ذِكْرُ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

ذِكْرُ شِيثِ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ أَمْرِهِ وَأَنَّهُ كَانَ وَصِيَّ آدَمَ فِي مُخَلِّفِيهِ بَعْدَ مُضِيِّهِ لِسَبِيلِهِ. وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحُفِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَإِنَّهُ كَانَ جَمَعَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ آدَمَ مِنَ الصُّحُفِ وَعَمِلَ بِمَا فِيهَا، وَإِنَّهُ بَنَى الْكَعْبَةَ بِالْحِجَارَةِ وَالطِّينِ.
وَأَمَّا السَّلَفُ مِنْ عُلَمَائِنَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمْ تَزَلِ الْقُبَّةُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لِآدَمَ مَكَانَ الْبَيْتِ إِلَى أَيَّامِ الطُّوفَانِ فَرَفَعَهَا اللَّهُ حِينَ أَرْسَلَ الطُّوفَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ شِيثًا لَمَّا مَرِضَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ أَنْوَشَ وَمَاتَ فَدُفِنَ مَعَ أَبَوَيْهِ بِغَارِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ لِمُضِيِّ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ آدَمَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَامَ أَنْوَشُ بْنُ شِيثٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسِيَاسَةِ الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِ مَنْ تَحْتَ يَدَيْهِ مِنْ رَعِيَّتِهِ مَقَامَ أَبِيهِ لَا يُوقَفُ مِنْهُ تَغْيِيرٌ، وَلَا تَبْدِيلٌ، فَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ أَنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ أَنْ أَمْضَى مِنْ عُمُرِ أَبِيهِ شِيثٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وُلِدَ لِشِيثٍ أَنْوَشُ وَوُلِدَ مَعَهُ نَفَرٌ كَثِيرٌ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى شِيثٌ، ثُمَّ وُلِدَ لِأَنْوَشَ بْنِ شِيثٍ ابْنُهُ قَيْنَانُ مِنْ أُخْتِهِ نِعْمَةَ بِنْتِ شِيثٍ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ أَنْوَشَ، وَوُلِدَ مَعَهُ نَفَرٌ كَثِيرٌ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَوَلَدَ قَيْنَانُ مَهْلَائِيلَ، وَنَفَرًا كَثِيرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَوَلَدَ مَهْلَائِيلُ يَرْدَ، وَهُوَ الْيَارَدُ. وَنَفَرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، فَوَلَدَ يَرْدُ حَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ، وَنَفَرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ، وَوَلَدَ حَنُوخُ مَتُوشَلَخَ وَنَفَرًا مَعَهُ، وَإِلَيْهِ الْوَصِيَّةُ.
وَأَمَّا التَّوْرَاةُ فَفِيهَا أَنَّ مَهْلَائِيلَ وُلِدَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ عُمُرِ قَيْنَانَ سَبْعُونَ، وَوُلِدَ يَرْدُ لِمَهْلَائِيلَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَكَانَ عَلَى مِنْهَاجِ أَبِيهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَحْدَاثَ بَدَأَتْ فِي زَمَانِهِ.

ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ لَدُنْ مُلْكِ شِيثٍ إِلَى أَنْ مَلَكَ يَرْدُ

ذِكْرُ أَنَّ قَابِيلَ لَمَّا قَتَلَ هَابِيلَ وَهَرَبَ مِنْ أَبِيهِ آدَمَ إِلَى الْيَمَنِ أَتَاهُ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَابِيلَ إِنَّمَا قُبِلَ قُرْبَانُهُ وَأَكَلَتْهُ النَّارُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدُمُ النَّارَ وَيَعْبُدُهَا، فَانْصِبْ أَنْتَ نَارًا تَكُونُ لَكَ وَلِعَقِبِكَ. فَبَنَى بَيْتَ نَارٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ نَارًا وَعَبَدَهَا.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ قَيْنًا، وَهُوَ قَابِيلُ، نَكَحَ أُخْتَهُ أَشُوثَ بِنْتَ آدَمَ فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا وَامْرَأَةً: حَنُوخَ بْنَ قَيْنَ وَعَذْبَ بِنْتَ قَيْنَ، فَنَكَحَ حَنُوخُ أُخْتَهُ عَذْبَ فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَامْرَأَةً: غِيرَدَ وَمَحْوِيلَ، وَأُنُوشِيلَ، وَمُولِيثَ ابْنَةَ حَنُوخَ، فَنَكَحَ أُنُوشِيلُ بْنُ حَنُوخَ أُخْتَهُ مُولِيثَ، وَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا اسْمُهُ لَامَكَ، فَنَكَحَ لَامَكُ امْرَأَتَيْنِ اسْمُ إِحْدَاهِمَا عَدَّى وَالْأُخْرَى صَلَّى، فَوَلَدَتْ عَدَّى تُولِينَ بْنَ لَامَكَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ الْقِبَابَ وَاقْتَنَى الْمَالَ، وَتُوبْلِينَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ بِالْوَنَجِ وَالصَّنْجِ، وَوَلَدَتْ رَجُلًا اسْمُهُ تُوبْلَقِينَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ النُّحَاسَ، وَالْحَدِيدَ، وَكَانَ أَوْلَادُهُمْ فَرَاعِنَةً وَجَبَابِرَةً، وَكَانُوا قَدْ أُعْطُوا بَسْطَةً فِي الْخَلْقِ.
قَالَ: ثُمَّ انْقَرَضَ وَلَدُ قَيْنَ، وَلَمْ يَتْرُكُوا عَقِبًا إِلَّا قَلِيلًا، وَذُرِّيَّةُ آدَمَ كُلُّهَا جَهِلَتْ أَنْسَابَهُمْ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُمْ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شِيثٍ، فَمِنْهُ كَانَ النَّسْلُ، وَأَنْسَابُ النَّاسِ الْيَوْمَ كُلِّهِمْ إِلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ آدَمَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَمْرِ قَابِيلَ وَوَلَدِهِ إِلَّا مَا حَكَيْتُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ: إِنَّ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْمَلَاهِيَ مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ثَوْبَالُ بْنُ قَابِيلَ، اتَّخَذَهَا فِي زَمَانِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ، اتَّخَذَ الْمَزَامِيرَ، وَالطَّنَابِيرَ، وَالطُّبُولَ، وَالْعِيدَانَ، وَالْمَعَازِفَ، فَانْهَمَكَ وَلَدُ قَابِيلَ فِي اللَّهْوِ. وَتَنَاهَى خَبَرُهُمْ إِلَى مَنْ بِالْجَبَلِ مِنْ وَلَدِ شِيثٍ، فَهَمَّ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ بِالنُّزُولِ إِلَيْهِمْ وَبِمُخَالَفَةِ مَا أَوْصَاهُمْ بِهِ آبَاؤُهُمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ يَارَدَ فَوَعَظَهُمْ وَنَهَاهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَنَزَلُوا إِلَى وَلَدِ قَابِيلَ فَأُعْجِبُوا بِمَا رَأَوْا مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ لِدَعْوَةٍ سَبَقَتْ مِنْ آبَائِهِمْ فَلَمَّا أَبْطَئُوا ظَنَّ مَنْ بِالْجَبَلِ مِمَّنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ زَيْغٌ أَنَّهُمْ أَقَامُوا اغْتِبَاطًا، فَتَسَلَّلُوا يَنْزِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ وَرَأَوُا اللَّهْوَ فَأَعْجَبَهُمْ، وَوَافَقُوا نِسَاءً مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ مُتَشَرِّعَاتٍ إِلَيْهِمْ وَصِرْنَ مَعَهُمْ، وَانْهَمَكُوا فِي الطُّغْيَانِ، وَفَشَتِ الْفَحْشَاءُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ فِيهِمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الْحَقِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ سَلَفِ عُلَمَائِنَا الْمُسْلِمِينَ نَحْوٌ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بَيَّنُوا زَمَانَ مَنْ حَدَثَ ذَلِكَ فِي مُلْكِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيمَا بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ مِثْلُهُ.
وَمِثْلَهُ رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ مَعَ اخْتِلَافٍ قَرِيبٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَا نَسَّابُو الْفُرْسِ فَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قَالُوا فِي مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ، وَأَنَّهُ هُوَ أُوشْهَنْجُ الَّذِي مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ، وَبَيَّنْتُ قَوْلَ مَنْ خَالَفَهُمْ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْبِنَاءَ، وَاسْتَخْرَجَ الْمَعَادِنَ وَأَمَرَ أَهْلَ زَمَانِهِ بِاتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ، وَبَنَى مَدِينَتَيْنِ كَانَتَا أَوَّلَ مَا بُنِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَدَائِنِ، وَهُمَا مَدِينَةُ بَابِلَ، وَهِيَ بِالْعِرَاقِ، وَمَدِينَةُ السُّوسِ بِخُوزِسْتَانَ، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَنْبَطَ الْحَدِيدَ وَعَمِلَ مِنْهُ الْأَدَوَاتِ لِلصِّنَاعَاتِ، وَقَدَّرَ الْمِيَاهَ فِي مَوَاقِعِ الْمَنَافِعِ، وَحَضَّ النَّاسَ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَاعْتِمَادِ الْأَعْمَالِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ، وَاتِّخَاذِ الْمَلَابِسِ مِنْ جُلُودِهَا وَالْمَفَارِشِ، وَبِذَبْحِ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْوَحْشِ، وَأَكْلِ لُحُومِهَا، وَإِنَّهُ بَنَى مَدِينَةَ الرَّيِّ.
قَالُوا: وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ بُنِيَتْ بَعْدَ مَدِينَةِ جُيُومَرْثَ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا بِدُنْبَاوَنْدَ. وَقَالُوا: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْأَحْكَامَ، وَالْحُدُودَ. وَكَانَ مُلَقَّبًا بِذَلِكَ يُدْعَى بِيشَدَادَ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ ” بِيشَ ” مَعْنَاهُ أَوَّلُ، وَ ” دَادَ ” مَعْنَاهُ عَدَلَ وَقَضَى. وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَخْدَمَ الْجَوَارِيَ وَأَوَّلُ مَنْ قَطَعَ الشَّجَرَ وَجَعَلَهُ فِي الْبِنَاءِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ نَزَلَ الْهِنْدَ وَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ وَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا، وَذَكَرُوا أَنَّهُ قَهَرَ إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ وَمَنْعَهُمُ الِاخْتِلَاطَ بِالنَّاسِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَتَلَ مَرَدَتَهُمْ، فَهَرَبُوا مِنْ خَوْفِهِ إِلَى الْمَفَاوِزِ وَالْجِبَالِ، فَلَمَّا مَاتَ عَادُوا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ سَمَّى شِرَارَ النَّاسِ شَيَاطِينَ وَاسْتَخْدَمَهُمْ، وَمَلَكَ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا. وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ مَوْلِدِ أُوشْهَنْجَ وَمَوْتِ جُيُومَرْثَ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
(عُتَيْبَةُ بِالْعَيْنِ، وَبَعْدَهَا تَاءٌ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَيَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) .

ذِكْرُ يَرْدَ

وَقِيلَ يَارَدُ بْنُ مَهْلَائِيلَ، أُمُّهُ خَالَتُهُ سَمْعَنُ ابْنَةُ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ، وُلِدَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَفِي أَيَّامِهِ عُمِلَتِ الْأَصْنَامُ، وَعَادَ مَنْ عَادَ عَنِ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ نَكَحَ يَرْدُ، فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ – وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً – بِرِكْتَا ابْنَةَ الدَّرَمْسِيلِ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ، فَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ وَخَطَّ بِالْقَلَمَ، وَأَوَّلَ مَنْ نَظَرَ فِي عُلُومِ النُّجُومِ، وَالْحِسَابِ. وَحُكَمَاءُ الْيُونَانِيِّينَ يُسَمُّونَهُ هِرْمِسَ الْحَكِيمَ، وَهُوَ عَظِيمٌ عِنْدَهُمْ، فَعَاشَ يَرْدُ بَعْدَ مَوْلِدِ إِدْرِيسَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.
وَقِيلَ: أُنْزِلَ عَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَطَعَ الثِّيَابَ وَخَاطَهَا، وَأَوَّلُ مَنْ سَبَى مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ فَاسْتَرَقَّ مِنْهُمْ، وَكَانَ وَصِيَّ وَالِدِهِ يَرْدَ فِيمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَصَّوْا بِهِ إِلَيْهِ، وَفِيمَا أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَتُوُفِّيَ آدَمُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ إِدْرِيسَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانِي سِنِينَ.
وَدَعَا إِدْرِيسُ قَوْمَهُ وَوَعَظَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْصِيَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ لَا يُلَابِسُوا وَلَدَ قَابِيلَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ.
قَالَ: وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِدْرِيسَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَبَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ أَبِيهِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً تَمَامَ تِسْعِمِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.
قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مِنَ الرُّسُلِ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وَنُوحٌ، وَحَنُوخُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً» . وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ، وَجَمَعَ لَهُ عِلْمَ الْمَاضِينَ وَزَادَهُ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَلَكَ بِيوَرَاسِبُ فِي عَهْدِ إِدْرِيسَ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ آدَمَ، فَاتَّخَذَهُ سِحْرًا، وَكَانَ بِيوَرَاسِبُ يَعْمَلُ بِهِ.
(يَارَدُ بِيَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ. وَحَنُوخُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَنُونٍ بَعْدَهَا وَاوٌ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَقِيلَ بِخَائَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ) .

ذِكْرُ مُلْكِ طَهْمُورُثَ

زَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّهُ مَلَكَ بَعْدَ مَوْتِ أُوشْهَنْجَ طَهْمُورُثُ بْنُ وَيُونْجَهَانَ، يَعْنِي خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ، ابْنُ حَبَايِدَادَ بْنِ أُوشْهَنْجَ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَزَعَمَ الْفُرْسُ أَيْضًا أَنَّهُ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ وَعَقَدَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي مُلْكِهِ مُشْفِقًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ ابْتَنَى سَابُورَ مِنْ فَارِسَ وَنَزَلَهَا وَتَنَقَّلَ فِي الْبُلْدَانِ، وَأَنَّهُ وَثَبَ بِإِبْلِيسَ حَتَّى رَكِبَهُ فَطَافَ عَلَيْهِ فِي أَدَانِي الْأَرْضِ، وَأَقَاصِيهَا، وَأَفْزَعَهُ وَمَرَدَتَهُ حَتَّى تَفَرَّقُوا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الصُّوفَ، وَالشَّعَرَ لِلُّبْسِ، وَالْفَرْشِ وَأَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ زِينَةَ الْمُلُوكِ مِنَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْكِلَابِ فَحَفِظَ الْمَوَاشِيَ وَغَيْرَهَا، وَأَخَذَ الْجَوَارِحَ لِلصَّيْدِ، وَكَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَأَنَّ بِيَوْرَاسِبَ ظَهَرَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ مُلْكِهِ وَدَعَا إِلَى مِلَّةِ الصَّابِئِينَ.
كَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ رَكِبَ إِبْلِيسَ وَطَافَ عَلَيْهِ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا نَحْنُ نَقَلْنَا مَا قَالُوهُ.
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَوَّلُ مُلُوكِ الْأَرْضِ مِنْ بَابِلَ طَهْمُورُثُ، وَكَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَفِي أَيَّامِهِ عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ، وَأَوَّلُ مَا عُرِفَ الصَّوْمُ فِي مُلْكِهِ. وَسَبَبُهُ أَنَّ قَوْمًا فُقَرَاءَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الْقُوتُ فَأَمْسَكُوا نَهَارًا، وَأَكَلُوا لَيْلًا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُمْ، ثُمَّ اعْتَقَدُوهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَجَاءَتِ الشَّرَائِعُ بِهِ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *