسْبِيَ ذَرَارِيَّهُمْ، وَيَسْتَبِيحَ أَمْوَالَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ. فَقَالَ بَرْخِيَّا لَبُخْتُنَصَّرَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَابْتَدَأَ بِمَنْ فِي بِلَادِهِ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ فَأَخَذَهُمْ وَبَنَى لَهُمْ حَيْرًا بِالنَّجَفِ وَحَبَسَهُمْ فِيهِ وَوَكَّلَ بِهِمْ، وَانْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي الْعَرَبِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنْهُمْ مُسْتَأْمِنِينَ، فَقَبِلَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ فَأَنْزَلَهُمُ السَّوَادَ، فَابْتَنَوُا الْأَنْبَارَ وَخَلَّى عَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ فَاتَّخَذُوهَا مَنْزِلًا حَيَاةَ بُخْتُنَصَّرَ.
فَلَمَّا مَاتَ انْضَمُّوا إِلَى أَهْلِ الْأَنْبَارِ، وَهَذَا أَوَّلُ سُكْنَى الْعَرَبِ السَّوَادَ بِالْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ. وَسَارَ إِلَى الْعَرَبِ بِنَجْدٍ وَالْحِجَازِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَرْخِيَّا وَإِرْمِيَا يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَسِيرًا إِلَى مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَيَأْخُذَاهُ وَيَحْمِلَاهُ إِلَى حَرَّانَ، وَأَعْلَمَهُمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ نَسْلِهِ مُحَمَّدٌ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ، فَسَارَا تُطْوَى لَهُمَا الْمَنَازِلُ وَالْأَرْضُ حَتَّى سَبَقَا بُخْتُنَصَّرَ إِلَى مَعَدٍّ فَحَمَلَاهُ إِلَى حَرَّانَ فِي سَاعَتِهِمَا، وَلِمَعَدٍّ حِينَئِذٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَسَارَ بُخْتُنَصَّرُ فَلَقِيَ جُمُوعَ الْعَرَبِ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَسَارَ إِلَى الْحِجَازِ فَجَمَعَ عَدْنَانُ الْعَرَبَ وَالْتَقَى هُوَ وَبُخْتُنَصَّرُ بِذَاتِ عِرْقٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَدْنَانُ وَتَبِعَهُ بُخْتُنَصَّرُ إِلَى حُصُونٍ هُنَاكَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ وَخَنْدَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَكَمَّنَ بُخْتُنَصَّرُ كَمِينًا، وَهُوَ أَوَّلُ كَمِينٍ عُمِلَ، وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، فَنَادَوْهُ بِالْوَيْلِ، وَنَهَى عَدْنَانُ عَنْ بُخْتُنَصَّرَ، وَبُخْتُنَصَّرُ عَنْ عَدْنَانَ، فَافْتَرَقَا.
فَلَمَّا رَجَعَ بُخْتُنَصَّرُ خَرَجَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ أَعْلَامَهَا، وَحَجَّ مَعَهُ الْأَنْبِيَاءُ، وَخَرَجَ مَعَدٌّ حَتَّى أَتَى رَيْسُوتَ وَسَأَلَ عَمَّنْ بَقِيَ مَنْ وَلَدِ الْحَرْثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: بَقِيَ جَوْشَمُ بْنُ جُلْهَمَةَ، فَتَزَوَّجَ مَعَدٌّ ابْنَتَهُ مُعَانَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ.

ذِكْرُ بَشْتَاسِبَ وَالْحَوَادِثِ فِي مُلْكِهِ وَقَتْلِ أَبِيهِ لَهْرَاسِبَ

لَمَّا مَلَكَ بَشْتَاسِبُ بْنُ لَهْرَاسِبَ ضَبَطَ الْمُلْكَ وَقَرَّرَ قَوَانِينَهُ وَابْتَنَى بِفَارِسَ مَدِينَةَ فَسَا وَرَتَّبَ سَبْعَةً مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ مَرَاتِبَ وَمَلَّكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَمْلَكَةً عَلَى قَدْرِ مَرْتَبَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ، وَاسْمُهُ خُرْزَاسِفُ، وَهُوَ أَخُو أَفْرَاسِيَابَ، وَصَالَحَهُ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِبَشْتَاسِبَ دَابَّةٌ وَاقِفَةٌ عَلَى بَابِ مَلِكِ التُّرْكِ لَا تَزَالُ عَلَى عَادَتِهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، فَلَمَّا جَاءَ زَرَادُشْتُ إِلَى بَشْتَاسِبَ وَاتَّبَعَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَشَارَ زَرَادُشْتُ عَلَى بَشْتَاسِبَ بِنَقْضِ الصُّلْحِ مَعَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَقَالَ: أَنَا أُعَيِّنُ لَكَ طَالِعًا تَسِيرُ فِيهِ إِلَى الْحَرْبِ فَتَظْفَرُ، وَهَذَا أَوَّلُ وَقْتٍ وُضِعَتْ فِيهِ الِاخْتِيَارَاتُ لِلْمُلُوكِ بِالنُّجُومِ.
وَكَانَ زَرَادُشْتُ عَالِمًا بِالنُّجُومِ جَيِّدَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا، فَأَجَابَهُ بَشْتَاسِبُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الدَّابَّةِ الَّتِي بِبَابِ مَلِكِ التُّرْكِ وَإِلَى الْمُوَكَّلِ بِهَا فَصَرَفَهُمَا، فَغَضِبَ مَلَكُ التُّرْكِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ زَرَادُشْتَ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ غَزَاهُ وَقَتَلَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ بَشْتَاسِبُ كِتَابًا غَلِيظًا يُؤْذِنُهُ فِيهِ بِالْحَرْبِ، وَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ وَالْتَقَيَا، وَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى التُّرْكِ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا. وَمَرُّوا مُنْهَزِمِينَ، وَعَادَ بَشْتَاسِبُ إِلَى بَلْخَ، وَعَظُمَ أَمْرُ زَرَادُشْتَ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ حَيْثُ كَانَ هَذَا الظَّفَرُ بِقَوْلِهِ.
وَكَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ غِنَاءً فِي هَذِهِ الْحَرْبِ إِسْفِنْدِيَارُ بْنُ بَشْتَاسِبَ، فَلَمَّا انْجَلَتِ الْحَرْبُ سَعَى النَّاسُ بَيْنَ بَشْتَاسِبَ وَابْنِهِ إِسْفِنْدِيَارَ، وَقَالُوا: يُرِيدُ الْمُلْكَ لِنَفْسِهِ، فَنَدَبَهُ لِحَرْبٍ بَعْدَ حَرْبٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ وَحَبَسَهُ مُقَيَّدًا.
ثُمَّ إِنَّ بَشْتَاسِبَ سَارَ إِلَى نَاحِيَةِ كَرْمَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَسَارَ إِلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ طُمْبَدَرُ لِدِرَاسَةِ دِينِهِ، وَالتَّنَسُّكِ هُنَاكَ، وَخَلَّفَ أَبَاهُ لَهْرَاسِبَ بِبَلْخَ شَيْخًا قَدْ أَبْطَلَهُ الْكِبَرُ وَتَرَكَ بِهَا خَزَائِنَهُ، وَأَوْلَادَهُ، وَنِسَاءَهُ، فَبَلَغَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى مَلِكِ التُّرْكِ خُرْزَاسِفُ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَحَشَدَ وَسَارَ إِلَى بَلْخَ، وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ بِغَيْبَةِ بَشْتَاسِبَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ، وَلَمَّا بَلَغَ بَلْخَ مَلَكَهَا وَقَتَلَ لَهْرَاسِبَ وَوَلَدَيْنِ لِبَشْتَاسِبَ وَالْهَرَابِذَةَ، وَأَحْرَقَ الدَّوَاوِينَ وَهَدَمَ بُيُوتَ النِّيرَانِ، وَأَرْسَلَ السَّرَايَا إِلَى الْبِلَادِ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا وَأَخْرَبُوا، وَسَبَى ابْنَتَيْنِ لِبَشْتَاسِبَ إِحْدَاهُمَا خُمَانَى، وَأَخَذَ عَلَمَهُمُ الْأَكْبَرَ الْمَعْرُوفَ بِدِرَفْشَ كَابِيَانِ، وَسَارَ مُتَّبِعًا لِبَشْتَاسِبَ، وَهَرَبَ بَشْتَاسِبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَتَحَصَّنَ بِتِلْكَ الْجِبَالِ مِمَّا يَلِي فَارِسَ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِمَا نَزَلَ بِهِ.
فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ إِسْفِنْدِيَارَ مَعَ عَالِمِهِمْ جَامَاسِبَ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَحْبِسِهِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَوَعَدَهُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيْهِ بِالْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ إِسْفِنْدِيَارُ كَلَامَهُ سَجَدَ لَهُ وَنَهَضَ مِنْ عِنْدِهِ وَجَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَبَاتَ لَيْلَتَهُ مَشْغُولًا بِالتَّجَهُّزِ وَسَارَ مِنَ الْغَدِ نَحْوَ عَسْكَرِ التُّرْكِ وَمَلِكِهِمْ، وَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا، وَالْتَحَمَتِ الْحَرْبُ، وَحَمِيَ الْوَطِيسُ، وَحَمَلَ إِسْفِنْدِيَارُ عَلَى جَانِبٍ مِنَ الْعَسْكَرِ فَأَثَّرَ فِيهِ وَوَهَنَهُ وَتَابَعَ الْحَمَلَاتِ، وَفَشَا فِي التُّرْكِ أَنَّ إِسْفِنْدِيَارَ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِحَرْبِهِمْ، فَانْهَزَمُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَانْصَرَفَ إِسْفِنْدِيَارُ وَقَدِ ارْتَجَعَ دِرَفْشَ كَابِيَانَ.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ اسْتَبْشَرَ بِهِ وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ التُّرْكِ، وَوَصَّاهُ بِقَتْلِ مَلِكِهِمْ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَقْتُلُ مِنَ التُّرْكِ مَنْ أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ وَأَنْ يَسْتَنْفِذَ السَّبَايَا، وَالْغَنَائِمَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَسَارَ إِسْفِنْدِيَارُ، وَدَخَلَ بِلَادَ التُّرْكِ وَقَتَلَ وَسَبَى وَأَخْرَبَ وَبَلَغَ مَدْيَنَتَهُمُ الْعُظْمَى وَدَخَلَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ الْمَلِكَ وَإِخْوَتَهُ، وَمُقَاتِلَتَهُ، وَاسْتَبَاحَ أَمْوَالَهُ، وَسَبَى نِسَاءَهُ، وَاسْتَنْقَذَ أُخْتَيْهِ وَدَوَّخَ الْبِلَادَ، وَانْتَهَى إِلَى آخِرِ حُدُودِ بِلَادِ التُّرْكِ وَإِلَى التُّبَّتِ، وَأَقْطَعَ بِلَادَ التُّرْكِ، وَجَعَلَ كُلَّ نَاحِيَةٍ إِلَى رَجُلٍ مِنْ وُجُوهِ التُّرْكِ بَعْدَ أَنْ آمَنَهُمْ وَوَظَّفَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا يَحْمِلُونَهُ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أَبِيهِ بَشْتَاسِبَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلْخَ.
فَحَسَدَهُ أَبُوهُ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ حِفْظِ الْمُلْكِ وَالظَّفَرِ بِالتُّرْكِ، وَأَسَرَّ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَرَهُ بِالتَّجَهُّزِ وَالْمَسِيرِ إِلَى قِتَالِ رُسْتَمَ الشَّدِيدِ بِسِجِسْتَانَ، وَقَالَ لَهُ: هَذَا رُسْتَمُ مُتَوَسِّطٌ بِلَادِنَا وَلَا يُعْطِينَا الطَّاعَةَ لِأَنَّ الْمَلِكَ كَيْكَاوُوسَ أَعْتَقَهُ فَأَقْطَعَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مُلْكِ كَيْكَاوُوسَ، وَكَانَ غَرَضُ بَشْتَاسِبَ أَنْ يَقْتُلَهُ رُسْتَمُ أَوْ يَقْتُلَ هُوَ رُسْتَمَ، فَإِنَّهُ كَانَ أَيْضًا شَدِيدَ الْكَرَاهَةِ لِرُسْتَمَ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى رُسْتَمَ لِيَنْزِعَ سِجِسْتَانَ مِنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رُسْتَمُ وَقَاتَلَهُ فَقُتِلَ إِسْفِنْدِيَارُ؛ قَتَلَهُ رُسْتَمُ.
وَمَاتَ بَشْتَاسِبُ، وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةَ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: إِنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ زَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَاجْتَمَعَ بِهِ بِبَلْخَ، فَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْعِبْرِيِّ، وَزَرَادُشْتُ نَبِيُّ الْمَجُوسِ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَجَامَاسِبُ الْعَالِمُ هُوَ حَاضِرٌ مَعَهُمْ يُتَرْجِمُ أَيْضًا عَنِ الْإِسْرَائِيلِيِّ، وَكَانَ بَشْتَاسِبُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ آبَائِهِ وَسَائِرِ الْفُرْسِ يَدِينُونَ بِدِينِ الصَّابِئَةِ قَبْلَ زَرَادُشْتَ.

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ مُلُوكِ بِلَادِ الْيَمَنِ مِنْ أَيَّامِ كَيْكَاوُوسَ إِلَى أَيَّامِ بَهْمَنَ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ

قَدْ مَضَى ذِكْرُ الْخَبَرِ عَمَّنْ زَعَمَ أَنَّ كَيْكَاوُوسَ كَانَ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ وَالْخَبَرَ عَنْ بِلْقِيسَ بِنْتِ إِيلْشَرَحَ، وَصَارَ الْمُلْكُ بَعْدَ بِلْقِيسَ إِلَى يَاسِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَعْفُرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ أَنْعَمُ لِإِنْعَامِهِ. قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ: إِنَّهُ سَارَ غَازِيًا نَحْوَ الْمَغْرِبِ حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ وَادِي الرَّمْلِ. وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ لَمْ يَجِدْ وَرَاءَهُ مَجَازًا لِكَثْرَةِ الرَّمْلِ، فَبَيْنَمَا هُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ إِذِ انْكَشَفَ الرَّمْلُ فَأَمَرَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو أَنْ يَعْبُرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَعَبَرُوا، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَمَرَ بِنَصْبِ صَنَمٍ نُحَاسٍ، فَصُنِعَ ثُمَّ نُصِبَ عَلَى صَخْرَةٍ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي وَكَتَبَ عَلَى صَدْرِهِ بِالْمُسْنَدِ، هَذَا الصَّنَمُ لِيَاسِرِ أَنْعَمَ الْحِمْيَرِيِّ، لَيْسَ وَرَاءَهُ مَذْهَبٌ فَلَا يَتَكَلَّفَنَّ أَحَدٌ ذَلِكَ فَيُعْطَبَ.
وَقِيلَ: إِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّمْلِ قَوْمًا مِنْ أُمَّةِ مُوسَى، وَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ تُبَّعٌ، وَهُوَ تُبَّانُ، وَهُوَ أَسْعَدُ، وَهُوَ أَبُو كَرْبِ بْنُ مَلْكِيكَرْبَ تُبَّعِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تُبَّعٍ، وَهُوَ ذُو الْأَذْعَارِ بْنُ أَبَرْهَةَ تُبَّعُ ذِي الْمَنَارِ بْنِ الرَّايِشِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الزَّايِدُ، وَكَانَ تُبَّعٌ هَذَا فِي أَيَّامِ بَشْتَاسِبَ، وَأَرْدَشِيرَ بَهْمَنَ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ بْنِ بَشْتَاسِبَ، وَأَنَّهُ شَخَصَ مُتَوَجِّهًا مِنَ الْيَمَنِ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ الرَّايِشُ حَتَّى خَرَجَ عَلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ الْأَنْبَارَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْحِيرَةِ تَحَيَّرَ، وَكَانَ لَيْلًا، فَأَقَامَ بِمَكَانِهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بِالْحِيرَةِ، وَخَلَّفَ بِهِ قَوْمًا مِنَ الْأَزْدِ، وَلَخْمَ، وَجُذَامَ وَعَامِلَةَ، وَقُضَاعَةَ، فَبَنَوْا وَأَقَامُوا بِهِ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ طَيِّئٍ، وَكَلْبٍ، وَالسَّكُونِ، وَبَلْحَرْثَ بْنِ كَعْبٍ، وَإِيَادٍ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَلَقِيَ التُّرْكَ فَهَزَمَهُمْ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَنِ، فَهَابَتْهُ الْمُلُوكُ وَأَهْدَوْا إِلَيْهِ.
وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ هَدِيَّةُ مَلِكِ الْهِنْدِ، وَفِيهَا تُحَفٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْحَرِيرِ وَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَسَائِرِ طُرَفِ الْهِنْدِ، فَرَأَى مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: كُلُّ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ؟ فَقَالَ: أَكْثَرُهُ مِنْ بَلَدِ الصِّينِ، وَوَصَفَ لَهُ بِلَادَ الصِّينِ فَحَلَفَ لَيَغْزُوَنَّهَا، فَسَارَ بِحِمْيَرَ حَتَّى أَتَى إِلَى الرَّكَائِكِ وَأَصْحَابِ الْقَلَانِسِ السُّودِ، وَوَجَّهَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ ثَابِتٌ نَحْوَ الصِّينِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَأُصِيبَ، فَسَارَ تُبَّعٌ حَتَّى دَخَلَ الصِّينَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهَا، وَاكْتَسَحَ مَا وَجَدَ فِيهَا، وَكَانَ مَسِيرُهُ وَمُقَامُهُ، وَرَجْعَتُهُ فِي سَبْعِ سِنِينَ.
ثُمَّ إِنَّهُ خَلَّفَ بِالتُّبَّتِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ حِمْيَرَ، فَهُمْ أَهْلُ التُّبَّتِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَرَبٌ، وَأَلْوَانُهُمْ أَلْوَانُ الْعَرَبِ وَخُلُقُهُمْ.
هَكَذَا ذُكِرَ، وَقَدْ خَالَفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَالَفَ الْآخَرَ، وَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ مَنْ أَخَّرَهُ الْآخَرُ، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ كَثِيرُ فَائِدَةٍ، وَلَكِنْ نَنْقُلُ مَا وَجَدْنَا مُخْتَصَرًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *