ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ

ذِكْرُ غَزْوَةِ تَبُوكَ

لَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الطَّائِفِ مَا بَيْنَ ذِي الْحَجَّةِ إِلَى رَجَبٍ، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ مَقْصِدَهُمْ لِبُعْدِ الطَّرِيقِ، وَشِدَّةِ الْحَرِّ، وَقُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَلَغَهُ أَنَّ هِرَقْلَ مِلْكَ الرُّومِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ مُتَنَصِّرَةِ الْعَرَبِ – قَدْ عَزَمُوا عَلَى قَصْدِهِ، فَتَجَهَّزَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَارُوا إِلَى الرُّومِ. وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، وَالْبِلَادُ مُجْدِبَةٌ، وَالنَّاسُ فِي عُسْرَةٍ، وَكَانَتِ الثِّمَارُ قَدْ طَابَتْ، فَأَحَبَّ النَّاسُ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ، فَتَجَهَّزُوا عَلَى كُرْهٍ، فَكَانَ ذَلِكَ الْجَيْشُ يُسَمَّى جَيْشَ الْعُسْرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُنَافِقِينَ: هَلْ لَكَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي حُبِّي لِلنِّسَاءِ، وَأَخْشَى أَنْ لَا أَصْبِرَ عَلَى نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي وَلَا تَفْتِنِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} [التوبة: 49] الْآيَةَ، وَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ – تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [التوبة: 81] .
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَجَهَّزَ وَأَمَرَ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْفَقَ أَهْلُ الْغِنَى، وَأَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ جَمِيعَ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِهِ، وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْهَا، قِيلَ: كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ وَأَلْفَ دِينَارٍ.
ثُمَّ إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوُا النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُمُ الْبَكَّاءُونَ، وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ، فَاسْتَحْمَلُوهُ. فَقَالَ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. فَتَوَلَّوْا يَبْكُونَ، فَلَقِيَهُمْ يَامِينُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النَّضْرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ عَمَّا يُبْكِيهِمْ فَأَعْلَمُوهُ، فَأَعْطَى أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ بَعِيرًا، فَكَانَا يَعْتَقِبَانِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ فَاعْتَذَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ، وَكَانَ عِدَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَخَلَّفُوا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، مِنْهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ.
فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ فِيمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، «وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ، وَعَلَى أَهْلِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ ذَلِكَ أَخَذَ سِلَاحَهُ وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْمُنَافِقُونَ، فَقَالَ: كَذَبُوا، وَإِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» . فَرَجَعَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا خَيْثَمَةَ أَقَامَ أَيَّامًا، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، وَقَدْ رَشَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ مَاءً، وَصَنَعَتْ طَعَامًا، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْحَرِّ وَالرِّيحِ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ، وَالْمَاءِ الْبَارِدِ مُقِيمٌ! مَا هَذَا بِالنَّصَفِ، وَاللَّهِ مَا أَحَلُّ عَرِيشًا مِنْهَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَهَيَّأَ زَادَهُ وَخَرَجَ إِلَى نَاضِحِهِ فَرَكِبَهُ، وَطَلَبَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَدْرَكَهُ بِتَبُوكَ، فَقَالَ النَّاسُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَاكِبٌ مُقْبِلٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ. فَقَالُوا: هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ. وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِ، فَدَعَا لَهُ» .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ، وَهُوَ بِطَرِيقِهِ، وَهُوَ مَنْزِلُ ثَمُودَ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا تَشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ شَيْئًا، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ فَأَلْقُوهُ وَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ إِلَّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ» . فَفَعَلَ ذَلِكَ النَّاسُ وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَةٍ فَأَصَابَهُ جُنُونٌ، وَأَمَّا الَّذِي طَلَبَ بِعِيرَهُ فَاحْتَمَلَهُ الرِّيحُ إِلَى جَبَلَيْ طَيِّئٍ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ إِلَّا مَعَ صَاحِبٍ لَهُ» ؟ فَأَمَّا الَّذِي خُنِقَ فَدَعَا لَهُ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الَّذِي حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فَأَهْدَتْهُ طَيِّئٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ عَوْدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ بِالْحِجْرِ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَدَعَا اللَّهَ، فَأَرْسَلَ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتَّى رُوِيَ النَّاسُ.
وَكَانَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا جَاءَ الْمَطَرُ قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: هَلْ بَعُدَ هَذَا الشَّيْءُ؟ قَالَ: سَحَابَةٌ مَارَّةٌ.
وَضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلَقُوا فَأَتَوْهُ بِهَا، فَرَجَعَ عُمَارَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَخَبَّرَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنِ النَّاقَةِ تَعَجُّبًا مِمَّا رَأَى. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ الْقَيْنُقَاعِيُّ مُنَافِقًا، وَهُوَ فِي رَحْلِ عُمَارَةَ قَدْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَأُخْبِرَ عُمَارَةُ بِأَنَّ زَيْدًا قَدْ قَالَهَا، فَقَامَ عُمَارَةُ يَطَأُ عُنُقَهُ وَهُوَ يَقُولُ: فِي رَحْلِي دَاهِيَةٌ وَلَا أَدْرِي! اخْرُجْ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَزَلْ مُتَّهَمًا حَتَّى هَلَكَ.
وَوَقَفَ بِأَبِي ذَرٍّ جَمَلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ: ذَرُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، فَكَانَ يَقُولُهَا لِكُلِّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَوَقَفَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى جَمَلِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ رَحْلَهُ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَتَبِعَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَاشِيًا. فَنَظَرَ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُنْ أَبَا ذَرٍّ. فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ النَّاسُ قَالُوا: هُوَ أَبُو ذَرٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ. وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، وَيَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .
فَلَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ أَصَابَهُ بِهَا أَجَلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ يُغَسِّلَاهُ وَيُكَفِّنَاهُ، ثُمَّ يَضَعَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِهِمَا يَسْتَعِينَانِ بِهِمْ عَلَى دَفْنِهِ، فَفَعَلَا ذَلِكَ، فَاجْتَازَ بِهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَعْلَمَتْهُ امْرَأَةُ أَبِي ذَرٍّ بِمَوْتِهِ. فَبَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، ثُمَّ وَارَوْهُ.
وَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى تَبُوكَ، فَأَتَى يُوحَنَّا بْنَ رُؤْبَةَ صَاحِبَ أَيْلَةَ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، فَبَلَغَتْ جِزْيَتُهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ زَادَ فِيهَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ غَيْرَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَصَالَحَ أَهْلَ أَذْرُحَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَبٍ. وَصَالَحَ أَهْلَ جَرْبَاءَ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَصَالَحَ أَهْلَ مَقْنَا عَلَى رُبْعِ ثِمَارِهِمْ.
«وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَاحِبِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ كِنْدَةَ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ تَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ» . فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ عَلَى مَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَأُكَيْدِرُ عَلَى سَطْحِ دَارِهِ، فَبَاتَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْحِصْنِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، ثُمَّ نَزَلَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَطْلُبُ الْبَقَرَ، فَتَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَخَذَتْهُ، وَقَتَلُوا أَخَاهُ حَسَّانًا، «وَأَخَذَ خَالِدٌ مِنْ أُكَيْدِرَ قَبَاءَ دِيبَاجٍ مُخَوَّصٍ بِالذَّهَبِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا» . وَقَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدِرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَحُقِنَ دَمُهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَلَمْ يُجَاوِزْهَا، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ الرُّومُ وَالْعَرَبُ الْمُتَنَصِّرَةُ، فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ لَا يَرْوِي إِلَّا الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي الْمُشَقَّقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَبَقَنَا فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ. فَسَبَقَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا مَا فِيهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخْبَرُوهُ بِفِعْلِهِمْ، فَلَعَنَهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَهُ، وَجَعَلَ يَصُبُّ إِلَيْهَا يَسِيرًا مِنَ الْمَاءِ، فَدَعَا فِيهِ وَنَضَحَهُ فِي الْوَشَلِ، فَانْخَرَقَ الْمَاءُ جَرْيًا شَدِيدًا، فَشَرِبَ النَّاسُ وَاسْتَقَوْا» . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى قَارَبَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَأَرْسَلَ مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ فَحَرَقَهُ وَهَدَمَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] الْآيَاتِ. وَكَانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ دَارِ خِذَامِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَأَتَوْهُ يَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتَخَلَّفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ، وَهُمْ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، تَخَلَّفُوا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا نِفَاقٍ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ كَلَامِهِمْ، فَاعْتَزَلَهُمُ النَّاسُ، فَبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التوبة: 118]
الْآيَاتِ، إِلَى قَوْلِهِ: صَادِقِينَ، وَكَانَ قُدُومُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ.
(يَامِينُ النَّضْرِيُّ بِالنُّونِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ. وَزَيْدُ بْنُ لُصَيْتٍ بِاللَّامِ الْمَضْمُومَةِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقِهَا. وَخِذَامُ بْنُ خَالِدٍ بِالْخَاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. وَأُكَيْدِرٌ بِالْهَمْزَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ) .

ذِكْرُ قُدُومِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَفِيهَا قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْلِمًا، وَقِيلَ: بَلْ أَدْرَكَهُ فِي الطَّرِيقِ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ، فَقَالَ: أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ، وَرَجَا أَنْ يُوَافِقُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الطَّائِفِ صَعِدَ إِلَى عِلِّيَّةٍ لَهُ، وَأَشْرَفَ مِنْهَا عَلَيْهِمْ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَرَى فِي دَمِكَ؟ فَقَالَ: كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا إِلَيَّ، لَيْسَ فِيَّ إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ. فَلَمَّا مَاتَ دَفَنُوهُ مَعَهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيهِ: إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ» .

ذِكْرُ قُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ رَأَوْا مَنْ يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ نَصَبُوا لَهُمُ الْقِتَالَ، وَشَنُّوا الْغَارَاتِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ مَالٌ إِلَّا نُهِبَ، وَلَا إِنْسَانٌ إِلَّا أُخِذَ، فَلَمَّا رَأَوْا عَجْزَهُمُ اجْتَمَعُوا وَأَرْسَلُوا عَبْدَ يَا لَيْلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ، وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْأَحْلَافِ، وَأَرْسَلُوا مِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ، فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَنْزَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَا يَأْكُلُونَهُ مَعَ خَالِدٍ، وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا حَتَّى يَأْكُلَ خَالِدٌ مِنْهُ، حَتَّى أَسْلَمُوا.
وَكَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَدَعَ الطَّاغِيَةَ، وَهِيَ اللَّاتُ، لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَتَسَلَّمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَنَزَلُوا إِلَى شَهْرٍ فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ» . فَأَجَابُوا وَأَسْلَمُوا. وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَهُمُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ؛ لِيَهْدِمَا الطَّاغِيَةَ، فَتَقَدَّمَ الْمُغِيرَةُ فَهَدَمَهَا، وَقَامَ قَوْمُهُ مِنْ بَنِي شُعَيْبٍ دُونَهُ؛ خَوْفًا أَنْ يُرْمَى بِسَهْمٍ، وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسَّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا، وَأُخِذَ حُلِيُّهَا وَمَالُهَا.
وَكَانَ أَبُو مَلِيحِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ – قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا قُتِلَ عُرْوَةُ وَالْأَسْوَدُ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَقْضِيَا مِنْهُ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ ابْنَيْ مَسْعُودٍ، فَفَعَلَا، «وَكَانَ الْأَسْوَدُ مَاتَ كَافِرًا، فَسَأَلَ ابْنُهُ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ أَبِيهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَافِرٌ. فَقَالَ: يَصِلُ مُسْلِمٌ ذَا قَرَابَتِهِ» . يَعْنِي أَنَّهُ أَسْلَمَ فَيَصِلُ أَبَاهُ وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا.

ذِكْرُ غَزْوَةِ طَيِّئٍ وَإِسْلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ أَرْسَلَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى دِيَارِ طَيِّئٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَهْدِمَ صَنَمَهُمُ الْفَلْسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَغَنِمَ وَسَبَى وَكَسَرَ الصَّنَمَ، وَكَانَ مُتَقَلِّدًا سَيْفَيْنِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: مِخْذَمُ، وَلِلْآخَرِ: رَسُوبُ، فَأَخَذَهُمَا عَلِيٌّ وَحَمَلَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ أَهْدَى السَّيْفَيْنِ لِلصَّنَمِ، فَعُلِّقَا عَلَيْهِ، وَأَسَرَ بِنْتًا لِحَاتِمٍ الطَّائِيِّ، وَحُمِلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالْمَدِينَةِ، فَأَطْلَقَهَا.
وَأَمَّا إِسْلَامُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَقَالَ عَدِيٌّ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخَذُوا أُخْتِي وَنَاسًا، فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَتْ أُخْتِي: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ،
فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: الَّذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ! فَمَنَّ عَلَيْهَا، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا. فَسَأَلَتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا بِهِ وَكَسَاهَا، وَأَعْطَاهَا نَفَقَةً» . قَالَ عَدِيٌّ: وَكُنْتُ مَلِكَ طَيِّئٍ آخُذُ مِنْهُمُ الْمِرْبَاعَ وَأَنَا نَصْرَانِيٌّ، فَلَمَّا قَدِمَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَرَبْتُ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقُلْتُ: أَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ دِينِي، فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جَاءَتْ أُخْتِي، وَأَخَذَتْ تَلُومُنِي عَلَى تَرْكِهَا وَهَرَبِي بِأَهْلِي دُونَهَا، ثُمَّ قَالَتْ لِي: أَرَى أَنْ تَلْحَقَ بِمُحَمَّدٍ سَرِيعًا، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَانَ لِلسَّابِقِ فَضْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا كُنْتَ فِي عِزٍّ وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ: «فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّفْتُهُ نَفْسِي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ، فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِمَلِكٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَهُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى وِسَادَةٍ، وَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا هَذَا مَلِكٌ. فَقَالَ لِي: يَا عَدِيُّ، إِنَّكَ تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ وَهُوَ لَا يَحِلُّ فِي دِينِكَ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِنَا وَكَثْرَةِ عَدُوِّنَا، وَاللَّهِ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ بِالْمَرْأَةِ تَسِيرُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَوَاللَّهِ لَتَسْمَعَنَّ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ بَابِلَ وَقَدْ فُتِحَتْ. قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَقَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ وَقَدْ فُتِحَتْ، وَرَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ إِلَى الْبَيْتِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَوَاللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» .

ذِكْرُ قُدُومِ الْوُفُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَكَّةَ وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ – ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَنْتَظِرُ بِإِسْلَامِهَا قُرَيْشًا؛ إِذْ كَانُوا أَمَامَ النَّاسِ، وَأَهْلَ الْحَرَمِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – لَا تُنْكِرُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي نَصَبَتِ الْحَرْبَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَخِلَافَهُ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَأَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهَا لَا طَاقَةَ لَهَا بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي الدِّينِ أَفْوَاجًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ – تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ – وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا – فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 – 3] .
وَقَدِمَتْ وُفُودُهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَدِمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ قَبْلَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [الحجرات: 17] ، الْآيَةَ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَلِيٍّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ، وَهُمْ عَشَرَةُ نَفَرٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ مَعَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسٍ، وَفِيهِمْ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَالْخَتَّاتُ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ زَيْدٍ، فِي وَفْدٍ عَظِيمٍ، وَمَعَهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: جِئْنَا نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَقَامَ عُطَارِدُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْنَا الْفَضْلُ الَّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُمْ عَدَدًا، فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فَلْيُعَدِّدْ مِثْلَ عَدَدِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: أَجِبِ الرَّجُلَ. فَقَامَ ثَابِتٌ فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيُّهُ عِلْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُمْ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ – تَعَالَى – مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَآمَنَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمُ النَّاسِ نَسَبًا، وَأَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرُ النَّاسِ فِعَالًا. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ اسْتِجَابَةً لِلَّهِ حِينَ دَعَاهُ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا … مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ … عِنْدَ النِّهَابِ وَفَضْلُ الْعُرْبِ يُتَّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا … مِنَ الشِّوَاءِ إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ
بِمَا تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمُ … مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوِيًّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُومَ عَبْطًا فِي أَرُومَتِنَا … لِلنَّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ … إِلَّا اسْتَقَادُوا وَكَادَ الرَّأْسُ يُقْتَطَعُ
إِنَّا أَبَيْنَا وَلَنْ يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ … إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ يَعْرِفُنَا … فَيَرْجِعُ الْقَوْلُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
قَالَ: وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ غَائِبًا، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُجِيبَ شَاعِرَهُمْ. قَالَ حَسَّانُ: فَلَمَّا سَمِعْتُ قَوْلَهُ قُلْتُ عَلَى نَحْوِهِ:
إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ … قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ … أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ … تَقْوَى الْإِلَهِ، وَكُلُّ الْبِرِّ يُصْطَنَعُ
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ … إِنَّ الْخَلَائِقَ، فَاعْلَمْ، شَرُّهَا الْبِدَعُ
إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ … فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
لَا يُرْقِعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمُ … عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ … أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا
أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ … لَا يَطْعَبُونَ وَلَا يُزْرِي بِهِمْ طَمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ … وَلَا يَمَسُّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ
إِذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمُ
كَمَا يَدِبُّ إِلَى الْوَحْشِيَّةِ الذَّرَعُ … كَأَنَّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتِ مُكْتَنِعُ
أُسْدٌ بِحَلْيَةَ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ … أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ
إِذَا تَفَرَّقَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ … فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ
إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لِمُؤْتًى لَهُ، خَطِيبُهُمْ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَشَاعِرُهُمْ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] الْآيَاتِ.
(الْخَتَّاتُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَاءَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ، وَنُونٍ) .
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كُتُبُ مُلُوكِ حِمْيَرَ مُقِرِّينَ بِالْإِسْلَامِ، مَعَ رَسُولِهِمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالنُّعْمَانِ – قِيلَ: ذِي رُعَيْنٍ – وَهَمْدَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ زُرْعَةُ ذُو يَزَنَ مَالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرُّهَاوِيَّ بِإِسْلَامِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَأْمُرُهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَهْرَاءَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَنَزَلُوا عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي الْبَكَّاءِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ، فِيهِمْ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مُنْقِذٍ.
وَفِيهَا «قَدِمَ وَفْدُ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَ وَافِدُهُمْ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ» ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى! فَقَالُوا: اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ وَالْجُنُونَ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! إِنَّهُمَا لَا يَضُرَّانِ وَلَا
يَنْفَعَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدِ اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ. وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، فَمَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ مُشْرِكٌ وَلَا امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ، فَمَا سُمِعَ بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.

ذِكْرُ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

وَفِيهَا «حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَمَعَهُ عِشْرُونَ بَدَنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلِنَفْسِهِ خَمْسُ بَدَنَاتٍ، وَكَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي أَثَرِهِ عَلِيًّا، وَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ ” بَرَاءَةٌ ” عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَعَادَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي، أَلَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ قَالَ: بَلَى، فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْسِمِ، فَأَقَامَ النَّاسُ الْحَجَّ، وَحَجَّتِ الْعَرَبُ الْكُفَّارُ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلِيٌّ يُؤَذِّنُ بِ ” بَرَاءَةٌ “، فَنَادَى يَوْمَ الْأَضْحَى: لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَهْدٌ؛ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ» . وَرَجَعَ الْمُشْرِكُونَ، فَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَالُوا: مَا تَصْنَعُونَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟ فَأَسْلَمُوا.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَتِ الصَّدَقَاتُ، وَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيهَا عُمَّالَهُ.
وَفِيهَا فِي شَعْبَانَ تُوُفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهِيَ زَوْجُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَغَسَّلَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: غَسَّلَتْهَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُنَّ أُمُّ عَطِيَّةَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا أَبُو طَلْحَةَ.
وَفِيهَا «مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ فِي شَوَّالٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَأَلَهُ قَمِيصَهُ، فَأَعْطَاهُ فَكَفَّنَهُ فِيهِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ يُعَدِّدُ أَيَّامَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَبَسَّمُ ثُمَّ قَالَ: أَخِّرْ عَنِّي عُمَرُ، قَدْ خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80]
وَلَوْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ زِدْتُ عَلَى السَبْعِينِ غُفِرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ – تَعَالَى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] الْآيَةَ» .
وَفِيهَا نَعَى النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – النَّجَاشِيَّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[الْوَفَيَاتُ]
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَامِرٍ الرَّاهِبُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ.

ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ
ذِكْرُ وَفْدِ نَجْرَانَ مَعَ الْعَاقِبِ وَالسَّيِّدِ

وَفِيهَا أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابُوا أَقَامَ فِيهِمْ وَعَلَّمَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلَهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَجَابُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَقَامَ فِيهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعْلِمُهُ إِسْلَامَهُمْ، وَعَادَ خَالِدٌ وَمَعَهُ وَفْدُهُمْ، فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْنَانَ ذِي الْغُصَّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ عَادُوا عَنْهُ فِي بَقِيَّةِ شَوَّالٍ أَوْ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ يُعَلِّمُهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَيَأْخُذُ صَدَقَاتِهِمْ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَمْرُو بْنُ حَزْمٍ عَلَى نَجْرَانَ.
وَأَمَّا نَصَارَى نَجْرَانَ فَإِنَّهُمْ أَرْسَلُوا الْعَاقِبَ وَالسَّيِّدَ فِي نَفَرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَرَادُوا مُبَاهَلَتَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَالُوا: هَذِهِ وُجُوهٌ لَوْ أَقْسَمَتْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُزِيلَ الْجِبَالَ لَأَزَالَهَا، وَلَمْ يُبَاهِلُوهُ، وَصَالَحُوهُ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، ثَمَنُ كُلِّ حُلَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى أَنْ يُضِيفُوا رُسُلَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَجَعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ – تَعَالَى – وَعَهْدَهُ أَلَّا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَلَا يُعَشَّرُوا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا يَتَعَامَلُوا بِهِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ عَامَلَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ الْكِتَابِ عَنِ الْحِجَازِ، وَأَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى نَجْرَانِيَّةِ الْكُوفَةِ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ عَقَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ كَثُرُوا، فَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَتَحَاسَدُوا بَيْنَهُمْ، فَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَالُوا: أَجْلِنَا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَنَمَهَا، فَأَجْلَاهُمْ، فَنَدِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَقَالُوهُ فَأَبَى، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ. فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ أَتَوْهُ وَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ خَطَّكَ بِيَمِينِكَ. فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَأَنَا أَكْرَهُ خِلَافَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ، وَكَانَ صَاحِبُ النَّجْرَانِيَّةِ بِالْكُوفَةِ يَبْعَثُ إِلَى مَنْ بِالشَّامِ وَالنَّوَاحِي مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يَجْبُونَهُمُ الْحُلَلَ.
فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ شَكَوْا إِلَيْهِ تَفَرُّقَهُمْ، وَمَوْتَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، وَإِسْلَامَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا قَدْ قَلُّوا، وَأَرَوْهُ كِتَابَ عُثْمَانَ، فَوَضَعَ عَنْهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ تَكْمِلَةَ أَرْبَعِمِائَةِ حُلَّةٍ. فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ الْعِرَاقَ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ – اتَّهَمَ الدَّهَاقِينَ بِمُوَالَاتِهِ، وَاتَّهَمَهُمْ مَعَهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ حُلَّةٍ، وَأَخَذَهُمْ بِحُلَلٍ وَشَيْءٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَوْا إِلَيْهِ فَنَاءَهُمْ وَنَقْصَهُمْ، وَإِلْحَاحَ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ بِالْغَارَةِ، وَظُلْمَ الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُحْصَوْا، وَوُجِدُوا عَلَى الْعُشْرِ مِنْ عِدَّتِهِمُ الْأُولَى، فَقَالَ: أَرَى هَذَا الصُّلْحَ جِزْيَةً، وَلَيْسَ عَلَى أَرْضِهِمْ شَيْءٌ، وَجِزْيَةُ الْمُسْلِمِ وَالْمَيِّتِ سَاقِطَةٌ، فَأَلْزَمَهُمْ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. فَلَمَّا تَوَلَّى يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ رَدَّهُمْ إِلَى أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ عَصَبِيَّةً لِلْحَجَّاجِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ السَّفَّاحُ عَمَدُوا إِلَى طَرِيقِهِ يَوْمَ ظُهُورِهِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَأَلْقَوْا فِيهَا الرَّيْحَانَ وَنَثَرُوا عَلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، ثُمَّ رَفَعُوا إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِأَخْوَالِهِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، فَرَدَّهُمْ إِلَى مِائَتَيْ حُلَّةٍ. فَلَمَّا وَلِيَ الرَّشِيدُ شَكَوْا إِلَيْهِ الْعُمَّالَ فَأَمَرَ أَنْ يُعْفَوْا مِنَ الْعُمَّالِ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَدَّاهُمْ بَيْتَ الْمَالِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ سَلَامَانَ فِي شَوَّالٍ، وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ، رَأَسَهُمْ حَبِيبٌ السَّلَامَانِيُّ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ غَسَّانَ فِي رَمَضَانَ، وَوَفْدُ غَامِدٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَيْضًا.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الْأَزْدِ، رَأَسَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَسْلَمَ، وَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ الْمُشْرِكِينَ، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ جُرَشَ، وَفِيهَا قَبَائِلُ مِنَ الْيَمَنِ فِيهِمْ خَثْعَمُ، فَحَاصَرَهُمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، فَامْتَنَعُوا مِنْهُ، فَرَجَعَ حَتَّى كَانَ بِجَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: كَشَرُ، فَظَنَّ أَهْلُ جُرَشَ أَنَّهُ مُنْهَزِمٌ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ «كَانَ أَهْلُ جُرَشَ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَنْظُرَانِ حَالَهُ. فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَهُ إِذْ قَالَ: بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَكَرُ؟ فَقَالَا: بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشَرُ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِكَشَرَ، وَلَكِنَّهُ شَكَرُ، وَإِنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ. فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُثْمَانُ: وَيْحَكُمَا! إِنَّهُ يَنْعِي لَكُمَا قَوْمَكُمَا، فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ يَرْفَعُ عَنْهُمْ، فَفَعَلَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَوَجَدَاهُمْ قَدْ أُصِيبُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَالَهُمْ، وَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَسْلَمُوا» .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ مُرَادٍ مَعَ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ ظَفِرَتْ فِيهَا هَمْدَانُ، وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِي مُرَادٍ، وَكَانَ يُقَالُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ: يَوْمُ الرَّزْمِ، وَكَانَ رَئِيسَ هَمْدَانَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ وَالِدُ مَسْرُوقٍ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَرْوَةُ:
فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدْمًا … وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا
وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ … مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ … تَكُرُّ صُرُوفُهُ حِينًا وَحِينَا
فَبَيْنَا مَا يُسَرُّ بِهِ وَيُرْضَى … وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا
إِذِ انْقَلَبَتْ بِهِ كُرَّاتُ دَهْرٍ … فَأَلْفَى لِلْأُولَى غَبَطُوا طَحِينًا
وَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ … يَجِدْ رَيْبَ الزَّمَانِ لَهُ خَئُونًا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إِذًا خَلَدْنَا … وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذًا بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَاكُمُ سَرَوَاتِ قَوْمٍ
كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا
وَلَمَّا تَوَّجَهَ فَرْوَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُفَارِقًا لِقَوْمِهِ قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ … كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقَ نَسَائِهَا
يَمَّمْتُ رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمَّدًا … أَرْجُو فَضَائِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لَهُ: يَا فَرْوَةُ، هَلْ سَاءَكَ مَا أَصَابَ قَوْمَكَ يَوْمَ الرِّزْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ ذَا يُصِيبُ قَوْمَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمِي، وَلَمْ يَسُؤْهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَزِيدُ قَوْمَكَ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا خَيْرًا. فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَبَعَثَ مَعَهُ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَكَانَ عَلَى الصَّدَقَاتِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِيهَا أَرْسَلَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ، ثُمَّ النُّفَاثِيُّ، رَسُولًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِإِسْلَامِهِ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرُّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ مُعَانَ فِي أَرْضِ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ إِسْلَامُهُ طَلَبُوهُ حَتَّى أَسَرُوهُ، فَحَبَسُوهُ، فَقَالَ فِي مَحْبَسِهِ ذَلِكَ:
طَرَقَتْ سُلَيْمِي مُوهِنًا فَشَجَانِي … وَالرُّومُ بَيْنَ الْبَابِ وَالْقُرْبَانِ
صَدَّ الْخَيَالُ وَسَاءَهُ مَا قَدْ رَأَى … وَهَمَمْتُ أَنْ أُغْفِيَ وَقَدْ أَبْكَانِي
لَا تُكْحِلِنَّ الْعَيْنَ بَعْدِي إِثْمِدًا … سَلْمَى وَلَا تَدْنِنَّ لِلْإِنْسَانِ
فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الرُّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: عِفْرَى، بِفِلَسْطِينَ قَالَ:
أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنَّ خَلِيلَهَا … عَلَى مَاءِ عِفْرَى فَوْقَ إِحْدَى الرَّوَاحِلِ
عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يُلَقِّحِ الْفَحْلُ أُمَّهَا … مُشَذَّبَةٍ أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ
وَهَذَا مِنْ أَبْيَاتِ الْمَعَانِي. فَلَمَّا قَدَّمُوهُ لِيَصْلُبُوهُ قَالَ:
بَلِّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنِّنِي … سَلْمٌ لِرَبِّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي
ثُمَّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ، وَصَلَبُوهُ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ زُبَيْدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى زُبَيْدٍ وَمُرَادٍ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ قُدُومِ عَمْرٍو، فَلَمَّا عَادَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَقَامَ فِي قَوْمِهِ بَنِي زُبَيْدٍ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ارْتَدَّ عَمْرٌو.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفِيهِمُ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَنْ مَعَهُ، وَكَانَ الْجَارُودُ حَسَنَ الْإِسْلَامِ، نَهَى قَوْمَهُ عَنِ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَمَّا ارْتَدُّوا مَعَ الْغَرُورِ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ الْفَتْحِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَبْلَ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ أَمِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ وَفِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ فِي دَارِ ابْنَةِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَاجْتَمَعَ مُسَيْلِمَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ عَادَ إِلَى الْيَمَامَةِ وَتَنَبَّأَ، وَتَكَذَّبَ لَهُمْ، وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيكُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي النُّبُوَّةِ، فَاتَّبَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ.
وَفِيهَا «قَدِمَ وَفْدُ كِنْدَةَ مَعَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، فَقَالَ الْأَشْعَثُ: نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ، وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمِرَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا» .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ مُحَارِبٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ الرَّهَاوِيِّينَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ (وَرَهَاءُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ) .
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ عَبْسٍ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ صَدِفٍ، وَافَوْا رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ خَوْلَانَ، وَكَانُوا عَشْرَةً.
وَفِيهَا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ، وَجَبَّارُ بْنُ سُلْمَى – بِضَمِّ السِّينِ وَبِالْإِمَالَةِ – بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ عَامِرٌ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَأَسْلِمْ. فَقَالَ: لَا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى، ثُمَّ قَالَ لِأَرْبَدَ: إِذَا قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَإِنِّي شَاغِلُهُ عَنْكَ، فَاعْلُهُ بِالسَّيْفِ مِنْ خَلْفِهِ. فَلَمَّا قَدِمُوا جَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَشْغَلُهُ لِيَفْتِكَ بِهِ أَرْبَدُ، فَلَمْ يَفْعَلْ أَرْبَدُ شَيْئًا، فَقَالَ عَامِرٌ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرًا» . فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ عَامِرٌ لِأَرْبَدَ: لِمَ لَمْ تَقْتُلْهُ؟ قَالَ: كُلَّمَا هَمَمْتُ بِقَتْلِهِ دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟ وَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّهُ لَفِي بَيْتِ امْرَأَةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَمَاتَ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ، أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتٌ فِي بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ! وَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى أَرْبَدَ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُ، وَكَانَ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمِّهِ.
وَفِيهَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَفْدُ طَيِّئٍ فِيهِمْ زِيدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ زَيْدِ الْخَيْلِ. ثُمَّ سَمَّاهُ زَيْدُ الْخَيْرِ» ، وَأَقْطَعَ لَهُ فَيْدَ وَأَرَضِينَ مَعَهَا. فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى بِقَرْيَةٍ مِنْ نَجْدٍ، فَمَاتَ بِهَا.
وَفِيهَا كَتَبَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَذْكُرُ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي النُّبُوَّةِ، وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ رَسُولَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْهُ فَصَدَّقَاهُ. فَقَالَ لَهُمَا: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا.
وَكَانَ كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ مَعَكَ فِي الْأَمْرِ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفَ الْأَرْضِ وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، أَمَّا بَعْدُ، فَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .
وَقِيلَ: إِنِّ دَعْوَى مُسَيْلِمَةَ وَغَيْرِهِ النُّبُوَّةَ كَانَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَمَرْضَتِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا. فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِمَرَضِهِ وَثَبَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ، وَمُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَطُلَيْحَةُ فِي بَنِي أَسَدٍ.

ذِكْرُ إِرْسَالِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ وَإِسْلَامِ هَمْدَانَ

فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ كَانَ أَرْسَلَ قَبْلَهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَأَرْسَلَ عَلِيًّا وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْقِلَ خَالِدًا وَمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفَعَلَ، وَقَرَأَ عَلِيٌّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ، يَقُولُهُ ثَلَاثًا» . ثُمَّ تَتَابَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ – تَعَالَى -.

ذِكْرُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَرَاءَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ

وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُمَرَاءَهُ وَعُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيُّ وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى حَضْرَمَوْتَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ الطَّائِيَّ عَلَى صَدَقَاتِ طَيِّئٍ وَأَسَدٍ، وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَجَعَلَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إِلَى نَجْرَانَ، لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَجِزْيَتَهُمْ وَيَعُودَ، فَفَعَلَ وَعَادَ، وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَبَقَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ، فَعَقَدَ الرَّجُلُ إِلَى الْجَيْشِ، فَكَسَاهُمْ، كُلَّ رَجُلٍ حُلَّةً مِنَ الْبَزِّ الَّذِي مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَنَا الْجَيْشُ خَرَجَ عَلِيٌّ لِيَتَلَقَّاهُمْ، فَرَأَى عَلَيْهِمُ الْحُلَلَ، فَنَزَعَهَا عَنْهُمْ، فَشَكَاهُ الْجَيْشُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَامَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَطِيبًا فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَشْكُوا عَلِيًّا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ» .

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *