ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ وَقَوْمِهِ

ذِكْرُ قِصَّةِ لُوطٍ وَقَوْمِهِ

قَدْ ذَكَرْنَا مُهَاجِرَ لُوطٍ مَعَ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – إِلَى مِصْرَ، وَعَوْدَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَمُقَامَ لُوطٍ بِسَدُومَ.
فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهَا، وَكَانُوا أَهْلَ كُفْرٍ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَرُكُوبِ فَاحِشَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ – أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت: 28 – 29] . فَكَانَ قَطْعُهُمُ السَّبِيلَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْمُسَافِرَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ وَيَعْمَلُونَ بِهِ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ، وَهُوَ اللِّوَاطَةُ، وَأَمَّا إِتْيَانُهُمُ الْمُنْكَرُ فِي نَادِيهِمْ فَقِيلَ كَانُوا يَحْذِفُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَقِيلَ: كَانَ يَأْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَجَالِسِهِمْ.
وَكَانَ لُوطٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ مِنْهُمْ مِنْ قَطْعِ السَّبِيلِ، وَرُكُوبِ الْفَوَاحِشِ، وَإِتْيَانِ الذُّكُورِ فِي الْأَدْبَارِ، وَيَتَوَعَّدُهُمْ عَلَى إِصْرَارِهِمْ، وَتَرْكِ التَّوْبَةِ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَلَا يَزْجُرُهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَزِيدُهُمْ وَعْظُهُ إِلَّا تَمَادِيًا، وَاسْتِعْجَالًا لِعِقَابِ اللَّهِ إِنْكَارًا مِنْهُمْ لِوَعِيدِهِ، وَيَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. حَتَّى سَأَلَ لُوطٌ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ لَمَّا تَطَاوَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ وَتَمَادِيهِمْ فِي غَيِّهِمْ.
فَبَعَثَ اللَّهُ، لَمَّا أَرَادَ هَلَاكَهَمْ وَنَصْرَ رَسُولِهِ، جَبْرَائِيلَ وَمَلَكَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ، أَحَدُهُمَا مِيكَائِيلُ، وَالْآخَرُ إِسْرَافِيلُ، فَأَقْبَلُوا فِيمَا ذُكِرَ مُشَاةً فِي صُورَةِ رِجَالٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْدَءُوا بِإِبْرَاهِيمَ، وَسَارَةَ وَيُبَشِّرُونَ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ.
فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ الضَّيْفُ قَدْ أَبْطَأَ عَنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُضِيفُ مَنْ نَزَلَ بِهِ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ الرِّزْقَ، فَرِحَ بِهِمْ وَرَأَى ضَيْفًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُمْ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَقَالَ: لَا يَخْدُمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَحَدٌ إِلَّا أَنَا بِيَدَيَّ. فَخَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قَدْ حَنَذَهُ، أَيْ أَنْضَجَهُ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، فَأَمْسَكُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْهُ، {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ} [هود: 70] سَارَةُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ لِمَا عَرَفَتْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَلِمَا تَعْلَمُ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] فَقَالَتْ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا: {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود: 72] ، إِلَى قَوْلِهِ: {حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73] . وَكَانَتِ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} [هود: 74] ذَهَبَ يُجَادِلُ جَبْرَائِيلَ فِي قَوْمِ لُوطٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ خَمْسُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِمَ يُعَذِّبُهُمْ؟ قَالَ: وَأَرْبَعُونَ. قَالُوا: وَأَرْبَعُونَ؟ قَالَ: وَثَلَاثُونَ، حَتَّى بَلَغَ عَشَرَةً. قَالُوا: وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ؟ قَالَ: مَا قَوْمٌ لَا يَكُونُ فِيهِمْ عَشَرَةٌ فِيهِمْ خَيْرٌ! ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 32] .
ثُمَّ مَضَتِ الْمَلَائِكَةُ نَحْوَ سَدُومَ قَرْيَةِ لُوطٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهَا لَقُوا لُوطًا فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: لَا تُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّا مُتَضَيِّفُوكَ اللَّيْلَةَ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَشَى سَاعَةً الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ إِنْسَانًا أَخْبَثَ مِنْهُمْ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
وَقِيلَ: بَلْ لَقُوا ابْنَتَهُ فَقَالُوا: يَا جَارِيَةُ هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، مَكَانَكُمْ لَا تَدْخُلُوا حَتَّى آتِيَكُمْ. خَافَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَدْرِكْ فِتْيَانًا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ مَا رَأَيْتُ أَصْبَحَ وُجُوهًا مِنْهُمْ لِئَلَّا يَأْخُذَهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ. وَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَهَوْهُ أَنْ يُضَيِّفَ رَجُلًا، فَجَاءَ بِهِمْ فَلَمْ يَعْلَمْ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِ لُوطٍ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا، وَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ نَزَلَ بِنَا قَوْمٌ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ وُجُوهًا مِنْهُمْ، وَلَا أَطْيَبَ رَائِحَةً. فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا قَوْمِ {اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] . فَنَهَاهُمْ وَرَغَّبَهُمْ وَقَالَ: {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: 78] مِمَّا تُرِيدُونَ. {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ – أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر: 79 – 70] ، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] يَعْنِي لَوْ أَنَّ لِي أَنْصَارًا أَوْ عَشِيرَةً يَمْنَعُونِي مِنْكُمْ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَجَدَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، فَقَالُوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ وَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ. وَأَغْلَقَ لُوطٌ الْبَابَ، فَعَالَجُوهُ، وَفَتَحَ لُوطٌ الْبَابَ، فَدَخَلُوا، وَاسْتَأْذَنَ جَبْرَائِيلُ رَبَّهُ فِي عُقُوبَتِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ فَبَسَطَ جَنَاحَيْهِ فَفَقَأَ أَعْيُنَهُمْ وَخَرَجُوا يَدُوسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عُمْيَانًا يَقُولُونَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ أَسْحَرَ قَوْمٍ فِي الْأَرْضِ! وَقَالُوا لِلُوطٍ: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ – وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ – وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 81 – 65] .
فَأَخْرَجَهُمُ اللَّهُ إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ لُوطٌ: أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ، فَقَالُوا لَمْ نُؤْمَرْ إِلَّا بِالصُّبْحِ، {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] . فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ أَدْخَلَ جَبْرَائِيلُ – وَقِيلَ مِيكَائِيلُ – جَنَاحَهُ فِي أَرْضِهِمْ وَقُرَاهُمُ الْخَمْسِ فَرَفَعَهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صِيَاحَ دِيَكَتِهِمْ وَنُبَاحَ كِلَابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ فَأَهْلَكَتْ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْقُرَى. وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ الْهَدَّةَ فَقَالَتْ: وَاقَوْمَاهْ! فَأَدْرَكَهَا حَجَرٌ فَقَتَلَهَا. وَنَجَّى اللَّهُ لُوطًا وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَتَشَرَّفُ عَلَيْهَا وَيَقُولُ: سَدُومُ يَوْمًا هَالِكٌ.
وَمَدَائِنُ قَوْمِ لُوطٍ خَمْسٌ: سَدُومُ، وَصَبْعَةُ، وَعَمْرَةُ، وَدَوْمَا، وَصَعْوَةُ، وَسَدُومُ هِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى.
قَوْلُهُ {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} [هود: 78] ، هُوَ مَشْيٌ بَيْنَ الْهَرْوَلَةِ وَالْجَمْزِ.

ذِكْرُ وَفَاةِ سَارَةَ زَوْجِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذِكْرُ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ

لَا يَدْفَعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَارَةَ تُوُفِّيَتْ بِالشَّامِ وَلَهَا مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِقَرْيَةِ الْجَبَابِرَةِ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَقِيلَ: عَاشَتْ هَاجَرُ بَعْدَ سَارَةَ مُدَّةً.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاجَرَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ سَارَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَلَمَّا مَاتَتْ سَارَةُ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا قَطُورَا ابْنَةَ يَقْطُنَ امْرَأَةً مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ فَوَلَدَتْ لَهُ سِتَّةَ نَفَرٍ: نَفْشَانَ، وَمُرَّانَ، وَمَدْيَانَ، وَمُدَنَ، وَنَشَقَ، وَسَرَحَ، وَكَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بِكْرَهُ، وَقِيلَ فِي عَدَدِ أَوْلَادِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَالْبَرْبَرُ مِنْ وَلَدِ نَفْشَانَ، وَأَهْلُ مَدْيَنَ قَوْمُ شُعَيْبٍ مِنْ وَلَدِ مَدْيَانَ. وَقِيلَ: تَزَوَّجَ بَعْدَ قَطُورًا امْرَأَةً أُخْرَى اسْمُهَا حَجُونُ ابْنَةُ أَهِيرَ.

ذِكْرُ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَدَدِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ

قِيلَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَ رُوحِ إِبْرَاهِيمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ شَيْخٍ هَرِمٍ، فَرَآهُ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي الْحَرِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِحِمَارٍ فَرَكِبَهُ حَتَّى أَتَاهُ، فَجَعَلَ الشَّيْخُ يَأْخُذُ اللُّقْمَةَ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهَا فَاهُ فَيُدْخِلَهَا فِي عَيْنِهِ وَأُذُنِهِ، ثُمَّ يُدْخِلَهَا فَاهُ، فَإِذَا دَخَلَتْ جَوْفَهُ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَقْبِضَ رُوحَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ مَالَكَ تَصْنَعُ هَذَا؟ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ الْكِبَرُ. قَالَ: ابْنُ كَمْ أَنْتَ؟ فَزَادَ عَلَى عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ سَنَتَيْنِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَصِيرَ هَكَذَا سَنَتَانِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ! فَقَامَ الشَّيْخُ وَقَبَضَ رُوحَهُ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَتَيْ سَنَةٍ.
وَقِيلَ: مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ كَيْفَ لَا يَرَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْقَرِيبِ؟ وَلَكِنْ هَكَذَا رُوِيَ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَ عُمْرَ نُوحٍ وَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِمَّا رَأَى بِذَلِكَ الرَّجُلِ.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ.
وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ، مِنْهَا: وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ، سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْحَلَالِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادِهِ، وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ، وَلَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ.»
وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَضَافَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ السَّرَاوِيلَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَاوِيلِ.

ذِكْرُ خَبَرِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ

قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى سَبَبَ إِسْكَانِ إِسْمَاعِيلَ الْحَرَمَ وَتَزَوُّجَهُ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمَ، وَفِرَاقَهُ إِيَّاهَا بِأَمْرِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْرَى، وَهِيَ السَّيِّدَةُ بِنْتُ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ لَهَا: قُولِي لِزَوْجِكِ: قَدْ رَضِيتُ لَكَ عَتَبَةَ بَابِكَ، فَوَلَدَتْ لِإِسْمَاعِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: نَابِتَ، وَقَيْدَارَ، وَإِذِيلَ، وَمَيْشَا، وَمَسْمَعَ، وَرَمَا، وَمَاشَ، وَآذَرَ، وَقَطُورَا، وَقَافِسَ، وَطَمْيَا، وَقَيْدَمَانَ.
وَكَانَ عُمُرُ إِسْمَاعِيلَ فِيمَا يَزْعُمُونَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ. وَمِنْ نَابِتَ وَقَيْدَارَ ابْنَيْ إِسْمَاعِيلَ نَشَرَ اللَّهُ الْعَرَبَ، وَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْعَمَالِيقِ وَقَبَائِلِ الْيَمَنِ. وَقَدْ يُنْطَقُ أَوْلَادُ إِسْمَاعِيلَ بِغَيْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذَكَرْتُ.
وَلَمَّا حَضَرَتْ إِسْمَاعِيلَ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ، وَزَوْجِ ابْنَتِهِ مِنَ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَدُفِنَ عِنْدَ قَبْرِ أُمِّهِ هَاجَرَ بِالْحِجْرِ.

ذِكْرُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَوْلَادِهِ

قِيلَ: وَنَكَحَ إِسْحَاقُ رِفْقَا بِنْتَ بِتْوِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ عِيصًا وَيَعْقُوبَ تَوْأَمَيْنِ، وَإِنَّ عِيصًا كَانَ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ عُمُرُ إِسْحَاقَ لَمَّا وُلِدَ لَهُ سِتِّينَ سَنَةً.
ثُمَّ نَكَحَ عِيصُ بْنُ إِسْحَاقَ نَسْمَةَ بِنْتَ عَمِّهِ إِسْمَاعِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ الرُّومَ بْنَ عِيصٍ، وَكُلُّ بَنِي الْأَصْفَرِ مِنْ وَلَدِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ أَشْبَانَ مِنْ وَلَدِهِ.
وَنَكَحَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ إِسْرَائِيلُ، ابْنَةَ خَالِهِ لَيَّا بِنْتَ لَبَانَ بْنِ بِتْوِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ رُوبِيلَ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَشَمْعُونَ، وَلَاوِيَ وَيَهُوذَا، وَزِبَالُونَ، وَلَشْحَرَ، وَقِيلَ وَيَشْحَرَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ لَيَّا فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا رَاحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ شَدَّادٌ، وَوُلِدَ لَهُ مِنْ سُرِّيَّتَيْنِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ: دَانُ، وَنَفْتَالِي، وَجَادُ، وَآشَرُ، وَكَانَ لِيَعْقُوبَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا.
قَالَ السُّدِّيُّ: تَزَوَّجَ إِسْحَاقُ بِجَارِيَةٍ فَحَمَلَتْ بِغُلَامَيْنِ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَضَعَ أَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ عِيصٍ، فَقَالَ عِيصٌ: وَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجْتَ قَبْلِي لَأَعْتَرِضَنَّ فِي بَطْنِ أُمِّي وَلَأَقْتُلَنَّهَا. فَتَأَخَّرَ يَعْقُوبُ وَخَرَجَ عِيصٌ، وَأَخَذَ يَعْقُوبُ بِعَقِبِ عِيصٍ، فَسُمِّيَ يَعْقُوبَ وَسُمِّيَ أَخُوهُ عِيصًا لِعِصْيَانِهِ. وَكَانَ عِيصٌ أَحَبَّهُمَا إِلَى أَبِيهِ وَيَعْقُوبُ أَحَبَّهُمَا إِلَى أُمِّهِ. وَكَانَ عِيصٌ صَاحِبَ صَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ لَمَّا كَبِرَ وَعَمِيَ. يَا بُنَيَّ أَطْعِمْنِي لَحْمَ صَيْدٍ وَاقْتَرِبْ مِنِّي أَدْعُو لَكَ بِدُعَاءٍ دَعَا لِي بِهِ أَبِي. وَكَانَ عِيصٌ رَجُلًا أَشْعَرَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ أَجْرَدَ، وَسَمِعَتْ أُمُّهُمَا ذَلِكَ وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: يَا بُنَيَّ، اذْبَحْ شَاةً، وَاشْوِهَا، وَالْبَسْ جِلْدَهَا وَقَرِّبْهَا إِلَى أَبِيكَ، وَقُلْ لَهُ: أَنَا ابْنُكَ عِيصٌ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَتَاهُ كُلْ. قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُكَ عِيصٌ. فَمَسَحَهُ إِسْحَاقُ، فَقَالَ: الْمَسُّ مَسُّ عِيصٍ وَالرِّيحُ رِيحُ يَعْقُوبَ. قَالَتْ أُمُّهُ: إِنَّهُ عِيصٌ فَكُلْ. فَأَكَلَ وَدَعَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُلُوكَ.
وَقَامَ يَعْقُوبُ وَجَاءَ عِيصٌ، وَكَانَ فِي الصَّيْدِ، فَقَالَ لِأَبِيهِ: قَدْ جِئْتُكَ بِالصَّيْدِ الَّذِي طَلَبْتَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ قَدْ سَبَقَكَ أَخُوكَ. فَحَلَفَ عِيصٌ لَيَقْتُلَنَّ يَعْقُوبَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، قَدْ بَقِيَتْ لَكَ دَعْوَةٌ، فَدَعَا لَهُ أَنْ يَكُونَ ذُرِّيَّتَهُ عَدَدَ التُّرَابِ وَأَنْ لَا يَمْلِكَهُمْ غَيْرُهُمْ.
وَهَرَبَ يَعْقُوبُ خَوْفًا مِنْ أَخِيهِ إِلَى خَالِهِ، وَكَانَ يَسْرِي بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُ بِالنَّهَارِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ إِسْرَائِيلَ.
ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ تَزَوَّجَ ابْنَتَيْ خَالِهِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] . وَوُلِدَ لَهُ مِنْهُمَا، فَمَاتَتْ رَاحِيلُ فِي نِفَاسِهَا بِبِنْيَامِينَ.
وَأَرَادَ يَعْقُوبُ الرُّجُوعَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَعْطَاهُ خَالُهُ قَطِيعَ غَنَمٍ، فَلَمَّا ارْتَحَلُوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَفَقَةٌ، فَقَالَتْ زَوْجَةُ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ: اسْرِقْ صَنَمًا مِنْ أَصْنَامِ أَبِي نَسْتَنْفِقْ مِنْهُ. فَسَرَقَ صَنَمًا مِنْ أَصْنَامِ أَبِيهَا.
وَأَحَبَّ يَعْقُوبُ يُوسُفَ وَأَخَاهُ بِنْيَامِينَ حُبًّا شَدِيدًا لِيُتْمِهِمَا، وَقَالَ يَعْقُوبُ لِرَاعٍ مِنَ الرُّعَاةِ: إِذَا أَتَاكُمْ أَحَدٌ يَسْأَلُكُمْ مَنْ أَنْتُمْ، فَقُولُوا: نَحْنُ لِيَعْقُوبَ عَبْدِ عِيصٍ. فَلَقِيَهُمْ عِيصٌ، فَسَأَلَهُمْ فَأَجَابَهُ الرَّاعِي بِذَلِكَ الْجَوَابِ، فَكَفَّ عِيصٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَنَزَلَ يَعْقُوبُ الشَّامَ، وَمَاتَ إِسْحَاقُ بِالشَّامِ، وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *