ذِكْرُ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى

وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّابِعَ عَشَرَ، وَقِيلَ: التَّاسِعَ عَشَرَ، وَكَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَكَانَ سَبَبَهَا قَتْلُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَإِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الشَّامِ وَفِيهَا أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَمَعَهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا. فَانْتَدَبَ النَّاسُ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَنْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَلْقَى حَرْبًا.
وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُرِيدُهُ، فَحَذَّرَ وَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، فَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُ قُرَيْشًا وَيُخْبِرُهُمُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ ضَمْضَمٌ إِلَى مَكَّةَ.
وَكَانَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ رَأَتْ قَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ مَكَّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهَا، فَقَصَّتْهَا عَلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ وَاسْتَكْتَمَتْهُ خَبَرَهَا، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَنِ انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمُصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ! قَالَتْ: فَأَرَى النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَمَثَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صَرَخَ مِثْلَهَا، ثُمَّ مَثَلَ بَعِيرَهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ فَصَرَخَ مِثْلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً عَظِيمَةً وَأَرْسَلَهَا، فَلَمَّا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْوَادِي ارْفَضَّتْ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ فِلْقَةٌ مِنْهَا.
فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ صَدِيقَهُ، فَذَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، فَفَشَا الْخَبَرُ، فَلَقِيَ أَبُو جَهْلٍ الْعَبَّاسَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، أَقْبِلْ إِلَيْنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ طَوَافِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَتَى حَدَّثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ؟ وَذَكَرَ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَا رَضِيتُمْ أَنْ تَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ! فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ فَإِنْ يَكُنْ حَقًّا، وَإِلَّا كَتَبْنَا عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ.
قَالَ الْعَبَّاسُ: فَمَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ إِلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ وَأَنْكَرْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَتَانِي نِسَاءُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقُلْنَ لِي: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، وَقَدْ تَنَاوَلَ نِسَاءَكُمْ وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ! قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، وَلَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ كَفَيْتُكُمُوهُ. قَالَ: فَغَدَوْتُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَأَنَا مُغْضَبٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ، فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَشَيْتُ نَحْوَهُ أَتَعَرَّضُ لَهُ لِيَعُودَ فَأُوقِعَ بِهِ، فَخَرَجَ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدُّ، قَالَ: قُلْتُ: مَا بَالُهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ! أَكُلَّ هَذَا فَرَقًا مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ! وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ، صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ جَدَعَهُ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ وَشَقَّ قَمِيصَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اللَّطِيمَةَ! أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، لَا أَدْرِي إِنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ! فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عَنِّي.
قَالَ: فَتَجَهَّزَ النَّاسُ سِرَاعًا وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا أَبَا لَهَبٍ، وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَزَمَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ عَلَى الْقُعُودِ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا ثَقِيلًا بَطِيئًا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمِجْمَرَةٍ فِيهَا نَارٌ وَمَا يُتَبَخَّرُ بِهِ وَقَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ. فَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ! وَتَجَهَّزَ وَخَرَجَ مَعَهُمْ. وَعَزَمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ أَيْضًا عَلَى الْقُعُودِ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ شَيْبَةُ: إِنْ فَارَقْنَا قَوْمَنَا كَانَ ذَلِكَ سُبَّةً عَلَيْنَا، فَامْضِ مَعَ قَوْمِكَ، فَمَشَى مَعَهُمْ.
فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى الْمَسِيرِ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ الْحَارِثِ، فَخَافُوا أَنْ يُؤْتَوْا مِنْ خَلْفِهِمْ، فَجَاءَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشَمٍ الْمُدْلِجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ كِنَانَةَ، وَقَالَ: أَنَا جَارٌ لَكُمْ فَاخْرُجُوا سِرَاعًا.
وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: كَانُوا أَلْفَ رَجُلٍ، وَكَانَتْ خَيْلُهُمْ مِائَةَ فَرَسٍ، فَنَجَا مِنْهَا سَبْعُونَ فَرَسًا وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَكَانَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ.

وَكَانَ مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِثَلَاثِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: كَانُوا سَبْعَةً وَسَبْعِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ وَالْبَاقُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَقِيلَ: جَمِيعُ مَنْ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِسَهْمٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْأَوْسِ أَحَدٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْخَزْرَجِ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ غَيْرُ فَارِسَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَالثَّانِي قِيلَ: كَانَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَقِيلَ كَانَ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ، وَقِيلَ: الْمِقْدَادُ وَحْدَهُ، وَكَانَتِ الْإِبِلُ سَبْعِينَ بَعِيرًا، فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهَا الْبَعِيرُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ، فَكَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بَعِيرٌ، وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَعِيرٌ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا.
وَكَانَ فَرَسُ الْمِقْدَادِ اسْمُهُ سُبْحَةُ، وَفَرَسُ الزُّبَيْرِ اسْمُهُ السَّيْلُ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرِبْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَرَايَتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلَى السَّاقَةِ قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيُّ.
«فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الصَّفْرَاءِ بَعَثَ بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وَعَدِيَّ بْنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِيَّيْنِ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَرَكَ الصَّفْرَاءَ يَسَارًا، وَعَادَ إِلَيْهِ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو يُخْبِرُهُ أَنَّ الْعِيرَ قَدْ قَارَبَتْ بَدْرًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْمُسْلِمِينَ عِلْمٌ بِمَسِيرِ قُرَيْشٍ لِمَنْعِ عِيرِهِمْ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا يَلْتَمِسُونَ لَهُ الْخَبَرَ بِبَدْرٍ، فَأَصَابُوا رَاوِيَةً لِقُرَيْشٍ فِيهِمْ أَسْلَمُ، غُلَامُ بَنِي الْجَحْجَاحِ، وَأَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ. فَأَتَوْا بِهِمَا النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَأَلُوهُمَا، فَقَالَا: نَحْنُ سُقَاةُ قُرَيْشٍ بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنَ الْمَاءِ، فَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمَا وَضَرَبُوهُمَا لِيُخْبِرُوهُمَا عَنْ أَبِي سُفْيَانَ. فَقَالَا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَكُوهُمَا. وَفَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الصَّلَاةِ وَقَالَ: إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا، إِنَّهُمَا لِقُرَيْشٍ، أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟ قَالَا: هُمْ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ الَّذِي تَرَى بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمِ الْقَوْمُ؟ قَالَا: كَثِيرٌ. قَالَ: كَمْ عُدَّتُهُمْ؟ قَالَا: لَا نَدْرِي. قَالَ: كَمْ يَنْحَرُونَ؟ قَالَا: يَوْمًا تِسْعًا وَيَوْمًا عَشْرًا. قَالَ: الْقَوْمُ بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ إِلَى الْأَلْفِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: فَمَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ قَالَا: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ.
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا» . «ثُمَّ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَمَرَكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ – يَعْنِي مَدِينَةَ الْحَبَشَةِ – لَجَالَدْنَا مَعَكَ مَنْ دُونَهُ حَتَّى تَبْلُغَهُ» .
فَدَعَا لَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ – وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَدَدَ النَّاسِ، وَخَافَ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نُصْرَتَهُ إِلَّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ – فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أُمِرْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَنَخُوضَنَّهُ مَعَكَ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ تَلْقَى الْعَدُوَّ بِنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ!»
فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ» . ثُمَّ انْحَطَّ عَلَى بَدْرٍ فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا.

وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ سَاحَلَ وَتَرَكَ بَدْرًا يَسَارًا، ثُمَّ أَسْرَعَ؛ فَنَجَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّى عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَارْجِعُوا. فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا – وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ تَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهَا سُوقٌ كُلَّ عَامٍ – فَنُقِيمُ بِهَا ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَنَسْقِي الْخَمْرَ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا. فَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ – وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ – بِالْجُحْفَةِ: يَا بَنِي زُهْرَةَ، قَدْ نَجَّى اللَّهُ أَمْوَالَكُمْ وَصَاحِبَكُمْ فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا. فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيٌّ وَلَا عَدَوِيٌّ، وَشَهِدَهَا سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْشٍ.
وَلَمَّا كَانَتْ قُرَيْشٌ بِالْجُحْفَةِ رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ رَجُلًا أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ، فَقَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأَبُو جَهْلٍ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ – وَرَأَيْتُهُ ضَرَبَ لَبَّةَ بَعِيرِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ إِلَّا أَصَابَهُ مِنْ دَمِهِ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَهَذَا أَيْضًا نَبِيٌّ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنِ الْمَقْتُولُ.
وَكَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ فِي الْقَوْمِ، وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ هَوَاكُمْ مَعَ مُحَمَّدٍ. فَرَجَعَ طَالِبٌ إِلَى مَكَّةَ فِيمَنْ رَجَعَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ خَرَجَ كُرْهًا، فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَسْرَى وَلَا فِي الْقَتْلَى وَلَا فِيمَنْ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
يَا رَبِّ إِمَّا يَغْوُونَ طَالِبْ … فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبْ
فَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبَ غَيْرَ السَّالِبْ … وَلْيَكُنِ الْمَغْلُوبَ غَيْرَ الْغَالِبْ
وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَادِي، وَبَعَثَ اللَّهُ السَّمَاءَ، وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا، فَأَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابَهُ مِنْهُ مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمُ الْمَسِيرَ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهُ مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْحَلُوا مَعَهُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُبَادِرُهُمْ إِلَى الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نَزَلَهُ، فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ أَوْ نَتَأَخَّرَ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ، انْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ سِوَاهُ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُعَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا وَنَمْلَأَهُ مَاءً، فَنَشْرَبَ مَاءً وَلَا يَشْرَبُونَ ثُمَّ نُقَاتِلَهُمْ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَلِكَ» .
فَلَمَّا نَزَلَ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا مِنْ جَرِيدٍ فَتَكُونُ فِيهِ وَنَتْرُكُ عِنْدَكَ رَكَائِبَكَ، ثُمَّ نَلْقَى عَدُوَّنَا، فَإِنْ أَعَزَّنَا اللَّهُ وَأَظْهَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَحْبَبْنَاهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَلَسْتَ عَلَى رَكَائِبِكَ فَلَحِقْتَ بِمَا وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ بِأَشَدَّ حُبًّا لَكَ مِنْهُمْ، وَلَوْ ظَنُّوا أَنَّكَ تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ، يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِمْ، يُنَاصِحُونَكَ وَيُحَارِبُونَ مَعَكَ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا» .
ثُمَّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَرِيشٌ، وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ! اللَّهُمَّ فَنَصْرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي! اللَّهُمَّ أَحِنْهُمُ الْغَدَاةَ. وَرَأَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا» .
وَكَانَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءَ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، أَوْ أَبُوهُ إِيمَاءُ، بَعَثَ إِلَى قُرَيْشٍ حِينَ مَرُّوا بِهِ ابْنًا لَهُ بِجَزَائِرَ، أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمَدَدَ بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا مِنْ ضَعْفٍ، وَإِنْ كُنَّا نُقَاتِلُ اللَّهَ كَمَا زَعَمَ مُحَمَّدٌ فَمَا لِأَحَدٍ بِاللَّهِ طَاقَةٌ. فَلَمَّا نَزَلَتْ قُرَيْشٌ أَقْبَلَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، حَتَّى وَرَدُوا حَوْضَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتْرُكُوهُمْ، فَمَا شَرِبَ مِنْهُ رَجُلٌ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَئِذٍ» ، إِلَّا حَكِيمٌ نَجَا عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الْوَجِيهُ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يَقُولُ إِذَا اجْتَهَدَ فِي يَمِينِهِ: لَا وَالَّذِي نَجَّانِي يَوْمَ بَدْرٍ.
وَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ قُرَيْشٌ بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيَّ لِيَحْزِرَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَهُمْ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: هُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ،
وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْوَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا
، نَوَاضِحَ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النَّاقِعَ، لَيْسَ لَهُمْ مَنَعَةٌ إِلَّا سُيُوفُهُمْ، وَاللَّهِ لَا يُقْبِلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَّا يَقْتُلُ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِذَا أَصَابُوا أَعْدَادَهُمْ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ.
فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي الْقَوْمِ، فَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، إِنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، هَلْ لَكَ أَنْ لَا تَزَالَ تُذْكَرُ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنَّاسِ وَتَحْمِلُ دَمَ حَلِيفِكَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، عَلَيَّ دَمُهُ وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ، فَأْتِ ابْنَ الْحَنْظَلِيَّةِ – يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ – فَلَا أَخْشَى أَنْ يُفْسِدَ أَمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ. فَقَامَ عُتْبَةُ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلْقَوْا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا، وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُمْ لَا يَزَالُ رَجُلٌ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النَّظَرَ إِلَيْهِ؛ قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ أَوِ ابْنَ خَالِهِ أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ. قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ فَوَجَدْتُهُ قَدْ نَشَلَ دِرْعًا وَهُوَ يُهَيِّئُهَا، فَأَعْلَمْتُهُ مَا قَالَ عُتْبَةُ، فَقَالَ: انْتَفَخَ – وَاللَّهِ – سَحْرُهُ حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ، وَلَكِنْ رَأَى ابْنَهُ أَبَا حُذَيْفَةَ فِيهِمْ، وَقَدْ خَافَكُمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ لَهُ: هَذَا حَلِيفُكَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ بِالنَّاسِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ، فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ وَمَقْتَلَ أَخِيكَ. فَقَامَ عَامِرٌ وَصَرَخَ: وَاعَمْرَاهْ وَاعَمْرَاهْ! فَحَمِيَتِ الْحَرْبُ وَاسْتَوْسَقَ النَّاسُ عَلَى الشَّرِّ.
فَلَمَّا بَلَغَ عُتْبَةَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ: انْتَفَخَ سَحْرُهُ، قَالَ: سَيَعْلَمُ الْمُصَفِّرُ اسْتَهُ مَنِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ، أَنَا أَمْ هُوَ! ثُمَّ الْتَمَسَ بَيْضَةً يُدْخِلُهَا رَأْسَهُ فَمَا وَجَدَ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ، فَاعْتَجَرَ بِبُرْدٍ لَهُ.
وَخَرَجَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ، فَقَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ وَلَأَهْدِمَنَّهُ، أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ، فَأَطَنَّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ حَبَا إِلَى الْحَوْضِ فَاقْتَحَمَ فِيهِ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، وَتَبِعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ.
ثُمَّ خَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَدَعَوْا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وَمَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ، لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا أَكْفَاؤُنَا مِنْ قَوْمِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، قُمْ يَا عَلِيُّ، فَقَامُوا وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ – وَكَانَ أَمِيرَ الْقَوْمِ – عُتْبَةَ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ، فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلِ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ كِلَاهُمَا قَدْ أَثْبَتَ صَاحِبَهُ، وَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَاهُ، وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: أَلَسْتُ شَهِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى» . قَالَ: لَوْ رَآنِي أَبُو طَالِبٍ لَعَلِمَ أَنَّنَا أَحَقُّ مِنْهُ بِقَوْلِهِ:
وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ … وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
ثُمَّ مَاتَ، وَتَزَاحَفَ الْقَوْمُ وَدَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَبُو جَهْلٍ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ، أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَمْ نَعْرِفْ، فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ، فَكَانَ هُوَ الْمُسْتَفْتِحَ عَلَى نَفْسِهِ.

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا حَتَّى يَأْمُرَهُمْ، وَقَالَ: «إِنِ اكْتَنَفَكُمُ الْقَوْمُ فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ. وَنَزَلَ فِي الْعَرِيشِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَأَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْعَرِيشِ إِغْفَاءَةً، وَانْتَبَهَ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ، هَذَا جَبْرَائِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9] الْآيَةَ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، وَحَرَّضَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُقَاتِلُهُمُ الْيَوْمَ رَجُلٌ، فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» . فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ وَبِيَدِهِ تَمَرَاتٌ يَأْكُلُهُنَّ: بَخٍ بَخٍ! مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلَاءِ! ثُمَّ أَلْقَى التَّمَرَاتِ مِنْ يَدِهِ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَرُمِيَ مِهْجَعٌ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِسَهْمٍ فَقُتِلَ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ. ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقُتِلَ، وَقَاتَلَ عَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ حَتَّى قُتِلَ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَفْنَةً مِنَ التُّرَابِ وَرَمَى بِهَا قُرَيْشًا وَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ. وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: شُدُّوا عَلَيْهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، فَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأُسِرَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْعَرِيشِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَائِمٌ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ مُتَوَشِّحًا بِالسَّيْفِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخَافُونَ عَلَيْهِ كَرَّةَ الْعَدُوِّ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النَّاسُ مِنَ الْأَسْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكَأَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَّلُ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللَّهُ بِالْمُشْرِكِينَ كَانَ الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ» .
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ أَبَا جَهْلٍ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَقُرَيْشٌ مُحِيطَةٌ بِهِ يَقُولُونَ: لَا يُخْلَصُ إِلَى أَبِي الْحَكَمِ. قَالَ مُعَاذٌ: فَجَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَّتْ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ فَطَرَحَ يَدِي مِنْ عَاتِقِي، فَتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ مِنْ جُثَّتِي، فَقَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي جَعَلْتُ عَلَيْهَا رِجْلِي، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ حَتَّى طَرَحْتُهَا.
وَعَاشَ مُعَاذٌ إِلَى زَمَانِ عُثْمَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَتَهُ، وَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، «وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدَهُ بِآخِرِ رَمَقٍ، قَالَ: فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ قَالَ: وَبِمَاذَا أَخْزَانِي؟ أَعْمَدُ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنِ الدَّائِرَةُ؟ قُلْتُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: لَقَدِ ارْتَقَيْتَ – يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ – مُرْتَقًى صَعْبًا! قَالَ: فَقُلْتُ: إِنِّي قَاتِلُكَ. قَالَ: مَا أَنْتَ بِأَوَّلِ عَبْدٍ قَتَلَ سَيِّدَهُ، أَمَا إِنَّ أَشَدَّ شَيْءٍ لَقِيتُهُ الْيَوْمَ قَتْلُكَ إِيَّايَ، وَأَلَّا قَتَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُطَيَّبِينَ الْأَحْلَافِ. فَضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَحَمَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ» .
وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَدْ غَنِمَ أَدْرَاعًا، فَمَرَّ بِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَابْنِهِ عَلِيٍّ، فَقَالَا لَهُ: نَحْنُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ. فَطَرَحَ الْأَدْرَاعَ وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَبِيَدِ ابْنِهِ وَمَشَى بِهِمَا، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: مَنِ الرَّجُلُ الْمُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ؟ قَالَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ أُمَيَّةُ: هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ.
وَرَأَى بِلَالٌ أُمَيَّةَ، وَكَانَ يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، فَيَخْرُجُ بِهِ إِلَى رَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَيُضْجِعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، وَيَقُولُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تُفَارِقَ دِينَ مُحَمَّدٍ، فَيَقُولُ بِلَالٌ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَآهُ بِلَالٌ قَالَ: أُمَيَّةُ! رَأْسُ الْكُفْرِ! لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا! ثُمَّ صَرَخَ: يَا أَنْصَارَ اللَّهِ، رَأْسُ الْكُفْرِ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا! فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقُتِلَ أُمَيَّةُ وَابْنُهُ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ بِلَالًا، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي وَفَجَّعَنِي بِأَسِيرِيَّ.
وَقُتِلَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ لَا يُقْتَلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَكَفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مِمَّنِ اهْتَمَّ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ، فَلَقِيَهُ الْمُجَذَّرُ بْنُ ذِيَادٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ وَمَعَهُ زَمِيلٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِكَ. فَقَالَ وَزَمِيلِي؟ فَقَالَ الْمُجَذَّرُ: لَا وَاللَّهِ. قَالَ: إِذًا وَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ، وَلَا تَتَحَدَّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ. فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِخَبَرِهِ.
«وَجِيءَ بِالْعَبَّاسِ، أَسَرَهُ أَبُو الْيَسَرِ، وَكَانَ مَجْمُوعًا، وَكَانَ الْعَبَّاسُ جَسِيمًا، فَقِيلَ لِأَبِي الْيَسَرِ: كَيْفَ أَسَرْتَهُ؟ قَالَ: أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، بِهَيْئَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ» . «وَلَمَّا أَمْسَى الْعَبَّاسُ مَأْسُورًا بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَاهِرًا أَوَّلَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ لَا تَنَامُ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ تَضَوُّرَ الْعَبَّاسِ فِي وَثَاقِهِ، فَمَنَعَ مِنِّي النَّوْمَ. فَقَامُوا إِلَيْهِ فَأَطْلَقُوهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
«وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ: قَدْ عَرَفْتُ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَا يَقْتُلْهُ؛ فَإِنَّهُ أُخْرِجَ كُرْهًا. فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَقْتُلُ أَبْنَاءَنَا وَآبَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنَّهُ بِالسَّيْفِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَبَا حَفْصٍ، أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ أَبِي حُذَيْفَةَ؟ أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: لَا أَزَالُ خَائِفًا مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَلَا يُكَفِّرُهَا عَنِّي إِلَّا الشَّهَادَةُ. فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ رَأَيْتُ جَبْرَائِيلَ وَعَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» .
«فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي، فَصَعِدْنَا جَبَلًا يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ، نَنْظُرُ لِمَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَنَنْتَهِبُ، فَدَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ، فَسَمِعْتُ فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ، وَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، قَالَ: فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَهْلِكُ فَتَمَاسَكْتُ» .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيُّ: إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ سَيْفِي إِلَيْهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَتَلَهُ غَيْرِي.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: كَانَ أَحَدُنَا يُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى الْمُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ السَّيْفُ.
فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ تُطْرَحَ الْقَتْلَى فِي الْقَلِيبِ، فَطُرِحُوا فِيهِ إِلَّا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ؛ فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا، فَذَهَبُوا بِهِ لِيُخْرِجُوهُ فَتَقَطَّعَ، وَطَرَحُوا عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ مَا غَيَّبَهُ، وَلَمَّا أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ وَقَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ! كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ! ثُمَّ قَالَ: يَا عُتْبَةُ، يَا شَيْبَةُ، يَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ – وَعَدَّدَ مَنْ كَانَ فِي الْقَلِيبِ – هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَتُكَلِّمُ قَوْمًا مَوْتَى؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُونِي» .
«وَلَمَّا قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَهْلِ الْقَلِيبِ مَا قَالَ رَأَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ الْكَرَاهِيَةَ وَقَدْ تَغَيَّرَ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ قَدْ دَخْلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي أَبِي وَفِي مَصْرَعِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وَحِلْمٌ وَفَضْلٌ، فَكُنْتُ أَرْجُو لَهُ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ أَحْزَنَنِي ذَلِكَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِخَيْرٍ» .

«ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمَرَ فَجُمِعَ مَا فِي الْعَسْكَرِ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ مَنْ جَمَعَهُ: هُوَ لَنَا. وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ: وَاللَّهِ لَوْلَا نَحْنُ مَا أَصَبْتُمُوهُ، نَحْنُ شَغَلْنَا الْقَوْمَ عَنْكُمْ حَتَّى أَصَبْتُمْ مَا أَصَبْتُمْ. وَقَالَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ: وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِأَحَقَّ بِهِ مِنَّا، لَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْمَتَاعَ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ، وَلَكِنْ خِفْنَا كَرَّةَ الْعَدُوِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقُمْنَا دُونَهُ. فَنَزَعَ اللَّهُ الْأَنْفَالَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَجَعَلَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَسَمَّهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَوَاءٍ» .
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَشِيرًا إِلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ بَشِيرًا إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَوَصَلَ زِيدٌ وَقَدْ سَوَّوُا التُّرَابَ عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَتْ زَوْجَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَيْهَا وَقَسَمَ لَهُ.
فَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَقِيَهُ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، «فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ لَقِينَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا كَالْبُدْنِ الْمُعَقَّلَةِ، فَنَحَرْنَاهَا. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ» .
وَكَانَ فِي الْأَسْرَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَمَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِقَتْلِ النَّضْرِ، فَقَتَلَهُ بِالصَّفْرَاءِ، وَأَمَرَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ جَزِعَ مِنَ الْقَتْلِ وَقَالَ: مَا لِي أُسْوَةٌ بِهَؤُلَاءِ؟ يَعْنِي الْأَسْرَى، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: النَّارُ، فَقَتَلَهُ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ صَبْرًا.
«وَكَانَ فِي الْأَسْرَى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ الْأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَنْزِعُ ثَنِيَّتَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا أَبَدًا، وَكَانَ سُهَيْلٌ أَعْلَمَ الشَّفَةِ السُّفْلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ يَا عُمَرُ؛ فَسَيَقُومُ مَقَامًا تَحْمَدُهُ عَلَيْهِ، فَكَانَ مَقَامُهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» – وَسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ خَبَرِ الرِّدَّةِ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ -.
وَلَمَّا قَدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ كَمَا تَفْعَلُ النِّسَاءُ، أَلَا مُتُّمْ كِرَامًا! فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْلَهَا فَقَالَ لَهَا: «يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ تُحَرِّضِينَ! فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَلَكْتُ نَفْسِي حِينَ رَأَيْتُهُ أَنْ قُلْتُ مَا قُلْتُ» .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا» . وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُؤْثِرُ أَسِيرَهُ بِطَعَامِهِ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ بِمُصَابِ قُرَيْشٍ الْحَيْسَمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأَبُو الْحَكَمِ وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ – وَعَدَّدَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ – فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَاللَّهِ إِنْ يَعْقِلْ فَاسْأَلُوهُ عَنِّي. فَقَالُوا: مَا فَعَلَ صَفْوَانُ؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلَا.
وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بِمَكَّةَ بَعْدَ وُصُولِ خَبَرِ مَقْتَلِ قُرَيْشٍ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ، وَنَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ، ثُمَّ قَالُوا: لَا تَفْعَلُوا فَيَشْمَتَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَلَا تَبْعَثُوا فِي فِدَاءِ أَسْرَاكُمْ، لَا يَشْتَطُّ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ. وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ: زَمْعَةُ، وَعَقِيلٌ، وَالْحَارِثُ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعَ نَائِحَةً، فَقَالَ لِغُلَامِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ: انْظُرْ هَلْ أُحِلَّ الْبُكَاءُ لَعَلِّي أَبْكِي عَلَى زَمْعَةَ، فَإِنَّ جَوْفِي قَدِ احْتَرَقَ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلَّتْهُ، فَقَالَ:
أَتَبْكِي أَنْ يَضِلَّ لَهَا بَعِيرٌ … وَيَمْنَعَهَا مِنَ النَّوْمِ السُّهُودُ
وَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ
عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتِ الْجُدُودُ … عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ
وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ … وَبَكِّي إِنْ بَكَيْتِ عَلَى عَقِيلٍ
وَبَكِّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ … وَبَكِّيهِمْ وَلَا تَسَمِّي جَمِيعًا
فَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ … أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ أُنَاسٌ
وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا
يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ.

ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا أَرْسَلَتْ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، فَأَوَّلُ مَنْ فُدِيَ أَبُو وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ، فَدَاهُ ابْنُهُ الْمُطَّلِبُ، وَفَدَى الْعَبَّاسُ نَفْسَهُ وَعَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَحَلِيفَهُ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَحْدَمٍ، أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِذَلِكَ فَقَالَ: لَا مَالَ لِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيْنَ الْمَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ عِنْدَ أُمِّ الْفَضْلِ وَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فَلِلْفَضْلِ كَذَا، وَلِعَبْدِ اللَّهِ كَذَا؟ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلِمَ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ! وَفَدَى نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَكَانَ قَدْ أُخِذَ مَعَ الْعَبَّاسِ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: احْسِبْهَا فِي فِدَائِي. فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -» .
وَكَانَ فِي الْأُسَارَى عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، أَسَرَهُ عَلِيٌّ، فَقِيلَ لِأَبِيهِ: أَفْدِ عَمْرًا. فَقَالَ: لَا أَجْمَعُ عَلَيَّ دَمِي وَمَالِي، يُقْتَلُ ابْنِي حَنْظَلَةُ، وَأَفْدِي عَمْرًا! فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَفُكَّهُ. ثُمَّ إِنَّ سَعْدَ بْنَ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فَأَخَذَهُ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَعْرِضُ لِحَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ. فَحَبَسَهُ أَبُو سُفْيَانَ لِيَفْدِيَ بِهِ عَمْرًا ابْنَهُ، وَقَالَ:
أَرَهْطَ ابْنِ أَكَّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ … تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السَّيِّدَ الْكَهْلَا
فَإِنَّ بَنِي عَمْرٍو لِئَامٌ أَذِلَّةٌ … لَئِنْ لَمْ يَفُكُّوا عَنْ أَسِيرِهِمُ الْكَبْلَا
فَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَطَلَبُوا مِنْهُ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَفَادَوْا بِهِ سَعْدًا.
«وَكَانَ فِي الْأُسَارَى أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ مِنْ أَكْثَرِ رِجَالِ مَكَّةَ مَالًا وَأَمَانَةً وَتِجَارَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ زَيْنَبَ، فَفَعَلَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ آمَنَتْ بِهِ زَيْنَبُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَغْلُوبًا بِمَكَّةَ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إِلَى بَدْرٍ خَرَجَ مَعَهُمْ فَأُسِرَ، فَلَمَّا بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ زَوْجِهَا بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا مَعَهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا، فَافْعَلُوا. فَأَطْلَقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَرَدُّوا الْقِلَادَةَ» .
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ؛ لِيَصْحَبَا زَيْنَبَ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ أَمَرَهَا بِاللَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَتَجَهَّزَتْ سِرًّا، وَأَرْكَبَهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ – أَخُو أَبِي الْعَاصِ – بَعِيرًا، وَأَخَذَ قَوْسَهُ وَخَرَجَ بِهَا نَهَارًا. فَسَمِعَتْ بِهَا قُرَيْشٌ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا فَلَحِقُوهَا بِذِي طَوًى، وَكَانَتْ حَامِلًا فَطَرَحَتْ حَمْلَهَا لَمَّا رَجَعَتْ لِخَوْفِهَا، وَنَثَرَ كِنَانَةُ أَسْهُمَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَدْنُو مِنِّي أَحَدٌ إِلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا! فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَقَالَ: خَرَجْتَ بِهَا عَلَانِيَةً، فَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ ذُلٍّ وَضَعْفٍ مِنَّا، وَلَعَمْرِي مَا لَنَا فِي حَبْسِهَا حَاجَةٌ، فَارْجِعْ بِالْمَرْأَةِ لِيَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّا رَدَدْنَاهَا. ثُمَّ أَخْرِجْهَا لَيْلًا وَسَلِّمْهَا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَصَاحِبِهِ، فَقَدِمَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ.
«فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ بِأَمْوَالِهِ وَأَمْوَالِ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا عَادَ لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَخَذُوا مَا مَعَهُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الصَّلَاةِ،
فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، فَنَادَتْ زَيْنَبُ مِنْ صُفَّةِ النِّسَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ. فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّهُ لَيُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ. وَقَالَ لِزَيْنَبَ: لَا يَخْلُصُ إِلَيْكِ، فَلَا يَحِلُّ لَكِ. وَقَالَ لِلسَّرِيَّةِ الَّذِينَ أَصَابُوهُ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَهُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ. فَرَدُّوا عَلَيْهِ مَالَهُ كُلَّهُ حَتَّى الشِّظَاظَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ فَرَدَّ عَلَى النَّاسِ مَا لَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ إِلَّا تَخَوُّفُ أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ أَكْلَ أَمْوَالِكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» .
وَجَلَسَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَكَانَ شَيْطَانًا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ، وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْأُسَارَى، فَقَالَ صَفْوَانُ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ مَنْ أُصِيبَ بِبَدْرٍ. فَقَالَ عُمَيْرٌ: صَدَقْتَ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ، وَعِيَالٌ أَخْشَى ضَيْعَتَهُمْ لَرَكِبْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: دَيْنُكَ عَلَيَّ، وَعِيَالُكَ مَعَ عِيَالِي أُسْوَتُهُمْ. فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِإِدْخَالِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِحَمَّالَةِ سَيْفِهِ وَقَالَ لِرِجَالٍ مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ: ادْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَاحْذَرُوا هَذَا الْخَبِيثَ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِعُمَرَ: اتْرُكْهُ، ثُمَّ قَالَ: ادْنُ يَا عُمَيْرُ، مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الْأَسِيرِ. قَالَ: اصْدُقْنِي. قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِذَلِكَ. قَالَ: بَلْ قَعَدْتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ، وَجَرَى بَيْنَكُمَا كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، هَذَا الْأَمْرُ لَمْ يَحْضُرْهُ إِلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقِّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ، وَعَلِّمُوهُ الْقُرْآنَ، وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ. فَفَعَلُوا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَنْتُ شَدِيدَ الْأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي، فَأَقْدَمَ مَكَّةَ فَأَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ وَأُوذِيَ الْكُفَّارَ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْتُ أُوذِي أَصْحَابَكَ. فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ صَفْوَانُ يَقُولُ: أَبْشِرُوا الْآنَ بِوَقْعَةٍ تَأْتِيكُمْ تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ.
فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يُؤْذِي مَنْ خَالَفَهُ.
وَقَدِمَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ فِي فِدَاءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُشَاوِرُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا فِي الْأُسَارَى، فَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِالْفِدَاءِ، وَأَشَارَ عُمَرُ بِالْقَتْلِ، فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى الْقَتْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] ، وَكَانَ الْأَسْرَى سَبْعِينَ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُقُوبَةً بِالْمُفَادَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وَهُمِشَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] .
وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.
وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جَمَاعَةً اسْتَصْغَرَهُمْ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِثَمَانِيَةِ نَفَرٍ بِسَهْمٍ فِي الْأَنْفَالِ لَمْ يَحْضُرُوا الْوَقْعَةَ، مِنْهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَلَّفَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِمَرَضِهَا، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، كَانَ أَرْسَلَهُمَا يَتَجَسَّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ، وَأَبُو لُبَابَةَ، خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، خَلَّفَهُ عَلَى الْعَالِيَةِ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، رَدَّهُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُمْ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، كُسِرَ بِالرَّوْحَاءِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، كُسِرَ فِي بَدْرٍ أَسْفَلَ سَيْفِهِ ذِي الْفَقَارِ، وَكَانَ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ كَانَ لِلْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَتَلَهُ عَلِيٌّ صَبْرًا وَأَخَذَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ، فَكَانَ لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَوَهَبَهُ لِعَلِيٍّ.
(رَحَضَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْحُبَارُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَخَدِيجٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ) .

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *