ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

«قَالَتْ عَائِشَةُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، كَانَتْ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ بِغَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجْأَةِ الْحَقِّ، فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتِي ثُمَّ رَجَعْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، فَدَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي! ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقٍ، فَتَبَدَّى لِي حِينَ هَمَمْتُ بِذَلِكَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنَا جِبْرَائِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَتَّنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ قَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، فَقَرَأْتُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي، وَأَخْبَرْتُهَا خَبَرِي، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُقِرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِي إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَقَالَتْ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي. فَقَالَ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، لَيْتَنِي كُنْتُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قُلْتُ: أَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ لَأَنْصُرَنَّكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا» .
ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ اقْرَأْ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1] (وَ {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، وَ {وَالضُّحَى} [الضحى: 1] .
«وَقَالَتْ خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيمَا تُثْبِتُهُ فِيمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ: يَا ابْنَ عَمِّ أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَجَاءَهُ جِبْرَائِيلُ، فَأَعْلَمَهَا. فَقَالَتْ: قُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى، فَقَامَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَلَسَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى. فَجَلَسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ نَعَمْ. فَتَحَسَّرَتْ فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ اثْبُتْ وَأَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ مَلَكٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ!»
«وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: نَزَلَتْ {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] أَوَّلُ. قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] . قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ يَسَارِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي وَأَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ – يَعْنِي الْمَلَكَ – جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَخَشِيتُ مِنْهُ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً فَفَعَلُوا، فَنَزَلَتْ: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] » ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: أَتَى جِبْرَائِيلُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوَّلَ مَا أَتَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَلَيْلَةَ الْأَحَدِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَعَلَّمَهُ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَرْبَعُونَ سَنَةً.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَتْرَةً، فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَغْدُو إِلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ لِيَتَرَدَّى مِنْهَا، فَكُلَّمَا رَقِيَ ذُرْوَةَ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرَائِيلُ فَيَقُولُ: إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَرْجِعُ نَفْسُهُ. فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ عَذَابَ اللَّهِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ دُونَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ، وَأَنْ يُحَدِّثَ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ – وَهِيَ النُّبُوَّةُ فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ – فَكَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ سِرًّا لِمَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجَتُهُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَدِيجَةُ.
ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ فَرَضَ اللَّهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَوْثَانِ: الصَّلَاةُ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا فُرِضَتْ عَلَيْهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَتَاهُ جِبْرَائِيلُ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ فِيهِ عَيْنٌ، فَتَوَضَّأَ جِبْرَائِيلُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطَّهُورُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِثْلَهُ، ثُمَّ قَامَ جِبْرَائِيلُ فَصَلَّى بِهِ، وَصَلَّى النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِصَلَاتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى خَدِيجَةَ فَعَلَّمَهَا الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى بِهَا فَصَلَّتْ بِصَلَاتِهِ.

ذِكْرُ الْمِعْرَاجِ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ الْمِعْرَاجِ، فَقِيلَ: كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقِيلَ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْهُ، فَقِيلَ: كَانَ نَائِمًا بِالْمَسْجِدِ فِي الْحِجْرِ، فَأُسْرِيَ بِهِ مِنْهُ، وَقِيلَ: كَانَ نَائِمًا فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَائِلُ هَذَا يَقُولُ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.
وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.
قَالُوا: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَانِي جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَقَالَا: بِأَيِّهِمْ أُمِرْنَا؟ فَقَالَا: أُمِرْنَا بِسَيِّدِهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَا، ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْقَابِلَةِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ، فَأَلْفَوْهُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَلَبُوهُ لِظَهْرِهِ وَشَقُّوا بَطْنَهُ، وَجَاءُوا بِمَاءِ زَمْزَمَ فَغَسَلُوا مَا كَانَ فِي بَطْنِهِ مِنْ غِلٍّ وَغَيْرِهِ، وَجَاءُوا بِطَسْتٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَمُلِئَ قَلْبُهُ وَبَطْنُهُ إِيمَانًا وَحِكْمَةً. قَالَ: وَأَخْرَجَنِي جِبْرَائِيلُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ، وَهِيَ الْبُرَاقُ، وَهِيَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقُوعُ خَطْوُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَقَالَ: ارْكَبْ، فَلَمَّا وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ تَشَامَسَ وَاسْتَصْعَبَ. فَقَالَ جِبْرَائِيلُ: يَا بُرَاقُ مَا رَكِبَكَ نَبِيٌّ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَانْصَبَّ عَرَقًا وَانْخَفَضَ لِي حَتَّى رَكِبْتُهُ، وَسَارَ بِي جِبْرَائِيلُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فَأُتِيتُ بِإِنَائَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: اخْتَرْ أَحَدَهُمَا، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ بَعْدَكَ.
ثُمَّ سِرْنَا فَقَالَ لِي: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: هَذِهِ طِيبَةُ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ.
ثُمَّ سِرْنَا فَقَالَ لِيَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: هَذَا طُورُ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، ثُمَّ سِرْنَا فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: هَذَا بَيْتُ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى. ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَنْزَلَنِي جِبْرَائِيلُ وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَ يَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ. فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ إِذَا أَنَا بِالْأَنْبِيَاءِ حَوَالَيَّ، وَقِيلَ: بِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ قَبْلِي، فَسَلَّمُوا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: إِخْوَانُكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، وَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، سَلْ هَؤُلَاءِ النَّبِيِّينَ هَلْ كَانَ لِلَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – شَرِيكٌ أَوْ وَلَدٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] فَأَقَرُّوا بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – ثُمَّ جَمَعَهُمْ جِبْرَائِيلُ وَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ
ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرَائِيلُ إِلَى الصَّخْرَةِ فَصَعِدَ بِي عَلَيْهَا، فَإِذَا مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ، لَا يَنْظُرُ النَّاظِرُونَ إِلَى شَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْهُ وَمِنْهُ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ، أَصْلُهُ فِي صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَأْسُهُ مُلْتَصِقٌ بِالسَّمَاءِ، فَاحْتَمَلَنِي جِبْرَائِيلُ وَوَضَعَنِي عَلَى جَنَاحِهِ وَصَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَفُتِحَ، فَدَخَلْنَا فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ تَامِّ الْخِلْقَةِ عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَكَى. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ وَمَا هَذَانِ الْبَابَانِ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ بَابُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ يَسَارِهِ بَابُ جَهَنَّمَ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ بَكَى وَحَزِنَ.
ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: حَيَّاهُ اللَّهُ، مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَفُتِحَ لَنَا. فَدَخَلْنَا فَإِذَا بِشَابَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ مَنْ هَذَانِ؟ فَقَالَ: هَذَانِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ.
ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ نِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَدْ فَضُلَ النَّاسَ بِالْحُسْنِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرَائِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ.
ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: إِدْرِيسُ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا.
ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا هَارُونُ وَالَّذِينَ حَوْلَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ.
ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَالِسٍ فَجَاوَزْنَاهُ، فَبَكَى الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرَائِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. قُلْتُ: فَمَا بَالُهُ يَبْكِي؟ قَالَ: يَزْعُمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ آدَمَ، وَهَذَا الرَّجُلُ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَّفَنِي وَرَاءَهُ.
قَالَ: ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَائِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ! فَدَخَلْنَا، فَإِذَا رَجُلٌ أَشْمَطُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، وَحَوْلَهُ قَوْمٌ بِيضُ الْوُجُوهِ أَمْثَالُ الْقَرَاطِيسِ، وَقَوْمٌ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ. فَقَامَ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَاغْتَسَلُوا فِي نَهْرٍ، وَخَرَجُوا وَقَدْ صَارَتْ وُجُوهُهُمْ مِثْلَ وُجُوهِ أَصْحَابِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، وَهَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ قَوْمٌ لَمْ يُلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ فَقَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فَتَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ مُسْتَنِدٌ إِلَى بَيْتٍ، فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ.
قَالَ: وَأَخَذَنِي جِبْرَائِيلُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَأَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، قَالَ: وَغَشِيَهَا مِنْ نُورِ اللَّهِ مَا غَشِيَهَا، وَغَشِيَهَا الْمَلَائِكَةُ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَتَحَوَّلَتْ حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْعَتَهَا، وَقَامَ جِبْرَائِيلُ فِي وَسَطِهَا، فَقَالَ جِبْرَائِيلُ: تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ. فَتَقَدَّمْتُ وَجِبْرَائِيلُ مَعِي إِلَى الْحِجَابِ، فَأَخَذَ بِي مَلَكٌ وَتَخَلَّفَ عَنِّي جِبْرَائِيلُ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: 164] وَهَذَا مُنْتَهَى الْخَلَائِقِ.
فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى الْعَرْشِ، فَاتَّضَحَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَكَلَّ لِسَانِي مِنْ هَيْبَةِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ أَنْطَقَ اللَّهُ لِسَانِي فَقُلْتُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، وَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ صَلَاةً. وَرَجَعْتُ إِلَى جِبْرَائِيلَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ الْقُصُورَ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، وَرَأَيْتُ نَهْرًا يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهِ مَاءٌ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَجْرِي عَلَى رَضْرَاضٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالْمِسْكِ، فَقَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيَّ النَّارَ، فَنَظَرْتُ إِلَى أَغْلَالِهَا وَسَلَاسِلِهَا وَحَيَّاتِهَا وَعَقَارِبِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ.
ثُمَّ أَخْرَجَنِي، فَانْحَدَرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا مُوسَى، فَقَالَ: مَاذَا فُرِضَ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ هَذَا فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي وَسَأَلْتُهُ، فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ وَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعْتُ فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، فَلَمْ أَزَلْ بَيْنَ رَبِّي وَمُوسَى حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقَالَ: ارْجِعْ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي وَمَا أَنَا بِرَاجِعٍ، فَنُودِيتُ: إِنِّي قَدْ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْخَمْسُ بِخَمْسِينَ، وَقَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي.
ثُمَّ انْحَدَرْتُ أَنَا وَجِبْرَائِيلُ إِلَى مَضْجَعِي، وَكَانَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يُصَدِّقُونَهُ، فَقَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ مَغْمُومًا، فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلِ اسْتَفَدْتَ اللَّيْلَةَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَخَافَ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْهُ فَيَجْحَدَهُ النَّبِيُّ، فَقَالَ: أَتُخْبِرُ قَوْمَكَ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمُّوا، فَأَقْبَلُوا. فَحَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَمِنْ بَيْنِ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ، وَمُصَفِّقٍ وَوَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ. وَارْتَدَّ النَّاسُ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ.
وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: إِنَّ صَاحِبَكَ يَزْعُمُ كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَسُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
قَالُوا: فَانْعَتْ لَنَا الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ، قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ. وَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ أَنْعَتُهُ. قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ عِيرِنَا. قَالَ: قَدْ مَرَرْتُ عَلَى عِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِالرَّوْحَاءِ، وَقَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ، فَأَخَذْتُ قَدَحًا فِيهِ مَاءٌ فَشَرِبْتُهُ، فَسَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَمَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَرَأَيْتُ رَاكِبًا وَقُعُودًا بِذِي مَرٍّ، فَنَفَرَ بِكْرُهُمَا مِنِّي فَسَقَطَ فُلَانٌ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ، فَسَلُوهُمَا. قَالَ: وَمَرَرْتُ بِعِيرِكُمْ بِالتَّنْعِيمِ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ مُخَيَّطَتَانِ، تَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
فَخَرَجُوا إِلَى الثَّنِيَّةِ فَجَلَسُوا يَنْظُرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ لِيُكَذِّبُوهُ إِذْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ. فَقَالَ آخَرُ: وَاللَّهِ هَذِهِ الْعِيرُ قَدْ طَلَعَتْ يَقْدُمُهَا بَعِيرٌ أَوْرَقُ كَمَا قَالَ. فَلَمْ يُفْلِحُوا وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ» .

ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ إِسْلَامًا، فَقَالَ قَوْمٌ: أَوَّلُ ذَكَرٍ آمَنَ عَلِيٌّ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَنَّهُ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِهِ، وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِ سِنِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلِيٌّ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «بُعِثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ» . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْأَرْقَمِ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيٌّ. وَقَالَ عُفَيْفٌ الْكِنْدِيُّ: كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا فَقَدِمْتُ مَكَّةَ أَيَّامَ الْحَجِّ فَأَتَيْتُ الْعَبَّاسَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ فَقَامَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ يُصَلِّي، ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ غُلَامٌ فَقَامَ يُصَلِّي مَعَهُ. فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ مَا هَذَا الدِّينُ؟ فَقَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي، زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَأَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ سَتُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ آمَنَتْ بِهِ، وَهَذَا الْغُلَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ آمَنَ بِهِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدًا عَلَى هَذَا الدِّينِ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ! قَالَ عُفَيْفٌ: لَيْتَنِي كُنْتُ رَابِعًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو حَازِمٍ الْمَدَنِيُّ
وَالْكَلْبِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ عُمْرُهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَعُمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.
وَكَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ يَوْمًا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ: يَا عَمِّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ فَانْطَلِقْ بِنَا نُخَفِّفْ عَنْ عِيَالِ أَبِي طَالِبٍ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ وَأَعْلَمَاهُ مَا أَرَادَا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: اتْرُكَا لِي عَقِيلًا وَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلِيًّا، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ عِنْدَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى أَرْسَلَهُ اللَّهُ فَاتَّبَعَهُ.
وَكَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ انْطَلَقَ هُوَ وَعَلِيٌّ إِلَى بَعْضِ الشِّعَابِ بِمَكَّةَ فَيُصَلِّيَانِ وَيَعُودَانِ. فَعَثَرَ عَلَيْهِمَا أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا هَذَا الدِّينُ؟ قَالَ: دِينُ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، بَعَثَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إِلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ دَعَوْتُهُ إِلَى الْهُدَى وَأَحَقُّ مَنْ أَجَابَنِي. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَخْلُصُ قُرَيْشٌ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا حَيِيتُ.
فَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِعَلِيٍّ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَا أَبَهْ! آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَصَلَّيْتُ مَعَهُ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَدْعُونَا إِلَّا إِلَى الْخَيْرِ فَالْزَمْهُ.
وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ … فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا
بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا … الثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ
وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِعُكَاظَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ تَبِعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: تَبِعَنِي عَلَيْهِ حُرٌّ وَعَبْدٌ، أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ. فَأَسْلَمْتُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبُعَ الْإِسْلَامِ.
وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبُعَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُسْلِمْ قَبْلِي إِلَّا النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ.
وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَلْزَمَانِ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْرُجُ إِلَى الْكَعْبَةِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تُنْكِرُهَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى غَيْرَهَا قَعَدَ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَرْصُدَانِهِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ: عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، وَكَانَ مَانِعًا لِقَوْمِهِ مُحَبًّا فِيهِمْ، وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِأَنْسَابِ قُرَيْشٍ وَمَا كَانَ فِيهَا، وَكَانَ تَاجِرًا يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ يَدْعُو مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ عُثْمَانُ
بْنُ عَفَّانَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ فَأَسْلَمُوا وَصَلَّوْا. وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ وَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَسْلَمَ أَبُو ذَرٍّ، قَالُوا رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَقِيلَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ أَسْلَمَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَأَسْلَمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ خَامِسًا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَسْلَمَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ مِنْ خُزَاعَةَ بَعْدَ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ.

ذِكْرُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِإِظْهَارِ دَعْوَتِهِ

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا يُؤْمَرُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ مُسْتَتِرًا بِدَعْوَتِهِ لَا يُظْهِرُهَا إِلَّا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ إِذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ ذَهَبُوا إِلَى الشِّعَابِ فَاسْتَخْفَوْا، فَبَيْنَمَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَمَّارٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٌ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ يُصَلُّونَ فِي شِعْبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَغَيْرُهُمَا، فَسَبُّوهُمْ وَعَابُوهُمْ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدٌ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِلِحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُرِيقَ فِي الْإِسْلَامِ فِي قَوْلٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَصَعِدَ عَلَى الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهُ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ! أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] السُّورَةَ»
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ: «لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَضَاقَ بِهِ ذَرْعًا، فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ كَالْمَرِيضِ، فَأَتَتْهُ عَمَّاتُهُ يَعُدْنَهُ، فَقَالَ: مَا اشْتَكَيْتُ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ. فَقُلْنَ لَهُ: فَادْعُهُمْ وَلَا تَدْعُ أَبَا لَهَبٍ فِيهِمْ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُجِيبِكَ. فَدَعَاهُمْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَحَضَرُوا وَمَعَهُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَكَانُوا خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَبَادَرَهُ أَبُو لَهَبٍ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ هُمْ عُمُومَتُكَ وَبَنُو عَمِّكَ، فَتَكَلَّمْ وَدَعِ الصُّبَاةَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِقَوْمِكَ فِي الْعَرَبِ قَاطِبَةً طَاقَةٌ، وَأَنَّ أَحَقَّ مَنْ أَخَذَكَ فَحَبَسَكَ بَنُو أَبِيكَ، وَإِنْ أَقَمْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَثِبَ بِكَ بُطُونُ قُرَيْشٍ وَتَمُدَّهُمُ الْعَرَبُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَاءَ عَلَى بَنِي أَبِيهِ بِشَرٍّ مِمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
ثُمَّ دَعَاهُمْ ثَانِيَةً وَقَالَ: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُومِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ “، ثُمَّ قَالَ: ” إِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا وَالنَّارُ أَبَدًا “.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَا أَحَبَّ إِلَيْنَا مُعَاوَنَتَكَ وَأَقْبَلَنَا لِنَصِيحَتِكَ وَأَشَدَّ تَصْدِيقَنَا لِحَدِيثِكَ، وَهَؤُلَاءِ بَنُو أَبِيكَ مُجْتَمِعُونَ، وَإِنَّمَا أَنَا أَحَدُهُمْ، غَيْرَ أَنِّي أَسْرَعُهُمْ إِلَى مَا تُحِبُّ، فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ فَوَاللَّهِ لَا أَزَالُ أَحُوطُكَ وَأَمْنَعُكَ، غَيْرَ أَنَّ نَفْسِي لَا تُطَاوِعُنِي عَلَى فِرَاقِ دِينِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذِهِ وَاللَّهِ السَّوْأَةُ! خُذُوا عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرُكُمْ.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعَنَّهُ مَا بَقِينَا» .
«وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] دَعَانِي النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ” يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ، فَضِقْتُ ذَرْعًا وَعَلِمْتُ أَنِّي مَتَى أُبَادِرُهُمْ بِهَذَا الْأَمْرِ أَرَ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ، فَصَمَتُّ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَنِي جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِلَّا تَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ يُعَذِّبْكَ رَبُّكَ. فَاصْنَعْ لَنَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِ رِجْلَ شَاةٍ، وَامْلَأْ لَنَا عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، وَاجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأُبَلِّغَهُمْ مَا أُمِرْتُ بِهِ. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ دَعَوْتُهُمْ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَهُ، فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ وَأَبُو لَهَبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ دَعَانِي بِالطَّعَامِ الَّذِي صَنَعْتُهُ لَهُمْ. فَلَمَّا وَضَعْتُهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حُزَّةً مِنَ اللَّحْمِ فَنَتَفَهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي نُوَاحِي الصَّحْفَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى مَا لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَاجَةٍ، وَمَا أَرَى إِلَّا مَوَاضِعَ أَيْدِيهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مَا قَدَّمْتُ لِجَمِيعِهِمْ! ثُمَّ قَالَ: ” اسْقِ الْقَوْمَ “، فَجِئْتُهُمْ بِذَلِكَ الْعُسِّ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ! فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ إِلَى الْكَلَامِ فَقَالَ: لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ بِهِ صَاحِبُكُمْ. فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ” الْغَدَ يَا عَلِيُّ، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَبَقَنِي إِلَى مَا سَمِعْتَ مِنَ الْقَوْلِ، فَتَفَرَّقُوا قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَهُمْ، فَعُدْ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ بِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ ثُمَّ اجْمَعْهُمْ إِلَيَّ “.
فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ، فَأَكَلُوا، وَسَقَيْتُهُمْ ذَلِكَ الْعُسَّ، فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا جَمِيعًا وَشَبِعُوا، ثُمَّ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: ” يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ، قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَخِي وَوَصِيَّتِي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ عَنْهَا جَمِيعًا، وَقُلْتُ – وَإِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنًّا، وَأَرْمَصُهُمْ عَيْنًا، وَأَعْظَمُهُمْ بَطْنًا وَأَحْمَشُهُمْ سَاقًا: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيْهِ. فَأَخَذَ بِرَقَبَتِي ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. قَالَ فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ فَيَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِابْنِكَ وَتُطِيعَ» .
وَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنْ يُبَادِئَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَكَانَ يَدْعُو فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ ثَلَاثَ سِنِينَ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ أُمِرَ بِالظُّهُورِ لِلدُّعَاءِ، ثُمَّ صَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَبَادَأَ قَوْمَهُ بِالْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدُوا مِنْهُ وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ إِلَّا بَعْضَ الرَّدِّ، حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ. وَحَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى أَمْرِ اللَّهِ مُظْهِرًا لِأَمْرِهِ لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ.
فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يُعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ يَكْرَهُونَهُ، وَأَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ قَامَ دُونَهُ وَلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ: عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَمَنْ مَشَى مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا جَمِيلًا وَرَدَّهُمْ رَدًّا رَفِيقًا فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِمَا هُوَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ شَرِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ فَتَضَاغَنُوا، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتَذَامَرُوا فِيهِ، فَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إِنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا، وَإِنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَاكَ أَنْ تَنْهَى ابْنَ أَخِيكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَآبَائِنَا وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالُوا، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ.
فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ لَهُ وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَخِذْلَانِهِ، وَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْلَمَهُ مَا قَالَتْ قُرَيْشٌ وَقَالَ لَهُ: أَبْقِ عَلَى نَفْسِكَ وَعَلَيَّ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ. فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ بُدُوٌّ، وَأَنَّهُ خَذَلَهُ وَقَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «يَا عَمَّاهُ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ “. ثُمَّ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَامَ. فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اذْهَبْ يَا ابْنَ أَخِي فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا» .
فَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَا يَخْذُلُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَنَّهُ يَجْمَعُ لِعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ فَتَى قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُمْ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ فَاتَّخِذْهُ وَلَدًا، وَأَسْلِمْ لَنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا الَّذِي سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَخَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ نَقْتُلُهُ، فَإِنَّمَا رَجُلٌ بِرَجُلٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي، أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ؟ هَذَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ أَبَدًا! فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ! فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ.
فَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وَاشْتَدَّتْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَامَ أَبُو طَالِبٍ فِي بَنِي هَاشِمٍ فَدَعَاهُمْ إِلَى مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ.
فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سَرَّهُ، أَقْبَلَ يَمْدَحُهُمْ وَيَذْكُرُ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِيهِمْ. «وَقَدْ مَشَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، وَنَدَعُهُ وَإِلَهَهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ سَرَوَاتُ قَوْمِكَ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ، وَيَدَعُوَكَ وَإِلَهَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَيْ عَمِّ! أَوَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهَا، كَلِمَةٌ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ رِقَابَ الْعَجَمِ؟ ” فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا هِيَ وَأَبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا؟ قَالَ: تَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَفَرُوا وَتَفَرَّقُوا وَقَالُوا: سَلْ غَيْرَهَا. فَقَالَ: ” لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا “. قَالَ: فَغَضِبُوا وَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابَى وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا! {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] ، إِلَى قَوْلِهِ: (إِلَّا اخْتِلَاقٌ) ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ فَقَالَ: ” قُلْ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَعِيبَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتَقُولَ: جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ لَأَعْطَيْتُكَهَا، وَلَكِنْ عَلَى مِلَّةِ الْأَشْيَاخِ، فَنَزَلَتْ: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] » .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *