ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ

ذُكِرَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بَعْدَ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، وَكَانَتْ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ (سَنَةِ سِتٍّ) ، وَكَانَ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ تَجَمَّعُوا لَهُ، وَكَانَ قَائِدَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ أَبُو جُوَيْرِيَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُمْ بِمَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، بِنَاحِيَةِ قُدَيْدٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَأُصِيبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ اسْمُهُ هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أَخُو مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ، أَصَابَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِسَهْمٍ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَتَلَهُ خَطَأً.
«وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَبَايَا كَثِيرَةً، فَقَسَّمَهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِمْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فَوَقَعَتْ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَكَاتَبَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَاسْتَعَانَتْهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ. قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَفَعَلَ، وَسَمِعَ النَّاسُ الْخَبَرَ، فَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَعْتَقُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ بَيْتٍ مِنْ أَهْلٍ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» .
وَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَرَدَتْ وَارِدَةٌ النَّاسَ، وَمَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَجِيرٌ لَهُ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، يُقَالُ لَهُ: جَهْجَاهٌ، فَازْدَحَمَ هُوَ وَسِنَانٌ الْجُهَنِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَوْفٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلَا، فَصَرَخَ الْجُهَنِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! وَصَرَخَ جَهْجَاهٌ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ. فَقَالَ: أَقَدْ فَعَلُوهَا! قَدْ كَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا! أَمَا وَاللَّهِ
{لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] ! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ! أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِبِلَادِكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ! وَاللَّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ بِلَادِكُمْ.
فَسَمِعَ ذَلِكَ زِيدٌ، فَمَشَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ غَزْوِهِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْ بِهِ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ! وَلَكِنْ أَذِّنْ بِالرَّحِيلِ» . فَارْتَحَلَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَرْتَحِلُ فِيهَا، لِيَقْطَعَ مَا النَّاسُ فِيهِ.
فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ تَكُنْ تَرُوحُ فِيهَا. فَقَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؟ قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ زَعَمَ إِنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. قَالَ أُسَيْدٌ: فَأَنْتَ وَاللَّهِ تُخْرِجُهُ إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّكَ الْعَزِيزُ وَهُوَ الذَّلِيلُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفُقْ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ بِكَ وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوِّجُوهُ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا.
وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنَّ زَيْدًا أَعْلَمَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْلَهُ، فَمَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قُلْتُ مَا قَالَ، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ قَدْ أَخْطَأَ، «وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون: 1] تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِأُذُنِ زَيْدٍ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللَّهُ بِأُذُنِهِ» .
وَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ أَبِي، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ، وَأَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ غَيْرِي بِقَتْلِهِ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ أَبِي يَمْشِي فِي النَّاسِ فَأَقْتُلُهُ، فَأَقْتُلُ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلُ النَّارَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ نَرْفُقُ بِهِ، وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا. فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَحْدَثَ حَدَثًا عَاتَبَهُ قَوْمُهُ، وَعَنَّفُوهُ، وَتَوَعَّدُوهُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ: كَيْفَ تَرَى ذَلِكَ يَا عُمَرُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتَهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي» .
وَفِيهَا قَدِمَ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ مُسْلِمًا فِيمَا يَظْهَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ مُسْلِمًا، وَجِئْتُ أَطْلُبُ دِيَةَ أَخِي، وَكَانَ قُتِلَ خَطَأً، فَأَمَرَ لَهُ بِدِيَةِ أَخِيهِ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قَتْلِهِ آنِفًا، فَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا فَقَالَ:
شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ بَاتَ فِي الْقَاعِ مُسْنَدًا … تُضَرَّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ
وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ … تُلِمُّ فَتُحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ
حَلَلْتُ بِهِ نَذْرِي وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي … وَكُنْتُ إِلَى الْأَصْنَامِ أَوَّلَ رَاجِعِ
(مِقْيَسٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَصُبَابَةُ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وَبِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ. وَأُسَيْدٌ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ. وَحُضَيْرٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ) .

حَدِيثُ الْإِفْكِ

وَكَانَ حَدِيثُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ:
«لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجَ بِي مَعَهُ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلَقَ لَمْ يَتَفَكَّهْنَ
بِاللَّحْمِ، وَكُنْتُ إِذَا وَصَلَ بِعِيرِي جَلَسْتُ فِي هَوْدَجِي، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمُ الَّذِينَ يُرَحِّلُونَ بِعِيرِي، فَيَحْمِلُونَ الْهَوْدَجَ وَأَنَا فِيهِ، فَيَضَعُونَهُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ وَيَسِيرُونَ.
قَالَتْ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ سَفَرِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، بَاتَ بِمَنْزِلٍ بَعْضَ اللَّيْلِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ هُوَ وَالنَّاسُ، وَكُنْتُ قَدْ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَفِي عُنُقِي عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ، انْسَلَّ مِنْ عُنُقِي وَلَا أَدْرِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ الْتَمَسْتُ الْعِقْدَ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِالرَّحِيلِ، فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ أَلْتَمِسُهُ فَوَجَدْتُهُ، وَجَاءَ الْقَوْمُ الَّذِينَ يُرَحِّلُونَ بِعِيرِي، فَأَخَذُوا الْهَوْدَجَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنِّي فِيهِ، فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى عَادَتِهِمْ وَانْطَلَقُوا، وَرَجَعْتُ إِلَى الْمُعَسْكَرِ وَمَا فِيهِ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَلَفَّفْتُ بِجِلْبَابِي وَاضْطَجَعْتُ مَكَانِي، وَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيَّ إِذَا افْتَقَدُونِي.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَمُضْطَجِعَةٌ إِذْ مَرَّ بِي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ تَخَلَّفَ عَنِ الْعَسْكَرِ لِحَاجَتِهِ، فَلَمْ يَبِتْ مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا رَأَى سَوَادِي أَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ فَعَرَفَنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَرْجَعَ وَقَالَ: مَا خَلَّفَكِ؟ قَالَتْ: فَمَا كَلَّمْتُهُ، ثُمَّ قَرَّبَ الْبَعِيرَ وَقَالَ: ارْكَبِي. فَرَكِبْتُ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ الْبَعِيرِ مُسْرِعًا.
فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا طَلَعَ الرَّجُلُ يَقُودُنِي، فَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِيَّ مَا قَالُوا، فَارْتَعَجَ الْعَسْكَرُ، وَلَمْ أَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ شَكْوَى شَدِيدَةً، وَقَدِ انْتَهَى الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِلَى أَبَوَيَّ، وَلَا يَذْكُرَانِ لِي مِنْهُ شَيْئًا، إِلَّا أَنِّي أَنْكَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْضَ لُطْفِهِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ وَأُمِّي تُمَرِّضُنِي قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي مِمَّا رَأَيْتُ مِنْ جَفَائِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى أُمِّي لِتُمَرِّضَنِي، فَأَذِنَ لِي، وَانْتَقَلْتُ وَلَا أَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ، حَتَّى نَقِهْتُ مِنْ وَجَعِي بَعْدَ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
قَالَتْ: وَكُنَّا قَوْمًا عَرَبًا لَا نَتَّخِذُ فِي بُيُوتِنَا هَذِهِ الْكُنُفَ، نَعَافُهَا وَنَكْرَهُهَا، إِنَّمَا كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَخَرَجْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ أُمُّهَا خَالَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَتَمْشِي إِذْ عَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَمْرُ اللَّهِ بِئْسَ مَا قُلْتِ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا! قَالَتْ: أَوَمَا بَلَغَكِ الْخَبَرُ؟ قُلْتُ: وَمَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِالَّذِي كَانَ.
قَالَتْ:
فَوَاللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَقْضِيَ حَاجَتِي فَرَجَعْتُ، فَمَا زِلْتُ أَبْكِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْبُكَاءَ سَيَصْدَعُ كَبِدِي، وَقُلْتُ لِأُمِّي: تَحَدَّثَ النَّاسُ بِمَا تَحَدَّثُوا وَلَا تَذْكُرِينَ لِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّةُ، خَفِّضِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ قَلَّ مَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ، وَكَثَّرَ النَّاسُ عَلَيْهَا. قَالَتْ: وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، وَلَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي، وَيَقُولُونَ عَلَيْهِنَّ غَيْرَ الْحَقِّ، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا دَخَلَ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلَّا مَعِي.
وَكَانَ كُبْرُ ذَلِكَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ فِي رِجَالٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، مَعَ الَّذِي قَالَ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ أَنَّ زَيْنَبَ أُخْتَهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَشَاعَتْ مِنْ ذَلِكَ مَا أَشَاعَتْ؛ تُضَارُّنِي لِأُخْتِهَا، فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تِلْكَ الْمَقَالَةَ، قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ يَكُونُوا مِنَ الْأَوْسِ نَكْفِكَهُمْ، وَإِنْ يَكُونُوا مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: وَاللَّهِ مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَوْمِكَ مَا قُلْتَ هَذَا. فَقَالَ أُسَيْدٌ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. وَتَثَاوَرَ النَّاسُ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَاسْتَشَارَهُمَا، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَثْنَى خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ النِّسَاءَ لَكَثِيرٌ، وَسَلِ الْخَادِمَ تَصْدُقُكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَرِيرَةَ يَسْأَلُهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا عَلِيٌّ، فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا وَهُوَ يَقُولُ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كُنْتُ أَعِيبُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَنَامُ عَنْ عَجِينِهَا، فَيَأْتِي الدَّاجِنُ فَيَأْكُلُهُ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعِنْدِي أَبَوَايَ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَا أَبْكِي وَهِيَ تَبْكِي، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ قَدْ كَانَ مَا بَلَغَكِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ تَقَلَّصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ شَيْئًا، وَانْتَظَرْتُ أَبَوَيَّ أَنْ يُجِيبَاهُ، فَلَمْ يَفْعَلَا، فَقُلْتُ: أَلَا تُجِيبَانِهِ؟ فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي بِمَاذَا نُجِيبُهُ! وَمَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مَا دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامِ. فَلَمَّا اسْتَعْجَمَا بَكَيْتُ ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا
أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا ذَكَرْتَ أَبَدًا، وَاللَّهِ لَئِنْ أَقْرَرْتُ – وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ – لَتُصَدِّقُنِي، وَلَئِنْ أَنْكَرْتُ لَا تُصَدِّقُنِي. ثُمَّ الْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَقُلْتُ: وَلَكِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] ، وَلَشَأْنِي كَأَنِّي أَصَغْرُ فِي نَفْسِي أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فِيَّ قُرْآنًا يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رُؤْيَا يُكَذِّبُ اللَّهُ بِهَا عَنِّي.
قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ، فَسُجِّيَ بِثَوْبِهِ، فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا فَزِعْتُ وَلَا بَالَيْتُ، قَدْ عَرَفْتُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ ظَالِمِي، وَأَمَّا أَبَوَايَ فَمَا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَخْرُجَنَّ أَنْفُسُهُمَا فَرَقًا مِنْ أَنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ مَا قَالَ النَّاسُ.
قَالَتْ: ثُمَّ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ عَنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ. فَقُلْتُ: بِحَمْدِ اللَّهِ! ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ مَنِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانُوا مِمَّنْ أَفْصَحَ بِالْفَاحِشَةِ، فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ، وَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور: 22] الْآيَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، وَرَجَّعَ إِلَى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ اعْتَرَضَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ قَالَ:
تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي … غُلَامٌ إِذَا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ
فَوَثَبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ فَجَمَعَ يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ، وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ضَرَبَ حَسَّانَ وَمَا أَرَاهُ إِلَّا قَتَلَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِشَيْءٍ مِمَّا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: لَقَدِ اجْتَرَأْتَ، أَطْلِقِ الرَّجُلَ. فَأَطْلَقَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَدَعَا حَسَّانَ وَصَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: هَجَانِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَآذَانِي، فَضَرَبْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِحَسَّانَ: أَحْسِنْ يَا حَسَّانُ. قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عِوَضًا مِنْهَا بَيْرَحَاءَ – وَهِيَ قَصْرُ بَنِي حُدَيْلَةَ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ – وَأَعْطَاهُ شِيرِينَ – أَمَةً قِبْطِيَّةٌ، وَهِيَ أُخْتُ مَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ – فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ صَفْوَانُ حَصُورًا
لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا» .
(مِسْطَحٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالطَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ) .

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *