ذِكْرُ خَبَرِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ وَأَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ

قَدْ ذَكَرْنَا قُدُومَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ مِنَ الْعِرَاقِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَوَصِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى إِرْسَالِ الْجُيُوشِ مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَا عَمِلَ أَنْ نَدَبَ النَّاسَ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ، ثُمَّ بَايَعَ النَّاسَ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ وَهُوَ يُبَايِعُهُمْ، ثَلَاثًا، وَلَا يَنْتَدِبُ أَحَدٌ إِلَى فَارِسَ، وَكَانُوا أَثْقَلَ الْوُجُوهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَكْرَهَهُمْ إِلَيْهِمْ لِشِدَّةِ سُلْطَانِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ وَقَهْرِهِمُ الْأُمَمَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ أَوَّلَ مُنْتَدِبٍ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ الْمُخْتَارِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتَتَابَعَ النَّاسُ.
وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا الْوَجْهُ، فَإِنَّا قَدْ فَتَحْنَا رِيفَ فَارِسَ، وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى خَيْرِ شِقَيِّ السَّوَادِ، وَنِلْنَا مِنْهُمْ، وَاجْتَرَأْنَا عَلَيْهِمْ، وَلَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا بَعْدَهَا. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَمِّرْ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ السَّابِقِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَوِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، إِنَّمَا رَفَعَهُمُ اللَّهُ – تَعَالَى – بِسَبْقِهِمْ وَمُسَارَعَتِهِمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَإِذَا فَعَلَ فِعْلَهُمْ قَوْمٌ وَتَثَاقَلُوا كَانَ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ خِفَافًا وَثِقَالًا وَيَسْبِقُونَ إِلَى الرَّفْعِ أَوْلَى بِالرِّئَاسَةِ مِنْهُمْ، وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَوَّلَهُمُ انْتِدَابًا، ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدٍ، وَسَعْدًا وَسَلِيطًا، وَقَالَ لَهُمَا: لَوْ سَبَقْتُمَاهُ لَوَلَيَّتُكُمَا، وَلَأَدْرَكْتُمَا بِهَا إِلَى مَا لَكُمَا مِنَ السَّابِقَةِ. فَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدٍ وَقَالَ لَهُ: اسْمَعْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَشْرِكْهُمْ فِي الْأَمْرِ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُؤَمِّرَ سَلِيطًا إِلَّا سُرْعَتُهُ إِلَى الْحَرْبِ، وَفِي التَّسَرُّعِ إِلَى الْحَرْبِ ضَيَاعُ الْأَعْرَابِ، فَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا الرَّجُلُ الْمَكِيثُ. وَأَوْصَاهُ بِجُنْدِهِ. فَكَانَ بَعْثُ أَبِي عُبَيْدٍ أَوَّلَ جَيْشٍ سَيَّرَهُ عُمَرُ، ثُمَّ بَعْدَهُ سَيَّرَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ بِإِجْلَاءِ أَهْلِ نَجْرَانَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَنْ لَا يَجْتَمِعَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ.

ذِكْرُ خَبَرِ النَّمَارِقِ

فَسَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّانِ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ أَحَدُ بَنِي هِنْدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ الْمُثَنَّى بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَهُمْ بِاسْتِنْفَارِ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْمُثَنَّى فَقَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تَشَاغَلَتْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتِ شَهْرِيرَانَ حَتَّى اصْطَلَحُوا عَلَى سَابُورَ بْنِ شَهْرَيَارَ بْنِ أَرْدَشِيرَ، فَثَارَتْ بِهِ آزَرْمِيدُخْتَ، فَقَتَلَتْهُ وَقَتَلَتِ الْفَرُّخْزَادَ، وَمَلَكَتْ بُورَانَ، وَكَانَتْ عَدْلًا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رُسْتُمَ بْنِ الْفَرُّخْزَادَ بِالْخَبَرِ وَتَحُثُّهُ عَلَى السَّيْرِ، وَكَانَ عَلَى فَرْجِ خُرَاسَانَ، فَأَقْبَلَ لَا يَلْقَى جَيْشًا لِآزَرْمِيدُخْتَ إِلَّا هَزَمَهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدَائِنَ، فَاقْتَتَلُوا، وَهَزَمَ سَيَاوَخْشَ وَحَصَرَهُ وَآزَرْمِيدُخْتُ بِالْمَدَائِنِ. ثُمَّ افْتَتَحَهَا رُسْتُمُ وَقَتَلَ سَيَاوَخْشَ وَفَقَأَ عَيْنَ آزَرْمِيدُخْتَ، وَنَصَّبَ بُورَانَ عَلَى أَنْ تُمَلِّكَهُ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي آلِ كِسْرَى إِنْ وَجَدُوا مِنْ غِلْمَانِهِمْ أَحَدًا، وَإِلَّا فَفِي نِسَائِهِمْ، وَدَعَتْ مَرَازِبَةَ فَارِسَ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، وَتَوَّجَتْهُ، فَدَانَتْ لَهُ فَارِسُ قَبْلَ قُدُومِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَكَانَ مُنَجِّمًا حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَبِالْحَوَادِثِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَأَنْتَ تَرَى مَا تَرَى؟ قَالَ: حُبُّ الشَّرَفِ وَالطَّمَعُ.
ثُمَّ قَدِمَ الْمُثَنَّى إِلَى الْحِيرَةِ فِي عَشْرٍ، وَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ. فَكَتَبَ رُسْتُمُ إِلَى الدَّهَاقِينِ أَنْ يَثُورُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ رُسْتَاقٍ رَجُلًا يَثُورُ بِأَهْلِهِ، فَبَعَثَ جَابَانَ إِلَى فُرَاتِ بَادَقْلَى، وَبَعَثَ نَرْسِي إِلَى كَسْكَرَ وَوَعَدَهُمْ يَوْمًا، وَبَعَثَ جُنْدًا لِمُصَادَمَةِ الْمُثَنَّى، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى الْخَبَرُ فَحَذِرَ، وَعَجَّلَ جَابَانُ وَنَزَلَ النَّمَارِقَ، وَثَارُوا وَتَوَالَوْا عَلَى الْخُرُوجِ، وَخَرَجَ أَهْلُ الرَّسَاتِيقِ مِنْ أَعْلَى الْفُرَاتِ إِلَى أَسْفَلِهِ، وَخَرَجَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحِيرَةِ، فَنَزَلَ خَفَّانَ لِئَلَّا يُؤْتَى مِنْ خَلْفِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، وَأَقَامَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ. فَلَمَّا قَدِمَ لَبِثَ أَيَّامًا يَسْتَرِيحُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى جَابَانَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ النَّمَارِقَ، وَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ فَجَعَلَ الْمُثَنَّى عَلَى الْخَيْلِ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتِي جَابَانَ جِشْنَسَ مَاهْ وَمَرْدَانْشَاهْ، فَاقْتَتَلُوا بِالنَّمَارِقِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ فَارِسَ وَأُسِرَ جَابَانُ، أَسَرَهُ مَطَرُ بْنُ فِضَّةَ التَّيْمِيُّ، وَأُسِرَ مَرْدَانْشَاهْ، أَسَرَهُ أَكْتَلُ بْنُ شَمَّاخٍ الْعُكْلِيُّ فَقَتَلَهُ.
وَأَمَّا جَابَانُ فَإِنَّهُ خَدَعَ مَطَرًا وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُؤَمِّنَنِي وَأُعْطِيكَ غُلَامَيْنِ أَمْرَدَيْنِ خَفِيفَيْنِ فِي عَمَلِكَ، وَكَذَا وَكَذَا؟ فَفَعَلَ، فَخَلَّى عَنْهُ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَتَوْا بِهِ أَبَا عُبَيْدٍ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ جَابَانُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَنْ أَقْتُلَهُ وَقَدْ آمَنُهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، مَا لَزِمَ بَعْضَهُمْ فَقَدْ لَزِمَ كُلَّهُمْ، وَتَرَكُوهُ. وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَ نَرْسِي، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ.
(أَكْتَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْكَافِ، وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقِهَا، وَفِي آخِرِهِ لَامٌ)

ذِكْرُ وَقْعَةِ السَّقَاطِيَّةِ بِكَسْكَرَ

وَلَحِقَ الْمُنْهَزِمُونَ نَحْوَ كَسْكَرَ وَبِهَا نَرْسِي، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ الْمَلِكِ، وَكَانَ لَهُ النِّرْسَيَانُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ يَحْمِيهِ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا مَلِكُ الْفُرْسِ أَوْ مَنْ أَكْرَمُوهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يَغْرِسُهُ غَيْرُهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَى النَّرْسِي الْفَالَّةُ، وَهُوَ فِي عَسْكَرِهِ، فَسَارَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّمَارِقِ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ نَرْسِي بِنَدْوَيْهِ وَتِيرَوَيْهِ ابْنَا بِسْطَامَ خَالِ الْمَلِكِ، وَمَعَهُ أَهْلُ بَارُوسْمَا وَالزَّوَابِي. وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ بُورَانَ وَرُسْتُمَ بِهَزِيمَةِ جَابَانَ بَعَثَا الْجَالِينُوسَ إِلَى نَرْسِي، فَلَحِقَهُ قَبْلَ الْحَرْبِ، فَعَاجَلَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، فَالْتَقَوْا أَسْفَلَ مِنْ كَسْكَرَ، بِمَكَانٍ يُدْعَى السَّقَاطِيَّةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ انْهَزَمَتْ فَارِسُ وَهَرَبَ نَرْسِي، وَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَأَرْضِهِ وَجَمَعُوا الْغَنَائِمَ، فَرَأَى أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْأَطْعِمَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَهُ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَخَذُوا النِّرْسِيَانَ فَأَطْعَمُوهُ الْفَلَّاحِينَ، وَبَعَثُوا بِخُمُسِهِ إِلَى عُمَرَ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا مَطَاعِمَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ تَحْمِيهَا، وَأَحْبَبْنَا أَنْ تَرَوْهَا؛ لِتَشْكُرُوا إِنْعَامَ اللَّهِ وَإِفْضَالَهُ. وَأَقَامَ أَبُو عُبَيْدٍ.وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمَثَنَّى إِلَى بَارُوسْمَا، وَبَعَثَ وَالِقًا إِلَى الزَّوَابِي، وَعَاصِمًا إِلَى نَهْرِ جَوْبَرَ، فَهَزَمُوا مَنْ كَانَ تَجَمَّعَ، وَأَخْرَجُوا وَسَبَوْا أَهْلَ زَنْدَوَرْدَ وَغَيْرِهَا، وَبَذَلَ لَهُمْ فَرُّوخُ وَفَرَاوَنْدَادُ عَنْ أَهْلِ بَارُوسْمَا وَالزَّوَابِي وَكَسْكَرَ – الْجَزَاءَ مُعَجَّلًا، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَصَارُوا صُلْحًا، وَجَاءَ فَرُّوخُ وَفَرَاوَنْدَادُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ بِأَنْوَاعِ الطَّعَامِ وَالْأَخْصِبَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ: هَلْ أَكْرَمْتُمُ الْجُنْدَ بِمِثْلِهَا؟ فَقَالُوا: لَمْ يَتَسَيَّرْ وَنَحْنُ فَاعِلُونَ. وَكَانُوا يَتَرَبَّصُونَ قُدُومَ الْجَالِينُوسِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ إِنْ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ بِلَادِهِمُ اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا اللَّهِ لَا آكُلُ مَا أَتَيْتُمْ بِهِ وَلَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ إِلَّا مِثْلَ مَا يَأْكُلُ أَوْسَاطُهُمْ. فَلَمَّا هُزِمَ الْجَالِينُوسُ أَتَوْهُ بِالْأَطْعِمَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: مَا آكُلُ هَذَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ هَذَا، فَأَكَلَ حِينَئِذٍ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ الْجَالِينُوسِ

وَلَمَّا بَعَثَ رُسْتُمُ الْجَالِينُوسَ أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِنَرْسِي، ثُمَّ يُقَاتِلَ أَبَا عُبَيْدٍ، فَبَادَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى نَرْسِي فَهَزَمَهُ، وَجَاءَ الْجَالِينُوسُ فَنَزَلَ بِبَاقُسْيَاثَا مِنْ بَارُوسْمَا، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَتِهِ، فَالْتَقَوْا بِهَا، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَرَبَ الْجَالِينُوسُ، وَغَلَبَ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَرْضِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ تَجَرَّءُوا عَلَى الشَّرِّ فَعَلِمُوهُ، وَتَنَاسَوُا الْخَيْرَ فَجَهِلُوهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، وَاحْرِزْ لِسَانَكَ، وَلَا تُفْشِيَنَّ سِرَّكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ السِّرِّ مَا يَضْبُطُهُ مُتَحَصِّنٌ لَا يُؤْتَى مِنْ وَجْهٍ يَكْرَهُهُ، وَإِذَا ضَيَّعَهُ كَانَ بِمَضْيَعَةٍ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ قُسِّ النَّاطِفِ وَيُقَالُ لَهَا الْجِسْرُ وَيُقَالُ الْمَرْوَحَةُ وَقَتْلِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ

وَلَمَّا رَجَعَ الْجَالِينُوسُ إِلَىرُسْتُمَ مُنْهَزِمًا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنْدِهِ قَالَ رُسْتُمُ: أَيُّالْعَجَمِ أَشَدُّ عَلَى الْعَرَبِ؟قَالَ: بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِذِي الْحَاجِبِ – وَإِنَّمَا قِيلَلَهُ ذُو الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْصِبُ حَاجِبَيْهِ بِعِصَابَةٍلِيَرْفَعَهُمَا كِبْرًا. فَوَجَّهَهُ وَمَعَهُ فِيَلَةٌ، وَرَدَّ الْجَالِينُوسَمَعَهُ وَقَالَ لِبَهْمَنَ: إِنِ انْهَزَمَ الْجَالِينُوسُ ثَانِيَةً فَاضْرِبْعُنُقَهُ. فَأَقْبَلَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ وَمَعَهُ دِرَفْشَ كَابِيَانَ رَايَةُكِسْرَى، وَكَانَتْ مِنْ جُلُودِ النَّمِرِ، عَرْضَ ثَمَانِيَةِ أَذْرُعٍ، وَطُولَاثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَنَزَلَ بِقُسِّ النَّاطِفِ. وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدٍفَنَزَلَ بِالْمَرْوَحَةِ، فَرَأَتْ دَوْمَةُ – امْرَأَتُهُ أُمُّ الْمُخْتَارِابْنِهِ – أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ،فَشَرِبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَخْبَرَتْ بِهَا أَبَا عُبَيْدٍفَقَالَ: لِهَذِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَهَادَةٌ! وَعَهِدَ إِلَى النَّاسِفَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَعَلَى النَّاسِ فُلَانٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِمْفُلَانٌ، حَتَّى أَمَّرَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْقُتِلَ فَعَلَى النَّاسِ الْمُثَنَّى.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَاوَنَدَعَكُمْ وَالْعُبُورَ، وَإِمَّا أَنْ تَدَعُونَا نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ.فَنَهَاهُ النَّاسُ عَنِ الْعُبُورِ، وَنَهَاهُ سَلِيطٌ أَيْضًا، فَلَجَّ وَتَرَكَالرَّأْيَ وَقَالَ: لَا يَكُونُوا أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَّا. فَعَبَرَإِلَيْهِمْ عَلَى جِسْرٍ عَقَدَهُ ابْنُ صَلُوبَا لِلْفَرِيقَيْنِ، وَضَاقَتِالْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْخُيُولُ إِلَىالْفِيَلَةِ، وَالْخَيْلُ عَلَيْهَا التَّجَافِيفُ، رَأَتْ شَيْئًا مُنْكَرًا لَمْتَكُنْ رَأَتْ مِثْلَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا حَمَلُوا عَلَيْهِمْ لَمْتُقْدِمْ عَلَيْهِمْ خُيُولُهُمْ، وَإِذَا حَمَلَتِ الْفُرْسُ عَلَىالْمُسْلِمِينَ بِالْفِيَلَةِ وَالْجَلَاجِلِ فَرَقَّتْ خُيُولَهُمْوَكَرَادِيسَهُمْ وَرَمَوْهُمْ بِالنِّشَابِ. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُبِالْمُسْلِمِينَ، فَتَرَجَّلَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالنَّاسُ، ثُمَّ مَشَوْاإِلَيْهِمْ ثُمَّ صَافَحُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَجَعَلَتِ الْفِيَلَةُ لَا تَحْمِلُعَلَى جَمَاعَةٍ إِلَّا دَفَعَتْهُمْ، فَنَادَى أَبُو عُبَيْدٍ: احْتَوِشُواالْفِيَلَةَ وَاقْطَعُوا بِطَانَهَا وَاقْلِبُوا عَنْهَا أَهْلَهَا، وَوَثَبَ هُوَعَلَى الْفِيلِ الْأَبْيَضِ فَقَطَعَ بِطَانَهُ وَوَقَعَ الَّذِينَ عَلَيْهِ،وَفَعَلَ الْقَوْمُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا تَرَكُوا فِيلًا إِلَّا حَطُّوا رَحْلَهُوَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ. وَأَهْوَى الْفِيلُ لِأَبِي عُبَيْدٍ، فَضَرَبَهُ أَبُوعُبَيْدٍ بِالسَّيْفِ، وَخَبَطَهُ الْفِيلُ بِيَدِهِ فَوَقَعَ، فَوَطِئَهُالْفِيلُ وَقَامَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ النَّاسُ تَحْتَ الْفِيلِخَشَعَتْ أَنْفُسُ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الَّذِي كَانَ أَمَّرَهُبَعْدَهُ، فَقَاتَلَ حَتَّى تَنَحَّى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فَأَخَذَهُالْمُسْلِمُونَ فَأَحْرَزُوهُ، ثُمَّ قَتَلَ الْفِيلُ الْأَمِيرَ الَّذِي بَعْدَأَبِي عُبَيْدٍ، وَتَتَابَعَ سَبْعَةُ أَنْفُسٍ مِنْ ثَقِيفٍ، كُلُّهُمْ يَأْخُذُاللِّوَاءَ وَيُقَاتِلُ حَتَّى يَمُوتَ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ الْمُثَنَّى،فَهَرَبَ عَنْهُ النَّاسُ.

فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْثَدٍ الثَّقَفِيُّ مَا لَقِيَ أَبُو عُبَيْدٍ وَخُلَفَاؤُهُ، وَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ بَادَرَهُمْ إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعَهُ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أُمَرَاؤُكُمْ أَوْ تَظْفَرُوا! وَحَازَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِسْرِ، فَتَوَاثَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ فَغَرِقَ مَنْ لَمْ يَصْبِرْ، وَأَسْرَعُوا فِيمَنْ صَبَرَ. وَحَمَى الْمُثَنَّى وَفُرْسَانٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّا دُونَكُمْ فَاعْبُرُوا عَلَى هَيْنَتِكُمْ، وَلَا تَدْهَشُوا، وَلَا تُغَرِّقُوا نُفُوسَكُمْ. وَقَاتَلَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ قِتَالًا شَدِيدًا وَأَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَاتَلَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ حَمِيَّةً لِلْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدِمَ الْحِيرَةَ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَنَادَى الْمُثَنَّى: مَنْ عَبَرَ نَجَا. فَجَاءَ الْعُلُوجُ فَعَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ.
وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ عِنْدَ الْجِسْرِ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبَرَ الْمُثَنَّى وَحَمَى جَانِبَهُ، فَلَمَّا عَبَرَ ارْفَضَّ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبَقِيَ الْمُثَنَّى فِي قِلَّةٍ، وَكَانَ قَدْ جُرِحَ وَأُثْبِتَ فِيهِ حَلَقٌ مِنْ دِرْعِهِ.
وَأُخْبِرَ عُمَرُ عَمَّنْ سَارَ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْهَزِيمَةِ اسْتِحْيَاءً، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فِي حِلٍّ مِنِّي، أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ! لَوْ كَانَ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً.
وَهَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بَيْنَ قَتِيلٍ وَغَرِيقٍ، وَهَرَبَ أَلْفَانِ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسِ سِتَّةُ آلَافٍ.
وَأَرَادَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْعُبُورَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِاخْتِلَافِ الْفُرْسِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ ثَارُوا بِرُسْتُمَ، وَنَقَضُوا الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَصَارُوا فَرِيقَيْنِ: الْفَهْلُوجُ عَلَى رُسْتُمَ، وَأَهْلُ فَارِسَ عَلَى الْفَيْرُزَانِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدَائِنِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ.وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ بِالْجِسْرِ عُقْبَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا قَيْظَى بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَا شَهِدَا أُحُدًا، وَقُتِلَ مَعَهُمَا أَخُوهُمَا عَبَّادٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا أُحُدًا، وَقُتِلَ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ لَا عَقِبَ لَهُ، وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْحُطَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا، وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو أُمَيَّةَ الْفَزَارِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو أَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنُهُ جَبْرُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ.

ذِكْرُ خَبَرِ أُلَّيْسَ الصُّغْرَى

لَمَّا عَادَ ذُو الْحَاجِبِ لَمْ يَشْعُرْ جَابَانُ وَمَرْدَانْشَاهْ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَخَذَا بِالطَّرِيقِ، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى فِعْلُهُمَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، وَخَرَجَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ يُرِيدُهُمَا، فَظَنَّا أَنَّهُ هَارِبٌ فَاعْتَرَضَاهُ، فَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَخَرَجَ أَهْلُ أُلَّيْسَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا فَأَتَوْهُ بِهِمْ أَسْرَى، وَعَقَدَ لَهُمْ بِهَا ذِمَّةً، وَقَتَلَهُمَا وَقَتَلَ الْأَسْرَى. وَهَرَبَ أَبُو مِحْجَنٍ مِنْ أُلَّيْسَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ.

ذِكْرُ وَقْعَةِ الْبُوَيْبِ

لَمَّا بَلَغَ عُمَرَ خَبَرُ وَقْعَةِ أَبِي عُبَيْدٍ بِالْجِسْرِ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْمُثَنَّى، وَكَانَ فِيمَنْ نَدَبَ بَجِيلَةُ، وَأَمْرُهُمْ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ جَمَعَهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ وَكَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فِيهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَجْمَعَهُمْ فَوَعَدَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّهُ مَنْ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى بَجِيلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَثَبَتَ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَخْرِجُوهُ إِلَى جَرِيرٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَمَرَهُمْ عُمَرُ الْعِرَاقَ، وَأَبَوْا إِلَّا الشَّامَ، فَعَزَمَ عُمَرُ عَلَى الْعِرَاقِ، وَيُنَفِّلُهُمْ رُبْعَ الْخُمْسِ، فَأَجَابُوا، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَبَعَثَ عِصْمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيَّ فِيمَنْ تَبِعَهُ إِلَى الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ إِلَّا رَمَى بِهِ الْمُثَنَّى، وَبَعَثَ الْمُثَنَّى الرُّسُلَ فِيمَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَتَوَافَوْا إِلَيْهِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ. وَكَانَ فِيمَنْ جَاءَهُ أَنَسُ بْنُ هِلَالٍ النَّمِرِيُّ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ النَّمِرِ نَصَارَى، وَقَالُوا: نُقَاتِلُ مَعَ قَوْمِنَا.وَبَلَغَ الْخَبَرُ رُسْتُمَ وَالْفَيْرُزَانَ، فَبَعَثَا مِهْرَانَ الْهَمْذَانِيَّ إِلَى الْحِيرَةِ، فَسَمِعَ الْمُثَنَّى ذَلِكَ وَهُوَ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَخُفَّانَ، فَاسْتَبْطَنَ فُرَاتَ بَادَقْلَى، وَكَتَبَ إِلَى جَرِيرٍ وَعِصْمَةَ وَكُلِّ مَنْ أَتَاهُ مُمِدًّا لَهُ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، وَيَأْمُرُهُمْ بِقَصْدِ الْبُوَيْبِ، فَهُوَ الْمَوْعِدُ، فَانْتَهَوْا إِلَى الْمُثَنَّى وَهُوَ بِالْبُوَيْبِ وَمِهْرَانُ بِإِزَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الْفُرَاتِ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْبُوَيْبِ مِمَّا يَلِي الْكُوفَةَ الْيَوْمَ، وَأَرْسَلَ مِهْرَانُ إِلَى الْمُثَنَّى يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكَ. فَقَالَ الْمُثَنَّى: اعْبُرُوا. فَعَبْرَ مِهْرَانُ، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَعَبَّى الْمُثَنَّى أَصْحَابَهُ، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِفْطَارِ لِيَقْوَوْا عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَأَفْطَرُوا.
وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُثَنَّى بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَعَلَى مُجَرَّدَتِهِ الْمُعَنَّى أَخُوهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ مَسْعُودٌ أَخُوهُ، وَعَلَى الرِّدْءِ مَذْعُورٌ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ مِهْرَانَ بْنِ الْأَزَاذَبَهْ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ وَمَرْدَانْشَاهْ. وَأَقْبَلَ الْفُرْسُ فِي ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، مَعَ كُلِّ صَفٍّ فِيلٌ، وَرَجْلُهُمْ أَمَامَ فِيلِهِمْ وَلَهُمْ زُجَّلٌ، فَقَالَ الْمُثَنَّى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَ فَشَلٌ، فَالْزَمُوا الصَّمْتَ.
وَدَنَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَافَ الْمُثَنَّى فِي صُفُوفِهِ يَعْهَدُ إِلَيْهِمْ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ الشَّمُوسِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِينِهِ، وَكَانَ لَا يَرْكَبُهُ إِلَّا إِذَا قَاتَلَ، فَوَقَفَ عَلَى الرَّايَاتِ يُحَرِّضُهُمْ وَيَهُزُّهُمْ، وَلِكُلِّهِمْ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِكُمُ الْيَوْمَ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي الْيَوْمَ لِنَفْسِي شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسُرُّنِي لِعَامَّتِكُمْ، فَيُجِيبُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنْصَفَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَخَلَطَ النَّاسَ فِي الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَعِيبَ لَهُ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا، وَقَالَ: إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثًا، فَتَهَيَّئُوا، ثُمَّ احْمِلُوا فِي الرَّابِعَةِ. فَلَمَّا كَبَّرَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ أَعْجَلَتْهُمْ فَارِسُ وَخَالَطُوهُمْ، وَرَكَدَتْ خَيْلُهُمْ وَحَرْبُهُمْ مَلِيًّا، فَرَأَى الْمُثَنَّى خَلَلًا فِي بَنِي عِجْلٍ، فَجَعَلَ يَمُدُّ لِحْيَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: الْأَمِيرُ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: لَا تَفْضَحُوا الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ. فَقَالُوا: نَعَمْ، وَاعْتَدَلُوا. فَضَحِكَ فَرَحًا.
فَلَمَّا طَالَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ قَالَ الْمُثَنَّى لِأَنَسِ بْنِ هِلَالٍ النَّمِرِيِّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ عَرَبِيٌّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى دِينِنَا، فَإِذَا حَمَلْتُ عَلَى مِهْرَانَ فَاحْمِلْ مَعِي، فَأَجَابَهُ، فَحَمَلَ الْمُثَنَّى عَلَى مِهْرَانَ فَأَزَالَهُ حَتَّى دَخَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ، ثُمَّ خَالَطُوهُمْ وَاجْتَمَعَ الْقَلْبَانِ، وَارْتَفَعَ الْغُبَارُ وَالْمُجَنَّبَاتُ تُقْتَلُ، لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَفْرَغُوا لِنَصْرِ أَمِيرِهِمْ، لَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا الْمُشْرِكُونَ، وَارْتَثَّ مَسْعُودٌ أَخُو الْمُثَنَّى يَوْمَئِذٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ مَسْعُودٌ تَضَعْضَعَ مَنْ مَعَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَكْرٍ، ارْفَعُوا رَايَتَكُمْ رَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَلَا يَهُولَنَّكُمْ مَصْرَعِي. وَكَانَ الْمُثَنَّى قَالَ لَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمُونَا أَصَبْنَا فَلَا تَدَعُوا مَا أَنْتُمْ فِيهِ، الْزَمُوا مَصَافَّكُمْ وَأَغْنُوا غَنَاءَ مَنْ يَلِيكُمْ.
وَأَوْجَعَ قَلْبُ الْمُسْلِمِينَ فِي قَلْبِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَتَلَ غُلَامٌ نَصْرَانِيٌّ مِنْ تَغْلِبَ مِهْرَانَ وَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَجَعَلَ الْمُثَنَّى سَلَبَهُ لِصَاحِبِ خَيْلِهِ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّ قَدْ جَلَبَ خَيْلًا هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ تَغْلِبَ، فَلَمَّا رَأَوُا الْقِتَالَ قَاتَلُوا مَعَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَأَفْنَى الْمُثَنَّى قَلْبَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُجَنَّبَاتُ بَعْضُهَا يُقَاتِلُ بَعْضًا. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ أَزَالَ الْقَلْبَ وَأَفْنَى أَهْلَهُ وَثَبَ مُجَنَّبَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُجَنَّبَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلُوا يَرُدُّونَ الْأَعَاجِمَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَجَعَلَ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمُونَ فِي الْقَلْبِ يَدْعُونَ لَهُمْ بِالنَّصْرِ، وَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَذْمُرُهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ: عَادَاتُكُمْ فِي أَمْثَالِكُمْ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، حَتَّى هَزَمُوا الْفُرْسَ، وَسَبَقَهُمُ الْمُثَنَّى إِلَى الْجِسْرِ وَأَخَذَ طَرِيقَ الْأَعَاجِمِ، فَافْتَرَقُوا مُصَعِّدِينَ وَمُنْحَدِرِينَ، وَأَخَذَتْهُمْ خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَتَلُوهُمْ وَجَعَلُوهُمْ جُثًّا.
فَمَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفُرْسِ وَقْعَةٌ أَبْقَى رِمَّةً مِنْهَا، بَقِيَتْ عِظَامُ الْقَتْلَى دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانُوا يَحْزِرُونَ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفٍ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْأَعْشَارَ، أُحْصِيَ مِائَةُ رَجُلٍ قَتَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشْرَةً. وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ مِنْ أَصْحَابِ التِّسْعَةِ، وَغَالِبٌ الْكِنَانِيُّ وَعَرْفَجَةُ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ التِّسْعَةِ. وَقُتِلَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَ السَّكُونِ الْمُثَنَّى عَلَى أَخْذِهِ بِالْجِسْرِ وَقَالَ: عَجَزْتُ عَجْزَةً وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا بِمُسَابَقَتِي إِيَّاهُمْ إِلَى الْجِسْرِ حَتَّى أَحْرَجْتُهُمْ، فَلَا تَعُودُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى مِثْلِهَا، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَلَّةً، فَلَا يَنْبَغِي إِحْرَاجُ مَنْ لَا يَقْوَى عَلَى امْتِنَاعٍ.
وَمَاتَ أُنَاسٌ مِنَ الْجَرْحَى، مِنْهُمْ: مَسْعُودٌ أَخُو الْمُثَنَّى، وَخَالِدُ بْنُ هِلَالٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِمُ الْمُثَنَّى وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ وَجْدِي أَنْ صَبَرُوا وَشَهِدُوا الْبُوَيْبَ، وَلَمْ يَنْكِلُوا.
وَكَانَ قَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ غَنَمًا وَدَقِيقًا وَبَقَرًا، فَبَعَثُوا بِهِ إِلَى عِيَالِ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بِالْقَوَادِسِ. وَأَرْسَلَ الْمُثَنَّى الْخَيْلَ فِي طَلَبِ الْعَجَمِ، فَبَلَغُوا السِّيبَ وَغَنِمُوا مِنَ الْبَقْرِ وَالسَّبْيِ وَسَائِرِ الْغَنَائِمِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَسَّمَهُ فِيهِمْ، وَنَفَّلَ أَهْلَ الْبِلَادِ، وَأَعْطَى بَجِيلَةَ رُبْعَ الْخُمْسِ، وَأَرْسَلَ الَّذِينَ تَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى الْمُثَنَّى يُعَرِّفُونَهُ سَلَامَتَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا مَانِعَ دُونَ الْقَوْمِ، وَيَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْإِقْدَامِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَغَارُوا حَتَّى بَلَغُوا سَابَاطَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ مِنْهُمْ وَاسْتَبَاحُوا الْقُرَى، ثُمَّ مَخَرُوا السَّوَادَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دِجْلَةَ، لَا يَخَافُونَ كَيْدًا وَلَا يَلْقَوْنَ مَانِعًا، وَرَجَعَتْ مَسَالِحُ الْعَجَمِ إِلَيْهِمْ، وَسَرَّهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا مَا وَرَاءَ دِجْلَةَ.
(بُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ) .

ذِكْرُ خَبَرِ الْخَنَافِسِ وَسُوقِ بَغْدَادَ

ثُمَّ خَلَّفَ الْمُثَنَّى بِالْحِيرَةِبَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ، وَسَارَ يَمْخُرُ السَّوَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَىمَيْسَانَ وَدَسْتُمَيْسَانَ، وَأَذْكَى الْمَسَالِحَ، وَنَزَلَ أُلَّيْسَ،قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْبَارِ، وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ تُدْعَى غَزْوَةَالْأَنْبَارِ الْآخِرَةِ، وَغَزْوَةَ أُلَّيْسَ الْآخِرَةِ.
وَجَاءَ الْمُثَنَّى رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْبَارِيٌّ فَدَلَّهُ عَلَى سُوقِالْخَنَافِسِ، وَالثَّانِي حِيرِيٌّ دَلَّهُ عَلَى بَغْدَادَ، فَقَالَالْمُثَنَّى: أَيَّتُهُمَا قَبْلَ صَاحِبَتِهَا؟ فَقَالَا: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُأَيَّامٍ. قَالَ: أَيُّهُمَا أَعْجَلُ؟ قَالَا: سُوقُ الْخَنَافِسِ يَجْتَمِعُبِهَا تُجَّارُ مَدَائِنِ كِسْرَى، وَالسَّوَادُ وَرَبِيعَةُ وَقُضَاعَةُيَخْفِرُونَهُمْ. فَرَكِبَ الْمُثَنَّى وَأَغَارَ عَلَى الْخَنَافِسِ يَوْمَسُوقِهَا، وَبِهَا خَيْلَانِ مِنْ رَبِيعَةَ وَقُضَاعَةَ، وَعَلَى قُضَاعَةَرُومَانِسُ بْنُ وَبَرَةَ، وَعَلَى رَبِيعَةَ السَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ وَهُمُالْخُفَرَاءُ، فَانْتَسَفَ السُّوقَ وَمَا فِيهَا، وَسَلَبَ الْخُفَرَاءَ. ثُمَّرَجَعَ فَأَتَى الْأَنْبَارَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ، فَلَمَّا عَرَفُوهُنَزَلُوا إِلَيْهِ وَأَتَوْهُ بِالْأَعْلَافِ وَالزَّادِ، وَأَخَذَ مِنْهُمُالْأَدِلَّاءَ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ، وَأَظْهَرَ لِدِهْقَانِ الْأَنْبَارِأَنَّهُ يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ لَيْلًا، وَعَبَرَإِلَيْهِمْ وَصَبَّحَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ وَأَخَذَمَا شَاءَ. وَقَالَ الْمُثَنَّى: لَا تَأْخُذُوا إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَوَالْحُرَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِالسَّالِحِينَ بِالْأَنْبَارِ، فَسَمِعَ أَصْحَابَهُ يَقُولُونَ:مَا أَسْرَعَ الْقَوْمَ فِي طَلَبِنَا، فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: احْمَدُوا اللَّهَوَسَلُوهُ الْعَافِيَةَ، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَاتَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَانْظُرُوا فِي الْأُمُورِوَقَدِّرُوهَا ثُمَّ تَكَلَّمُوا، إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ النَّذِيرُ مَدِينَتَهُمْبَعْدُ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَحَالَ الرُّعْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِكُمْ،إِنَّ لِلْغَارَاتِ رَوْعَاتٍ تُضْعِفُ الْقُلُوبَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ،وَلَوْ طَلَبَكُمُ الْمُحَامُونَ مِنْ رَأْيِ الْعَيْنِ مَا أَدْرَكُوكُمْوَأَنْتُمْ عَلَى الْعِرَابِ حَتَّى تَنْتَهُوا إِلَى عَسْكَرِكُمْ، وَلَوْأَدْرَكُوكُمْ لَقَاتَلْتُهُمُ الْتِمَاسَ الْأَجْرِ وَرَجَاءَ النَّصْرِ،فَثِقُوا بِاللَّهِ وَأَحْسِنُوا بِهِ الظَّنَّ، فَقَدْ نَصَرَكُمْ فِي مَوَاطِنَكَثِيرَةٍ.
ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَكَانَ مَنْ خَلْفَهُ مِنَالْمُسْلِمِينَ يَمْخَرُونَ السَّوَادَ وَيَشُنُّونَ الْغَارَاتِ مَا بَيْنَأَسْفَلَ كَسْكَرَ وَأَسْفَلَ الْفُرَاتِ، وَجَسُّوا مِثْقَبًا إِلَى عَيْنِالتَّمْرِ وَفِي أَرْضِ الْفَلَالِيجِ، وَالْمُثَنَّى بِالْأَنْبَارِ.
وَلَمَّا رَجَعَ الْمُثَنَّى مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ بَعَثَالْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى الْكَبَاثِ وَعَلَيْهِ فَارِسُالْعُنَابِ التَّغْلِبِيُّ، ثُمَّ لَحِقَهُمُ الْمُثَنَّى فَسَارَ مَعَهُمْ،فَوَجَدُوا الْكَبَاثَ قَدْ سَارَ مَنْ كَانَ بِهِ، وَمَعَهُمْ فَارِسُ الْعُنَابِ،فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ فَلَحِقُوهُ وَقَدْ رَحَلَ مِنَ الْكَبَاثِ،فَقَتَلُوا فِي أُخْرَيَاتِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَلَمَّارَجَعُوا إِلَى الْأَنْبَارِ سَرَّحَ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ التَّغْلِبِيَّوَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ وَأَمَرَهُمَا بِالْغَارَةِ عَلَى أَحْيَاءَ مِنْتَغْلِبَ بِصِفِّينَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمَا الْمُثَنَّى وَاسْتَخْلَفَ عَلَىالنَّاسِ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُلْمَى الْهُجَيْمِيَّ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْصِفِّينَ فَرَّ مَنْ بِهَا وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَفَنِيَالزَّادُ الَّذِي مَعَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابِهِ، فَأَكَلُوا رَوَاحِلَهُمْإِلَّا مَا لَابُدَّ مِنْهُ حَتَّى جُلُودِهَا، ثُمَّ أَدْرَكُوا عِيرًا مِنْأَهْلِ دَبَا وَحَوْرَانَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا، وَأَخَذُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍمِنْ تَغْلِبَ كَانُوا خُفَرَاءَ، وَأَخَذُوا الْعِيرَ، فَقَالَ لَهُمْ:دُلُّونِي. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: آمِنُونِي عَلَى أَهْلِي وَمَالِي، وَأَدُلُّكُمْعَلَى حَيٍّ مِنْ تَغْلِبَ. فَآمَنَهُ الْمُثَنَّى وَسَارَ مَعَهُمْ يَوْمَهُ،فَهَجَمَ الْعَشِيُّ عَلَى الْقَوْمِ، وَالنَّعَمُ صَادِرَةٌ عَنِ الْمَاءِ،وَأَصْحَابُهَا جُلُوسٌ بِأَفْنِيَةِ الْبُيُوتِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ،وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَاسْتَاقَ الْأَمْوَالَ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّونَ بَنِيذِي الرُّوَيْحِلَةِ، فَاشْتَرَى مَنْ كَانَ مَعَ الْمُثَنَّى مِنْ رَبِيعَةَالسَّبَايَا بِنَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ وَأَعْتَقُوهُمْ، وَكَانَتْ رَبِيعَةُ لَاتُسَابِي، إِذِ الْعَرَبُ يَتَسَابَوْنَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ.
وَأُخْبِرَ الْمُثَنَّى أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ سَلَكَ الْبِلَادَ قَدِانْتَجَعَ شَاطِئَ دِجْلَةَ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِالنُّعْمَانُ بْنُ عَوْفٍ وَمَطَرُ الشَّيْبَانِيَّانِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِحُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيُّ، فَسَارُوا فِي طَلَبِهِمْفَأَدْرَكُوهُمْ بِتَكْرِيتَ، فَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ النَّعَمِ، وَعَادَ إِلَىالْأَنْبَارِ. وَمَضَى عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ وَمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى أَغَارُواعَلَى صِفِّينَ وَبِهَا النَّمِرُ وَتَغْلِبُ مُتَسَانِدِينَ، فَأَغَارُواعَلَيْهِمْ حَتَّى رَمَوْا طَائِفَةً مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلُوايُنَادُونَهُمْ: الْغَرَقَ الْغَرَقَ! وَجَعَلَ عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ يَذْمُرَانِالنَّاسَ وَيُنَادِيَانِهِمْ: تَغْرِيقٌ بِتَحْرِيقٍ! يُذَكِّرَانِهِمْ يَوْمًامِنْ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ أَحْرَقُوا فِيهِ قَوْمًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍفِي غَيْضَةٍ مِنَ الْغِيَاضِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمُثَنَّى وَقَدْغَرَّقُوهُمْ، وَقَدْ بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَبَعَثَ إِلَى عُتَيْبَةَوَفُرَاتَ فَاسْتَدْعَاهُمَا، فَسَأَلَهُمَا عَنْ قَوْلِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُأَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ طَلَبِ ذَحْلٍ، إِنَّمَا هُوَمَثَلٌ فَاسْتَحْلَفَهُمَا وَرَدَّهُمَا إِلَى الْمُثَنَّى.
(عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا،وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .





Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *