ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ

ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ

قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِيَانَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رُكُوبِ الْفَوَاحِشِ، وَالْكُفْرِ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْمَلَاهِي عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ طَاعَةٍ. وَبِيَوْرَاسِبُ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، وَسَنَذْكُرُ أَخْبَارَ بِيَوْرَاسِبَ فِيمَا بَعْدُ.
وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ: فَيَنْطِقُ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: 23] .
قُلْتُ: لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّابِئِينَ، فَإِنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ الصَّابِئِينَ عِبَادَةُ الرَّوْحَانِيِّينَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ لِتُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى زُلْفَى، فَإِنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِصَانِعِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ حَكِيمٌ قَادِرٌ مُقَدَّسٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ جَلَالِهِ، وَإِنَّمَا نَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالْوَسَائِطِ الْمُقَرَّبَةِ لَدَيْهِ، وَهُمُ الرَّوْحَانِيُّونَ، وَحَيْثُ لَمْ يُعَايِنُوا الرَّوْحَانِيِّينَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِمْ بِالْهَيَاكِلِ، وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ السَّيَّارَةُ لِأَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِهَذَا الْعَالَمِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَشْخَاصِ، حَيْثُ رَأَوْا أَنَّ الْهَيَاكِلَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ وَتُرَى لَيْلًا وَلَا تُرَى نَهَارًا – إِلَى وَضْعِ الْأَصْنَامِ لِتَكُونَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ لِيَتَوَسَّلُوا بِهَا إِلَى الْهَيَاكِلِ، وَالْهَيَاكِلُ إِلَى الرَّوْحَانِيِّينَ، وَالرَّوْحَانِيُّونَ إِلَى صَانِعِ الْعَالَمِ، فَهَذَا كَانَ أَصْلَ وَضْعِ الْأَصْنَامِ أَوَّلًا، وَقَدْ كَانَ أَخِيرًا فِي الْعَرَبِ مَنْ هُوَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ، وَقَالَ تَعَالَى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] فَقَدْ حَصَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مَذْهَبُ الصَّابِئِينَ، وَالْكُفْرُ وَالْفَوَاحِشُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي.
فَلَمَّا تَمَادَى قَوْمُ نُوحٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعِصْيَانِهِمْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا يُحَذِّرُهُمْ بَأْسَهُ، وَنِقْمَتَهُ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُرْسِلَ نُوحٌ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا.
وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ نُوحًا وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ! حَتَّى إِذَا تَمَادَوْا فِي مَعْصِيَتِهِمْ وَعَظُمَتْ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةُ، وَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الشَّأْنُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَانْتَظَرَ النَّجْلَ بَعْدَ النَّجْلِ فَلَا يَأْتِي قَرْنٌ إِلَّا كَانَ أَخْبَثَ مِنَ الْذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى إِنْ كَانَ الْآخَرُ لَيَقُولَ: قَدْ كَانَ هَذَا مَعَ آبَائِنَا، وَأَجْدَادِنَا مَجْنُونًا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ يُضْرَبُ وَيُلَفُّ، وَيُلْقَى فِي بَيْتِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَإِذَا أَفَاقَ اغْتَسَلَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَى الْأَوْلَادَ شَرًّا مِنَ الْآبَاءِ قَالَ: رَبِّ قَدْ تَرَى مَا يَفْعَلُ بِي عِبَادُكَ، فَإِنْ تَكُ لَكَ فِيهِمْ حَاجَةٌ فَاهْدِهِمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرُ ذَلِكَ فَصَيِّرْنِي إِلَى أَنْ تَحْكُمَ فِيهِمْ. فَأَوْحَى إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. فَلَمَّا شَكَا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ: اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. فَأَقْبَلَ نُوحٌ عَلَى عَمَلِ الْفُلْكِ وَلَهَا عَنْ دُعَاءِ قَوْمِهِ وَجَعَلَ يُهَيِّئُ عَتَادَ الْفُلْكِ مِنَ الْخَشَبِ، وَالْحَدِيدِ، وَالْقَارِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُصْلِحُهُ سِوَاهُ، وَجَعَلَ قَوْمُهُ يَمُرُّونَ بِهِ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، فَيَقُولُ: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: 38] .
قَالَ: وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ قَدْ صِرْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ! وَأَعْقَمَ اللَّهُ أَرْحَامَ النِّسَاءِ فَلَا يُولَدُ لَهُمْ، وَصَنَعَ الْفُلْكَ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طُولَهُ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَطُولَهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ طُولُهَا ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَطُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتَّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَرَ نُوحًا أَنْ يَجْعَلَهُ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ: سُفْلَى، وَوُسْطَى، وَعُلْيَا، فَفَعَلَ نُوحٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُ، وَقَدْ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40] ، وَقَدْ جَعَلَ التَّنُّورَ آيَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. فَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ وَكَانَ فِيمَا قِيلَ مِنْ حِجَارَةٍ كَانَ لِحَوَّاءَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ ذَلِكَ تَنُّورًا مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ: كَانَ التَّنُّورُ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ، وَأَخْبَرَتْهُ زَوْجَتُهُ بِفَوَرَانِ الْمَاءِ مِنَ التَّنُّورِ، وَأَمَرَ اللَّهُ جَبْرَائِيلَ فَرَفَعَ الْكَعْبَةَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَكَانَتْ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَخَبَّأَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَبَقِيَ فِيهِ إِلَى أَنْ بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَهُ مَوْضِعَهُ، وَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ حَمَلَ نُوحٌ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِحَمْلِهِ، وَكَانُوا أَوْلَادَهُ الثَّلَاثَةَ: سَامَ، وَحَامَ، وَيَافِثَ، وَنِسَاءَهُمْ، وَسِتَّةَ أَنَاسِيَّ، فَكَانُوا مَعَ نُوحٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا، أَحَدُهُمْ جُرْهُمُ، كُلُّهُمْ بَنُو شِيثٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا ثَمَانِيَةَ أَنْفُسٍ: نُوحٌ، وَامْرَأَتُهُ، وَثَلَاثَةٌ بَنُوهُ، وَنِسَاؤُهُمْ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا سَبْعَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ زَوْجَ نُوحٍ. وَحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ، ثُمَّ أَدْخَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُ ابْنُهُ يَامُ، وَكَانَ كَافِرًا، وَكَانَ آخِرَ مَنْ دَخَلَ السَّفِينَةَ الْحِمَارُ، فَلَمَّا دَخَلَ صَدْرُهُ تَعَلَّقَ إِبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَلَمْ تَرْتَفِعْ رِجْلَاهُ، فَجَعَلَ نُوحٌ يَأْمُرُهُ بِالدُّخُولِ فَلَا يَسْتَطِيعُ حَتَّى قَالَ: ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ مَعَكَ. فَقَالَ كَلِمَةً زَلَّتْ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا قَالَهَا دَخَلَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ نُوحٌ: مَا أَدْخَلَكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَقُلِ ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ مَعَكَ؟ فَتَرَكَهُ.
وَلَمَّا أُمِرَ نُوحٌ بِإِدْخَالِ الْحَيَوَانِ السَّفِينَةَ قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْأَسَدِ وَالْبَقَرَةِ؟ وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِالْعَنَاقِ وَالذِّئْبِ، وَالطَّيْرِ وَالْهِرِّ؟ قَالَ: الَّذِي أَلْقَى بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ هُوَ يُؤَلِّفُ بَيْنَهَا. فَأَلْقَى الْحُمَّى عَلَى الْأَسَدِ، وَشَغَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ:
وَمَا الْكَلْبُ مَحْمُومًا وَإِنْ طَالَ عُمْرُهُ … وَلَكِنَّمَا الْحُمَّى عَلَى الْأَسَدِ الْوَرْدِ
وَجَعَلَ نُوحٌ الطَّيْرَ فِي الطَّبَقِ الْأَسْفَلِ مِنَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلَ الْوَحْشَ فِي الطَّبَقِ الْأَوْسَطِ، وَرَكِبَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي الطَّبَقِ الْأَعْلَى. فَلَمَّا اطْمَأَنَّ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ، وَأَدْخَلَ فِيهِ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَحَمَلَ مَعَهُ مَنْ حَمَلَ – جَاءَ الْمَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ – وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11 – 12] . فَكَانَ بَيْنَ أَنْ أُرْسِلَ الْمَاءُ وَبَيْنَ أَنِ احْتَمَلَ الْمَاءُ الْفُلْكَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، وَكَثُرَ، وَاشْتَدَّ، وَارْتَفَعَ، وَطَمَى، وَغَطَّى نُوحٌ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ طَبَقَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلَتِ الْفُلْكُ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ الَّذِي هَلَكَ، وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ: {يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42] وَكَانَ كَافِرًا، {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43] ، وَكَانَ عَهِدَ الْجِبَالَ وَهِيَ حِرْزٌ وَمَلْجَأٌ. فَقَالَ نُوحٌ {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] . وَعَلَا الْمَاءُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَكَانَ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَهَلَكَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَإِلَّا عَوْجُ بْنُ عُنُقَ، فِيمَا زَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَكَانَ بَيْنَ إِرْسَالِ الْمَاءِ وَبَيْنَ أَنْ غَاضَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرْسَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأَقْبَلَتِ الْوَحْشُ حِينَ أَصَابَهَا الْمَطَرُ وَالطِّينُ إِلَى نُوحٍ وَسُخِّرَتْ لَهُ، فَحَمَلَ مِنْهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَرَكِبُوا فِيهَا لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ، وَكَانَ ذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ آبَ، وَخَرَجُوا مِنْهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَلِذَلِكَ صَامَ مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وَكَانَ الْمَاءُ نِصْفَيْنِ: نِصْفٌ مِنَ السَّمَاءِ وَنِصْفٌ مِنَ الْأَرْضِ، وَطَافَتِ السَّفِينَةُ بِالْأَرْضِ كُلِّهَا لَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى أَتَتِ الْحَرَمَ فَلَمْ تَدْخُلْهُ، وَدَارَتْ بِالْحَرَمِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ ذَهَبَتْ فِي الْأَرْضِ تَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى الْجُودِيِّ، وَهُوَ جَبَلٌ بِقَرْدَى بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ، فَقِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ: {بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44] ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ قِيلَ: {يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} [هود: 44] ، نَشَّفَتْهُ الْأَرْضُ، وَأَقَامَ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ إِلَى أَنْ غَاضَ الْمَاءُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا اتَّخَذَ بِنَاحِيَةٍ مِنْ قَرْدَى مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مَوْضِعًا وَابْتَنَى قَرْيَةً سَمَّوْهَا ثَمَانِينَ؛ وَهِيَ الْآنَ تُسَمَّى بِسُوقِ الثَّمَانِينِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَعَهُ بَنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ: لَمْ يُولَدْ لِنُوحٍ إِلَّا بَعْدَ الطُّوفَانِ.
وَقِيلَ: إِنَّ سَامًا وُلِدَ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّ اسْمَ وَلَدِهِ الَّذِي أُغْرِقَ كَانَ كَنْعَانَ وَهُوَ يَامُ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الطُّوفَانَ وَيَقُولُونَ لَمْ يَزَلِ الْمُلْكُ فِينَا مِنْ عَهْدِ جُيُومَرْثَ، وَهُوَ آدَمُ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ نَسَبُ الْقَوْمِ قَدِ انْقَطَعَ وَمُلْكُهُمْ قَدِ اضْمَحَلَّ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِالطُّوفَانِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَسَاكِنَ وَلَدِ جُيُومَرْثَ كَانَتْ بِالْمَشْرِقِ فَلَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى أَصْدَقُ فِي أَنَّ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ هُمُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يُعَقِّبْ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ غَيْرَ وَلَدِهِ سَامٍ، وَحَامٍ، وَيَافِثَ. وَلَمَّا حَضَرَتْ نُوحًا الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ. وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ سَامٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ.

ذِكْرُ بِيَوْرَاسِبَ وَهُوَ الِازْدِهَاقُ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الضَّحَّاكَ

وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَدَّعُونَ أَنَّ الضَّحَّاكَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ الْفَرَاعِنَةِ، وَكَانَ مَلِكَ مِصْرَ لَمَّا قَدِمَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ.
وَالْفُرْسُ تَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَتَنْسُبُهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ بِيَوْرَاسِبُ بْنُ أَرُونْدَاسِبَ بْنِ رِينْكَارَ بْنِ وُنْدَرِيشْتِكَ بْنِ يَارِينَ بْنِ فَرُوَالَ بْنِ سِيَامِكَ بْنِ مَيْشَى بْنِ جُيُومَرْثَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ غَيْرَ هَذِهِ النِّسْبَةِ، وَزَعَمَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا فَاجِرًا.
قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَلَكَ الضَّحَّاكُ بَعْدَ جَمٍّ فِيمَا يَزْعُمُونَ – وَاللَّهُ أَعْلَمُ – أَلْفَ سَنَةٍ، وَنَزَلَ السَّوَادَ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا بُرْسُ فِي نَاحِيَةِ طَرِيقِ الْكُوفَةِ، وَمَلَكَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، وَسَارَ بِالْجَوْرِ وَالْعَسْفِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي الْقَتْلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الصَّلْبَ، وَالْقَطْعَ، وَأَوَّلَ مَنْ وَضَعَ الْعُشُورَ، وَضَرَبَ الدَّرَاهِمَ، وَأَوَّلَ مَنْ تَغَنَّى وَغُنِّيَ لَهُ.
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّ الضَّحَّاكَ هُوَ نُمْرُودُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وُلِدَ فِي زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ صَاحِبُهُ الَّذِي أَرَادَ إِحْرَاقَهُ.
وَتَزْعُمُ الْفُرْسُ أَنَّ الْمُلْكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلْبَطْنِ الَّذِي مِنْهُ أُوشْهَنْجُ، وَجَمٌّ، وَطَهْمُورُثُ، وَأَنَّ الضَّحَّاكَ كَانَ غَاضِبًا، وَأَنَّهُ غَصَبَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِسِحْرِهِ، وَخُبْثِهِ، وَهَوَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ: إِنَّ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَانَ لُحْمَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَرَأْسِ الثُّعْبَانِ، وَكَانَ يَسْتُرُهُمَا بِالثِّيَابِ، وَيَذْكُرُ عَلَى طَرِيقِ التَّهْوِيلِ أَنَّهُمَا حَيَّتَانِ تَقْتَضِيَانِهِ الطَّعَامَ، وَكَانَتَا تَتَحَرَّكَانِ تَحْتَ ثَوْبِهِ إِذَا جَاعَتَا، وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُ جُهْدًا شَدِيدًا، وَذَبَحَ الصِّبْيَانَ لِأَنَّ اللُّحْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَانَتَا تَضْطَرِبَانِ فَإِذَا طَلَاهُمَا بِدِمَاغِ إِنْسَانٍ سَكَنَتَا، فَكَانَ يَذْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ رَجُلَيْنِ، فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ كَذَلِكَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَهُ وَثَبَ رَجُلٌ مِنَ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ يُقَالُ لَهُ كَابِي بِسَبَبِ ابْنَيْنِ لَهُ أَخَذَهُمَا أَصْحَابُ بِيَوْرَاسِبَ بِسَبَبِ اللُّحْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَأَخَذَ كَابِي عَصًا كَانَتْ بِيَدِهِ فَعَلَّقَ بِطَرَفِهَا جِرَابًا كَانَ مَعَهُ ثُمَّ نَصَبَ ذَلِكَ كَالْعَلَمِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى مُجَاهَدَةِ بِيَوْرَاسِبَ وَمُحَارَبَتِهِ. فَأَسْرَعَ إِلَى إِجَابَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَفُنُونِ الْجَوْرِ. فَلَمَّا غَلَبَ كَابِي تَفَاءَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ الْعَلَمِ فَعَظَّمُوهُ، وَزَادُوا فِيهِ حَتَّى صَارَ عِنْدَ مُلُوكِ الْعَجَمِ عَلَمَهُمُ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَتَبَرَّكُونَ بِهِ وَسَمَّوْهُ دِرَفْشَ كَابِيَانَ، فَكَانُوا لَا يُسَيِّرُونَهُ إِلَّا فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ الْعِظَامِ، وَلَا يُرْفَعُ إِلَّا لِأَوْلَادِ الْمُلُوكِ إِذَا وُجِّهُوا فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ.
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ كَابِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، فَثَارَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ، فَالْتَفَتَ الْخَلَائِقُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ الضَّحَّاكُ قَذَفَ فِي قَلْبِ الضَّحَّاكِ مِنْهُ الرُّعْبَ، فَهَرَبَ عَنْ مَنَازِلِهِ وَخَلَّى مَكَانَهُ. فَاجْتَمَعَ الْأَعْجَامُ إِلَى كَابِي، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْمُلْكِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُمَلِّكُوا بَعْضَ وَلَدِ جَمٍّ لِأَنَّهُ ابْنُ الْمَلِكِ أُوشْهَنْقَ الْأَكْبَرِ بْنِ فَرُوَالَ الَّذِي رَسَمَ الْمُلْكَ وَسَبَقَ فِي الْقِيَامِ بِهِ. وَكَانَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانَ مُسْتَخْفِيًا مِنَ الضَّحَّاكِ، فَوَافَى كَابِي وَمَنْ مَعَهُ، فَاسْتَبْشَرُوا بِمُوَافَاتِهِ فَمَلَّكُوهُ، وَصَارَ كَابِي وَالْوُجُوهُ لِأَفْرِيدُونَ أَعْوَانًا عَلَى أَمْرِهِ.
فَلَمَّا مَلَكَ وَأَحْكَمَ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمُلْكِ احْتَوَى عَلَى مَنَازِلِ الضَّحَّاكِ وَسَارَ فِي أَسْرِهِ فَأَسَرَهُ بِدُنْبَاوَنْدَ فِي جِبَالِهَا.
وَبَعْضُ الْمَجُوسِ تَزْعُمُ أَنَّهُ وَكَّلَ بِهِ قَوْمًا مِنَ الْجِنِّ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَقِيَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَحَبَسَهُ سُلَيْمَانُ فِي جَبَلِ دُنْبَاوَنْدَ، وَكَانَ ذَلِكَ الزَّمَانَ بِالشَّامِ، فَمَا بَرِحَ بِيَوْرَاسِبُ بِحَبْسِهِ يَجُرُّهُ حَتَّى حَمَلَهُ إِلَى خُرَاسَانَ. فَلَمَّا عَرَفَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ أَمَرَ الْجِنَّ فَأَوْثَقُوهُ حَتَّى لَا يَزُولَ، وَعَمِلُوا عَلَيْهِ طَلْسَمًا كَرَجُلَيْنِ يَدُقَّانِ بَابَ الْغَارِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ أَبَدًا لِئَلَّا يَخْرُجَ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا يَمُوتُ.
وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَكَاذِيبِ الْفُرْسِ الْبَارِدَةِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَكَاذِيبُ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا.
وَبَعْضُ الْفُرْسِ يَزْعُمُ أَنَّ أَفْرِيدُونَ قَتَلَهُ يَوْمَ النَّيْرُوزِ، فَقَالَ الْعَجَمُ عِنْدَ قَتْلِهِ: إِمْرُوزُ نَوْرُوزُ، أَيِ اسْتَقْبَلْنَا الدَّهْرَ بِيَوْمٍ جَدِيدٍ، فَاتَّخَذُوهُ عِيدًا، وَكَانَ أَسْرُهُ يَوْمَ الْمِهْرَجَانِ، فَقَالَ الْعَجَمُ: آمَدْ مِهْرَجَانُ لِقَتْلِ مَنْ كَانَ يَذْبَحُ.
وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا فِي أُمُورِ الضَّحَّاكِ بِشَيْءٍ يُسْتَحْسَنُ غَيْرَ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ بَلِيَّتَهُ لَمَّا اشْتَدَّتْ وَدَامَ جَوْرُهُ وَتَرَاسَلَ الْوُجُوهُ فِي أَمْرِهِ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَصِيرِ إِلَى بَابِهِ فَوَافَاهُ الْوُجُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ كَابِي الْأَصْبَهَانِيُّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَيَّ السَّلَامِ أُسَلِّمُ عَلَيْكَ؟ سَلَامُ مَنْ يَمْلِكُ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا أَمْ سَلَامُ مَنْ يَمْلِكُ هَذَا الْإِقْلِيمَ؟ فَقَالَ: بَلْ سَلَامُ مَنْ يَمْلِكُ الْأَقَالِيمَ لِأَنِّي مَلِكُ الْأَرْضِ. فَقَالَ كَابِي: إِذْ كُنْتَ تَمْلِكُ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا فَلِمَ خَصَصَتْنَا بِأَثْقَالِكَ، وَأَسْبَابِكَ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَلِمَ لَا تُقَسِّمُ الْأُمُورَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ وَعَدَّدَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، فَصَدَّقَهُ، فَعَمِلَ كَلَامُهُ فِي الضَّحَّاكِ، فَأَقَرَّ بِالْإِسَاءَةِ وَتَأَلَّفَ الْقَوْمَ، وَوَعَدَهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ لِيَعُودُوا وَيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ، ثُمَّ يَنْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ حَاضِرَةً تَسْمَعُ مُعَاتَبَتَهُمْ، وَكَانَتْ شَرًّا مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ دَخَلَتْ مُغْتَاظَةً مِنَ احْتِمَالِهِ وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ فَوَبَّخَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: أَلَا أَهْلَكْتَهُمْ، وَقَطَّعْتَ أَيْدِيَهُمْ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَتْ عَلَيْهِ قَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ، لَا تُفَكِّرِي فِي شَيْءٍ إِلَّا سَبَقْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ بَدَهُونِي بِالْحَقِّ وَقَرَّعُونِي بِهِ، فَكُلَمَّا هَمَمْتُ بِهِمْ تَخَيَّلَ لِيَ الْحَقُّ بِمَنْزِلَةِ جَبَلٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَمَا أَمْكَنَنِي فِيهِ شَيْءٌ. ثُمَّ جَلَسَ لِأَهْلِ النَّوَاحِي فَوَفَّى لَهُمْ بِمَا وَعَدَهُمْ وَقَضَى أَكْثَرَ حَوَائِجِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ مُلْكُهُ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ كَانَ فِي بَاقِي عُمُرِهِ شَبِيهًا بِالْمَلِكِ لِقُدْرَتِهِ وَنُفُوذِ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُهُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمِائَةَ سَنَةٍ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا خَبَرَ بِيَوْرَاسِبَ هَهُنَا لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ نُوحًا كَانَ فِي زَمَانِهِ، وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ.
وَقِيلَ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ بَابِلَ، وَمَدِينَةَ صُوَرَ، وَمَدِينَةَ دِمَشْقَ.

ذِكْرُ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ

«قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات: 77] ، إِنَّهُمْ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ» وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ أَبُو الْعَرَبِ، وَفَارِسَ، وَالرُّومِ، وَإِنَّ حَامًا أَبُو السُّودَانِ، وَإِنَّ يَافِثَ أَبُو التُّرْكِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَقِيلَ إِنَّ الْقِبْطَ مِنْ وَلَدِ قُوطِ بْنِ حَامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّوَادُ مِنْ نَسْلِ حَامٍ لِأَنَّ نُوحًا نَامَ فَانْكَشَفَتْ سَوْءَتُهُ فَرَآهَا حَامٌ فَلَمْ يُغَطِّهَا وَرَآهَا سَامٌ وَيَافِثُ فَأَلْقَيَا عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عَلِمَ مَا صَنَعَ حَامٌ، وَإِخْوَتُهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتِ امْرَأَةُ سَامِ بْنِ نُوحٍ صُلْبَ ابْنَةَ بَتَاوِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَانُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ فَوَلَدَتْ لَهُ نَفَرًا: أَرْفَخْشَذَ، وَأَسْوَدَ، وَلَاوُدَ، وَإِرَمَ. قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَإِرْمُ لِأُمِّ أَرْفَخْشَذَ وَإِخْوَتِهِ أَمْ لَا؟ فَمِنْ وَلَدِ لَاوُدَ بْنِ سَامِ فَارِسُ، وَجُرْجَانُ، وَطَسْمُ، وَعِمْلِيقُ، وَهُوَ أَبُو الْعَمَالِيقِ، وَمِنْهُمْ كَانَتِ الْجَبَابِرَةُ بِالشَّامِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْكَنْعَانِيُّونَ، وَالْفَرَاعِنَةُ بِمِصْرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانُ مِنْهُمْ وَيُسَمَّوْنَ جَاشِمَ. وَكَانَ مِنْهُمْ بَنُو أُمَيْمِ بْنِ لَاوُدَ أَهْلُ وَبَارَ بِأَرْضِ الرَّمْلِ، وَهِيَ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَالشِّحْرِ، وَكَانُوا قَدْ كَثُرُوا فَأَصَابَتْهُمْ نِقْمَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ أَصَابُوهَا فَهَلَكُوا وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ النَّسْنَاسُ، وَكَانَ طَسْمُ سَاكِنِي الْيَمَامَةِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَكَانَتْ طَسْمُ، وَالْعَمَالِيقُ وَأُمَيْمٌ، وَجَاشِمٌ قَوْمًا عَرَبًا لِسَانُهُمْ عَرَبِيٌّ، وَلَحِقَتْ عَبِيلُ بِيَثْرِبَ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. وَلَحِقَتِ الْعَمَالِيقُ بِصَنْعَاءَ قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى صَنْعَاءَ. وَانْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى يَثْرِبَ فَأَخْرَجُوا مِنْهَا عَبِيلًا فَنَزَلُوا مَوْضِعَ الْجُحْفَةِ، فَأَقْبَلَ سَيْلٌ فَاجْتَحَفَهُمْ، أَيْ أَهْلَكَهَمْ، فَسُمِّيَتِ الْجَحْفَةَ.
قَالَ: وَوَلَدَ إِرَمُ بْنُ سَامٍ عَوْضًا وَغَاثِرًا وَحَوِيلًا، فَوَلَدَ عَوْضٌ غَاثِرًا، وَعَادًا، وَعَبِيلًا، وَوَلَدَ غَاثِرُ بْنُ إِرَمَ ثَمُودَ وَجَدِيسًا، وَكَانُوا عَرَبًا يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا اللِّسَانِ الْمُضَرِيِّ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِهَذِهِ الْأُمَمِ وَلِجُرْهُمَ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ. وَيَقُولُونَ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ الْعَرَبَ الْمُعَرَّبَةَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ هَذِهِ الْأُمَمِ حِينَ سَكَنُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَكَانَتْ عَادٌ بِهَذَا الرَّمْلِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ. وَكَانَتْ ثَمُودُ بِالْحِجْرِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى وَادِي الْقُرَى. وَلَحِقَتْ جَدِيسٌ بِطَسْمَ، وَكَانُوا مَعَهُمْ بِالْيَمَامَةِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَاسْمُ الْيَمَامَةِ إِذْ ذَاكَ جَوٌّ. وَسَكَنَتْ جَاشِمٌ عُمَانَ.
وَالنَّبَطُ مِنْ وَلَدِ نَبِيطِ بْنِ مَاشِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ. وَالْفُرْسُ بَنُو فَارِسَ بْنِ تِيرَشَ بْنِ مَاسُورَ بْنِ سَامٍ.
قَالَ: وَوُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامٍ ابْنُهُ قَيْنَانُ، كَانَ سَاحِرًا، وَوُلِدَ لَقَيْنَانَ شَالَخُ بْنُ أَرْفَخْشَذَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَيْنَانَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ سِحْرِهِ. وَوُلِدَ لِشَالَخَ غَابِرٌ، وَلِغَابِرٍ فَالَغُ، وَمَعْنَاهُ الْقَاسِمُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ قُسِّمَتْ وَالْأَلْسُنَ تَبَلْبَلَتْ فِي أَيَّامِهِ، وَقَحْطَانُ بْنُ غَابِرٍ، فَوُلِدَ لِقَحْطَانَ يَعْرُبُ وَيَقْظَانُ، فَنَزَلَا الْيَمَنَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ الْيَمَنَ، وَأَوَّلَ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِـ أَبَيْتَ اللَّعْنَ. وَوُلِدَ لِفَالَغِ بْنِ غَابِرٍ أَرْغُو، وَوُلِدَ لِأَرْغُوَ سَارُوغُ، وَوُلِدَ لِسَارُوغُ نَاخُورُ، وَوُلِدَ لِنَاخُورَ تَارَخُ، وَاسْمُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ آزَرُ. وَوُلِدَ لَآزَرَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَوُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ أَيْضًا نُمْرُودُ، وَقِيلَ هُوَ نُمْرُودُ بْنُ كُوشِ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: السِّنْدُ، وَالْهِنْدُ بَنُو تُوقِيرَ بْنِ يَقْطُنَ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَجُرْهُمُ مِنْ وَلَدِ يَقْطُنَ بْنِ غَابِرٍ. وَحَضْرَمَوْتُ بْنُ يَقْطُنَ، وَيَقْطُنُ هُوَ قَحْطَانُ فِي قَوْلِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِ إِسْمَاعِيلَ.
وَالْبَرْبَرُ مِنْ وَلَدِ ثَمِيلَا بْنِ مَارِبَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلِيقَ بْنِ لَاوُدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، مَا خَلَا صَنْهَاجَةَ وَكَتَّامَةَ، فَإِنَّهُمَا بَنُو فُرَيْقِشَ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإٍ.
وَأَمَّا يَافِثُ فَمِنْ وَلَدِهِ جَامِرٌ، وَمَوْعِعُ، وَمَوْرِكُ، وَبَوَّانُ، وَفَوْبَا، وَمَاشِجُ، وَتِيرَشُ، فَمِنْ وَلَدِ جَامِرٍ مُلُوكُ فَارِسَ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ وَلَدِ تِيرَشَ التُّرْكُ، وَالْخَزَرُ، وَمِنْ وَلَدِ مَاشِجَ الْأَشْبَانُ، وَمِنْ وَلَدِ مَوْعِعَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمِنْ وَلَدِ بَوَّانَ الصَّقَالِبَةُ وَبُرْجَانُ. وَالْأَشْبَانُ كَانُوا فِي الْقَدِيمِ بِأَرْضِ الرُّومِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهَا مَنْ وَقَعَ مِنْ وَلَدِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ أَرْضًا فَسَكَنُوهَا وَدَفَعُوا غَيْرَهُمْ عَنْهَا.
وَمِنْ وَلَدِ يَافِثَ الرُّومُ، وَهُمْ بَنُو لَنْطَى بْنِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.
وَأَمَّا حَامٌ فَوُلِدَ لَهُ كُوشُ، وَمِصْرَايِمُ، وَقُوطُ، وَكَنْعَانُ، فَمِنْ وَلَدِ كُوشَ نُمْرُودُ بْنُ كُوشَ،
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ وَلَدِ سَامٍ، وَصَارَتْ بَقِيَّةُ وَلَدِ حَامٍ بِالسَّوَاحِلِ مِنَ النُّوبَةِ، وَالْحَبَشَةِ، وَالزَّنْجِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مِصْرَايِمَ وَلَدَ الْقِبْطَ وَالْبَرْبَرَ.
وَأَمَّا قُوطُ فَقِيلَ إِنَّهُ سَارَ إِلَى الْهِنْدِ، وَالسِّنْدِ فَنَزَلَهَا وَأَهْلُهَا مِنْ وَلَدِهِ.
وَأَمَّا الْكَنْعَانِيُّونَ فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ، ثُمَّ جَاءَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوهُمْ بِهَا وَنَفَوْهُمْ عَنْهَا وَصَارَ الشَّامُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ وَثَبَتِ الرُّومُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَجْلَوْهُمْ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْعَرَبُ فَغَلَبُوا عَلَى الشَّامِ. وَكَانَ يُقَالُ لِعَادٍ عَادُ إِرَمَ، فَلَمَّا هَلَكُوا قِيلَ لِثَمُودَ ثَمُودُ إِرَمَ قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ أَرْفَخْشَذَ وُلِدَ لِسَامٍ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ سَامٍ مِائَةُ سَنَةٍ وَسَنَتَانِ، وَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ سَامٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
ثُمَّ وُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ قَيْنَانُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ أَرْفَخْشَذَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لَقَيْنَانَ شَالَخُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِهِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَلَمْ تُذْكَرْ مُدَّةُ عُمُرِ قَيْنَانَ فِي الْكُتُبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سِحْرِهِ. ثُمَّ وُلِدَ لِشَالَخَ غَابِرٌ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِغَابِرٍ فَالَغُ، وَأَخُوهُ قَحْطَانُ، وَكَانَ مَوْلِدُ فَالَغَ بَعْدَ الطُّوفَانِ بِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَأَرْبَعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِفَالَغَ أَرْغُو بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ فَالَغَ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَتَيْنِ وَتِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِأَرْغُو سَارُوغُ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَتَيْنِ وَتِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لِسَارُوغَ نَاخُورُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِنَاخُورَ تَارِخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِتَارِخَ – وَهُوَ آزَرُ – إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَكَانَ بَيْنَ الطُّوفَانِ وَمَوْلِدِ إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَثَلَاثِمَائَةٍ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَوُلِدَ لِقَحْطَانَ بْنِ غَابِرٍ يَعْرُبُ، فَوُلِدَ لِيَعْرُبَ يَشْجُبُ، فَوَلَدَ يَشْجُبُ سَبَأً، فَوَلَدَ سَبَأٌ حِمْيَرَ، وَكَهْلَانَ، وَعَمْرًا، وَالْأَشْعَرَ، وَأَنْمَارَ، وَمُرًّا، فَوَلَدَ عَمْرُو بْنُ سَبإٍ عَدِيًّا، وَوَلَدَ عَدِيٌّ لَخْمًا، وَجُذَامًا.

ذِكْرُ مُلْكِ أَفْرِيدُونَ

وَهُوَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ جَمِّ شِيدَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَسَّابَةِ الْفُرْسِ أَنَّ نُوحًا هُوَ أَفْرِيدُونُ الَّذِي قَهَرَ الضَّحَّاكَ، وَسَلَبَهُ مُلْكَهُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَفْرِيدُونَ هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ صَاحِبُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كَلَامِهِ الْعَزِيزِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ قِصَّتَهُ فِي أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلِحُسْنِ سِيرَتِهِ، وَهَلَاكِ الضَّحَّاكِ عَلَى يَدَيْهِ، وَلِأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ هَلَاكَ الضَّحَّاكِ كَانَ عَلَى يَدِ نُوحٍ.
وَأَمَّا بَاقِي نَسَّابَةِ الْفُرْسِ فَإِنَّهُمْ يَنْسُبُونَ أَفْرِيدُونَ إِلَى جَمِّ شِيدَ الْمَلِكِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ آبَاءٍ كُلُّهُمْ يُسَمَّى أَثْغِيَانَ خَوْفًا مِنَ الضَّحَّاكِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَمَيَّزُونَ بِأَلْقَابٍ لُقِّبُوهَا، فَكَانَ يُقَالُ لِأَحَدِهِمْ أَثْغِيَانُ صَاحِبُ الْبَقَرِ الْحُمْرِ، وَأَثْغِيَانُ صَاحِبُ الْبَقَرِ الْبُلْقِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَفْرِيدُونُ أَوَّلَ مَنْ ذَلَّلَ الْفِيَلَةَ، وَامْتَطَاهَا، وَنَتَجَ الْبِغَالَ، وَاتَّخَذَ الْإِوَزَّ، وَالْحَمَامَ، وَعَمِلَ التِّرْيَاقَ، وَرَدَّ الْمَظَالِمَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِنْصَافِ، وَالْإِحْسَانِ، وَرَدَّ عَلَى النَّاسِ مَا كَانَ الضَّحَّاكُ غَصَبَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا مَا لَمْ يَجِدْ لَهُ صَاحِبًا فَإِنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ الصُّوفِيَّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ. وَمَكَانٌ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ، اسْمُ الْأَكْبَرِ شَرْمُ، وَالثَّانِي طُوجُ، وَالثَّالِثُ إِيرَجُ، فَخَافَ أَنْ يَخْتَلِفُوا بَعْدَهُ فَقَسَّمَ مُلْكَهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي سِهَامٍ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَخَذَ سَهْمًا، فَصَارَتِ الرُّومُ، وَنَاحِيَةُ الْعَرَبِ لِشَرْمَ، وَصَارَتِ التُّرْكُ، وَالصِّينُ لِطُوجَ، وَصَارَتِ الْعِرَاقُ، وَالسِّنْدُ، وَالْهِنْدُ، وَالْحِجَازُ، وَغَيْرُهَا لِإِيرَجَ، وَهُوَ الثَّالِثُ، وَكَانَ يُحِبُّهُ، وَأَعْطَاهُ التَّاجَ وَالسَّرِيرَ، وَمَاتَ أَفْرِيدُونُ وَنَشِبَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَلَمْ يَزَلِ التَّحَاسُدُ يَنْمُو بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ وَثَبَ طُوجُ، وَشَرْمُ عَلَى أَخِيهِمَا إِيرَجَ، فَقَتَلَاهُ، وَقَتَلَا ابْنَيْنِ كَانَا لِإِيرَجَ، وَمَلَكَا الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ. وَلَمْ يَزَلْ أَفْرِيدُونُ يَتْبَعُ مَنْ بَقِيَ بِالسَّوَادِ مِنْ آلِ نُمْرُودَ وَالنَّبَطِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى أَتَى عَلَى وُجُوهِهِمْ وَمَحَا أَعْلَامَهُمْ، وَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ.

ذِكْرُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ

قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ نُوحٍ، وَأَمْرِ وَلَدِهِ وَاقْتِسَامِهِمُ الْأَرْضَ بَعْدَهُ، وَمَسَاكِنِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ طَغَى وَبَغَى فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، هَذَانِ الْحَيَّانِ مِنْ وَلَدِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، أَحَدُهُمَا عَادٌ، وَالثَّانِي ثَمُودُ.
فَأَمَّا عَادٌ فَهُوَ عَادُ بْنُ عُوضِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ بْنِ نُوحٍ، وَهُوَ عَادٌ الْأُولَى، وَكَانَتْ مَسَاكِنُهُمْ مَا بَيْنَ الشِّحْرِ، وَعُمَانَ، وَحَضْرَمَوْتَ بِالْأَحْقَافِ، فَكَانُوا جَبَّارِينَ طِوَالَ الْقَامَةِ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ هُودَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ بْنِ الْجُلُودِ بْنِ عَادِ بْنِ عُوضٍ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ هُودٌ وَهُوَ غَابِرُ بْنُ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ ثَلَاثَةٍ، يُقَالُ لِأَحَدِهَا ضُرَا، وَلِلْآخَرِ ضَمُورُ، وَلِلثَّالِثِ الْهَبَا، فَدَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَرْكِ ظُلْمِ النَّاسِ، فَكَذَّبُوهُ، وَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً! وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهُودٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ.
وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: إِنَّ عَادًا أَصَابَهُمْ قَحْطٌ تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ هُودًا، فَلَمَّا أَصَابَهُمْ قَالُوا: جَهِّزُوا مِنْكُمْ وَفْدًا إِلَى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ لَكُمْ، فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عِيرٍ، وَلُقَيْمَ بْنَ هَزَّالٍ، وَمَرْثَدَ بْنَ سَعْدٍ، وَكَانَ مُسْلِمًا يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَجَلْهَمَةَ بْنَ الْخَيْبَرِيِّ خَالَ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، وَلُقْمَانَ بْنَ عَادِ بْنِ فُلَانِ بْنِ عَادٍ الْأَكْبَرَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ نَزَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ بِظَاهِرِ مَكَّةَ خَارِجًا عَنِ الْحَرَمِ، فَأَكْرَمَهُمْ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ وَصِهْرَهُ لِأَنَّ لُقَيْمَ بْنَ هَزَّالٍ كَانَ تَزَوَّجَ هُزَيْلَةَ بِنْتَ بَكْرٍ أُخْتَ مُعَاوِيَةَ، فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا كَانُوا عِنْدَ خَالِهِمْ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، وَهُمْ عُبَيْدٌ، وَعَمْرٌو، وَعَامِرٌ، وَعُمَيْرٌ بَنُو لُقَيْمٍ، وَهُوَ عَادٌ الْآخِرَةُ الَّتِي بَقِيَتْ بَعْدَ عَادٍ الْأُولَى، فَلَمَّا نَزَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ أَقَامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَتُغَنِّيهِمُ الْجَرَادَتَانِ – قَيْنَتَانِ لِمُعَاوِيَةَ – فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ طُولَ مُقَامِهِمْ وَتَرْكَهُمْ مَا أُرْسِلُوا لَهُ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَلَكَ أَخْوَالِي، وَاسْتَحْيَا أَنْ يَأْمُرَ الْوَفْدَ بِالْخُرُوجِ إِلَى مَا بُعِثُوا لَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْجَرَادَتَيْنِ فَقَالَتَا: قُلْ شِعْرًا نُغَنِّيهِمْ بِهِ لَا يَدْرُونَ مَنْ قَائِلُهُ لَعَلَّهُمْ يَتَحَرَّكُونَ ; فَقَالَ مُعَاوِيَةُ:
أَلَا يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ … لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا
فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا … قَدَ امْسَوْا لَا يُبِينُونَ الْكَلَامَا
فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا. وَالْهَيْنَمَةُ: الْكَلَامُ الْخَفِيُّ.
فَلَمَّا غَنَّتْهُمُ الْجَرَادَتَانِ ذَلِكَ الشِّعْرَ وَسَمِعَهُ الْقَوْمُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمُ، بَعَثَكُمْ قَوْمُكُمْ يَتَغَوَّثُونَ بِكُمْ مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ فَأَبْطَأْتُمْ عَلَيْهِمْ فَادْخُلُوا الْحَرَمَ، وَاسْتَسْقُوا لِقَوْمِكُمْ. فَقَالَ مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّهُمْ وَاللَّهِ لَا يُسْقَوْنَ بِدُعَائِهِمْ، وَلَكِنْ أَطِيعُوا نَبِيَّكُمْ، فَأَنْتُمْ تُسْقَوْنَ، وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ عِنْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ جَلْهَمَةُ بْنُ الْخَيْبَرِيِّ خَالُ مُعَاوِيَةَ، لِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ: احْبِسْ عَنَّا مَرْثَدَ بْنَ سَعْدٍ. وَخَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ يَسْتَسْقُونَ بِهَا لِعَادٍ، فَدَعَوُا اللَّهَ تَعَالَى لِقَوْمِهِمْ، وَاسْتَسْقَوْا، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَائِبَ ثَلَاثًا بَيْضَاءَ، وَحَمْرَاءَ، وَسَوْدَاءَ، وَنَادَى مُنَادٍ مِنْهَا: يَا قَيْلُ، اخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ. فَقَالَ: قَدِ اخْتَرْتُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ مَاءً، فَنَادَاهُ مُنَادٍ اخْتَرْ رَمَادًا رِمْدَادًا، لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا، لَا وَلَدًا تَتْرُكُ وَلَا وَالِدًا إِلَّا جَعَلَتْهُ هَمَدًا، إِلَّا بَنِي اللُّوذِيَّةِ الْمُهْدَى.
وَبَنُو اللُّوذِيَّةِ: بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ، كَانُوا بِمَكَّةَ عِنْدَ خَالِهِمْ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ.
وَسَاقَ اللَّهُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ إِلَى عَادٍ، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيثُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا بِهَا وَقَالُوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ – تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 24 – 25] أَيْ كُلَّ شَيْءٍ أُمِرَتْ بِهِ. وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَأَى مَا فِيهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا رِيحٌ مُهْلِكَةٌ امْرَأَةً مِنْ عَادٍ يُقَالُ لَهَا فَهْدَدُ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا فِيهَا صَاحَتْ وَصُعِقَتْ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ قَالُوا: مَاذَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رِيحًا فِيهَا كَشُهُبِ النَّارِ أَمَامَهَا رِجَالٌ يَقُودُونَهَا، فَلَمَّا خَرَجَتِ الرِّيحُ مِنَ الْوَادِي قَالَ سَبْعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ، أَحَدُهُمُ الْخَلَجَانُ: تَعَالَوْا حَتَّى نَقُومَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي فَنَرُدَّهَا. فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَتَحْمِلُهُ فَتَدُقُّ عُنُقَهُ، وَبَقِيَ الْخَلَجَانُ فَمَالَ إِلَى الْجَبَلِ وَقَالَ:
لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْخَلَجَانُ نَفْسُهُ … يَا لَكَ مِنْ يَوْمٍ دَهَانِي أَمْسُهُ
بِثَابِتِ الْوَطْءِ شَدِيدٍ وَطْسُهُ … لَوْ لَمْ يَجِئْنِي جِئْتُهُ أَجُسُّهُ
فَقَالَ لَهُ هُودٌ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَقَالَ: وَمَا لِي؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. فَقَالَ: فَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي السَّحَابِ كَأَنَّهُمُ الْبُخْتُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: أَيُعِيذُنِي رَبُّكَ مِنْهُمْ إِنْ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ مَلِكًا يُعِيذُ مَنْ جَنَّدَهُ؟ قَالَ: لَوْ فَعَلَ مَا رَضِيتُ.
ثُمَّ جَاءَتِ الرِّيحُ وَأَلْحَقَتْهُ بِأَصْحَابِهِ وَ {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة: 7] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَالْحُسُومُ: الدَّائِمَةُ. فَلَمْ تَدَعْ مِنْ عَادٍ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ، وَاعْتَزَلَ هُودٌ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي حَظِيرَةٍ لَمْ يُصِبْهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْهَا إِلَّا تَلْيِينُ الْجُلُودِ، وَإِنَّهَا لَتَمُرُّ مِنْ عَادٍ بِالظَّعْنِ وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَتَدْمَغُهُمْ بِالْحِجَارَةِ. وَعَادَ وَفْدُ عَادٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، فَأَتَاهُمْ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمُصَابِ عَادٍ وَسَلَامَةِ هُودٍ.
قَالَ: وَكَانَ قَدْ قِيلَ لِلُقْمَانَ بْنِ عَادٍ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْخُلُودِ. فَقَالَ: يَا رَبِّ أَعْطِنِي عُمُرًا. فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْ. فَاخْتَارَ عُمُرَ سَبْعَةِ أَنْسُرٍ. فَعُمِّرَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عُمُرَ سَبْعَةِ أَنْسُرٍ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْفَرْخَ الذَّكَرَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْضَتِهِ حَتَّى إِذَا مَاتَ أَخَذَ غَيْرَهُ، وَكَانَ يَعِيشُ كُلُّ نَسْرٍ ثَمَانِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ السَّابِعُ مَاتَ لُقْمَانُ مَعَهُ، وَكَانَ السَّابِعُ يُسَمَّى لُبَدًا. قَالَ: وَكَانَ عُمُرُ هُودٍ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَبْرُهُ بِحَضْرَمَوْتَ، وَقِيلَ بِالْحِجْرِ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا سُودًا فَنَقَلَتْهُمْ إِلَى الْبَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] . وَلَمْ تَخْرُجْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا بِمِكْيَالٍ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَإِنَّهَا عَتَتْ عَلَى الْخَزَنَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] . وَكَانَتِ الرِّيحُ تَقْلَعُ الشَّجَرَةَ الْعَظِيمَةَ بِعُرُوقِهَا وَتَهْدِمُ الْبَيْتَ عَلَى مَنْ فِيهِ.
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهُمْ وَلَدُ ثَمُودَ بْنِ جَاثِرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ، وَكَانَتْ مَسَاكِنُ ثَمُودَ بِالْحِجْرِ بَيْنَ الْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَكَانُوا بَعْدَ عَادٍ قَدْ كَثُرُوا، وَكَفَرُوا، وَعَتَوْا، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ صَالِحَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أَسِفِ بْنِ مَاشِجَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ جَادِرِ بْنِ ثَمُودَ، وَقِيلَ: أَسِفِ بْنِ كَمَاشِجَ بْنِ إِرَمَ بْنِ ثَمُودَ – يَدْعُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ فَقَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا الْآيَةَ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَطَالَ أَعْمَارَهُمْ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يَبْنِي الْبَيْتَ مِنَ الْمَدَرِ فَيَنْهَدِمُ وَهُوَ حَيٌّ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَنَحَتُوهَا، وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ صَالِحٌ يَدْعُوهُمْ فَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ، وَالتَّحْذِيرِ، وَالتَّخْوِيفِ سَأَلُوهُ، فَقَالُوا: يَا صَالِحُ، اخْرُجْ مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا، وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ بِأَصْنَامِهِمْ، فَأَرِنَا آيَةً فَتَدْعُو إِلَهَكَ وَنَدْعُو آلِهَتَنَا، فَإِنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْنَاكَ وَإِنِ اسْتُجِيبَ لَنَا اتَّبَعْتَنَا. فَقَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجُوا بِأَصْنَامِهِمْ، وَصَالِحٌ مَعَهُمْ، فَدَعَوْا أَصْنَامَهُمْ أَنْ لَا يُسْتَجَابَ لِصَالِحٍ مَا يَدْعُو بِهِ، وَقَالَ لَهُ سَيِّدُ قَوْمِهِ: يَا صَالِحُ، أَخْرِجْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ لِصَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ نَاقَةً جَوْفَاءَ عُشَرَاءَ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ صَدَّقْنَاكَ.
فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَوَاثِيقَ بِذَلِكَ، وَأَتَى الصَّخْرَةَ، وَصَلَّى، وَدَعَا رَبَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – فَإِذَا هِيَ تَتَمَخَّضُ كَمَا تَتَمَخَّضُ الْحَامِلُ، ثُمَّ انْفَجَرَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ وَسَطِهَا النَّاقَةُ كَمَا طَلَبُوا وَهُمْ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ نَتَجَتْ سَقْبًا مِثْلَهَا فِي الْعِظَمِ، فَآمَنَ بِهِ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَاسْمُهُ جُنْدَعُ بْنُ عَمْرٍو، وَرَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمَّا خَرَجَتِ النَّاقَةُ قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: {هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155] ، وَمَتَى عَقَرْتُمُوهَا أَهْلَكَكُمُ اللَّهُ. فَكَانَ شِرْبُهَا يَوْمًا وَشِرْبُهُمْ يَوْمًا مَعْلُومًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا خَلَّوْا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ وَحَلَبُوهَا لَبَنَهَا، وَمَلَأُوا كُلَّ وِعَاءٍ، وَإِنَاءٍ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ صَرَفُوهَا عَنِ الْمَاءِ فَلَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا وَتَزَوَّدُوا مِنَ الْمَاءِ لِلْغَدِ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَالِحٍ أَنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ النَّاقَةَ، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ. قَالَ: إِلَّا تَعْقِرُوهَا أَنْتُمْ يُوشِكُ أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ يَعْقِرُهَا. قَالُوا: وَمَا عَلَامَتُهُ؟ فَوَاللَّهِ لَا نَجِدُهُ إِلَّا قَتَلْنَاهُ! قَالَ: فَإِنَّهُ غُلَامٌ أَشْقَرُ، أَزْرَقُ، أَصْهَبُ، أَحْمَرُ. قَالَ: فَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ شَيْخَانِ عَزِيزَانِ مَنِيعَانِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ رَغِبَ لَهُ عَنِ الْمَنَاكِحِ، وَلِلْآخَرِ ابْنَةٌ لَا يَجِدُ لَهَا كُفُؤًا فَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا ابْنَهُ بِابْنَةِ الْآخَرِ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا الْمَوْلُودُ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ إِنَّمَا يَعْقِرُهَا مَوْلُودٌ فِيكُمُ اخْتَارُوا قَوَابِلَ مِنَ الْقَرْيَةِ وَجَعَلُوا مَعَهُنَّ شُرَطًا يَطُوفُونَ الْقَرْيَةَ فَإِذَا وَجَدُوا امْرَأَةً تَلِدُ نَظَرُوا وَلَدَهَا مَا هُوَ، فَلَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْمَوْلُودَ صَرَخَ النِّسْوَةُ، وَقُلْنَ: هَذَا الَّذِي يُرِيدُ نَبِيُّ اللَّهِ صَالِحٌ، فَأَرَادَ الشُّرَطُ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَحَالَ جِدَّاهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَالَا: لَوْ أَرَادَ صَالِحٌ هَذَا لَقَتَلْنَاهُ. فَكَانَ شَرَّ مَوْلُودٍ وَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ، فَاجْتَمَعَ تِسْعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، كَانُوا قَتَلُوا أَبْنَاءَهُمْ حِينَ وُلِدُوا خَوْفًا أَنْ يَكُونَ عَاقِرَ النَّاقَةِ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَدِمُوا فَأَقْسَمُوا لَيَقْتُلُنَّ صَالِحًا، وَأَهْلَهُ، وَقَالُوا: نَخْرُجُ فَتَرَى النَّاسُ أَنَّنَا نُرِيدُ السَّفَرَ فَنَأْتِي الْغَارَ الَّذِي عَلَى طَرِيقِ صَالِحٍ فَنَكُونُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ وَخَرَجَ صَالِحٌ إِلَى مَسْجِدِهِ قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى الْغَارِ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا إِلَى رِحَالِنَا، وَقُلْنَا مَا شَهِدْنَا قَتْلَهُ فَيُصَدِّقُنَا قَوْمُهُ. وَكَانَ صَالِحٌ لَا يَبِيتُ مَعَهُمْ، كَانَ يَخْرُجُ إِلَى مَسْجِدٍ لَهُ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ صَالِحٍ فَيَبِيتُ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْغَارَ سَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْهُمْ، فَانْطَلَقَ رِجَالٌ مِمَّنْ عَرَفَ الْحَالَ إِلَى الْغَارِ فَرَأَوْهُمْ هَلْكَى، فَعَادُوا يَصِيحُونَ: إِنَّ صَالِحًا أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ قَتَلَهُمْ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ تَقَاسُمُ التِّسْعَةِ عَلَى قَتْلِ صَالِحٍ بَعْدَ عَقْرِ النَّاقَةِ وَإِنْذَارِ صَالِحٍ إِيَّاهُمْ بِالْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ التِّسْعَةَ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَا قَتْلَهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا أَلْحَقْنَاهُ بِالنَّاقَةِ، فَأَتَوْهُ لَيْلًا فِي أَهْلِهِ فَدَمَغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ فَهَلَكُوا، فَأَتَى أَصْحَابُهُمْ فَرَأَوْهُمْ هَلْكَى فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُمْ عَشِيرَتُهُ وَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ أَنْذَرَكُمُ الْعَذَابَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَنَحْنُ نُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ، فَعَادُوا عَنْهُ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا غَيْرَ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَالثَّانِي أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا سَبَبُ قَتْلِ النَّاقَةِ فَقِيلَ: إِنَّ قُدَارَ بْنَ سَالِفٍ جَلَسَ مَعَ نَفَرٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَاءٍ يَمْزُجُونَ بِهِ خَمْرَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمُ شِرْبِ النَّاقَةِ، فَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى قَتْلِهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ ثَمُودًا كَانَ فِيهِمُ امْرَأَتَانِ يُقَالُ لِإِحْدَاهُمَا قَطَامُ، وَلِلْأُخْرَى قُبَالُ، وَكَانَ قِدَارُ يَهْوَى قَطَامَ، وَمُصَدَّعُ يَهْوَى قُبَالَ، وَيَجْتَمِعَانِ بِهِمَا، فَفِي بَعْضِ اللَّيَالِي قَالَتَا لِقُدَارَ وَمُصَدَّعَ: لَا سَبِيلَ لَكُمَا إِلَيْنَا حَتَّى تَقْتُلَا النَّاقَةَ، فَقَالَا: نَعَمْ، وَخَرَجَا وَجَمَعَا أَصْحَابَهُمَا وَقَصَدَا النَّاقَةَ وَهِيَ عَلَى حَوْضِهَا، فَقَالَ الشَّقِيُّ لِأَحَدِهِمْ: اذْهَبْ فَاعْقِرْهَا، فَأَتَاهَا، فَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ، فَأَضْرَبَ عَنْهُ، وَبَعَثَ آخَرُ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ وَجَعَلَ لَا يَبْعَثُ أَحَدًا إِلَّا تَعَاظَمَهُ قَتْلُهَا حَتَّى مَشَى هُوَ إِلَيْهَا فَتَطَاوَلَ فَضَرَبَ عُرْقُوبَهَا، فَوَقَعَتْ تَرْكُضُ، وَكَانَ قَتْلُهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَاسْمُهُ بِلُغَتِهِمْ جَبَّارُ، وَكَانَ هَلَاكُهُمْ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَهُوَ عِنْدُهُمْ أَوَّلُ، فَلَمَّا قُتِلَتْ أَتَى رَجُلٌ مِنْهُمْ صَالِحًا فَقَالَ: أَدْرِكِ النَّاقَةَ فَقَدْ عَقَرُوهَا، فَأَقْبَلَ وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ، وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّمَا عَقَرَهَا فُلَانٌ، إِنَّهُ لَا ذَنْبَ لَنَا! قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تُدْرِكُونَ فَصِيلَهَا؟ فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْكُمُ الْعَذَابَ. فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، وَلَمَّا رَأَى الْفَصِيلُ أُمَّهُ تَضْطَرِبُ قَصَدَ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ الْقَارَّةُ قَصِيرًا فَصَعِدَهُ، وَذَهَبُوا يَطْلُبُونَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْجَبَلِ فَطَالَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَنَالُهُ الطَّيْرُ، وَدَخَلَ صَالِحٌ الْقَرْيَةَ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَصِيلُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا فَرَغَا ثَلَاثًا، فَقَالَ صَالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجَلُ يَوْمٍ {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] ، وَآيَةُ الْعَذَابِ أَنَّ وُجُوهَكُمْ تُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مُصْفَرَّةً، وَتُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مُحَمَّرَةً، وَتُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مُسْوَدَّةً. فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا وُجُوهُهُمْ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْخَلُوقِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِذَا وُجُوهُهُمْ مُحَمَّرَةٌ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِذَا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ، فَتَكَفَّنُوا وَتَحَنَّطُوا، وَكَانَ حَنُوطُهُمُ الصَّبْرَ، وَالْمُرَّ، وَكَانَتْ أَكْفَانُهُمُ الْأَنْطَاعَ، ثُمَّ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ فَجَعَلُوا يُقَلِّبُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتٌ كَالصَّاعِقَةِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 67] وَأَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ بَيْنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا كَانَ فِي الْحَرَمِ فَمَنَعَهُ الْحَرَمُ. قِيلَ: وَمَنْ هُوَ؟ قِيلَ: هُوَ أَبُو رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ فِي قَوْلٍ.
وَلَمَّا سَارَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى تَبُوكَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَرْيَةَ وَلَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا، وَأَرَاهُمْ مُرْتَقَى الْفَصِيلِ فِي الْجَبَلِ، وَأَرَاهُمُ الْفَجَّ الَّذِي كَانَتِ النَّاقَةُ تَرِدُ مِنْهُ الْمَاءَ» .
وَأَمَّا صَالِحٌ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا يَعْبُدُ اللَّهَ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ فِي قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً.
وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِعَادٍ، وَهُودٍ، وَثَمُودَ، وَصَالِحٍ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: وَأَمْرُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ كَشُهْرَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -.
قُلْتُ: وَلَيْسَ إِنْكَارُهُمْ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْكَارِهِمْ نُبُوَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَرِسَالَتَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْكَارِهِمْ حَالَ الْمَسِيحِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *