ذِكْرُ طَبَقَاتِ مُلُوكِ الْفُرْسِ

ذِكْرُ طَبَقَاتِ مُلُوكِ الْفُرْسِ

الطَّبَقَةُ الْأُولَى الْفِيشْدَاذِيَّةُ
مُلُوكُ الْأَرْضِ بَعْدَ جِيُومَرْثَ أُوشْهَنْجَ، وَمَلَكَ فِيشْدَاذْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَعْنَى فِيشْدَاذْ أَوَّلُ حَاكِمٍ.
مَلَكَ بَعْدَهُ طَهْمُورَثُ بْنُ يُوجَهَانَ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ جَمْشِيدْ سَبْعَمِائَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ بِيُورَاسِفُ بْنُ أَرُونْدَاسِفْ أَلْفَ سَنَةٍ.
ثُمَّ مَلَكَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانْ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ.
ثُمَّ مَلَكَ مَنُوجَهْرُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ أَفْرَاسْيَابُ التُّرْكِيُّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ زَوُّ بْنُ تَهْمَاسِفَ ثَلَاثَ سِنِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ كَرْشَاسِبْ تِسْعَ سِنِينَ.
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ الْكَيَّانِيَّةُ
ثُمَّ مَلَكَ كَيْقَبَاذْ مِائَةً وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ كَيْكَاوُوسْ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ كَيْخِسْرُو ثَمَانِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ كَيْ لُهْرَاسِبْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ كَيْ بَشْتَاسَبْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ كَيْ بَهْمَنْ مِائَةً وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَتْ خُمَانِي جَهْرَزَادْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهَا دَارُ بْنُ بَهْمَنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ دَارَا بْنُ دَارَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ الْإِسْكَنْدَرَ الْمُلْكَ مِنْهُ.
وَكَانَ مُلْكُ الْإِسْكَنْدَرِ بَعْدَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ الْأَشْغَانِيَّةُ
وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْعِرَاقِ وَالْجِبَالِ، وَكَانَ سَائِرُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ يُعَظِّمُونَهُمْ. فَأَوَّلُ مُلُوكِ الْأَشْغَانِيِّينَ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ أَشْكُ مَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ شَابُورُ بْنُ أَشْكَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ جَوْذَرْزُ بْنُ شَابُورَ، وَهُوَ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ قَتْلِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، خَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُ أَخِيهِ وَبْحَنُ بْنُ بِلَاشٍ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ جَوْذَرْزُ بْنُ وَبْحَنَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ نَرْسِي ثَلَاثِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ عَمُّهُ هُرْمُزَانُ بْنُ بَلَاشَ بْنِ شَابُورَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ فَيْرُوزُ بْنُ هُرْمُزَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ خِسْرُو أَرْبَعِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ بَلَاشُ بْنُ فَيْرُوزَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ أَرْدُوَانُ بْنُ بَلَاشَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَلَكَ بَعْدَ هُرْمُزَانَ بْنِ بَلَاشَ أَرْدُوَانُ الْأَكْبَرُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقِيلَ فِي عَدَدِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْفُرْسُ تَعْتَرِفُ بِاضْطِرَابِ التَّارِيخِ عَلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَمَلَكَ بِيُورَاسَفْ وَمَلَكَ أَفْرَاسْيَابْ التُّرْكِيُّ لِأَنَّهُمْ زَالَ الْمُلْكُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ.
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ السَّاسَانِيَّةُ
فَأَوَّلُهُمْ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ.

ذِكْرُ أَخْبَارِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ وَمُلُوكِ الْفُرْسِ

قِيلَ: لَمَّا مَضَى مِنْ لَدُنْ مَلَكَ الْإِسْكَنْدَرُ أَرْضَ بَابِلَ، فِي قَوْلِ النَّصَارَى وَأَهْلِ الْكُتُبِ الْأُوَلِ، خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَفِي قَوْلِ الْمَجُوسِ: مِائَتَانِ وَسِتٌّ وَسِتُّونَ، وَثَبَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ بْنِ سَاسَانَ الْأَصْغَرِ بْنِ بَابَكَ بْنِ سَاسَانَ بْنِ بَابَكَ بْنِ مَهَرْمِسَ بْنِ سَاسَانَ بْنِ بَهْمَنَ الْمَلِكِ بْنِ إِسْفِنْدِيَارَ بْنِ بَشْتَاسْبَ – وَقِيلَ فِي نِسْبَتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، يُرِيدُ الْأَخْذَ بِثَأْرِ الْمَلِكِ دَارَا بْنِ دَارَا، وَرَدَّ الْمُلْكِ إِلَى أَهْلِهِ، وَإِلَى مَا لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَيَّامَ سَلَفِهِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَجَمْعَهُ لِرَئِيسٍ وَاحِدٍ.
وَذَكَرَ أَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى إِصْطَخْرَ يُقَالُ لَهَا: طَيْزُودَهْ مِنْ رُسْتَاقِ إِصْطَخْرَ، وَكَانَ جَدُّهُ سَاسَانُ شُجَاعًا مُغْرًى بِالصَّيْدِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ نَسْلِ مُلُوكِ فَارِسَ يُعْرَفُونَ بِالْبَادَرَنْجِيِّينَ، وَكَانَ قَيِّمًا عَلَى بَيْتِ نَارٍ بِإِصْطَخْرَ يُقَالُ لَهَا بَيْتُ نَارَهِيدْ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَابَكَ، فَلَمَّا كَبِرَ قَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ بَعْدَ أَبِيهِ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنُهُ أَرْدَشِيرُ.
وَكَانَ مَلَكَ إِصْطَخْرَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنَ الْبَادَرَنْجِيِّينَ يُقَالُ لَهُ جُوزِهْرُ، وَكَانَ لَهُ خَصِيٌّ اسْمُهُ تِيرَى قَدْ صَيَّرَهُ أَرْجَيْدًا بِدَارَبَجِرْدَ. فَلَمَّا أَتَى لِأَرْدَشِيرَ سَبْعُ سِنِينَ قَدَّمَهُ أَبُوهُ إِلَى جُوزِهْرَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَضُمَّهُ إِلَى تِيرَى لِيَكُونَ رَبِيبًا لَهُ وَأَرْجَيْدًا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَجَابَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى تِيرَى، فَقَبِلَهُ وَتَبَنَّاهُ.
فَلَمَّا هَلَكَ تِيرَى تَقَلَّدَ أَرْدَشِيرُ الْأَمْرَ وَحَسُنَ قِيَامُهُ بِهِ، وَأَعْلَمَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَجِّمِينَ صَلَاحَ مَوْلِدِهِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبِلَادَ، فَازْدَادَ فِي الْخَيْرِ، وَرَأَى فِي مَنَامِهِ مَلَكًا جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يُمَلِّكُكَ الْبِلَادَ، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ قُوَّةً لَمْ يَعْهَدْهَا، وَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ أَنَّهُ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ دَارَابْجِرْدَ يُسَمَّى خُوبَابَانْ فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَاسْمُهُ فَاسِينْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ كَوْسَنُ فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَاسْمُهُ مِنُوجِهْرُ ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ لَزْوِيزُ فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَاسْمُهُ دَارَا وَجَعَلَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَوْمًا مِنْ قِبَلِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ بِمَا كَانَ مِنْهُ، وَأَمَرَهُ بِالْوُثُوبِ بِجُوزِهْرَ، وَهُوَ بِالْبَيْضَاءِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَقَتَلَ جُوزِهْرَ وَأَخَذَ تَاجَهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَرْدُوَانْ مَلِكِ الْجِبَالِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَيَسْأَلُهُ فِي تَتْوِيجِ ابْنِهِ سَابُورَ بِتَاجِ جُوزِهْرَ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَدَّدَهُ، فَلَمْ يَحْفِلْ بَابَكُ بِذَلِكَ وَهَلَكَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَتَتَوَّجَ سَابُورُ بْنُ بَابَكَ بِالتَّاجِ وَمَلَكَ مَكَانَ أَبِيهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ يَسْتَدْعِيهِ، فَامْتَنَعَ، فَغَضِبَ سَابُورُ وَجَمَعَ جُمُوعًا وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَهُ لِيُحَارِبَهُمْ، وَخَرَجَ مِنْ إِصْطَخْرَ وَبِهَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَقَارِبِهِ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ، فَأَخَذُوا التَّاجَ وَالسَّرِيرَ وَسَلَّمُوهَا إِلَى أَرْدَشِيرَ، فَتَتَوَّجَ وَافْتَتَحَ أَمْرَهُ بِجِدٍّ وَقُوَّةٍ وَجَعَلَ لَهُ وَزِيرًا وَرَتَّبَ مَوْبَذَانْ مَوْبَذْ، وَأَحَسَّ مِنْ إِخْوَتِهِ وَقَوْمٍ كَانُوا مَعَهُ بِالْفَتْكِ بِهِ، فَقَتَلَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ، وَعَصَى عَلَيْهِ أَهْلُ دَارَابْجِرْدَ فَعَادَ إِلَيْهِمْ فَافْتَتَحَهَا وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى كَرْمَانَ وَبِهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ بَلَاشُ فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَاتَلَ أَرْدَشِيرُ بِنَفْسِهِ وَأَسَرَ بَلَاشَ، فَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَدِينَةِ وَجَعَلَ فِيهَا ابْنًا لَهُ اسْمُهُ أَرْدَشِيرُ أَيْضًا.
وَكَانَ فِي سَوَاحِلِ بَحْرِ فَارِسَ مَلِكٌ اسْمُهُ اسْيُونْ يُعَظَّمُ فَسَارَ إِلَيْهِ أَرْدَشِيرُ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ مَنْ مَعَهُ وَاسْتَخْرَجَ لَهُ أَمْوَالًا عَظِيمَةً.
وَكَتَبَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُلُوكِ، مِنْهُمْ: مِهْرَكُ صَاحِبُ ابْرِسَاسْ مِنْ أَرْدَشِيرَ خُرَّةَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِهْرَكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى جَوْرٍ فَأَسَّسَهَا وَبَنَى الْجَوْسَقَ الْمَعْرُوفَ بِالطِّرْبَالِ وَبَيْتَ نَارٍ هُنَاكَ.
فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ وَرَدَ إِلَيْهِ رَسُولُ أَرْدُوَانْ بِكِتَابٍ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا فِيهِ: إِنَّكَ عَدَوْتَ قَدْرَكَ وَاجْتَلَبْتَ حَتْفَكَ أَيُّهَا الْكُرْدِيُّ! مَنْ أَذِنَ لَكَ فِي التَّاجِ وَالْبِلَادِ؟ وَمَنْ أَمَرَكَ بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ؟ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ وَجَّهَ إِلَيْهِ مَلِكَ الْأَهْوَازِ لِيَأْتِيَهُ بِهِ فِي وَثَاقٍ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ حَبَانِي بِالتَّاجِ وَمَلَّكَنِي الْبِلَادَ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُمَكِّنَنِي مِنْكَ فَأَبْعَثَ بِرَأْسِكَ إِلَى بَيْتِ النَّارِ الَّذِي أَسَّسْتُهُ.
وَسَارَ أَرْدَشِيرُ نَحْوَ إِصْطَخْرَ وَخَلَّفَ وَزِيرَهُ أَبْرِسَامْ بِأَرْدَشِيرَ خُرَّةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ أَبْرِسَامْ بِمُوَافَاةِ مَلِكِ الْأَهْوَازِ وَعَوْدِهِ مَنْكُوبًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ فَمَلَكَهَا وَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ وَتَوَجَّهَ إِلَى مُحَارَبَةِ نِيرُوفَرْ صَاحِبِ الْأَهْوَازِ، وَسَارَ إِلَى أَرَّجَانَ وَإِلَى مَيْسَانَ وَطَاسَارَ، ثُمَّ إِلَى سُرَّقَ، فَوَقَفَ عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ فَظَفِرَ بِالْمَدِينَةِ، وَابْتَنَى مَدِينَةَ سُوقِ الْأَهْوَازِ، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ بِالْغَنَائِمِ، ثُمَّ عَادَ مِنْ فَارِسَ إِلَى الْأَهْوَازِ عَلَى طَرِيقِ جِرْهِ وَكَازَرُونْ، وَقَتَلَ مَلِكَ مَيْسَانَ، وَبَنَى هُنَاكَ كَرْخَ مَيْسَانَ وَعَادَ إِلَى فَارِسَ.
فَأَرْسَلَ إِلَى أَرْدُوَانْ يُؤْذِنُهُ بِالْحَرْبِ وَيَقُولُ لَهُ لِيُعَيِّنَ مَوْضِعًا لِلْقِتَالِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَرْدُوَانْ: إِنِّي أُوَافِيكَ فِي صَحْرَاءِ هُرْمُزْجَانَ لِانْسِلَاخِ مِهْرَمَاهَ. فَوَافَاهُ أَرْدَشِيرُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَاحْتَوَى عَلَى الْمَاءِ، وَوَافَاهُ أَرْدُوَانْ وَمَلِكَ الْأَرْمَانِيِّينَ، وَكَانَا يَتَحَارَبَانِ عَلَى الْمُلْكِ فَاصْطَلَحَا عَلَى أَرْدَشِيرَ وَحَارَبَاهُ، وَهُمَا مُتَسَانِدَانِ يُقَاتِلُهُ هَذَا يَوْمًا وَهَذَا يَوْمًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ بَابَا مَلِكِ الْأَرْمَانِيِّينَ لَمْ يَقُمْ لَهُ أَرْدَشِيرُ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ أَرْدُوَانْ لَمْ يَقُمْ لِأَرْدَشِيرَ، فَصَالَحَ أَرْدَشِيرُ مَلِكَ الْأَرْمَانِيِّينَ عَلَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَيَفْرُغَ أَرْدَشِيرُ لَأَرْدُوَانْ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى مَا كَانَ لَهُ، وَأَطَاعَهُ بَابَا وَسُمِّي أَرْدَشِيرُ: شَاهِنْشَاهْ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى هَمَذَانَ فَافْتَتَحَهَا، وَإِلَى الْجَبَلِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَالْمَوْصِلِ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَسَارَ إِلَى السَّوَادِ مِنَ الْمَوْصِلِ فَمَلَكَهُ، وَبَنَى عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ قُبَالَةَ طَيْسَفُونَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِي شَرْقِ الْمَدَائِنِ مَدِينَةٌ غَرِيبَةٌ، وَسَمَّاهَا بِهِ أَرْدَشِيرُ، وَعَادَ مِنَ السَّوَادِ إِلَى إِصْطَخْرَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ إِلَى جُرْجَانَ، ثُمَّ إِلَى نَيْسَابُورَ وَمَرْوٍ وَبَلْخٍ وَخُوَارِزْمَ، وَعَادَ إِلَى فَارِسَ، وَنَزَلَ جَوْرٌ فَجَاءَهُ رُسُلُ مَلِكِ كُوسَانَ وَمَلِكِ طُورَانَ وَمَلِكِ مُكْرَانَ بِالطَّاعَةِ.
ثُمَّ سَارَ مِنْ جَوْرٍ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَاضْطُرَّ مَلِكُهَا إِلَى أَنْ رَمَى بِنَفْسِهِ مِنْ حِصْنِهِ فَهَلَكَ. وَعَادَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَتَوَّجَ ابْنَهُ سَابُورَ بِتَاجِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَنَى ثَمَانِيَ مُدُنٍ، مِنْهَا: مَدِينَةُ الْخَطِّ بِالْبَحْرَيْنِ، وَمَدِينَةُ بَهْرَسِيرْ مُقَابِلَ الْمَدَائِنِ. وَكَانَ اسْمُهُ بِهْ أَرْدَشِيرَ فَعُرِّبَتْ بِهْ سِيرُ، وَأَرْدَشِيرُ خُرَّةَ، هِيَ مَدِينَةُ فَيْرُوزَابَاذَ، سَمَّاهَا عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهٍ كَذَلِكَ، وَبَنَى بِكَرْمَانَ مَدِينَةَ أَرْدَشِيرَ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ الْبَصْرَةِ، وَالْبَصْرِيُّونَ يُسَمُّونَهَا بَهْمَنْ شِيرَ، وَفُرَاتُ مَيْسَانَ أَيْضًا، وَبَنَى رَامَهُرْمُزَ بِخُوزِسْتَانَ، وَبَنَى سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَبِالْمَوْصِلِ بُودَرْ أَرْدَشِيرَ، وَهِيَ حَزَّةٌ.
وَلَمْ يَزَلْ مَحْمُودَ السِّيرَةِ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، وَمَدَّنَ الْمُدُنَ، وَكَوَّرَ الْكُوَرَ، وَرَتَّبَ الْمَرَاتِبَ وَعَمَّرَ الْبِلَادَ.
وَكَانَ مُلْكُهُ مِنْ قَتْلِهِ أَرْدُوَانَ إِلَى أَنْ هَلَكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ.
وَلَمَّا اسْتَوْلَى أَرْدَشِيرُ عَلَى الْعِرَاقِ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنْ تَنُوخَ الْمُقَامَ فِي مَمْلَكَتِهِ، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ إِلَى الشَّامِ، وَدَانَ لَهُ أَهْلُ الْحِيرَةِ وَالْأَنْبَارِ، وَقَدْ كَانَتِ الْحِيرَةُ وَالْأَنْبَارُ بُنِيَتَا زَمَنَ بُخْتَ نَصَّرَ، فَخَرُبَتِ الْحِيرَةُ لِتَحَوُّلِ أَهْلِهَا إِلَى الْأَنْبَارِ، وَعَمُرَتِ الْأَنْبَارُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ عَمُرَتِ الْحِيرَةُ زَمَنَ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، فَعَمُرَتْ خَمْسَمِائَةٍ وَبِضْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ وُضِعَتِ الْكُوفَةُ وَنَزَلَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ.

ذِكْرُ مُلْكِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ
وَلَمَّا هَلَكَ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ قَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ ابْنُهُ سَابُورُ، وَكَانَ أَرْدَشِيرُ قَدْ أَسْرَفَ فِي قَتْلِ الْأَشْكَانِيَّةِ حَتَّى أَفْنَاهُمْ بِسَبَبِ أَلِيَةٍ آلَاهَا جَدُّهُ سَاسَانُ بْنُ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَهْمَنَ، فَإِنَّهُ أَقْسَمَ أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَسْتَبْقِ مِنْ نَسْلِ أَشْكَ بْنِ خَزَّةَ أَحَدًا، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى عَقِبِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْ عَقِبِهِ أَرْدَشِيرُ، فَقَتَلَهُمْ جَمِيعًا نِسَاءَهُمْ وَرِجَالَهُمْ، غَيْرَ أَنَّ جَارِيَةً وَجَدَهَا فِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ فَأَعْجَبَتْهُ، وَكَانَتِ ابْنَةَ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ، فَسَأَلَهَا عَنْ نَسَبِهَا، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا خَادِمٌ لِبَعْضِ نِسَاءِ الْمَلِكِ. فَسَأَلَهَا أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا بِكْرٌ، فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ وَوَاقَعَهَا، فَعَلِقَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْهُ بِحَبَلِهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا مِنْ وَلَدِ أَشْكَ، فَنَفَرَ مِنْهَا وَدَعَا هَرْجَدَ بْنَ أَسَامَ، وَكَانَ شَيْخًا مُسِنًّا، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، وَقَالَ لَهُ لِيَقْتُلْهَا لِيَبِرَّ قَسَمَ جَدِّهِ. فَأَخَذَهَا الشَّيْخُ لِيَقْتُلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا حُبْلَى، فَأَتَى بِالْقَوَابِلِ فَشَهِدْنَ بِحَبَلِهَا، فَأَوْدَعَهَا سَرَبًا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ قَطَعَ مَذَاكِيرَهُ وَوَضَعَهَا فِي حُقٍّ وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَحَضَرَ عِنْدَ الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَوْدَعْتُهَا بَطْنَ الْأَرْضِ، وَدَفَعَ الْحُقَّ إِلَيْهِ، وَسَأَلَ أَنْ يَخْتِمَهُ بِخَاتَمِهِ وَيُودِعَهُ بَعْضَ خَزَائِنِهِ، فَفَعَلَ.
ثُمَّ وَضَعَتِ الْجَارِيَةُ غُلَامًا، فَكَرِهَ الشَّيْخُ أَنْ يُسَمَّى ابْنُ الْمَلِكِ دُونَهُ، وَخَافَ يُعْلِمُهُ بِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَأَخَذَ لَهُ الطَّالِعَ وَسَمَّاهُ شَابُورَ، وَمَعْنَاهُ ابْنُ الْمَلِكِ، فَيَكُونُ اسْمًا وَصِفَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ.
وَبَقِيَ أَرْدَشِيرُ لَا يُولَدُ لَهُ، فَدَخَلَ الشَّيْخُ الَّذِي عِنْدَهُ الصَّبِيُّ يَوْمًا فَوَجَدَهُ مَحْزُونًا، فَقَالَ لَهُ: مَا يُحْزِنُ الْمَلِكَ؟ فَقَالَ: ضَرَبْتُ بِسَيْفِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حَتَّى ظَفِرْتُ وَصَفَا لِي مُلْكُ آبَائِي ثُمَّ أَهْلِكُ وَلَيْسَ لِي عَقِبٌ فِيهِ. فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: سَرَّكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَعَمَّرَكَ! لَكَ عِنْدِي وَلَدٌ طَيِّبٌ نَفِيسٌ، فَادْعُ لِي بِالْحُقِّ الَّذِي اسْتَوْدَعْتُكَ أُرِكَ بُرْهَانَ ذَلِكَ. فَدَعَا أَرْدَشِيرُ بِالْحُقِّ وَفَتَحَهُ، فَوَجَدَ فِيهِ مَذَاكِيرَ الشَّيْخِ وَكِتَابًا فِيهِ: لَمَّا أَخْبَرَتْنِي ابْنَةُ الْمَلِكِ أَشْكَ الَّتِي عَلِقَتْ مِنْ مَلِكِ الْمُلُوكِ حِينَ أَمَرَ بِقَتْلِهَا لَمْ أَسْتَحِلَّ إِتْلَافَ زَرْعِ الْمَلِكِ الطَّيِّبِ فَأَوْدَعْتُهَا بَطْنَ الْأَرْضِ كَمَا أَمَرَ وَتَبَرَّأْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنْفُسِنَا لِئَلَّا يَجِدَ عَاضِهٌ إِلَى عَضَهِهَا سَبِيلًا.
فَأَمَرَهُ أَرْدَشِيرُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ سَابُورَ مِائَةَ غُلَامٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ غُلَامٍ مِنْ أَشْبَاهِهِ فِي الْهَيْئَةِ وَالْقَامَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ زِيٌّ، فَفَعَلَ الشَّيْخُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَرْدَشِيرُ قَبِلَتْ نَفْسُهُ ابْنَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ أُعْطُوا صَوَالِجَةً وَكُرَةً، فَلَعِبُوا بِالْكُرَةِ وَهُوَ فِي الْإِيوَانِ، فَدَخَلَتِ الْكُرَةُ الْإِيوَانَ، فَهَابَ الْغِلْمَانُ أَنْ يَدْخُلُوهُ، وَأَقْدَمَ سَابُورُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَدَخَلَ، فَاسْتَدَلَّ بِإِقْدَامِهِ مَعَ مَا كَانَ مِنْ قَبُولِهِ لَهُ حِينَ رَآهُ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ لَهُ أَرْدَشِيرُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: شَاهْ بُورْ.
فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ ابْنُهُ شَهَرَ أَمْرَهُ وَعَقَدَ لَهُ التَّاجَ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ عَاقِلًا بَلِيغًا فَاضِلًا، فَلَمَّا مَلَكَ وَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ عَلَى النَّاسِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدٍ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، فَبَانَ فَضْلُ سِيرَتِهِ وَفَاقَ جَمِيعَ الْمُلُوكِ.
وَبَنَى مَدِينَةَ نَيْسَابُورَ، وَمَدِينَةَ سَابُورَ بِفَارِسَ، وَبَنَى فَيْرُوزَ سَابُورَ، وَهِيَ الْأَنْبَارُ، وَبَنَى جُنْدَيْسَابُورْ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ حَاصَرَ الرُّومَ بِنَصِيبِينَ، وَفِيهَا جَمْعٌ مِنَ الرُّومِ مُدَّةً، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ مَا احْتَاجَ إِلَى مُشَاهَدَتِهِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَأَحْكَمَ أَمْرَهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَصِيبِينَ، فَزَعَمُوا أَنَّ سُورَهَا تَصَدَّعَ وَانْفَرَجَتْ مِنْهُ فُرْجَةٌ دَخَلَ مِنْهَا، وَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ وَتَجَاوَزَهَا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ فَافْتَتَحَ مِنْ مَدَائِنِهَا مُدُنًا كَثِيرَةً، مِنْهَا فَالُوقِيَّةُ وَقَدُوقِيَّةُ، وَحَاصَرَ مَلِكًا لِلرُّومِ بِأَنْطَاكِيَّةَ، فَأَسَرَهُ وَحَمَلَهُ وَجَمَاعَةً كَثِيرَةً مَعَهُ فَأَسْكَنَهُمْ مَدِينَةَ جُنْدَيْسَابُورْ.

ذِكْرُ خَبَرِ مَدِينَةِ الْحَضْرِ

كَانَتْ بِجِبَالِ تَكْرِيتَ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا الْحَضْرُ، وَكَانَ بِهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ السَّاطِرُونَ، وَكَانَ مِنَ الْجَرَامِقَةِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الضَّيْزَنَ، وَهُوَ مِنْ قُضَاعَةَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ الْجَزِيرَةَ وَكَثُرَ جُنْدُهُ، وَإِنَّهُ تَطَرَّقَ بَعْضَ السَّوَادِ إِذْ كَانَ سَابُورُ بِخُرَاسَانَ، فَلَمَّا عَادَ سَابُورُ أُخْبِرَ بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَحَاصَرَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى هَدْمِ حِصْنِهِ وَلَا الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
وَكَانَ لِلضَّيْزَنِ بِنْتٌ تُسَمَّى النَّضِيرَةُ، فَحَاضَتْ، فَأُخْرِجَتْ إِلَى رَبَضِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ بِالنِّسَاءِ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، وَكَانَ سَابُورُ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَتَعَاشَقَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى مَا تَهْدِمُ بِهِ سُورَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أُحَكِّمُكِ وَأَرْفَعُكِ عَلَى نِسَائِي. فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِحَمَامَةٍ وَرْقَاءَ مُطَوَّقَةٍ فَاكْتُبْ عَلَى رِجْلِهَا بِحَيْضِ جَارِيَةٍ بِكْرٍ زَرْقَاءَ، ثُمَّ أَرْسِلْهَا فَإِنَّهَا تَقَعُ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ فَيُخَرَّبُ، وَكَانَ ذَلِكَ طَلْسَمَ ذَلِكَ الْبَلَدِ. فَفَعَلَ وَتَدَاعَتِ الْمَدِينَةُ، فَدَخَلَهَا عَنْوَةً وَقَتَلَ الضَّيْزَنَ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يُعْرَفُ الْيَوْمَ، وَأَخْرَبَ الْمَدِينَةَ وَاحْتَمَلَ النَّضِيرَةَ فَأَعْرَسَ بِهَا بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَلَمْ تَزَلْ لَيْلَتَهَا تَتَضَوَّرُ، فَالْتَمَسَ مَا يُؤْذِيهَا فَإِذَا وَرَقَةُ آسٍ مُلْتَزِقَةٌ بِعُكْنَةٍ مِنْ عُكَنِ بَطْنِهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا كَانَ يَغْذُوكِ بِهِ أَبُوكِ؟ قَالَتْ: بِالزُّبْدِ وَالْمُخِّ وَشَهْدِ الْأَبْكَارِ مِنَ النَّحْلِ وَصَفْوِ الْخَمْرِ. فَقَالَ: وَأَبِيكِ لَأَنَا أَحْدَثُ عَهْدًا بِكِ وَآثَرُ لَكِ مِنْ أَبِيكِ! فَأَمَرَ رَجُلًا فَرَكِبَ فَرَسًا جَمُوحًا ثُمَّ عَصَبَ غَدَائِرَهَا بِذَنَبِهِ ثُمَّ اسْتَرْكَضَهَا فَقَطَّعَهَا قِطَعًا، وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ ذِكْرَ الضَّيْزَنِ فِي أَشْعَارِهِمْ.
وَفِي أَيَّامِ سَابُورَ ظَهَرَ مَانِي الزِّنْدِيقُ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمَانَوِيَّةَ.
وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَةَ أَيَّامٍ.

ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ

وَكَانَ يُشَبَّهُ فِي خَلْقِهِ بِأَرْدَشِيرَ غَيْرَ لَاحِقٍ بِهِ فِي تَدْبِيرِهِ، وَكَانَ مِنَ الْبَطْشِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنَاتِ مِهْرَكَ الْمَلِكِ الَّذِي قَتَلَهُ أَرْدَشِيرُ وَتَتَبَّعَ نَسْلَهُ فَقَتَلَهُمْ، لِأَنَّ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ نَسْلِهِ مَنْ يَمْلِكُ، فَهَرَبَتْ أُمُّهُ إِلَى الْبَادِيَةِ وَأَقَامَتْ عِنْدَ بَعْضِ الرِّعَاءِ، وَخَرَجَ سَابُورُ مُتَصَيِّدًا، فَاشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ وَارْتَفَعَتْ لَهُ الْأَخْبِيَةُ الَّتِي فِيهَا أُمُّ هُرْمُزَ، فَقَصَدَهَا وَطَلَبَ الْمَاءَ، فَنَاوَلَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَرَأَى مِنْهَا جَمَالًا فَائِقًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ حَضَرَ الرِّعَاءُ فَسَأَلَهُمْ سَابُورُ عَنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا ابْنَتُهُ، فَتَزَوَّجَهَا وَسَارَ بِهَا إِلَى مَنْزِلِهِ، وَكُسِيَتْ وَنُظِّفَتْ، فَأَرَادَهَا فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ مُدَّةً، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ سَأَلَهَا عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا ابْنَةُ مِهْرَكَ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَيْهِ مِنْ أَرْدَشِيرَ، فَعَاهَدَهَا عَلَى سَتْرِ أَمْرِهَا، وَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ هُرْمُزَ، فَسَتَرَ أَمْرَهُ حَتَّى صَارَ لَهُ سُنُونٌ.
فَرَكِبَ أَرْدَشِيرُ يَوْمًا إِلَى مَنْزِلِ ابْنِهِ سَابُورَ لِشَيْءٍ أَرَادَ ذِكْرَهُ لَهُ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ مُفَاجَأَةً، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ خَرَجَ هُرْمُزُ وَبِيَدِهِ صَوْلَجَانٌ وَهُوَ يَصِيحُ فِي أَثَرِ الْكُرَةِ، فَلَمَّا رَآهُ أَرْدَشِيرُ أَنْكَرَهُ وَوَقَفَ عَلَى الْمَشَابِهِ الَّتِي فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْوَجْهِ وَعَبَالَةِ الْخَلْقِ وَأُمُورٍ غَيْرِهَا، فَاسْتَدْنَاهُ أَرْدَشِيرُ وَسَأَلَ عَنْهُ سَابُورَ، فَخَرَجَ مُفَكِّرًا عَلَى سَبِيلِ الْإِقْرَارِ بِالْخَطَإِ، وَأَخْبَرَ أَبَاهُ أَرْدَشِيرَ الْخَبَرَ، فَسُرَّ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُنَجِّمُونَ فِي وَلَدِ مِهْرَكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ سَلَّى مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ وَأَذْهَبَهُ.
فَلَمَّا مَلَكَ سَابُورُ وَلَّى هُرْمُزَ خُرَاسَانَ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَقَهَرَ الْأَعْدَاءَ وَاسْتَقَلَّ بِالْأَمْرِ، فَوَشَى بِهِ الْوُشَاةُ إِلَى سَابُورَ أَنَّهُ عَلَى عَزْمٍ أَنْ يَأْخُذَ الْمُلْكَ مِنْهُ، وَسَمِعَ هُرْمُزُ بِذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ وَأَرْسَلَهَا إِلَى أَبِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَا بَلَغَهُ وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ إِزَالَةً لِلتُّهْمَةِ لِأَنَّ رَسْمَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُمَلِّكُونَ ذَا عَاهَةٍ، فَلَمَّا وَصَلَتْ يَدُهُ إِلَى سَابُورَ تَقَطَّعَ أَسَفًا، وَأَرْسَلَ إِلَى هُرْمُزَ يُعْلِمُهُ مَا نَالَهُ لِذَلِكَ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى الْمُلْكِ وَمَلَّكَهُ، وَلَمَّا مَلَكَ عَدَلَ فِي رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ صَادِقًا، وَسَلَكَ سَبِيلَ آبَائِهِ وَكَوَّرَ كُورَةَ رَامَهُرْمُزَ. وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَيَّامٍ.

ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ

وَكَانَ حَلِيمًا مُتَأَنِّيًا حَسَنَ السِّيرَةِ، وَقَتَلَ مَانِي الزِّنْدِيقَ وَسَلَخَهُ وَحَشَا جِلْدَهُ تِبْنًا وَعُلِّقَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابٍ جُنْدَيْسَابُورْ يُسَمَّى بَابَ مَانِي.
وَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ عَامِلَ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ وَابْنِهِ هُرْمُزَ وَبَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ – بَعْدَ مَهْلِكِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ عَلَى رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَسَائِرُ مَنْ بِبَادِيَةِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالْجَزِيرَةِ يَوْمَئِذٍ – ابْنٌ لِعَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، يُقَالُ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ الْبَدْءُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ آلِ نَصْرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُمَّالِ الْفُرْسِ، وَعَاشَ مُمَلَّكًا فِي عَمَلِهِ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْهَا فِي زَمَنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا، وَفِي زَمَنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَيَّامٍ، وَفِي زَمَنِ بَهْرَامَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي زَمَنِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ
وَكَانَ مُلْكُهُ حَسَنًا، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأُمُورِ، فَلَمَّا عُقِدَ لَهُ التَّاجُ وَعَدَهُمْ بِحُسْنِ السِّيرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي سِنِيِّ مُلْكِهِ، فَقِيلَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ
فَلَمَّا عُقِدَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ دَعَا لَهُ الْعُظَمَاءُ، فَأَحْسَنَ الرَّدَّ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى إِلَيْهِ مُمَلَّكًا عَلَى سِجِسْتَانَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ.

ذِكْرُ مُلْكِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ
وَهُوَ أَخُو بَهْرَامَ الثَّالِثِ، فَلَمَّا عُقِدَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ وَالْعُظَمَاءُ فَدَعَوْا لَهُ، فَوَعَدَهُمْ خَيْرًا وَسَارَ فِيهِمْ بِأَعْدَلِ السِّيرَةِ، وَقَالَ: لَنْ نُضَيِّعَ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا. وَكَانَ مُلْكُهُ تِسْعَ سِنِينَ.

ذِكْرُ مُلْكِ هُرْمُزَ بْنِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ
وَكَانَ النَّاسُ قَدْ وَجِلُوا مِنْهُ لِفَظَاظَتِهِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِمَا كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ شِدَّةِ وِلَايَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْفَظَاظَةِ رِقَّةً وَرَأْفَةً، وَسَاسَهُمْ أَرَقَّ سِيَاسَةٍ، وَكَانَ حَرِيصًا عَلَى انْتِعَاشِ الضُّعَفَاءِ وَعِمَارَةِ الْبِلَادِ وَالْعَدْلِ، ثُمَّ هَلَكَ وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَسَأَلُوا عَنْ نِسَائِهِ، فَذُكِرَ لَهُمْ أَنَّ بَعْضَهُنَّ حُبْلَى، وَقِيلَ: إِنَّ هُرْمُزَ كَانَ أَوْصَى بِالْمُلْكِ لِذَلِكَ الْحَمْلِ، وَوَلَدَتِ الْمَرْأَةُ سَابُورَ ذَا الْأَكْتَافِ.
وَكَانَ مُلْكُ هُرْمُزَ سِتَّ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ سَبْعَ سِنِينَ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ.
وَأَسْمَاءُ الْمُلُوكِ مِنْ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ إِلَى هَاهُنَا لَمْ يُحْذَفْ مِنْهَا شَيْءٌ.
ذِكْرُ مُلْكِ ابْنِهِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ
وَهُوَ سَابُورُ بْنُ هُرْمُزَ بْنِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ، وَقِيلَ: مَلَكَ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ لَهُ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِوِلَادَتِهِ وَبَثُّوا خَبَرَهُ فِي الْآفَاقِ، وَتَقَلَّدَ الْوُزَرَاءُ وَالْكُتَّابُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ فِي مُلْكِ أَبِيهِ.
وَسَمِعَ الْمُلُوكُ أَنَّ مَلِكَ الْفُرْسِ صَغِيرٌ فِي الْمَهْدِ، فَطَمِعَتْ فِي مَمْلَكَتِهِمُ التُّرْكُ وَالْعَرَبُ وَالرُّومُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ أَقْرَبَ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ، فَسَارَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَالْبَحْرَيْنِ إِلَى بِلَادِ فَارِسَ وَسَوَاحِلِ أَرْدَشِيرَ خُرَّةَ، وَغَلَبُوا أَهْلَهَا عَلَى مَوَاشِيهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ، وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ، وَغَلَبَتْ إِيَادُ عَلَى سَوَادِ الْعِرَاقِ وَأَكْثَرُوا الْفَسَادَ فِيهِمْ، فَمَكَثُوا حِينًا لَا يَغْزُوهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْفُرْسِ لِصِغَرِ مَلِكِهِمْ.
فَلَمَّا تَرَعْرَعَ سَابُورُ وَكَبِرَ كَانَ أَوَّلَ مَا عُرِفَ مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ أَنَّهُ سَمِعَ فِي الْبَحْرِ ضَوْضَاءَ وَأَصْوَاتًا فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ: إِنَّ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ فِي الْجِسْرِ الَّذِي عَلَى دِجْلَةَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، فَأَمَرَ بِعَمَلِ جِسْرٍ آخَرَ يَكُونُ أَحَدُهُمَا لِلْمُقْبِلِينَ وَالْآخَرُ لِلْمُدْبِرِينَ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَوِيَ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ، جَمَعَ رُؤَسَاءَ أَصْحَابِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ مَا اخْتَلَّ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَنَّهُ يُرِيدُ الذَّبَّ عَنْهُمْ وَيَشْخَصَ إِلَى بَعْضِ الْأَعْدَاءِ، فَدَعَا لَهُ النَّاسُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعِهِ وَيُوَجِّهَ الْقُوَّادَ وَالْجُنُودَ لِيَكْفُوهُ مَا يُرِيدُ، فَأَبَى وَاخْتَارَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَلْفَ رَجُلٍ، فَسَأَلُوهُ الِازْدِيَادَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَسَارَ بِهِمْ وَنَهَاهُمْ عَلَى الْإِبْقَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَقَصَدَ بِلَادَ فَارِسَ فَأَوْقَعَ بِالْعَرَبِ وَهُمْ غَارُّونَ فَقَتَلَ وَأَسَرَ وَأَكْثَرَ. ثُمَّ قَطَعَ الْبَحْرَ إِلَى الْخَطِّ فَقَتَلَ مَنْ بِالْبَحْرَيْنِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَنِيمَةٍ، وَسَارَ إِلَى هَجَرَ وَبِهَا نَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَعَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ حَتَّى سَالَتْ دِمَاؤُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَبَادَ عَبْدَ الْقَيْسِ، وَقَصَدَ الْيَمَامَةَ وَأَكْثَرَ فِي أَهْلِهَا الْقَتْلَ، وَغَوَّرَ مِيَاهَ الْعَرَبِ، وَقَصَدَ بَكْرًا وَتَغْلِبَ فِيمَا بَيْنَ مَنَاظِرِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَقَتَلَ وَسَبَى، وَغَوَّرَ مِيَاهَهُمْ، وَسَارَ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَنْزِعُ أَكْتَافَ رُؤَسَائِهِمْ وَيَقْتُلُهُمْ إِلَى أَنْ هَلَكَ فَسَمُّوهُ سَابُورَ ذَا الْأَكْتَافِ لِهَذَا.
وَانْتَقَلَتْ إِيَادٌ حِينَئِذٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَصَارَتْ تُغِيرُ عَلَى السَّوَادِ، فَجَهَّزَ سَابُورُ إِلَيْهِمُ الْجُيُوشَ، وَكَانَ لَقِيطٌ الْإِيَادِيُّ مَعَهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى إِيَادٍ:
سَلَامٌ فِي الصَّحِيفَةِ مِنْ لَقِيطٍ … إِلَى مَنْ بِالْجَزِيرَةِ مِنْ إِيَادِ.

بِأَنَّ اللَّيْثَ كِسْرَى قَدْ أَتَاكُمْ
فَلَا يَشْغَلْكُمْ سُوقُ النُّقَادِ.
أَتَاكُمْ مِنْهُمُ سَبْعُونَ أَلْفًا … يَزُجُّونَ الْكَتَائِبَ كَالْجَرَادِ.
فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَدَامُوا عَلَى الْغَارَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا:
أَبْلِغْ إِيَادًا وَطَوِّلْ فِي سَرَاتِهِمْ أَنِّي … أَرَى الرَّأْيَ إِنْ لَمْ أُعْصَ قَدْ نَصَعَا.
وَهِيَ قَصِيدَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَجْوَدِ مَا قِيلَ فِي صِفَةِ الْحَرْبِ. فَلَمْ يَحْذَرُوا، وَأَوْقَعَ بِهِمْ سَابُورُ وَأَبَادَهُمْ قَتْلًا إِلَّا مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الرُّومِ. فَهَذَا فِعْلُهُ بِالْعَرَبِ.
وَأَمَّا الرُّومُ فَإِنَّ سَابُورَ كَانَ هَادَنَ مَلِكَهُمْ، وَهُوَ قُسْطَنْطِينُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ تَنَصُّرِهِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ذِكْرِ سَابُورَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمَاتَ قُسْطَنْطِينُ وَفُرِّقَ مُلْكُهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ بَنِينَ كَانُوا لَهُ، فَمَلَكُوا، وَمَلَّكَتِ الرُّومُ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ قُسْطَنْطِينَ يُقَالُ لَهُ إِلْيَانُوسُ، وَكَانَ عَلَى مِلَّةِ الرُّومِ الْأُولَى وَيَكْتُمُ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ أَظْهَرَ دِينَهُ، وَأَعَادَ مِلَّةَ الرُّومِ، وَأَخْرَبَ الْبِيَعَ وَقَتَلَ الْأَسَاقِفَةَ، ثُمَّ جَمَعَ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَالْخَزَرِ وَسَارَ نَحْوَ سَابُورَ.
وَاجْتَمَعَتِ الْعَرَبُ لِلِانْتِقَامِ مِنْ سَابُورَ، فَاجْتَمَعَ فِي عَسْكَرِ إِلْيَانُوسَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعَادَتْ عُيُونُ سَابُورَ إِلَيْهِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْأَخْبَارِ، فَسَارَ سَابُورُ بِنَفْسِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ ثِقَاتِهِ نَحْوَ الرُّومِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ يُوسَانُوسَ، وَهُوَ عَلَى مُقَدِّمَةِ إِلْيَانُوسَ، اخْتَفَى وَأَرْسَلَ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ إِلَى الرُّومِ، فَأُخِذُوا وَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَى سَابُورَ، فَأَرْسَلَ يُوسَانُوسُ إِلَيْهِ سِرًّا يُنْذِرُهُ، فَارْتَحَلَ سَابُورُ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَتَحَارَبَ هُوَ وَالْعَرَبُ وَالرُّومُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَلَكَتِ الرُّومُ مَدِينَةَ طَيْسَفُونَ، وَهِيَ الْمَدَائِنُ الشَّرْقِيَّةُ، وَمَلَكُوا أَيْضًا أَمْوَالَ سَابُورَ وَخَزَائِنَهُ.
وَكَتَبَ سَابُورُ إِلَى جُنُودِهِ وَقُوَّادِهِ يُعْلِمُهُمْ مَا لَقِيَ مِنَ الرُّومِ وَالْعَرَبِ، وَيَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَعَادَ وَاسْتَنْقَذَ مَدِينَةَ طَيْسَفُونَ، وَنَزَلَ إِلْيَانُوسُ مَدِينَةَ بَهْرَسِيرَ، وَاخْتَلَفَ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَبَيْنَمَا إِلْيَانُوسُ جَالِسٌ أَصَابَهُ سَهْمٌ لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ فَقَتَلَهُ، فَسَقَطَ فِي أَيْدِي الرُّومِ، وَيَئِسُوا مِنَ الْخَلَاصِ مِنْ بِلَادِ الْفُرْسِ، فَطَلَبُوا مِنْ يُوسَانُوسَ أَنْ يُمَلَّكَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَبَى إِلَّا أَنْ يَعُودُوا إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّتِهِ، وَإِنَّمَا كَتَمُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ إِلْيَانُوسَ. فَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ.
وَأَرْسَلَ سَابُورُ إِلَى الرُّومِ يَتَهَدَّدُهُمْ، وَيَطْلُبُ الَّذِي مُلِّكَ عَلَيْهِمْ لِيَجْتَمِعَ بِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ يُوسَانُوسُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَتَلَقَّاهُ سَابُورُ وَتَسَاجَدَا وَطَعِمَا، وَقَوَّى سَابُورُ أَمْرَ يُوسَانُوسَ بِجُهْدِهِ، وَقَالَ لِلرُّومِ: إِنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ بِلَادَنَا وَأَفْسَدْتُمْ فِيهَا، فَإِمَّا أَنْ تُعْطُونَا قِيمَةَ مَا أَهْلَكْتُمْ وَإِمَّا أَنْ تُعَوِّضُونَا نَصِيبِينَ، وَكَانَتْ قَدِيمًا لِلْفُرْسِ، فَغَلَبَتِ الرُّومُ عَلَيْهَا، فَدَفَعُوهَا إِلَيْهِمْ، وَتَحَوَّلَ أَهْلُهَا عَنْهَا، فَحَوَّلَ إِلَيْهَا سَابُورُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنْ أَهْلِ إِصْطَخْرَ وَأَصْبَهَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَادَتِ الرُّومُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَهَلَكَ مَلِكُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ سَابُورَ سَارَ إِلَى حَدِّ الرُّومِ وَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ أَنَّهُ عَلَى قَصْدِ الرُّومِ مُخْتَفِيًا لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ وَأَخْبَارِ مُدُنِهِمْ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَجَالَ فِيهِمْ حِينًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ قَيْصَرَ أَوْلَمَ وَجَمَعَ النَّاسَ فَحَضَرَ بِزِيِّ سَائِلٍ لِيَنْظُرَ إِلَى قَيْصَرَ عَلَى الطَّعَامِ، فَفَطِنَ بِهِ وَأُخِذَ وَأُدْرِجَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ.
وَسَارَ قَيْصَرُ بِجُنُودِهِ إِلَى أَرْضِ فَارِسَ وَمَعَهُ سَابُورُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَتَلَ وَأَخْرَبَ حَتَّى بَلَغَ جُنْدَيْسَابُورْ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَاصَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاصِرُهَا إِذْ غَفَلَ الْمُوَكَّلُونَ بِحِرَاسَةِ سَابُورَ، وَكَانَ بِقُرْبِهِ قَوْمٌ مِنْ سَبْيِ الْأَهْوَازِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُلْقُوا عَلَى الْقَدِّ الَّذِي عَلَيْهِ زَيْتًا كَانَ بِقُرْبِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَلَانَ الْجِلْدُ وَانْسَلَّ مِنْهُ وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرَ حُرَّاسَهَا فَأَدْخَلُوهُ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ أَهْلِهَا، فَاسْتَيْقَظَ الرُّومُ، وَجَمَعَ سَابُورُ مَنْ بِهَا وَعَبَّاهُمْ، وَخَرَجَ إِلَى الرُّومِ سَحَرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَتَلَهُمْ وَأَسَرَ قَيْصَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُ وَنِسَاءَهُ وَأَثْقَلَهُ بِالْحَدِيدِ، وَأَمَرَهُ بِعِمَارَةِ مَا أَخْرَبَ، وَأَلْزَمَهُ بِنَقْلِ التُّرَابِ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ لِيَبْنِيَ مَا هَدَمَ الْمَنْجَنِيقُ مِنْ جُنْدَيْسَابُورْ، وَأَنْ يَغْرِسَ الزَّيْتُونَ مَكَانَ النَّخْلِ، ثُمَّ قَطَعَ عَقِبَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الرُّومِ عَلَى حِمَارٍ وَقَالَ: هَذَا جَزَاؤُكَ بِبَغْيِكَ عَلَيْنَا، فَأَقَامَ مُدَّةً ثُمَّ غَزَا فَقَتَلَ وَسَبَى سَبَايَا أَسْكَنَهُمْ مَدِينَةً بَنَاهَا بِنَاحِيَةِ السُّوسِ سَمَّاهَا إِيرَانَ شَهْرَ سَابُورَ، وَبَنَى مَدِينَةَ نَيْسَابُورَ بِخُرَاسَانَ فِي قَوْلٍ، وَبِالْعِرَاقِ بَزْرَجَ سَابُورَ. وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
وَهَلَكَ فِي أَيَّامِهِ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ عَامِلُهُ عَلَى الْعَرَبِ، فَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ عَمْرَو بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ، فَبَقِيَ فِي عَمَلِهِ بَقِيَّةَ مُلْكِ سَابُورَ وَجَمِيعَ أَيَّامِ أَخِيهِ أَرْدَشِيرَ بْنِ هُرْمُزَ وَبَعْضَ أَيَّامِ سَابُورَ بْنِ سَابُورَ.
وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
سَبَبُ تَنَصُّرِ قُسْطَنْطِينَ
وَأَمَّا سَبَبُ تَنَصُّرِ قُسْطَنْطِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ كَبِرَ سِنُّهُ وَسَاءَ خُلُقُهُ وَظَهَرَ بِهِ وَضَحٌ كَبِيرٌ، فَأَرَادَتِ الرُّومُ خَلْعَهُ وَتَرْكَ مَالِهِ عَلَيْهِ، فَشَاوَرَ نُصَحَاءَهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِمْ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خَلْعِكَ، وَإِنَّمَا تَحْتَالُ عَلَيْهِمْ بِالدِّينِ. وَكَانَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَدْ ظَهَرَتْ، وَهِيَ خَفِيَّةٌ.
وَقَالُوا لَهُ: اسْتَمْهِلْهُمْ حَتَّى تَزُورَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسَ، فَإِذَا زُرْتَهُ دَخَلْتَ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ وَحَمَلْتَ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ، فَتُقَاتِلُ مَنْ عَصَاكَ بِمَنْ أَطَاعَكَ، وَمَا قَاتَلَ قَوْمٌ عَلَى دِينٍ إِلَّا نُصِرُوا. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَطَاعَهُ عَالَمٌ عَظِيمٌ وَخَالَفَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَأَقَامُوا عَلَى دِينِ الْيُونَانِيَّةِ، فَقَاتَلَهُمْ وَظَفِرَ بِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ فَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ وَحِكْمَتَهُمْ وَبَنَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَنَقَلَ النَّاسَ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ رُومِيَّةُ دَارَ مُلْكِهِمْ، وَبَقِيَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ وَكَانَ الْأَكَاسِرَةُ قَبْلَ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ يَنْزِلُونَ طَيْسَفُونَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْغَرْبِيَّةُ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَلَمَّا نَشَأَ سَابُورُ بَنَى الْإِيوَانَ بِالْمَدَائِنِ الشَّرْقِيَّةِ وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ وَصَارَ هُوَ دَارَ الْمُلْكِ، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآنَ، وَنَحْنُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَرْدَشِيرَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ نَرْسِي بْنِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ أَخِي سَابُورَ
فَلَمَّا مَلَكَ وَاسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ عَطَفَ عَلَى الْعُظَمَاءِ وَذَوِي الرِّئَاسَةِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَخَلَعَهُ النَّاسُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مُلْكِهِ.
ذِكْرُ مُلْكِ سَابُورَ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ
فَلَمَّا مُلِّكَ بَعْدَ خَلْعِ عَمِّهِ اسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِعَوْدِ مُلْكِ أَبِيهِ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ بِالْعَدْلِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَأَمَرَ بِذَلِكَ وُزَرَاءَهُ وَحَاشِيَتَهُ، وَأَطَاعَهُ عَمُّهُ الْمَخْلُوعُ وَأَحَبَّتْهُ رَعِيَّتُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْعُظَمَاءَ وَأَهْلَ الشَّرَفِ قَطَعُوا أَطْنَابَ خَيْمَةٍ كَانَ فِيهَا فَسَقَطَتْ عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ.
وَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَ سِنِينَ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَخِيهِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ
وَكَانَ يُلَقَّبُ كَرْمَانْ شَاهْ، لِأَنَّ أَبَاهُ مَلَّكَهُ كَرْمَانَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْقُوَّادِ كِتَابًا يَحُثُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي أُمُورِهِ، وَبَنَى بِكَرْمَانَ مَدِينَةً. وَثَارَ بِهِ نَاسٌ مِنَ الْفُتَّاكِ فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمْ بِنَشَّابَةٍ.
وَكَانَ مُلْكُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.
ذِكْرُ مُلْكِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ بْنِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ يَزْدَجِرْدَ هَذَا هُوَ أَخُو بَهْرَامَ كَرْمَانْ شَاهْ بْنِ سَابُورَ لَا ابْنُهُ، وَكَانَ فَظًّا غَلِيظًا ذَا عُيُوبٍ كَثِيرَةٍ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ، كَثِيرُ الرُّؤْيَةِ فِي الصَّغَائِرِ، وَاسْتِعْمَالِ كُلِّ مَا عِنْدَهُ فِي الْمُوَارَبَةِ وَالدَّهَاءِ وَالْمُخَاتَلَةِ، مَعَ فِطْنَةٍ بِجِهَاتِ الشَّرِّ وَعُجْبٍ بِهِ، وَكَانَ غَلْقًا سَيِّءَ الْخُلُقِ، لَا يَغْفِرُ الصَّغِيرَةَ مِنَ الزَّلَّاتِ، وَلَا يَقْبَلُ شَفَاعَةَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، كَثِيرَ التُّهْمَةِ، وَلَا يَأْتَمِنُ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُكَافِئُ أَحَدًا عَلَى حُسْنِ الْبَلَاءِ، وَإِنْ هُوَ أَوْلَى الْخَسِيسَ مِنَ الْعُرْفِ اسْتَعْظَمَهُ، وَإِذَا بَلَغَهُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ صَافَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ صِنَاعَتِهِ نَحَّاهُ عَنْ خِدْمَتِهِ. وَكَانَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ ذَكَاءُ ذِهْنٍ وَحُسْنُ أَدَبٍ، وَقَدْ مَهِرَ فِي صُنُوفٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَاسْتَوْزَرَ نَرْسِي حَكِيمَ زَمَانِهِ، وَكَانَ فَاضِلًا قَدْ كَمُلَ أَدَبُهُ، وَلَقَبُهُ هَزَارُ بِيدَهْ، فَأَمَّلَ النَّاسُ أَنْ يُصْلِحَ نَرْسِي مِنْهُ، فَكَانَ مَا أَمَّلُوهُ بَعِيدًا.
فَلَمَّا اسْتَوَى لَهُ الْمُلْكُ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ هَابَتْهُ الْأَشْرَافُ وَالْعُظَمَاءُ، وَحَمَلَ عَلَى الضُّعَفَاءِ فَأَكْثَرَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ.
فَلَمَّا ابْتُلِيَتِ الرَّعِيَّةُ بِهِ، شَكَوْا مَا نَزَلْ بِهِمْ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَسَأَلُوهُ تَعْجِيلَ إِنْقَاذِهِمْ مِنْهُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ بِجُرْجَانَ فَرَأَى ذَاتَ يَوْمٍ فِي قَصْرِهِ فَرَسًا عَائِرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَأَخْبَرَ بِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُسْرَجَ وَيُلْجَمَ وَيُدْخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ، فَأُعْلِمَ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَأَلْجَمَهُ بِيَدِهِ وَأَسْرَجَهُ، فَلَمَّا رَفَعَ ذَنَبَهُ لِيُثْفِرَهُ رَمَحَهُ عَلَى فُؤَادِهِ رَمْحَةً هَلَكَ مِنْهَا مَكَانَهُ، وَمَلَأَ الْفَرَسُ فُرُوجَهُ جَرْيًا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ خَبَرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ.
وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَأَمَّا الْعَرَبُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا هَلَكَ عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ فِي عَهْدِ سَابُورَ اسْتَخْلَفَ سَابُورُ عَلَى عَمَلِهِ أَوْسَ بْنَ قَلَّامٍ، وَهُوَ مِنَ الْعَمَالِيقِ، فَمَلَكَ خَمْسَ سِنِينَ وَقُتِلَ فِي عَهْدِ بَهْرَامَ بْنِ سَابُورَ، فَاسْتُخْلِفَ بَعْدَهُ فِي عَمَلِهِ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْبَدْءِ، فَبَقِيَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهَلَكَ أَيَّامَ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ.
فَاسْتُخْلِفَ بَعْدَهُ فِي عَمَلِهِ ابْنُهُ النُّعْمَانُ وَأُمُّهُ شَقِيقَةُ ابْنَةِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْخَوَرْنَقِ. وَسَبَبُ بِنَائِهِ لَهُ أَنَّ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمَ كَانَ لَا يَبْقَى لَهُ وَلَدٌ، فَسَأَلَ عَنْ مَنْزِلٍ مَرِيءٍ صَحِيحٍ، فَدُلَّ عَلَى ظَاهِرِ الْحِيرَةِ، فَدَفَعَ ابْنَهُ بَهْرَامَ جَوْرَ إِلَى النُّعْمَانِ هَذَا وَأَمَرَهُ بِبِنَاءِ الْخَوَرْنَقِ مَسْكَنًا لَهُ وَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى بَوَادِي الْعَرَبِ، وَكَانَ الَّذِي بَنَى الْخَوَرْنَقَ رَجُلًا اسْمُهُ سِنِمَّارَ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ تَعَجَّبُوا مِنْهُ، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تُوَفُّونَنِي أَجْرِي لَعَمِلْتُهُ يَدُورُ مَعَ الشَّمْسِ. فَقَالَ: وَإِنَّكَ تَقْدِرُ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ مِنْ رَأْسِ الْخَوَرْنَقِ فَهَلَكَ، فَضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِجَزَائِهِ الْمَثَلَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَشْعَارِهَا.
وَغَزَا النُّعْمَانُ هَذَا الشَّامَ مِرَارًا، وَأَكْثَرَ الْمَصَائِبَ فِي أَهْلِهَا وَسَبَى وَغَنِمَ، وَجَعَلَ مَعَهُ مَلِكُ فَارِسَ كَتِيبَتَيْنِ يُقَالُ إِحْدَاهَا دَوْسٌ وَهِيَ لِتَنُوخَ، وَلِلْأُخْرَى الشَّهْبَاءُ وَهِيَ لِفَارِسَ، فَكَانَ يَغْزُو بِهَا الشَّامَ وَمَنْ لَمْ يُطِعْهُ مِنَ الْعَرَبِ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ يَوْمًا فِي مَجْلِسِهِ مِنَ الْخَوَرْنَقِ، فَأَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى النَّجَفِ وَمَا يَلِيهِ مِنَ الْبَسَاتِينِ وَالْأَنْهَارِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الرَّبِيعِ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ لِوَزِيرِهِ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا الْمَنْظَرِ قَطُّ؟ قَالَ: لَا لَوْ كَانَ يَدُومُ. قَالَ: فَمَا الَّذِي يَدُومُ؟ قَالَ: مَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ: فَبِمَ يُنَالُ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِتَرْكِكَ الدُّنْيَا وَعِبَادَةِ اللَّهِ. فَتَرَكَ مُلْكَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَخَرَجَ هَارِبًا لَا يُعْلَمُ بِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَلَمْ يَرَوْهُ.
وَكَانَ مُلْكُهُ إِلَى أَنْ تَرَكَهُ وَسَاحَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، مِنْ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ يَزْدَجِرْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي زَمَنِ بَهْرَامَ جَوْرَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْفُرْسِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ.
ذِكْرُ مُلْكِ بَهْرَامَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ
لَمَّا وُلِدَ يَزْدَجِرْدَ جَوْرَ اخْتَارَ لِحَضَانَتِهِ الْعَرَبَ، فَدَعَا بِالْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ وَاسْتَحْضَنَهُ بَهْرَامَ وَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ وَمَلَّكَهُ عَلَى الْعَرَبِ، فَسَارَ بِهِ الْمُنْذِرُ وَاخْتَارَ لِرَضَاعِهِ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ ذَوَاتِ أَجْسَامٍ صَحِيحَةٍ وَأَذْهَانٍ ذَكِيَّةٍ وَآدَابٍ حَسَنَةٍ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ، مِنْهُنَّ عَرَبِيَّتَانِ وَعَجَمِيَّةٌ، فَأَرْضَعْنَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ. فَلَمَّا بَلَغَ خَمْسَ سِنِينَ أَحْضَرَ لَهُ مُؤَدِّبِينَ فَعَلَّمُوهُ الْكِتَابَةَ وَالرَّمْيَ وَالْفِقْهَ بِطَلَبٍ مِنْ بَهْرَامَ بِذَلِكَ، وَأَحْضَرَ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ فَتَعَلَّمَ وَوَعَى كُلَّ مَا عَلِمَهُ بِأَدْنَى تَعْلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً تَعَلَّمَ كُلَّ مَا أُفِيدَ وَفَاقَ مُعَلِّمِيهِ، فَأَمَرَهُمُ الْمُنْذِرُ بِالِانْصِرَافِ، وَأَحْضَرَ مُعَلِّمِي الْفُرُوسِيَّةِ فَأَخَذَ عَنْهُمْ كُلَّ مَا يَنْبَغِي لَهُ، ثُمَّ صَرَفَهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُحْضِرَتْ خَيْلُ الْعَرَبِ لِلسِّبَاقِ فَسَبَقَهَا فَرَسٌ أَشْقَرُ لِلْمُنْذِرِ وَأَقْبَلَ بَاقِي الْخَيْلِ بَدَادِ بَدَادِ، فَقَرَّبَ الْمُنْذِرُ الْفَرَسَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ، فَقَبِلَهُ وَرَكِبَهُ يَوْمًا لِلصَّيْدِ، فَبَصُرَ بِعَانَةِ حُمُرٍ وَحْشٍ، فَرَمَى عَلَيْهَا وَقَصَدَهَا وَإِذَا هُوَ بِأَسَدٍ قَدْ أَخَذَ عِيرًا مِنْهَا فَتَنَاوَلَ ظَهْرَهُ بِفِيهِ، فَرَمَاهُ بَهْرَامُ بِسَهْمٍ فَنَفَذَ فِي الْأَسَدِ وَالْعِيرِ وَوَصَلَ إِلَى الْأَرْضِ فَسَاخَ السَّهْمُ إِلَى ثُلُثِهِ، فَرَآهُ مَنْ مَعَهُ فَعَجِبُوا مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الصَّيْدِ وَاللَّهْوِ وَالتَّلَذُّذِ.
فَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ عِنْدَ الْمُنْذِرِ، فَتَعَاهَدَ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ الشَّرَفِ عَلَى أَنْ لَا يُمَلِّكُوا أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّةِ يَزْدَجِرْدَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ، فَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى صَرْفِ الْمُلْكِ عَنْ بَهْرَامَ لِنُشُوئِهِ فِي الْعَرَبِ وَتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ يَزْدَجِرْدَ، وَمَلَّكُوا رَجُلًا مِنْ عَقِبِ أَرْدَشِيرَ بْنِ بَابَكَ يُقَالُ لَهُ كِسْرَى. فَانْتَهَى هَلَاكُ يَزْدَجِرْدَ وَتَمْلِيكُ كِسْرَى إِلَى بَهْرَامَ، فَدَعَا بِالْمُنْذِرِ وَابْنِهِ النُّعْمَانِ وَنَاسٍ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَعَرَّفَهُمْ إِحْسَانَ وَالِدِهِ إِلَيْهِمْ وَشِدَّتَهُ عَلَى الْفُرْسِ، وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ. فَقَالَ الْمُنْذِرُ: لَا يَهُولَنَّكَ ذَلِكَ حَتَّى أُلْطِفَ الْحِيلَةَ فِيهِ، وَجَهَّزَ عَشْرَةَ آلَافِ فَارِسٍ وَوَجَّهَهُمْ مَعَ ابْنِهِ النُّعْمَانِ إِلَى طَيْسَفُونَ وَبَهْرَ سِيرَ مَدِينَتَيِ الْمُلْكِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَسْكِرَ قَرِيبًا مِنْهُمَا، وَيُرْسِلَ طَلَائِعَهُ إِلَيْهِمَا، وَأَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ وَيُغِيرَ عَلَى الْبِلَادِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ عُظَمَاءُ فَارِسَ حُوَابَى صَاحِبَ رَسَائِلِ يَزْدَجِرْدَ إِلَى الْمُنْذِرِ يُعْلِمْهُ أَمْرَ النُّعْمَانِ، فَلَمَّا وَرَدَ حُوَابَى قَالَ لَهُ: الْقَ الْمَلِكَ بَهْرَامَ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَرَاعَهُ مَا رَأَى مِنْهُ، فَأَغْفَلَ السُّجُودَ دَهْشًا، فَعَرَفَ بَهْرَامُ ذَلِكَ فَكَلَّمَهُ وَوَعَدَهُ أَحْسَنَ الْوَعْدِ وَرَدَّهُ إِلَى الْمُنْذِرِ وَقَالَ لَهُ: أَجِبْهُ. فَلَمَّا سَمِعَ حُوَابَى مَقَالَةَ الْمُنْذِرِ وَتَذَكَّرَ مَا رَأَى مِنْ بَهْرَامَ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ تَشَاوَرَ فِي صَرْفِ الْمُلْكِ عَنْ بَهْرَامَ مَحْجُوجٌ، فَقَالَ لِلْمُنْذِرِ: سِرْ إِلَى مَدِينَةِ الْمُلُوكِ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْكَ الْأَشْرَافُ وَالْعُظَمَاءُ، وَتَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ فَلَنْ يُخَالِفُوا مَا تُشِيرُ بِهِ.
وَسَارَ الْمُنْذِرُ بَعْدَ عَوْدِ حُوَابَى مِنْ عِنْدِهِ بِيَوْمٍ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ إِلَى مَدِينَتَيِ الْمَلِكِ بَهْرَامَ، فَجَمَعَ النَّاسَ، وَصَعِدَ بَهْرَامُ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوَاهِرِ، وَتَكَلَّمَ عُظَمَاءُ الْفُرْسِ فَذَكَرُوا فَظَاظَةَ يَزْدَجِرْدَ – أَبِي بَهْرَامَ – وَسُوءَ سِيرَتِهِ، وَكَثْرَةَ قَتْلِهِ وَإِخْرَابَ الْبِلَادِ، وَأَنَّهُمْ لِهَذَا السَّبَبِ صَرَفُوا الْمُلْكَ عَنْ وَلَدِهِ.
فَقَالَ بَهْرَامُ: لَسْتُ أُكَذِّبُكُمْ، وَمَازِلْتُ زَارِيًا عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَزَلْ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنَّ يُمَكِّنَنِي لِأُصْلِحَ مَا أَفْسَدَ، وَمَعَ هَذَا فَإِذَا أَتَى عَلَى مُلْكِي سَنَةٌ وَلَمْ أَفِ بِمَا أَعِدُ تَبَرَّأْتُ مِنَ الْمُلْكِ طَائِعًا، وَأَنَا رَاضٍ بِأَنْ تَجْعَلُوا التَّاجَ وَزِينَةَ الْمُلْكِ بَيْنَ أَسَدَيْنِ ضَارِيَيْنِ فَمَنْ تَنَاوَلَهُمَا كَانَ الْمُلْكُ لَهُ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَضَعُوا التَّاجَ وَالزِّينَةَ بَيْنَ أَسَدَيْنِ، وَحَضَرَ مُوبَذَانْ مُوبَذْ فَقَالَ بَهْرَامُ لِكِسْرَى: دُونَكَ التَّاجُ وَالزِّينَةُ. فَقَالَ كِسْرَى: أَنْتَ أَوْلَى لِأَنَّكَ تَطْلُبُ الْمُلْكَ بِوِرَاثَةٍ، وَأَنَا فِيهِ مُغْتَصِبٌ. فَحَمَلَ بَهْرَامُ جُرْزًا وَتَوَجَّهَ نَحْوَ التَّاجِ، فَبَدَرَ إِلَيْهِ أَحَدُ الْأَسَدَيْنِ فَوَثَبَ بَهْرَامُ فَعَلَا ظَهْرَهُ وَعَصَرَ جَنْبَيِ الْأَسَدِ بِفَخِذَيْهِ وَجَعَلَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالْجُرْزِ الَّذِي مَعَهُ. ثُمَّ وَثَبَ الْأَسَدُ الْآخَرُ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ أُذُنَيْهِ بِيَدِهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِرَأْسِ الْأَسَدِ الْآخَرِ الَّذِي تَحْتَهُ حَتَّى دَمَغَهُمَا، ثُمَّ قَتَلَهُمَا بِالْجُرْزِ الَّذِي مَعَهُ، وَتَنَاوَلَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّاجَ وَالزِّينَةَ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَطَاعَهُ كِسْرَى، وَقَالَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ: قَدْ أَذْعَنَّا لَكَ وَرَضِينَا بِكَ مَلِكًا، وَإِنَّ الْعُظَمَاءَ وَالْوُزَرَاءَ وَالْأَشْرَافَ سَأَلُوا الْمُنْذِرَ لِيُكَلِّمَ بَهْرَامَ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ. فَسَأَلَ الْمُنْذِرُ الْمَلِكَ بَهْرَامَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ.
وَمَلَكَ بَهْرَامُ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَمَرَ أَنْ يُلْزِمَ رَعِيَّتَهُ رَاحَةً وَدَعَةً، وَجَلَسَ لِلنَّاسِ يَعِدُهُمْ بِالْخَيْرِ وَيَأْمُرُهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَلَمْ يَزَلْ مُدَّةَ مُلْكِهِ يُؤْثِرُ اللَّهْوَ عَلَى مَا سِوَاهُ، حَتَّى طَمَّعَ فِيهِ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُلُوكِ فِي بِلَادِهِ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَى قَصْدِهِ خَاقَانُ مَلِكُ التُّرْكِ، فَإِنَّهُ غَزَاهُ فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ التُّرْكِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْفُرْسِ، وَدَخَلَ الْعُظَمَاءُ عَلَى بَهْرَامَ وَحَذَّرُوهُ فَتَمَادَى فِي لَهْوِهِ، ثُمَّ تَجَهَّزَ وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ لِيَتَنَسَّكَ فِي بَيْتِ نَارِهَا، وَيَتَصَيَّدَ بِأَرْمِينِيَّةَ فِي سَبْعَةِ رَهْطٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ ذَوِي الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ، وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ نَرْسِي، فَمَا شَكَّ النَّاسُ فِي أَنَّهُ هَرَبَ مِنْ عَدُوِّهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُ جُمْهُورِهِمْ عَلَى الِانْقِيَادِ إِلَى خَاقَانَ، وَبَذْلِ الْخَرَاجِ لَهُ خَوْفًا عَلَى نُفُوسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ خَاقَانُ فَأَمَّنَ نَاحِيَتَهُمْ، وَسَارَ بَهْرَامُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى خَاقَانَ فِي تِلْكَ الْعُدَّةِ، فَثَبَتَ لِلْقِتَالِ وَقَتَلَ خَاقَانَ بِيَدِهِ وَقَتَلَ جُنْدَهُ وَانْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ، وَأَمْعَنَ بَهْرَامُ فِي طَلَبِهِمْ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَيَغْنَمُ وَيَسْبِي، وَعَادَ جُنْدُهُ سَالِمِينَ، وَظَفِرَ بِتَاجِ خَاقَانَ وَإِكْلِيلِهِ، وَغَلَبَ عَلَى طَرَفٍ مِنْ بِلَادِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَرْزُبَانًا، وَأَتَاهُ رُسُلُ التُّرْكِ خَاضِعِينَ مُطِيعِينَ، وَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ حَدًّا لَا يَعْدُونَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ، وَعَادَ بَهْرَامُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَوَلَّى أَخَاهُ نَرْسِي خُرَاسَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَدِينَةَ بَلْخٍ.
وَاتَّصَلَ بِهِ أَنَّ بَعْضَ رُؤَسَاءِ الدَّيْلَمِ جَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا وَأَغَارَ عَلَى الرَّيِّ وَأَعْمَالِهَا، فَغَنِمَ وَسَبَى وَخَرَّبَ الْبِلَادَ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ فِي الثَّغْرِ عَنْ دَفْعِهِ، وَقَدْ قَرَّرُوا عَلَيْهِمْ إِتَاوَةً يَدْفَعُونَهَا إِلَيْهِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَسَيَّرَ مَرْزُبَانًا إِلَى الرَّيِّ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ عَلَى الدَّيْلَمِيِّ مَنْ يُطْمِعُهُ فِي الْبِلَادِ وَيُغْرِيهِ بِقَصْدِهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَجَمَعَ الدَّيْلَمِيُّ جُمُوعَهُ وَسَارَ إِلَى الرَّيِّ، فَأَرْسَلَ الْمَرْزُبَانُ إِلَى بَهْرَامَ جَوْرَ يُعْلِمُهُ خَبَرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ نَحْوَ الدَّيْلَمِيِّ وَالْمُقَامِ بِمَوْضِعٍ سَمَّاهُ لَهُ، ثُمَّ سَارَ جَرِيدَةً فِي نَفَرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ، فَأَدْرَكَ عَسْكَرَهُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالدَّيْلَمِيُّ لَا يَعْلَمُ بِوُصُولِهِ، وَهُوَ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ لِذَلِكَ، فَعَبَّى بَهْرَامُ أَصْحَابَهُ وَسَارَ نَحْوَ الدَّيْلَمِ، فَلَقِيَهُمْ وَبَاشَرَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، فَأَخَذَ رَئِيسَهُمْ أَسِيرًا، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، فَأَمَرَ بَهْرَامُ بِالنِّدَاءِ فِيهِمْ بِالْأَمَانِ لِمَنْ عَادَ إِلَيْهِ، فَعَادَ الدَّيْلَمُ جَمِيعُهُمْ، فَآمَنَهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَعَادُوا إِلَى أَحْسَنِ طَاعَةٍ، وَأَبْقَى عَلَى رَئِيسِهِمْ، وَصَارَ مِنْ خَوَاصِّهِ.
وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ قَبْلَ حَرْبِ التُّرْكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا ظَفِرَ بِالدَّيْلَمِ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَدِينَةٍ سَمَّاهَا فَيْرُوزَ بَهْرَامَ، فَبُنِيَتْ لَهُ هِيَ وَرُسْتَاقُهَا. وَاسْتَوْزَرَ نَرْسِي، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَاضٍ إِلَى الْهِنْدِ مُتَخَفِّيًا، فَسَارَ إِلَى الْهِنْدِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، غَيْرَ أَنَّ الْهِنْدَ يَرَوْنَ شَجَاعَتَهُ وَقَتْلَهُ السِّبَاعَ. ثُمَّ إِنَّ فِيلًا ظَهَرَ وَقَطَعَ السَّبِيلَ وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا، فَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ، فَسَمِعَ الْمَلِكُ خَبَرَهُ فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ. فَانْتَهَى بَهْرَامُ وَالْهِنْدِيُّ مَعَهُ إِلَى الْأَجَمَةِ، فَصَعِدَ الْهِنْدِيُّ شَجَرَةً وَمَضَى بَهْرَامُ فَاسْتَخْرَجَ الْفِيلَ وَخَرَجَ وَلَهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَمَاهُ بِسَهْمٍ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَادَ يَغِيبُ، وَوَقَذَهُ بِالنِّشَابِ وَأَخَذَ مِشْفَرَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُهُ حَتَّى أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَخْرَجَهُ.
وَأَعْلَمَ الْهِنْدِيُّ مَلِكَهُمْ بِمَا رَأَى، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَلِكَ فَارِسَ سَخِطَ عَلَيْهِ فَهَرَبَ إِلَى جِوَارِهِ، وَكَانَ لِهَذَا الْمَلِكِ عَدُوٌّ فَقَصَدَهُ، فَاسْتَسْلَمَ الْمَلِكُ وَأَرَادَ أَنْ يُطِيعَ وَيَبْذُلَ الْخَرَاجَ، فَنَهَاهُ بَهْرَامُ وَأَشَارَ بِمُحَارَبَتِهِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَالَ لِأَسَاوِرَةِ الْهِنْدِيِّ: احْفَظُوا لِي ظَهْرِي، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَضْرِبُ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَيَرْمِيهِمْ بِالنِّشَابِ حَتَّى انْهَزَمُوا، وَغَنِمَ أَصْحَابُ بَهْرَامَ مَا كَانَ فِي عَسْكَرِ عَدُوِّهِ، فَأَعْطَى بَهْرَامَ الدَّيْبُلَ وَمُكْرَانَ وَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ، فَأَمَرَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَضُمَّتْ إِلَى مَمْلَكَةِ الْفُرْسِ.
وَعَادَ بَهْرَامُ مَسْرُورًا وَأَغْزَى نَرْسِي بِلَادَ الرُّومِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَلِكَ الرُّومِ بِالْإِتَاوَةِ، فَسَارَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَهَادَنَهُ مَلِكُ الرُّومِ، فَانْصَرَفَ بِكُلِّ مَا أَرَادَ إِلَى بَهْرَامَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَاقَانَ وَالرُّومِ، سَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى بِلَادِ الْيَمَنِ، وَدَخَلَ بِلَادَ السُّودَانِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى لَهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ فِي آخِرِ مُلْكِهِ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ، فَشَدَّ عَلَى عَنْزٍ فَأَمْعَنَ فِي طَلَبِهِ، فَارْتَطَمَ فِي جُبٍّ فَغَرِقَ، فَبَلَغَ وَالِدَتَهُ ذَلِكَ، فَسَارَتْ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَأَمَرَتْ بِإِخْرَاجِهِ، فَنَقَلُوا مِنَ الْجُبِّ طِينًا كَثِيرًا حَتَّى صَارَ إِكَامًا عِظَامًا وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وَكَانَ مُلْكُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي اسْمِ بَهْرَامَ جَوْرَ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَهُ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ عِنْدَ يَزْدَجِرْدَ الْأَثِيمِ أَنَّهُ سَلَّمَ ابْنَهُ بَهْرَامَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ هَذَا وَبَعْضُهُمْ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْسَبْ كُلُّ قَوْلٍ إِلَى قَائِلِهِ.
ذِكْرُ ابْنِهِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جَوْرَ
لَمَّا لَبِسَ التَّاجَ جَلَسَ لِلنَّاسِ وَوَعَدَهُمْ، وَذَكَرَ أَبَاهُ وَمَنَاقِبَهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَقَدُوا مِنْهُ طُولَ جُلُوسِهِ لَهُمْ فَإِنَّ خَلْوَتَهُ فِي مَصَالِحِهِمْ وَكَيْدِ أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَوْزَرَ نَرْسِي صَاحِبَ أَبِيهِ. وَعَدَلَ فِي رَعِيَّتِهِ وَقَمَعَ أَعْدَاءَهُ وَأَحْسَنَ إِلَى جُنْدِهِ.
وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا هُرْمُزُ، وَلِلْآخَرِ فَيْرُوزُ، وَكَانَ لِهُرْمُزَ سِجِسْتَانُ، فَغَلَبَ عَلَى الْمُلْكِ بَعْدَ هَلَاكِ أَبِيهِ يَزْدَجِرْدَ، فَهَرَبَ فَيْرُوزُ وَلَحِقَ بِبِلَادِ الْهَيَاطِلَةِ وَاسْتَنْجَدَ مَلِكَهُمْ، فَأَمَدَّهُ بَعْدَ أَنْ دَفَعَ لَهُ الطَّالْقَانَ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ فَقَتَلَ أَخَاهُ بِالرَّيِّ، وَكَانَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: لَمْ يَقْتُلْهُ وَإِنَّمَا أَسَرَهُ وَأَخَذَ الْمُلْكَ مِنْهُ.
وَكَانَ الرُّومُ مَنَعُوا الْخَرَاجَ عَنْ يَزْدَجِرْدَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ نَرْسِي فِي الْعُدَّةِ الَّتِي أَنْفَذَهُ أَبُوهُ فِيهَا فَبَلَغَ إِرَادَتَهُ.
وَكَانَ مُلْكُ يَزْدَجِرْدَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ذِكْرُ مُلْكِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ أَخَاهُ هُرْمُزَ وَثَلَاثَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ
وَلَمَّا ظَفِرَ فَيْرُوزُ بِأَخِيهِ وَمَلَكَ، أَظْهَرَ الْعَدْلَ وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَكَانَ يَتَدَيَّنُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مَحْدُودًا مَشْئُومًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَقَحَطَتِ الْبِلَادُ فِي زَمَانِهِ سَبْعَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، وَغَارَتِ الْأَنْهَارُ وَالْقُنِيُّ، وَقَلَّ مَاءُ دِجْلَةَ، وَمَحَلَتِ الْأَشْجَارُ، وَهَاجَتْ عَامَّةُ الزُّرُوعِ فِي السَّهْلِ وَالْجَبَلِ مِنْ بِلَادِهِ، وَمَاتَتِ الطُّيُورُ وَالْوُحُوشُ، وَعَمَّ أَهْلَ الْبِلَادِ الْجُوعُ وَالْجُهْدُ الشَّدِيدُ، فَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ رَعِيَّتِهِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِمْ وَلَا جِزْيَةَ وَلَا مَؤُونَةَ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ طَعَامٌ مَذْخُورٌ يُوَاسِي بِهِ النَّاسَ، وَأَنْ يَكُونَ حَالُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَاحِدًا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنْ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا مَاتَ جُوعًا بِمَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ عَاقَبَهُمْ وَنَكَّلَ بِهِمْ، وَسَاسَ النَّاسَ سِيَاسَةً لَمْ يَعْطَبْ أَحَدٌ جُوعًا مَا خَلَا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رُسْتَاقِ أَرْدَشِيرَ خَرَّةَ، وَابْتَهَلَ فَيْرُوزُ إِلَى اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، فَأَزَالَ ذَلِكَ الْقَحْطَ وَعَادَتْ بِلَادُهُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا حَيِيَ النَّاسُ وَالْبِلَادُ وَأَثْخَنَ فِي أَعْدَائِهِ سَارَ مُرِيدًا حَرْبَ الْهَيَاطِلَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ إِخْشِنْوَارْ مَلِكُهُمْ خَافَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ اقْطَعْ يَدِي وَرِجْلِي وَأَلْقِنِي عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَحْسِنْ إِلَى عِيَالِي لِأَحْتَالَ عَلَى فَيْرُوزَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاجْتَازَ بِهِ فَيْرُوزُ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قُلْتُ لِإِخْشِنْوَارْ لَا طَاقَةَ لَكَ بِفَيْرُوزَ فَفَعَلَ بِي هَذَا، وَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقٍ لَمْ يَسْلُكْهَا مَلِكٌ وَهِيَ أَقْرَبُ. فَاغْتَرَّ فَيْرُوزُ بِذَلِكَ وَتَبِعَهُ، فَسَارَ بِهِ وَبِجُنْدِهِ حَتَّى قَطَعَ بِهِمْ مَفَازَةً بَعْدَ مَفَازَةٍ، حَتَّى إِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْخَلَاصِ أَعْلَمَهُمْ حَالَهُ. فَقَالَ أَصْحَابُ فَيْرُوزَ لِفَيْرُوزَ: حَذَّرْنَاكَ فَلَمْ تَحْذَرْ، فَلَيْسَ إِلَّا التَّقَدُّمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَقَدَّمُوا أَمَامَهُمْ فَوَصَلُوا إِلَى عَدُوِّهِمْ وَهُمْ هَلْكَى عَطْشَى وَقَتَلَ الْعَطَشُ مِنْهُمْ كَثِيرًا. فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ صَالَحُوا إِخْشِنْوَارْ عَلَى أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ عَلَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُ فَيْرُوزُ أَنَّهُ لَا يَغْزُو بِلَادَهُ، فَاصْطَلَحَا، وَكَتَبَ فَيْرُوزُ كِتَابًا بِالصُّلْحِ وَعَادَ.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي مَمْلَكَتِهِ حَمَلَتْهُ الْأَنَفَةُ عَلَى مُعَاوَدَةِ إِخْشِنْوَارَ، فَنَهَاهُ وُزَرَاؤُهُ عَنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَسَارَ نَحْوَهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَا أَمَرَ إِخْشِنْوَارْ فَحَفَرَ خَلْفَ عَسْكَرِهِ خَنْدَقًا عَرْضُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ وَعُمْقُهُ عِشْرُونَ ذِرَاعًا وَغَطَّاهُ بِخَشَبٍ ضَعِيفٍ وَتُرَابٍ، ثُمَّ عَادَ وَرَاءَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ فَيْرُوزُ بِذَلِكَ اعْتَقَدَهُ هَزِيمَةً فَتَبِعَهُ، وَلَا يَعْلَمُ عَسْكَرُ فَيْرُوزَ بِالْخَنْدَقِ، فَسَقَطَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِ فَهَلَكُوا، وَعَادَ إِخْشِنْوَارْ إِلَى عَسْكَرِ فَيْرُوزَ، وَأَخَذَ كُلَّ مَا فِيهِ، وَأَسَرَ نِسَاءَهُ وَمَوْبَذَانْ مَوْبَذْ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ جُثَّةَ فَيْرُوزَ وَجُثَّةَ كُلِّ مَنْ سَقَطَ مَعَهُ فَجَعَلَهَا فِي النَّوَاوِيسِ.
وَقِيلَ: إِنَّ فَيْرُوزَ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْخَنْدَقِ الَّذِي حَفَرَهُ إِخْشِنْوَارْ وَلَمْ يَكُنْ مُغَطًّى عَقَدَ عَلَيْهِ قَنَاطِرَ وَجَعَلَ عَلَيْهَا أَعْلَامًا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ يَقْصِدُونَهَا فِي عَوْدِهِمْ وَجَازَ إِلَى الْقَوْمِ. فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ احْتَجَّ عَلَيْهِ إِخْشِنْوَارْ بِالْعُهُودِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، وَحَذَّرَهُ عَاقِبَةَ الْغَدْرِ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَضَعُفَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي الْقِتَالِ. فَلَمَّا أَبَى إِلَّا الْقِتَالَ رَفَعَ إِخْشِنْوَارْ نُسْخَةَ الْعَهْدِ عَلَى رُمْحٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَقَلِّدْهُ بِغَيِّهِ.
فَقَاتَلَهُ فَانْهَزَمَ فَيْرُوزُ وَعَسْكَرُهُ فَضَّلُوا عَنْ مَوَاضِعِ الْقَنَاطِرِ فَسَقَطُوا فِي الْخَنْدَقِ، فَهَلَكَ فَيْرُوزُ وَأَكْثَرُ عَسْكَرِهِ، وَغَلَبَ إِخْشِنْوَارْ عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ. فَسَارَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ سُوخْرَا، وَكَانَ فِيهِمْ عَظِيمًا وَخَرَجَ كَالْمُحْتَسِبِ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ فَيْرُوزُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى مُلْكِهِ لَمَّا سَارَ، وَكَانَ لَهُ سِجِسْتَانُ، فَلَقِيَ صَاحِبَ الْهَيَاطِلَةِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ خُرَاسَانَ وَاسْتَعَادَ مِنْهُ كُلَّ مَا أَخَذَ مِنْ عَسْكَرِ فَيْرُوزَ مِمَّا هُوَ فِي عَسْكَرِهِ مِنَ السَّبْيِ وَغَيْرِهِ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، فَعَظَّمَتْهُ الْفُرْسُ إِلَى غَايَةٍ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ إِلَّا الْمَلِكُ، وَكَانَتْ مَمْلَكَةُ الْهَيَاطِلَةِ طَخَارِسْتَانَ، فَكَانَ فَيْرُوزُ قَدْ أَعْطَى مُلْكَهُمْ لَمَّا سَاعَدَهُ عَلَى حَرْبِ أَخِيهِ الطَّالْقَانَ.
وَكَانَ مُلْكُ فَيْرُوزَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *