ذِكْرُ قَتْلِ تَمِيمٍ بِالْمُشَقَّرِ

ذِكْرُ قَتْلِ تَمِيمٍ بِالْمُشَقَّرِ

قَالَ هِشَامٌ: أَرْسَلَ وَهْرِزُ بِأَمْوَالٍ وَطُرَفٍ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا كَانَتْ بِبِلَادِ تَمِيمٍ دَعَا صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ الْمُجَاشِعِيُّ، جَدُّ الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرِ، بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْوُثُوبِ عَلَيْهَا، فَأَبَوْا، فَقَالَ: كَأَنِّي بِأَبِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَقَدِ انْتَهَبُوا، فَاسْتَعَانُوا بِهَا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ وَثَبُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوهَا، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ يُقَالُ لَهُ النَّطِفُ خَرْجًا فِيهِ جَوْهَرٌ، فَكَانَ يُقَالُ: ” أَصَابَ فُلَانٌ كَنْزَ النَّطِفِ ” فَصَارَ مَثَلًا.
وَصَارَ أَصْحَابُ الْعِيرِ إِلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ بِالْيَمَامَةِ، فَكَسَاهُمْ وَحَمَلَهُمْ وَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَى كِسْرَى، فَأُعْجِبَ بِهِ كِسْرَى وَدَعَا بِعِقْدٍ مِنْ دُرٍّ فَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ هَوْذَةُ ” ذَا التَّاجِ “، وَسَأَلَهُ كِسْرَى عَنْ تَمِيمٍ هَلْ مِنْ قَوْمِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ سِلْمٌ؟ فَقَالَ: لَا بَيْنَنَا إِلَّا الْمَوْتُ. قَالَ: قَدْ أَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ، وَأَرَادَ إِرْسَالَ الْجُنُودِ إِلَى تَمِيمٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَاءَهُمْ قَلِيلٌ، وَبِلَادَهُمْ بِلَادُ سُوءٍ، وَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ إِزَادُ فَيْرُوزَ بْنُ جُشَيْشٍ الَّذِي سَمَّتْهُ الْعَرَبُ الْمُكَعْبِرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِ بَنِي تَمِيمٍ، فَفَعَلَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولًا، وَدَعَا هَوْذَةَ وَجَدَّدَ لَهُ كَرَامَةً وَصِلَةً، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ مَعَ رَسُولِهِ، فَأَقْبَلَا إِلَى الْمُكَعْبِرِ أَيَّامَ اللُّقَاطِ، وَكَانَتْ تَمِيمٌ تَصِيرُ إِلَى هَجَرَ لِلْمِيرَةِ وَاللِّقَاطِ، فَأَمَرَ الْمُكَعْبِرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَحْضُرْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَإِنَّ الْمَلِكَ قَدْ أَمَرَ لَهُمْ بِمِيرَةٍ وَطَعَامٍ. فَحَضَرُوا وَدَخَلُوا الْمُشَقَّرَ، وَهُوَ حِصْنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا قَتَلَ الْمُكَعْبِرُ رِجَالَهُمْ وَاسْتَبْقَى غِلْمَانَهُمْ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ قَعْنَبُ الرِّيَاحِيُّ، وَكَانَ فَارِسَ يَرْبُوعٍ، وَجَعَلَ الْغِلْمَانَ فِي السُّفُنِ وَعَبَرَ بِهِمْ إِلَى فَارِسَ.
قَالَ هُبَيْرَةُ بْنُ حُدَيْرٍ الْعَدَوِيُّ: رَجَعَ إِلَيْنَا بَعْدَمَا فُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عِدَّةٌ مِنْهُمْ، وَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَلَى سِلْسِلَةِ الْبَابِ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ، وَاسْتَوْهَبَ هَوْذَةُ مِنَ الْمُكَعْبِرِ مِائَةَ أَسِيرٍ مِنْهُمْ فَأَطْلَقَهُمْ.
(حُدَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِ) .
[ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ]
وَكَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ خَاقَانَ الْأَكْبَرِ، وَكَانَ هُرْمُزُ بْنُ كِسْرَى أَدِيبًا ذَا نِيَّةٍ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْحَمْلِ عَلَى الْأَشْرَافِ، فَعَادُوهُ وَأَبْغَضُوهُ، وَكَانَ فِي نَفْسِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَكَانَ عَادِلًا بَلَغَ مِنْ عَدْلِهِ أَنَّهُ رَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى سَابَاطِ الْمَدَائِنِ فَاجْتَازَ بِكُرُومٍ، فَاطَّلَعَ أَسْوَارٌ مِنْ أَسَاوِرَتِهِ فِي كَرْمٍ وَأَخَذَ مِنْهُ عَنَاقِيدَ حُصْرُمٍ، فَلَزِمَهُ حَافِظُ الْكُرُومِ وَصَرَخَ، فَبَلَغَ مِنْ خَوْفِ الْأَسْوَارِ مِنْ عُقُوبَةِ كِسْرَى هُرْمُزَ أَنْ دَفَعَ إِلَى حَافِظِ الْكَرْمِ، مِنْطَعَةً مُحَلَّاةً بِذَهَبٍ عِوَضًا مِنَ الْحُصْرُمِ فَتَرَكَهُ.
وَقِيلَ: كَانَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا لَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا نَالَهُ، وَكَانَ دَاهِيًا رَدِيَّ النِّيَّةِ، قَدْ نَزَعَ إِلَى أَخْوَالِهِ التُّرْكِ، وَإِنَّهُ قَتَلَ الْعُلَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالشَّرَفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ إِلَّا فِي تَأَلُّفِ السِّفْلَةِ. وَحَبَسَ كَثِيرًا مِنَ الْعُظَمَاءِ وَأَسْقَطَهُمْ وَحَطَّ مَرَاتِبَهُمْ وَحَرَمَ الْجُنُودَ، فَفَسَدَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ شَابَهْ مَلِكُ التُّرْكِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ مِنْ مُلْكِهِ، فَوَصَلَ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ، وَأَرْسَلَ إِلَى هُرْمُزَ وَالْفُرْسِ يَأْمُرُهُمْ بِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ لِيَجُوزَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.
وَوَصَلَ مَلِكُ الرُّومِ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا إِلَى الضَّوَاحِي قَاصِدًا لَهُ، وَوَصَلَ مَلِكُ الْخَزَرِ إِلَى الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ شَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى السَّوَادِ. فَأَرْسَلَ هُرْمُزُ بَهْرَامَ خُشْنَشْ، وَيُعْرَفُ بِجُوبِينَ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ اخْتَارَهُمْ مِنْ عَسْكَرِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا وَوَاقَعَ شَابَهْ مَلِكَ التُّرْكِ فَقَتَلَهُ بِرَمْيَةٍ رَمَاهَا وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُ، ثُمَّ وَافَاهُ بَرْمُودَهْ بْنُ شَابَهْ فَهَزَمَهُ أَيْضًا وَحَصَرَهُ فِي بَعْضِ الْحُصُونِ حَتَّى اسْتَسْلَمَ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى هُرْمُزَ أَسِيرًا وَغَنِمَ مَا فِي الْحِصْنِ، فَكَانَ عَظِيمًا.
ثُمَّ خَافَ بَهْرَامُ وَمَنْ مَعَهُ هُرْمُزَ، فَخَلَعُوهُ وَسَارُوا نَحْوَ الْمَدَائِنِ، وَأَظْهَرُوا أَنَّ ابْنَهُ أَبْرَوِيزَ أَصْلَحُ لِلْمُلْكِ مِنْهُ، وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ هُرْمُزَ، وَكَانَ غَرَضُ بَهْرَامَ أَنْ يَسْتَوْحِشَ هُرْمُزُ مِنِ ابْنِهِ أَبْرَوِيزَ، وَيَسْتَوْحِشَ ابْنُهُ مِنْهُ فَيَخْتَلِفَا، فَإِنْ ظَفِرَ أَبْرَوِيزُ بِأَبِيهِ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى بَهْرَامَ سَهْلًا، وَإِنْ ظَفِرَ أَبُوهُ بِهِ نَجَا بَهْرَامُ وَالْكَلِمَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَنَالُ مِنْ هُرْمُزَ غَرَضَهُ، وَكَانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِقْلَالِ بِالْمُلْكِ. فَلَمَّا عَلِمَ أَبْرَوِيزُ ذَلِكَ خَافَ أَبَاهُ، فَهَرَبَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِدَّةٌ مِنَ الْمَرَازِبَةِ وَالْأَصْبَهْبَذِينَ، وَوَثَبَ الْعُظَمَاءُ بِالْمَدَائِنِ، وَفِيهِمْ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ خَالَا أَبْرَوِيزَ، فَخَلَعُوا هُرْمُزَ وَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ وَتَرَكُوهُ تَحَرُّجًا مِنْ قَتْلِهِ، وَبَلَغَ أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ فَأَقْبَلَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ.
وَكَانَ مُلْكُ هُرْمُزَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يُسْمَلْ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ غَيْرُهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
وَمِنْ مَحَاسِنِ السِّيَرِ مَا حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ دَارِهِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ مُقَابِلَ الْمَدَائِنِ عَمِلَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً وَأَحْضَرَ النَّاسَ مِنَ الْأَطْرَافِ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ رَأَيْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: لَا عَيْبَ فِيهَا. فَقَامَ رَجُلٌ وَقَالَ: فِيهَا ثَلَاثَةُ عُيُوبٍ فَاحِشَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ النَّاسَ يَجْعَلُونَ دُورَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ جَعَلْتَ الدُّنْيَا فِي دَارِكَ، فَقَدْ أَفْرَطْتَ فِي تَوْسِيعِ صُحُونِهَا وَبُيُوتِهَا، فَتَتَمَكَّنُ الشَّمْسُ فِي الصَّيْفِ وَالسَّمُومُ، فَيُؤْذِي ذَلِكَ أَهْلَهَا، وَيَكْثُرُ فِيهَا فِي الشِّتَاءِ الْبَرْدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُلُوكَ يَتَوَصَّلُونَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْأَنْهَارِ ; لِتَزُولَ هُمُومُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمِيَاهِ، وَيَتَرَطَّبَ الْهَوَاءُ، وَتُضِيءَ أَبْصَارُهُمْ، وَأَنْتَ قَدْ تَرَكْتَ دِجْلَةَ وَبَنَيْتَهَا فِي الْقَفْرِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ جَعَلْتَ حُجْرَةَ النِّسَاءِ مِمَّا يَلِي الشِّمَالَ مِنْ مَسَاكِنِ الرِّجَالِ، وَهُوَ أَدْوَمُ هُبُوبًا، فَلَا يَزَالُ الْهَوَاءُ يَجِيءُ بِأَصْوَاتِ النِّسَاءِ وَرِيحِ طِيبِهِنَّ، وَهَذَا مَا تَمْنَعُهُ الْغَيْرَةُ وَالْحَمِيَّةُ.
فَقَالَ هُرْمُزُ: أَمَّا سِعَةُ الصُّحُونِ وَالْمَجَالِسِ فَخَيْرُ الْمَسَاكِنِ مَا سَافَرَ فِيهِ الْبَصَرُ، وَشِدَّةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ يُدْفَعَانِ بِالْخَيْشِ وَالْمَلَابِسِ وَالنِّيرَانِ.
وَأَمَّا مُجَاوَرَةُ الْمَاءِ فَكُنْتُ عِنْدَ أَبِي وَهُوَ يُشْرِفُ عَلَى دِجْلَةَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَةٌ تَحْتَهُ فَاسْتَغَاثَ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأَبِي يَتَأَسَّفُ عَلَيْهِمْ وَيَصِيحُ بِالسُّفُنِ الَّتِي تَحْتَ دَارِهِ لِيَلْحَقُوهُ، فَإِلَى أَنْ لَحِقُوهُمْ غَرِقَ جَمِيعُهُمْ، فَجَعَلْتُ فِي نَفْسِي أَنَّنِي لَا أُجَاوِرُ سُلْطَانًا هُوَ أَقْوَى مِنِّي.
وَأَمَّا عَمَلُ حُجْرَةِ النِّسَاءِ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، فَقَصَدْنَا بِهِ أَنَّ الشِّمَالَ أَرَقُّ هَوَاءً، وَأَقَلُّ وَخَامَةً، وَالنِّسَاءُ يُلَازِمْنَ الْبُيُوتَ، فَعُمِلَ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَإِنَّ الرِّجَالَ لَا يَخْلُوُنَّ بِالنِّسَاءِ، وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ إِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ وَعَبْدٌ لِقَيِّمٍ، وَأَمَّا أَنْتَ فَمَا أَخْرَجَ هَذَا مِنْكَ إِلَّا بُغْضٌ لِي، فَأَخْبِرْنِي عَنْ سَبَبِهِ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: لِي قَرْيَةٌ مِلْكٌ كُنْتُ أُنْفِقُ حَاصِلَهَا عَلَى عِيَالِي، فَغَلَبَنِي الْمَرْزُبَانُ فَأَخَذَهَا مِنِّي، فَقَصَدْتُكَ أَتَظَلَّمُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَلَمْ أَصِلْ إِلَيْكَ، فَقَصَدْتُ وَزِيرَكَ وَتَظَلَّمْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ يُنْصِفْنِي، وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَ الْقَرْيَةِ حَتَّى لَا يَزُولَ اسْمِي عَنْهَا، وَهَذَا غَايَةُ الظُّلْمِ أَنْ يَكُونَ غَيْرِي يَأْخُذُ دَخْلَهَا وَأَنَا أُؤَدِّي خَرَاجَهَا.
فَسَأَلَ هُرْمُزُ وَزِيرَهُ فَصَدَّقَهُ وَقَالَ: خِفْتُ أُعْلِمُكَ فَيُؤْذِينِي الْمَرْزُبَانُ. فَأَمَرَ هُرْمُزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْمَرْزُبَانِ ضِعْفُ مَا أَخَذَ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَهُ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ فِي أَيِّ شُغْلٍ شَاءَ سَنَتَيْنِ، وَعَزَلَ وَزِيرَهُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِذَا كَانَ الْوَزِيرُ يُرَاقِبُ الظَّالِمَ فَالْأَحْرَى أَنَّ غَيْرَهُ يُرَاقِبُهُ، فَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ صُنْدُوقٍ، وَكَانَ يَقْفِلُهُ وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمٍ وَيُتْرَكُ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَفِيهِ خَرْقٌ يُلْقَى فِيهِ رِقَاعُ الْمُتَظَلِّمِينَ، وَكَانَ يَفْتَحُهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ وَيَكْشِفُ الْمَظَالِمَ، فَأَفْكَرَ وَقَالَ: أُرِيدُ أَعْرِفُ ظُلْمَ الرَّعِيَّةِ سَاعَةً فَسَاعَةً، فَاتَّخَذَ سِلْسِلَةً طَرَفُهَا فِي مَجْلِسِهِ فِي السَّقْفِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ خَارِجَ الدَّارِ فِي رَوْزَنَةٍ وَفِيهَا جَرَسٌ، وَكَانَ الْمُتَظَلِّمُ يُحَرِّكُ السِّلْسِلَةَ فَيُحَرِّكُ الْجَرَسَ فَيَحْضُرُهُ وَيَكْشِفُ ظُلَامَتَهُ.
[ذِكْرُ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ]
وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ مُلُوكِهِمْ بَطْشًا، وَأَنْفَذِهِمْ رَأْيًا، وَبَلَغَ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ وَجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَمُسَاعَدَةِ الْأَقْدَارِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ مَلِكٌ قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ لُقِّبَ أَبْرَوِيزَ، وَمَعْنَاهُ الْمُظَفَّرُ، وَكَانَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَدْ سَعَى بِهِ بَهْرَامُ جُوبِينَ إِلَى أَبِيهِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُلْكَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ سِرًّا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا بَايَعَهُ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْعُظَمَاءِ، وَاجْتَمَعَ مَنْ بِالْمَدَائِنِ عَلَى خَلْعِ أَبِيهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَوِيزُ بَادَرَ الْوُصُولَ إِلَى الْمَدَائِنِ قَبْلَ بَهْرَامَ جُوبِينَ، فَدَخَلَهَا قَبْلَهُ وَلَبِسَ التَّاجَ وَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ سُمِلَ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا فُعِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَرَبُهُ لِلْخَوْفِ مِنْهُ، فَصَدَّقَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَنْ يُؤْنِسُهُ، وَأَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَلَعَهُ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِقُرْبِ بَهْرَامَ مِنْهُ فِي الْعَسَاكِرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الظَّفَرِ بِبَهْرَامَ.
وَسَارَ بَهْرَامُ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا هُنَاكَ، وَرَأَى أَبْرَوِيزُ مِنْ أَصْحَابِهِ فُتُورًا فِي الْقِتَالِ فَانْهَزَمَ، وَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ، فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ مُورِيقَ مَلِكِ الرُّومِ، وَجَهَّزَ ثَانِيًا وَسَارَ فِي عِدَّةٍ يَسِيرَةٍ، فِيهِمْ خَالَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَكُرْدِيٌّ أَخُو بَهْرَامَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَدَائِنِ خَافَ مَنْ مَعَهُ أَنَّ بَهْرَامَ يَرُدُّ هُرْمُزَ إِلَى الْمُلْكِ وَيُرْسِلُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي رَدِّهِمْ فَيَرُدُّهُمْ إِلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنُوا أَبْرَوِيزَ فِي قَتْلِ أَبِيهِ هُرْمُزَ فَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، فَانْصَرَفَ بِنْدَوَيْهِ وَبِسْطَامٌ وَبَعْضُ مَنْ مَعَهُمْ إِلَى هُرْمُزَ فَقَتَلُوهُ خَنْقًا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبْرَوِيزَ وَسَارُوا مُجِدِّينَ إِلَى أَنْ جَاوَزُوا الْفُرَاتَ، وَدَخَلُوا دَيْرًا يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا غَشِيَتْهُمْ خَيْلُ بَهْرَامَ جُوبِينَ وَمُقَدِّمُهَا رَجُلٌ اسْمُهُ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ، فَقَالَ بِنْدَوَيْهِ لِأَبْرَوِيزَ: احْتَلْ لِنَفْسِكَ. قَالَ: مَا عِنْدِي حِيلَةٌ! قَالَ بِنْدَوَيْهِ: أَنَا أَبْذُلُ نَفْسِي دُونَكَ، وَطَلَبَ مِنْهُ بَزَّتَهُ فَلَبِسَهَا، وَخَرَجَ أَبْرَوِيزُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الدَّيْرِ وَتَوَارَوْا بِالْجَبَلِ، وَوَافَى بَهْرَامُ الدَّيْرَ فَرَأَى بِنْدَوَيْهِ فَوْقَ الدَّيْرِ وَعَلَيْهِ بَزَّةُ أَبْرَوِيزَ، فَاعْتَقَدَهُ هُوَ وَسَأَلَهُ أَنْ يُنْظِرَهُ إِلَى غَدٍ لِيَصِيرَ إِلَيْهِ سِلْمًا، فَفَعَلَ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنَ الْغَدِ عَلَى حِيلَتِهِ فَحَمَلَهُ إِلَى بَهْرَامَ جُوبِينَ فَحَبَسَهُ، وَدَخَلَ بَهْرَامُ جُوبِينَ دَارَ الْمُلْكِ وَقَعَدَ عَلَى السَّرِيرِ وَلَبِسَ التَّاجَ، فَانْصَرَفَتِ الْوُجُوهُ عَنْهُ، لَكِنَّ النَّاسَ أَطَاعُوهُ خَوْفًا، وَوَاطَأَ بَهْرَامُ بْنُ سِيَاوِشَ بِنْدَوَيْهِ عَلَى الْفَتْكِ بِبَهْرَامَ جُوبِينَ، فَعَلِمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ بِذَلِكَ فَقَتَلَ بَهْرَامَ وَأَفْلَتَ بِنْدَوَيْهِ فَلَحِقَ بِأَذْرَبِيجَانَ.
وَسَارَ أَبْرَوِيزُ إِلَى أَنْطَاكِيَّةَ، وَأَرْسَلَ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَوَعَدَهُ النُّصْرَةَ وَتَزَوَّجَ أَبْرَوِيزُ ابْنَةَ الْمَلِكِ مُورِيقَ، وَاسْمُهَا مَرْيَمُ، وَجَهَّزَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ الْكَثِيرَةَ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ سَبْعِينَ أَلْفًا فِيهِمْ رَجُلٌ يُعَدُّ بِأَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَرَتَّبَهُمْ أَبْرَوِيزُ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَوَافَاهُ بِنْدَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُقَدَّمِينَ وَالْأَسَاوِرَةِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ، وَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ. وَخَرَجَ بَهْرَامُ جُوبِينَ نَحْوَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، فَقُتِلَ فِيهَا الْفَارِسُ الرُّومِيُّ الَّذِي يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ.
ثُمَّ انْهَزَمَ بَهْرَامُ جُوبِينَ، وَسَارَ إِلَى التُّرْكِ، وَسَارَ أَبْرَوِيزُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَدَخَلَ الْمَدَائِنَ وَفَرَّقَ الْأَمْوَالَ فِي الرُّومِ، فَبَلَغَتْ جُمْلَتُهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ فَأَعَادَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ.
وَأَقَامَ بَهْرَامُ جُوبِينَ عِنْدَ التُّرْكِ مُكَرَّمًا، فَأَرْسَلَ أَبْرَوِيزُ إِلَى زَوْجَةِ الْمَلِكِ، وَأَجْزَلَ لَهَا الْهَدِيَّةَ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا، وَطَلَبَ مِنْهَا قَتْلَ بَهْرَامَ، فَوَضَعَتْ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، فَاشْتَدَّ قَتْلُهُ عَلَى مَلِكِ التُّرْكِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ قَتَلَتْهُ فَطَلَّقَهَا. ثُمَّ إِنَّ أَبْرَوِيزَ قَتَلَ بِنْدَوَيْهِ، وَأَرَادَ قَتْلَ بِسْطَامٍ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى طَبَرِسْتَانَ لِحَصَانَتِهَا، فَوَضَعَ أَبْرَوِيزُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
وَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّهُمْ خَلَعُوا مَلِكَهُمْ مُورِيقَ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ أَبْرَوِيزَ، وَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَطْرِيقًا اسْمُهُ فُوقَاسُ، فَأَبَادَ ذُرِّيَّةَ مُورِيقَ سِوَى ابْنٍ لَهُ هَرَبَ إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ الْعَسَاكِرَ وَتَوَجَّهَ وَمَلَّكَهُ عَلَى الرُّومِ وَجَعَلَ عَلَى عَسَاكِرِهِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ قُوَّادِهِ وَأَسَاوِرَتِهِ.
أَمَّا أَحَدُهُمْ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ بُورَانُ، وَجَّهَهُ فِي جَيْشٍ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ، فَدَخَلَهَا حَتَّى دَخَلَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَأَخَذَ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ الَّتِي تَزْعُمُ النَّصَارَى أَنَّ الْمَسِيحَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَرْسَلَهَا إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيزَ.
وَأَمَّا الْقَائِدُ الثَّانِي فَكَانَ يُقَالُ لَهُ شَاهِينُ، فَسَيَّرَهُ فِي جَيْشٍ آخَرَ إِلَى مِصْرَ، فَافْتَتَحَهَا وَأَرْسَلَ مَفَاتِيحَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى أَبْرَوِيزَ.
وَأَمَّا الْقَائِدُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ فَرُّخَانُ، وَتُدْعَى مَرْتَبَتُهُ شَهْرَبَرَازْ، وَجَعَلَ مَرْجِعَ الْقَائِدَيْنِ الْأَوَّلِينَ إِلَيْهِ.
وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ مُنْجِبَةً لَا تَلِدُ إِلَّا نَجِيبًا، فَأَحْضَرَهَا أَبْرَوِيزُ وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَجِّهَ جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، أَسْتَعْمِلُ عَلَيْهِ بَعْضَ بَنِيكِ، فَأَشِيرِي عَلَيَّ أَيَّهُمْ أَسْتَعْمِلُ؟ . فَقَالَتْ: أَمَّا فُلَانٌ فَأَرْوَغُ مِنْ ثَعْلَبٍ، وَأَحْذَرُ مِنْ صَقْرٍ، وَأَمَّا فَرُّخَانُ فَهُوَ أَنْفَذُ مِنْ سِنَانٍ، وَأَمَّا شَهْرَبَرَازْ فَهُوَ أَحْلَمُ مِنْ كَذَا.
فَقَالَ: قَدِ اسْتَعْمَلْتُ الْحَلِيمَ، فَوَلَّاهُ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَسَارَ إِلَى الرُّومِ فَقَتَلَهُمْ، وَخَرَّبَ مَدَائِنَهُمْ، وَقَطَعَ أَشْجَارَهُمْ، وَسَارَ فِي بِلَادِهِمْ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى خَلِيجِهَا الْقَرِيبِ مِنْهَا يَنْهَبُ وَيُغِيرُ وَيُخَرِّبُ، فَلَمْ يَخْضَعْ لِابْنِ مُورِيقَ أَحَدٌ وَلَا أَطَاعَهُ، غَيْرَ أَنَّ الرُّومَ قَتَلُوا فُوقَاسَ لِفَسَادِهِ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ هِرَقْلَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الشَّامَ مِنْهُ.
فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ مَا أَهَمَّ الرُّومَ مِنَ النَّهْبِ وَالْقَتْلِ وَالْبَلَاءِ تَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَدَعَاهُ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رَجُلًا كَثَّ اللِّحْيَةِ رَفِيعَ الْمَجْلِسِ عَلَيْهِ بَزَّةٌ حَسَنَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا دَاخِلٌ فَأَلْقَى ذَلِكَ الرَّجُلَ عَنْ مَجْلِسِهِ وَقَالَ لِهِرَقْلَ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُهُ فِي يَدِكَ، فَاسْتَيْقَظَ، فَلَمْ يَقُصَّ رُؤْيَاهُ، فَرَأَى فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلَ جَالِسًا فِي مَجْلِسِهِ، وَقَدْ دَخَلَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ وَبِيَدِهِ سِلْسِلَةٌ، فَأَلْقَاهَا فِي عُنُقِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَسَلَّمَهُ إِلَى هِرَقْلَ وَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُ إِلَيْكَ كِسْرَى بِرُمَّتِهِ فَاغْزُهُ، فَإِنَّكَ مُدَالٌ عَلَيْهِ، وَبَالِغْ أُمْنِيَّتَكَ فِي أَعْدَائِكَ. فَقَصَّ حِينَئِذٍ هَذِهِ الرُّؤْيَا عَلَى عُظَمَاءِ الرُّومِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَهُ، فَاسْتَعَدَّ هِرَقْلُ وَأَخْلَفَ ابْنًا لَهُ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَسَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ الَّذِي عَلَيْهِ شَهْرَبَرَازْ، وَسَارَ حَتَّى أَوْغَلَ فِي بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ، وَقَصَدَ الْجَزِيرَةَ فَنَزَلَ نَصِيبِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ كِسْرَى جُنْدًا وَأَمَرَهُمْ بِالْمُقَامِ بِالْمَوْصِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى شَهْرَبَرَازْ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ لِيَتَضَافَرَا عَلَى قِتَالِ هِرَقْلَ.
وَقِيلَ فِي مَسِيرِهِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ شَهْرَبَرَازْ سَارَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فَوَطِئَ الشَّامَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَذْرُعَاتٍ، وَلَقِيَ جُيُوشَ الرُّومِ بِهَا فَهَزَمَهَا وَظَفِرَ بِهَا وَسَبَى وَغَنِمَ وَعَظُمَ شَأْنُهُ.
ثُمَّ إِنَّ فَرُّخَانَ أَخَا شَهْرَبَرَازْ شَرِبَ الْخَمْرَ يَوْمًا وَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِ كِسْرَى، فَبَلَغَ الْخَبَرُ كِسْرَى فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ شَهْرَبَرَازْ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ، فَعَاوَدَهُ وَأَعْلَمَهُ شَجَاعَتَهُ وَنِكَايَتَهُ فِي الْعَدُوِّ، فَعَادَ كِسْرَى وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِقَتْلِهِ، فَرَاجَعَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَتَبَ كِسْرَى بِعَزْلِ شَهْرَبَرَازْ وَوِلَايَةِ فَرُّخَانَ الْعَسْكَرَ، فَأَطَاعَ شَهْرَبَرَازْ فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى سَرِيرِ الْإِمَارَةِ أَلْقَى إِلَيْهِ الْقَاصِدُ بِوِلَايَتِهِ كِتَابًا صَغِيرًا مِنْ كِسْرَى يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ شَهْرَبَرَازَ فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُ شَهْرَبَرَازُ: أَمْهِلْنِي حَتَّى أَكْتُبَ وَصِيَّتِي، فَأَمْهَلَهُ، فَأَحْضَرَ دُرْجًا وَأَخْرَجَ مِنْهُ كُتُبَ كِسْرَى الثَّلَاثَةَ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ: أَنَا رَاجَعْتُ فِيكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَمْ أَقْتُلْكَ، وَأَنْتَ تَقْتُلُنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَاعْتَذَرَ أَخُوهُ إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى الْإِمَارَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى مُوَافَقَةِ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى كِسْرَى، فَأَرْسَلَ شَهْرَبَرَازْ إِلَى هِرَقْلَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لَا يَبْلُغُهَا الْبَرِيدُ وَلَا تَسَعُهَا الصُّحُفُ، فَالْقَنِي فِي خَمْسِينَ رُومِيًّا، فَإِنِّي أَلْقَاكَ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا، فَأَقْبَلَ قَيْصَرُ فِي جُيُوشِهِ جَمِيعِهَا، وَوَضَعَ عُيُونَهُ تَأْتِيهِ بِخَبَرِ شَهْرَبَرَازْ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ مَكِيدَةً، فَأَتَتْهُ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ فِي خَمْسِينَ فَارِسِيًّا، فَحَضَرَ عِنْدَهُ فِي مِثْلِهَا، وَاجْتَمَعَا وَبَيْنَهُمَا تُرْجُمَانٌ فَقَالَ لَهُ: أَنَا وَأَخِي خَرَّبْنَا بِلَادَكَ وَفَعَلْنَا مَا عَلِمْتَ، وَقَدْ حَسَدَنَا كِسْرَى وَأَرَادَ قَتْلَنَا، وَقَدْ خَلَعْنَاهُ وَنَحْنُ نُقَاتِلُ مَعَكَ. فَفَرِحَ هِرَقْلُ بِذَلِكَ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ وَقَتَلَا التُّرْجُمَانَ لِئَلَّا يُفْشِيَ سِرَّهُمَا، وَسَارَ هِرَقْلُ فِي جَيْشِهِ إِلَى نَصِيبِينَ.
وَبَلَغَ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ الْخَبَرُ وَأَرْسَلَ لِمُحَارَبَةِ هِرَقْلَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ اسْمُهُ رَاهَزَارُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بِنِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ عَلَى دِجْلَةَ يَمْنَعُ هِرَقْلَ مِنْ أَنْ يَجُوزَهَا، وَأَقَامَ هُوَ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، فَأَرْسَلَ رَاهَزَارُ الْعُيُونَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ هِرَقْلَ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ قِتَالِ هَذَا الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، فَلَمْ يَعْذُرْهُ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِ، فَأَطَاعَ وَعَبَّى جُنْدَهُ، وَسَارَ هِرَقْلُ نَحْوَ جُنُودِ كِسْرَى، وَقَطَعَ دِجْلَةَ مِنْ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ رَاهَزَارُ، فَقَصَدَهُ رَاهَزَارُ وَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ رَاهَزَارُ وَسِتَّةُ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبْرَوِيزَ وَهُوَ بِدَسْكَرَةِ الْمُلْكِ، فَهَدَّهُ ذَلِكَ وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَتَحَصَّنَ بِهَا لِعَجْزِهِ عَنْ مُحَارَبَةِ هِرَقْلَ، وَكُتَبَ إِلَى قُوَّادِ الْجُنْدِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَتَهَدَّدُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ فَأَحْوَجَهُمْ إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَسَارَ هِرَقْلُ حَتَّى قَارَبَ الْمَدَائِنَ ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ.
وَكَانَ سَبَبَ عَوْدِهِ أَنَّ كِسْرَى لَمَّا عَجِزَ عَنْ هِرَقْلَ أَعْمَلَ الْحِيلَةَ، فَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى شَهْرَبَرَازْ يَشْكُرُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: أَحْسَنْتَ فِي فِعْلِ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ مِنْ مُوَاصَلَةِ مَلِكِ الرُّومِ وَتَمْكِينِهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَالْآنَ قَدْ أَوْغَلَ وَأَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، فَتَجِيءُ أَنْتَ مِنْ خَلْفِهِ وَأَنَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُنَا عَلَيْهِ يَوْمَ كَذَا فَلَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ جَعَلَ الْكِتَابَ فِي عُكَّازِ أَبَنُوسَ، وَأَحْضَرَ رَاهِبًا كَانَ فِي دَيْرٍ عِنْدَ الْمَدَائِنِ وَقَالَ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. فَقَالَ الرَّاهِبُ: الْمَلِكُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِلَيَّ حَاجَةٌ وَلَكِنَّنِي عَبْدُهُ. قَالَ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنَّا، وَقَدْ حَفِظُوا الطُّرُقَ عَنَّا، وَلِي إِلَى أَصْحَابِي الَّذِينَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ، وَأَنْتَ نَصْرَانِيٌّ إِذَا جُزْتَ عَلَى الرُّومِ لَا يُنْكِرُونَكَ، وَقَدْ كَتَبْتُ كِتَابًا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْعُكَّازَةِ فَتُوصِلُهُ إِلَى شَهْرَبَرَازْ، وَأَعْطَاهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ. فَأَخَذَ الْكِتَابِ وَفَتَحَهُ وَقَرَأَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ وَسَارَ، فَلَمَّا صَارَ بِالْعَسْكَرِ وَرَأَى الرُّومَ وَالرُّهْبَانَ وَالنَّوَاقِيسَ رَقَّ قَلْبُهُ وَقَالَ: أَنَا شَرُّ النَّاسِ إِنْ أَهْلَكْتُ النَّصْرَانِيَّةَ! فَأَقْبَلَ إِلَى سُرَادِقِ الْمَلِكِ وَأَنْهَى حَالَهُ وَأَوْصَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ. فَقَرَأَهُ ثُمَّ أَحْضَرَ أَصْحَابُهُ رَجُلًا قَدْ أَخَذُوهُ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ قَدْ وَاطَأَهُ كِسْرَى وَمَعَهُ كِتَابٌ قَدِ افْتَعَلَهُ عَلَى لِسَانِ شَهْرَبَرَازْ إِلَى كِسْرَى يَقُولُ: إِنَّنِي مَازِلْتُ أُخَادِعُ مَلِكَ الرُّومِ، حَتَّى اطْمَأَنَّ إِلَيَّ، وَجَازَ إِلَى الْبِلَادِ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَيُعَرِّفُنِي الْمَلِكُ فِي أَيِّ يَوْمٍ يَكُونُ لِقَاؤُهُ، حَتَّى أَهْجُمَ أَنَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ وَالْمَلِكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَا يَسْلَمُ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَآمَرَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ طَرِيقًا يُؤْخَذُ فِيهَا.
فَلَمَّا قَرَأَ مَلِكُ الرُّومِ الْكِتَابَ الثَّانِيَ تَحَقَّقَ الْخَبَرَ، فَعَادَ شِبْهَ الْمُنْهَزِمِ مُبَادِرًا إِلَى بِلَادِهِ، وَوَصَلَ خَبَرُ عَوْدَةِ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى شَهْرَبَرَازْ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ مَا فَرَّطَ مِنْهُ، فَعَارَضَ الرُّومَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى: إِنَّنِي عَمِلْتُ الْحِيلَةَ عَلَى الرُّومِ حَتَّى صَارُوا فِي الْعِرَاقِ، وَأَنْفَذَ مِنْ رُءُوسِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَفِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم – غُلِبَتِ الرُّومُ – فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 1 – 3] ، يَعْنِي بِأَدْنَى الْأَرْضِ أَذْرُعَاتٍ، وَهِيَ أَدْنَى أَرْضِ الرُّومِ إِلَى الْعَرَبِ، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ هُزِمَتْ بِهَا فِي بَعْضِ حُرُوبِهَا.
وَكَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ سَاءَهُمْ ظَفَرُ الْفُرْسِ أَوَّلًا بِالرُّومِ ; لِأَنَّ الرُّومَ أَهْلُ كِتَابٍ، وَفَرِحَ الْكُفَّارُ لِأَنَّ الْمَجُوسَ أُمِّيُّونَ مِثْلُهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ رَاهَنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ عَلَى أَنَّ الظَّفَرَ يَكُونُ لِلرُّومِ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، وَالرَّهْنُ مِائَةُ بَعِيرٍ، فَغَلَبَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّهْنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ حَرَامًا، فَلَمَّا ظَفِرَتِ الرُّومُ أَتَى الْخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ.
ذِكْرُ مَا رَأَى كِسْرَى مِنَ الْآيَاتِ بِسَبَبِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ سَكَنَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَكَانَ طَاقُ مَجْلِسِهِ قَدْ بُنِيَ بُنْيَانًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ رَجُلًا مِنَ الْحُزَاةِ مِنْ بَيْنِ كَاهِنٍ وَسَاحِرٍ وَمُنَجِّمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ السَّايِبُ، بَعَثَ بِهِ بَاذَانُ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ كِسْرَى إِذَا أَحْزَنَهُ أَمْرُ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ.
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَصْبَحَ كِسْرَى وَقَدِ انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِهِ مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْحَرَفَتْ عَلَيْهِ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَزَنَهُ فَقَالَ: انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِي مِنْ غَيْرِ ثُقْلٍ، وَانْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ ” شَاهْ بِشْكَسْتَ “، يَقُولُ: الْمُلْكُ انْكَسَرَ. ثُمَّ دَعَا كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، وَفِيهِمُ السَّايِبُ، فَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِ فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ أَقْطَارُ السَّمَاءِ وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، فَلَمْ يَمْضِ لَهُمْ مَا رَامُوهُ، وَبَاتَ السَّايِبُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ عَلَى رَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُ، فَرَأَى بَرْقًا مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ اسْتِطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى تَحْتَ قَدَمَيْهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ، فَقَالَ فِيمَا يَعْتَافُ: إِنْ صَدَقَ مَا أَرَى لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الْحِجَازِ سُلْطَانٌ يَبْلُغُ الْمَشْرِقَ تَخْصُبُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ كَأَفْضَلِ مَا أَخْصَبَتْ عَلَى مَلِكٍ.
فَلَمَّا خَلُصَ الْكُهَّانُ وَالْمُنَجِّمُونَ وَالسُّحَّارُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَأَوْا مَا أَصَابَهُمْ، وَرَأَى السَّايِبُ مَا رَأَى، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللَّهِ مَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عِلْمِكُمْ إِلَّا لِأَمْرٍ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّهُ لَنَبِيٌّ بُعِثَ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ يَسْلُبُ هَذَا الْمُلْكَ وَيَكْسِرُهُ، وَلَئِنْ نَعَيْتُمْ لِكِسْرَى مُلْكَهُ لَيَقْتُلَنَّكُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُمُوهُ الْأَمْرَ وَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا أَنَّ وَضْعَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ وَطَاقَ الْمُلْكِ قَدْ وُضِعَ عَلَى النُّحُوسِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَقَعَتِ النُّحُوسُ مَوَاقِعَهَا فَزَالَ كُلُّ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا، وَإِنَّا نَحْسِبُ لَكَ حِسَابًا تَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانَكَ فَلَا يَزُولُ، فَحَسَبُوا وَأَمَرُوهُ بِالْبِنَاءِ، فَبَنَى دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ لَهُمْ: أَجْلِسُ عَلَى سُورِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجَلَسَ فِي أَسَاوِرَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ هُنَاكَ انْتَسَفَتْ دِجْلَةُ الْبُنْيَانَ مِنْ تَحْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ. فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَةٍ وَقَالَ: قَرَّبْتُكُمْ وَأَجْرَيْتُ عَلَيْكُمُ الْأَرْزَاقَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَلْعَبُونَ بِي! فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْطَأْنَا كَمَا أَخْطَأَ مَنْ قَبْلَنَا. ثُمَّ حَسَبُوا لَهُ وَبَنَاهُ وَفَرَغَ مِنْهُ وَأَمَرُوهُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، فَخَافَ فَرَكِبَ فَرَسًا وَسَارَ عَلَى الْبِنَاءِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ انْتَسَفَتْهُ دِجْلَةُ فَلَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ، فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أَوْ لَتَصْدُقُونِي. فَصَدَقُوهُ الْأَمْرَ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَلَّا بَيَّنْتُمْ لِي فَأَرَى فِيهِ رَأْيِي؟ قَالُوا: مَنَعَنَا الْخَوْفُ. فَتَرَكَهُمْ وَلَهَا عَنْ دِجْلَةَ حِينَ غَلَبَتْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبَطَائِحِ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا عَامِرَةً.
فَلَمَّا جَاءَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى، فَزَادَتِ الْفُرَاتُ وَالدِّجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُرَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، فَانْبَثَقَتِ الْبُثُوقُ وَانْتَسَفَتْ مَا كَانَ بَنَاهُ كِسْرَى وَاجْتَهَدَ أَنْ يَكْسِرَهَا فَغَلَبَهُ الْمَاءُ، كَمَا بَيَّنَّا، وَمَالَ إِلَى مَوْضِعِ الْبَطَائِحِ فَطَمَا الْمَاءُ عَلَى الزُّرُوعِ وَغَرِقَ عِدَّةُ طَسَاسِيجَ، ثُمَّ دَخَلَتِ الْعَرَبُ أَرْضَ الْفُرْسِ، وَشَغَلَتْهُمْ عَنْ عَمَلِهَا بِالْحُرُوبِ وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ. فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَجَّاجِ تَفَجَّرَتْ بُثُوقٌ أُخَرُ فَلَمْ يَسُدَّهَا مُضَارَّةً لِلدَّهَاقِينِ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِمُمَالَأَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَعَظُمَ الْخَطْبُ فِيهَا وَعَجِزَ النَّاسُ عَنْ عَمَلِهَا، فَبَقِيَتْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنَ.
وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَى كِسْرَى مَلَكًا وَهُوَ فِي بَيْتِ إِيوَانِهِ الَّذِي لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُعْهُ إِلَّا بِهِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فِي يَدِهِ عَصًا بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَتِهِ الَّتِي يُقِيلُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ هَذِهِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَانْصَرَفَ عَنْهُ فَدَعَا بِحُرَّاسِهِ وَحُجَّابِهِ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: مَنْ أَدْخَلَ هَذَا الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: مَا دَخَلَ عَلَيْنَا أَحَدٌ وَلَا رَأَيْنَاهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَاهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! وَتَغَيَّظَ عَلَى حُجَّابِهِ وَحُرَّاسِهِ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّالِثُ أَتَاهُ فَقَالَ: أَتُسْلِمُ أَوْ أَكْسِرُ الْعَصَا؟ فَقَالَ: بِهِلْ بِهِلْ! فَكَسَرَ الْعَصَا ثُمَّ خَرَجَ. فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا تَهَوُّرُ مُلْكِهِ وَانْبِعَاثُ ابْنِهِ وَالْفُرْسِ حَتَّى قَتَلُوهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: «قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى كِسْرَى فِيكَ؟ قَالَ: (بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَخْرَجَ يَدَهُ إِلَيْهِ مِنْ جِدَارِ بَيْتِهِ تَلَأْلَأُ نُورًا، فَلَمَّا رَآهَا فَزِعَ فَقَالَ لَهُ: لَا تُرَعْ يَا كِسْرَى! إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَاتَّبِعْهُ تَسْلَمْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ. قَالَ: سَأَنْظُرُ) » .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *