ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ

لَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَضَعَ الْمُسْلِمُونَ السِّلَاحَ، وَضَرَبَ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قُبَّةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا كَانَ الظُّهْرُ أَتَى جِبْرَائِيلُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ جِبْرَائِيلُ: مَا وَضَعَتِ الْمَلَائِكَةُ السِّلَاحَ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَا عَامِدٌ إِلَيْهِمْ. «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَدَّمَ عَلِيًّا إِلَيْهِمْ بِرَايَتِهِ، وَتَلَاحَقَ النَّاسُ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَتَاهُ رِجَالٌ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فَصَلَّوُا الْعَصْرَ بِهَا، وَمَا عَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ شَهْرًا وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ أَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مِنَ الْأَوْسِ، نَسْتَشِيرُهُ، فَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَبَكَى النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَرَقَّ لَهُمْ، فَقَالُوا: نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: فَمَا زَالَتْ قَدَمَايَ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقَمْتُ بِمَكَانٍ عَصَيْتُ اللَّهَ فِيهِ. وَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ.
فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ الْأَوْسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، افْعَلْ فِي مَوَالِينَا مَا فَعَلْتَ فِي مَوَالِيِّ الْخَزْرَجِ، يَعْنِي بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. فَقَالَ: «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ؟ قَالُوا: بَلَى. فَأَتَاهُ قَوْمُهُ فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ إِلَى مَوَالِيكَ. فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَعَلِمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَقْتُلُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ، أَوْ قَالَ: خَيْرِكُمْ، فَقَامُوا إِلَيْهِ وَأَنْزَلُوهُ، وَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَحْسِنْ إِلَى مَوَالِيكَ، فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَيْكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، إِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَالْتَفَتَ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِجْلَالًا، وَقَالَ: وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا الْعَهْدُ أَيْضًا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» .
ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا، فَحُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِيهَا، وَفِيهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ سَيِّدُهُمْ، وَكَانُوا سِتَّمِائَةٍ أَوْ سَبْعَمِائَةٍ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ سَبْعِمِائَةٍ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَأُتِي بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَهُوَ مَكْتُوفٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنْ مَنْ يَخْذِلِ اللَّهُ يُخْذَلْ. ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٌ وَقَدَرٌ، وَمَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
فَأُجْلِسَ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَلَمْ تُقْتَلْ مِنْهُمْ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، قُتِلَتْ بِحَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ، وَقُتِلَتْ أُرْفَةُ بِنْتُ عَارِضَةَ مِنْهُمْ.
وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ.
ثُمَّ «قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمْوَالَهُمْ، فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ، وَلِلرَّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ» ، وَكَانَتِ الْخَيْلُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْخُمُسَ، وَكَانَ أَوَّلَ فَيْءٍ وَقَعَ فِيهِ السَّهْمَانِ وَالْخُمُسُ.
«وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِنَفْسِهِ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَالَتْ: اتْرُكْنِي فِي مِلْكِكَ، فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ» .
فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَكَانَ فِي خَيْمَتِهِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ، فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «سَمِعْتُ بُكَاءَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَيْهِ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، وَأَمَّا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ لَا يَبْكِي عَلَى أَحَدٍ، كَانَ إِذَا اشْتَدَّ وَجْدُهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ» .
وَكَانَ فَتْحُ قُرَيْظَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَصَدْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَنْدَقِ سِتَّةُ نَفَرٍ، وَفِي قُرَيْظَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.

وَدَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ

فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ، خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ؛ لِيُصِيبَ مِنَ الْقَوْمِ غِرَّةً، وَأَغَذَّ السَّيْرَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى غَرَانِ مَنَازِلِ بَنِي لِحْيَانَ، وَهِيَ بَيْنَ أَمَجَ وَعُسْفَانَ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا وَتَمَنَّعُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا أَخْطَأَهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ خَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ حَتَّى نَزَلَ بِعُسْفَانَ، تَخْوِيفًا لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَرْسَلَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمَّ عَادَ قَافِلًا.
(غَرَانُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ. وَأَمَجَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ) .

ذِكْرُ غَزَاةِ ذِي قَرَدٍ

ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُقِمْ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، حَتَّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي خَيْلِ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ، وَأَوَّلُ مَنْ نَذَرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ
الْأَسْلَمِيُّ، هَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرٍ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ سَلَمَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ مُنْصَرِفًا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْنَ الْوَقْعَتَيْنِ تَفَاوُتٌ.
قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِهِ» ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ، وَقَتَلَ رَاعِيَهُ. قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، خُذْ هَذَا الْفَرَسَ فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ، وَأَخْبِرِ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلْتُ الْأَكَمَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ! ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ:
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيَّ فَارِسٌ قَعَدْتُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ فَرَمَيْتُهُ فَعَقَرْتُ بِهِ، وَإِذَا دَخَلُوا فِي مَضَايِقِ الْجَبَلِ رَمَيْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ حَتَّى مَا تَرَكْتُ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعِيرًا إِلَّا جَعَلْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ بِهَا، لَا يُلْقُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ أَمَارَةً، أَيْ عَلَامَةً، حَتَّى يَعْرِفَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى مُتَضَايِقٍ مِنْ ثَنِيَّةٍ أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ مُمِدًّا، فَقَعَدُوا يَتَضَحَّوْنَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْهُ الْبَرْحَ، وَقَدِ اسْتَنْقَذَ كُلَّ مَا بِأَيْدِينَا، فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى أَبْصَرْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، أَوَّلُهُمُ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ – وَاسْمُهُ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ – وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قَتَادَةَ، وَعَلَى أَثَرِهِمَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْأَخْرَمِ وَقُلْتُ: احْذَرِ الْقَوْمَ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى تَلْحَقَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ، فَالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَعَقَرَ الْأَخْرَمُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ، وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ، فَانْطَلَقُوا هَارِبِينَ، قَالَ سَلَمَةُ: فَوَالَّذِي
كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَأَتْبَعَنَّهُمْ أَعْدُو عَلَى رِجْلِي، حَتَّى مَا أَرَى مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَلَا غُبَارِهِمْ شَيْئًا.
وَعَدَلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى غَارٍ فِيهِ مَاءٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، يَشْرَبُونَ مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ، فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو فِي آثَارِهِمْ، فَحَلَّيْتُهُمْ، فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، قَالَ: وَاشْتَدُّوا فِي ثَنِيَّةِ ذِي أَبْهَرَ، فَأَرْشُقُ بَعْضَهُمْ بِسَهْمٍ، فَيَقَعُ فِي نُغْضِ كَتِفِهِ، فَقُلْتُ:
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ.
وَإِذَا فَرَسَانِ عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَجِئْتُ بِهِمَا أَقُودُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلَحِقَنِي عَمِّي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ «جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي حَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الْإِبِلَ الَّتِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْعَدُوِّ، وَكُلَّ رُمْحٍ، وَكُلَّ بُرْدَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ قَدْ نَحَرَ لَهُمْ نَاقَةً مِنَ الْإِبِلِ وَهُوَ يَشْوِي مِنْهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلِّنِي أَنْتَخِبُ مِائَةَ رَجُلٍ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. فَضَحِكَ وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيُقْرَوْنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلَانٌ جَزُورًا، فَلَمَّا كَشَطُوا عَنْهَا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أُتِيتُمْ، فَخَرَجُوا هَارِبِينَ.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُ فُرْسَانِنَا أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَهْمَ الْفَارِسِ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي عَلَى الْعَضْبَاءِ. فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَا يُسْبَقُ شَدًّا، فَقَالَ: أَلَا مِنْ مُسَابِقٍ؟ مِرَارًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِيذَنْ لِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: إِنْ
شِئْتَ. قَالَ: فَطَفَرْتُ وَرَبَطْتُ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ فَأَلْحَقُهُ، فَقُلْتُ: سَبَقَتْكُ وَاللَّهِ! فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ نَمْكُثْ بِهَا إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ» .
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ نُودِيَ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، وَلَمْ يَكُنْ يُقَالُ قَبْلَهَا.
(قَرَدٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ) .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *