ذِكْرُ حِلْفِ الْفُضُولِ

ذِكْرُ حِلْفِ الْفُضُولِ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ نَفَرٌ مِنْ جُرْهُمٍ وَقَطُورَاءَ يُقَالُ لَهُمُ: الْفُضَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُرْهُمِيُّ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ وَدَاعَةَ الْقَطُورِيُّ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ الْجُرْهُمِيُّ، اجْتَمَعُوا فَتَحَالَفُوا أَنْ لَا يُقِرُّوا بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَالِمًا، وَقَالُوا لَا يَنْبَغِي إِلَّا ذَلِكَ لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حَقِّهَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْجُرْهُمِيُّ: إِنَّ الْفُضُولَ تَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا أَلَّا يَقَرَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَالِمُ
أَمْرٌ عَلَيْهِ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا فَالْجَارُ وَالْمُعْتَرُّ فِيهِمْ سَالِمُ
ثُمَّ دَرَسَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذِكْرُهُ فِي قُرَيْشٍ.
ثُمَّ إِنَّ قَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ تَدَاعَتْ إِلَى ذَلِكَ الْحِلْفِ، فَتَحَالَفُوا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، وَكَانُوا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَزُهْرَةَ بْنَ كِلَابٍ وَتَيَّمَ بْنَ مُرَّةَ، فَتَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إِلَّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى ظُلْمِهِ، حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلَمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ، وَشَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ حِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ” «لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفًا فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمُرَ النَّعَمِ، وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ» “.
قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ: كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مُنَازَعَةٌ فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا، وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ لِعَمِّهِ مُعَاوِيَةَ، فَتَحَامَلَ الْوَلِيدُ لِسُلْطَانِهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُنْصِفُنِي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثُمَّ لَأَعُودَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ حَاضِرًا: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ دَعَا بِهِ لَأَجَبْتُهُ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ. وَبَلَغَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَلَغَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْوَلِيدَ ذَلِكَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى رَضِيَ.

ذِكْرُ هَدْمِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَبِنَائِهَا

وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَوْلِدِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – هَدَمَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ.
وَكَانَ سَبَبَ هَدْمِهِمْ إِيَّاهَا أَنَّهَا كَانَتْ رَضِيمَةً فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ سَرَقُوا كَنْزَهَا وَفِيهِ غَزَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَا فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ.
وَكَانَ أَمْرُ غَزَالَيِ الْكَعْبَةِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَفَعَلَا ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَقَامَ إِسْمَاعِيلُ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَلِي الْبَيْتَ حَيَاتَهُ، وَبَعْدَهُ وَلِيَهُ ابْنُهُ نَبْتٌ. فَلَمَّا مَاتَ نَبْتٌ وَلَمْ يَكْثُرْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ غَلَبَتْ جُرْهُمٌ عَلَى وِلَايَةِ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَهُ مِنْهُمْ مُضَاضُ، ثُمَّ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى بَغَتْ جُرْهُمٌ، وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَةَ الْبَيْتِ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ زَنَيَا فِي الْبَيْتِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ.
وَكَانَتْ خُزَاعَةُ قَدْ أَقَامَتْ بِتِهَامَةَ بَعْدَ تَفَرُّقِ أَوْلَادِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جُرْهُمٍ الرُّعَافَ أَفْنَاهُمْ، فَاجْتَمَعَتْ خُزَاعَةُ عَلَى إِجْلَاءِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَرَئِيسُ خُزَاعَةَ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ، فَاقْتَتَلُوا. فَلَمَّا أَحَسَّ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُرْهُمِيُّ بِالْهَزِيمَةِ خَرَجَ بِغَزَالَيِ الْكَعْبَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ يَلْتَمِسُ التَّوْبَةَ وَهُوَ يَقُولُ:
لَاهُمَّ إِنَّ جُرْهُمًا عِبَادُكْ … النَّاسُ طَرَفٌ وَهُمْ تِلَادُكْ
بِهِمْ قَدِيمًا عَمُرَتْ بِلَادُكْ
فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، فَدَفَنَ غَزَالَيِ الْكَعْبَةِ بِبِئْرِ زَمْزَمَ وَطَمَّهَا وَخَرَجَ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ جُرْهُمٍ إِلَى أَرْضِ جُهَيْنَةَ، فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهِمْ أَجْمَعِينَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا … أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا … صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ
وَوَلِيَ الْبَيْتَ بَعْدَ جُرْهُمٍ عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ، وَقِيلَ: وَلِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيُّ، ثُمَّ خُزَاعَةُ بَعْدَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ فِي قَبَائِلِ مُضَرَ ثَلَاثُ خِلَالٍ: الْإِجَازَةُ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْغَوْثِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدٍّ، وَهُوَ صُوفَةُ. وَالثَّانِيَةُ: الْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَكَانَتْ إِلَى بَنِي زَيْدِ بْنِ عَدْوَانَ، وَآخِرُ مَنْ وَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَمِيلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ بْنِ خَالِدٍ. وَالثَّالِثَةُ: النَّسِيءُ لِلشُّهُورِ الْحُرُمِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْقَلَمَّسِ، وَهُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ فُقَيْمِ بْنِ كِنَانَةَ، ثُمَّ إِلَى بَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي ثُمَامَةَ، وَهُوَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ قَلَعَ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ عَادَتِ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ إِلَى أَصْلِهَا فَأَبْطَلَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – النَّسِيءَ.
ثُمَّ وَلِيَتِ الْبَيْتَ بَعْدَ خُزَاعَةَ قُرَيْشٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ. ثُمَّ حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ فَأَخْرَجَ الْغَزَالَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ الْغَزَالَانِ عِنْدَهُ دُوَيْكٌ، مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ خُزَاعَةَ، فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ، وَكَانَ فِيمَنِ اتُّهِمَ فِي ذَلِكَ: عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَأَبُو هَارِبِ بْنُ عُزَيْزٍ، وَأَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
كَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً إِلَى جِدَّةَ لِتَاجِرٍ رُومِيٍّ فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدُّوهُ لِسَقْفِهَا، فَتَهَيَّأَ لَهُمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا. وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ فَتَشْرُفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا كَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا، فَكَانُوا يَهَابُونَهَا، فَبَيْنَمَا هِيَ يَوْمًا عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ اخْتَطَفَهَا طَائِرٌ فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَاهُ.
وَكَانَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ الْفِجَارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
فَلَمَّا أَرَادُوا هَدْمَهَا قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَتَنَاوَلَ حَجَرًا مِنَ الْكَعْبَةِ فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا إِلَّا طَيِّبًا وَلَا تُدْخِلُوا فِيهِ مَهْرَ بَغِيٍّ وَلَا بَيْعَ رِبًا وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ هَذَا.
ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَأُكُمْ بِهِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَهَدَمَ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَالُوا: نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ سَالِمًا وَغَدَا إِلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى الْهَدْمُ إِلَى الْأَسَاسِ، ثُمَّ أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ آخِذٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَأَدْخَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلَعَ بِهِ أَحَدَهُمَا. فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ انْتَقَضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، ثُمَّ جَمَعُوا لِبِنَائِهَا ثُمَّ بَنَوْا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ، فَأَرَادَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ رَفْعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ حَتَّى تَحَالَفُوا وَتَوَاعَدُوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ، فَسُمُّوا لَعْقَةَ الدَّمِ بِذَلِكَ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ ثُمَّ تَشَاوَرُوا. فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ – وَكَانَ أَسَنَّ قُرَيْشٍ: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ قَدْ رَضِينَا بِهِ، وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «هَلُمُّوا إِلَيَّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَوَضَعَهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا. فَلَمَّا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ.»

ذِكْرُ الْوَقْتِ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ، وَكَانَ عَلَى الْحِيرَةِ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ عَامِلًا لِلْفُرْسِ عَلَى الْعَرَبِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رَاوِيَةِ حَمْزَةَ وَعِكْرِمَةَ عَنْهُ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: «إِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بُعِثَ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رَاوِيَةِ عِكْرِمَةَ أَيْضًا عَنْهُ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ «أُنْزِلَ عَلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً» .
وَكَانَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا خِلَافٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْأَثَانِينِ كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ: أُنْزِلَ الْفُرْقَانُ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ ذَلِكَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ.
وَكَانَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ جِبْرَائِيلُ يَرَى وَيُعَايِنُ آثَارًا مِنْ آثَارِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ إِكْرَامَهُ بِفَضْلِهِ. وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ شَقِّ الْمَلَكَيْنِ بَطْنَهُ وَاسْتِخْرَاجِهِمَا مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْغِلِّ وَالدَّنَسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى أَحَدًا، وَكَانَتِ الْأُمَمُ تَتَحَدَّثُ بِمَبْعَثِهِ وَتُخْبِرُ عُلَمَاءُ كُلِّ أُمَّةٍ قَوْمَهَا بِذَلِكَ.
«قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: إِنَّا لَنَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ، وَأَنَا أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ وَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْكَ. قُلْتُ: هَلُمَّ. قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِكَثْرِ الشَّعْرِ وَلَا بِقَلِيلِهِ، وَلَا يُفَارِقُ عَيْنَهُ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ، وَيُهَاجِرُ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ بِهَا أَمْرُهُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْخَدِعَ عَنْهُ، فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ فَكُلُّ مَنْ أَسْأَلُهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُ: هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ، وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ.
قَالَ عَامِرٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَوْلَ زَيْدٍ وَأَقْرَأْتُهُ السَّلَامَ. فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا» .
وَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ صَنَمٍ بِبُوَانَةَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِشَهْرٍ. نَحَرْنَا جَزُورًا، فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ مِنْ جَوْفِ الصَّنَمِ: اسْمَعُوا إِلَى الْعَجَبْ، ذَهَبَ اسْتِرَاقُ الْوَحْيِ، وَنُرْمَى بِالشُّهُبْ، لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، مُهَاجَرُهُ إِلَى يَثْرِبْ. قَالَ: فَأَمْسَكْنَا وَعَجِبْنَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْأَخْبَارُ عَنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً ذَكَرُوا فِيهَا كُلَّ عَجِيبَةٍ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *