ذِكْرُ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

ذِكْرُ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً.
وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا مَنِيعًا، وَأَسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ. وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَقْدِرُونَ يُصَلُّونَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَهَا، وَصَلَّى مَعَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمَا، وَعَلِمُوا أَنَّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْمُسْلِمِينَ.
قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، وَكَانَتْ زَوْجَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: إِنَّا لَنَرْحَلُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرٌ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، إِذْ أَقْبَلَ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ، وَكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى وَشِدَّةً، فَقَالَ: أَتَنْطَلِقُونَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ وَاللَّهِ لَنَخْرُجَنَّ فِي أَرْضِ اللَّهِ، فَقَدْ آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَا فَرَجًا. قَالَتْ: فَقَالَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ رِقَّةً وَحُزْنًا. قَالَتْ: فَلَمَّا عَادَ أَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ: لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا! قَالَ: أَطَمِعْتِ فِي إِسْلَامِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا يُسْلِمُ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ، لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَشِدَّتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَسْلَمَ، فَصَارَ عَلَى الْكُفَّارِ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ كَانَتْ تَحْتَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو الْعَدَوِيِّ، وَكَانَا مُسْلِمَيْنِ يُخْفِيَانِ إِسْلَامَهُمَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ الْعَدَوِيُّ قَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَهُوَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ فَرَقًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يَخْتَلِفُ إِلَى فَاطِمَةَ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا وَمَعَهُ سَيْفُهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ عِنْدَ الصَّفَا، وَعِنْدَهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ وَعَابَ دِينَهَا فَأَقْتُلُهُ. فَقَالَ نُعَيْمٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ، أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ أَفَلَا تَرْجِعُ إِلَى أَهْلِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟ قَالَ: وَأَيُّ أَهْلِي؟ قَالَ: خَتَنُكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَأُخْتُكَ فَاطِمَةُ، فَقَدْ وَاللَّهِ أَسْلَمَا.
فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَيْهِمَا وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يُقْرِئُهُمَا الْقُرْآنَ. فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ تَغَيَّبَ خَبَّابٌ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ الصَّحِيفَةَ فَأَلْقَتْهَا تَحْتَ فَخِذَيْهَا، وَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ قِرَاءَةَ خَبَّابٍ. فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ؟ قَالَا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا؟ قَالَ: بَلَى، قَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ أُخْتُهُ لِتَكُفَّهُ، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ.
وَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنَ الدَّمِ نَدِمَ وَقَالَ لَهَا: أَعْطِنِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَأُونَ فِيهَا الْآنَ، حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ. قَالَتْ: إِنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا، فَحَلَفَ أَنَّهُ يُعِيدُهَا. قَالَتْ لَهُ: وَقَدْ طَمِعَتْ فِي إِسْلَامِهِ: إِنَّكَ نَجِسٌ عَلَى شِرْكِكَ، وَلَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ. فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ وَقَرَأَهَا، وَفِيهَا: (طه) ، وَكَانَ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَرَأَ بَعْضَهَا قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ خَرَجَ إِلَيْهِ وَقَالَ: يَا عُمَرُ إِنِّي وَاللَّهِ لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ» ، فَاللَّهَ اللَّهَ يَا عُمَرُ! فَقَالَ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَدُلَّنِي يَا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ. فَدَلَّهُ خَبَّابٌ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابِهِ فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ، فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِذَلِكَ، فَقَالَ حَمْزَةُ: ائْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ.
فَأَذِنَ لَهُ، «فَنَهَضَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى لَقِيَهُ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ ثُمَّ جَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ مَا أَرَاكَ تَنْتَهِي حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْكَ قَارِعَةً. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأُومِنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، فَكَبَّرَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَكْبِيرَةً عَرَفَ مَنْ فِي الْبَيْتِ أَنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ» . فَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَ: أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ قِيلَ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، فَجَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ بِإِسْلَامِهِ، فَمَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ وَعُمَرُ وَرَاءَهُ وَصَرَخَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ. فَيَقُولُ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ، فَقَامُوا، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى قَامَتِ الشَّمْسُ وَأَعْيَا، فَقَعَدَ وَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَلَوْ كُنَّا ثَلَاثَمِائَةِ نَفَرٍ تَرَكْنَاهَا لَكُمْ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَنَا، يَعْنِي مَكَّةَ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: صَبَأَ عُمَرُ. قَالَ فَمَهْ، رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟ أَتَرَوْنَ بَنِي عَدِيٍّ يُسْلِمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا؟ خَلُّوا عَنِ الرَّجُلِ. وَكَانَ الرَّجُلُ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ.
قَالَ عُمَرُ: لَمَّا أَسْلَمْتُ أَتَيْتُ بَابَ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَضَرَبْتُ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِلَيَّ وَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ أَخِي! مَا جَاءَ بِكَ؟ قُلْتُ: جِئْتُ لِأُخْبِرَكَ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَآمَنْتُ بِمُحَمَّدٍ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَصَدَّقْتُ مَا جَاءَ بِهِ. قَالَ: فَضَرَبَ الْبَابَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ!
وَقِيلَ فِي إِسْلَامِهِ غَيْرُ هَذَا.

ذِكْرُ أَمْرِ الصَّحِيفَةِ

وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ الْإِسْلَامَ يَفْشُو وَيَزِيدُ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَوُوا بِإِسْلَامِ حَمْزَةَ وَعُمَرَ، وَعَادَ إِلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ مِنَ النَّجَاشِيِّ بِمَا يَكْرَهُونَ مِنْ مَنْعِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ وَأَمْنِهِمْ عِنْدَهُ، ائْتَمَرُوا فِي أَنْ يَكْتُبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى: أَنْ لَا يُنْكِحُوا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَا يَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ شَيْئًا. فَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا.
وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ، فَلَقِيَ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِ نَصْرِي اللَّاتَ وَالْعُزَّى؟ قَالَتْ: لَقَدْ أَحْسَنْتَ. فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى جَهِدُوا لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ إِلَّا سِرًّا.
وَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، وَمَعَهُ قَمْحٌ يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَفْضَحَكَ. فَجَاءَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ؟ عِنْدَهُ طَعَامٌ لِعَمَّتِهِ أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَيْهَا؟ خَلِّ سَبِيلَهُ. فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ، فَنَالَ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بِلِحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ وَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ذَلِكَ فَيَشْمَتَ بِهِمْ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ. وَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَدْعُو النَّاسَ سِرًّا وَجَهْرًا، وَالْوَحْيُ مُتَتَابِعٌ إِلَيْهِ، فَبَقُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ.
وَقَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ أَحْسَنَهُمْ بَلَاءً فِيهِ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا لَيْلًا وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ الشِّعْبَ وَيَخْلَعُ خِطَامَهُ فَيَدْخُلُ الشِّعْبَ. فَلَمَّا رَأَى مَا هُمْ فِيهِ وَطُولَ الْمُدَّةِ عَلَيْهِمْ، مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَ شَدِيدَ الْغَيْرَةِ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ أَرَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ، وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ عَلِمْتَ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ – يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ – ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مَا أَجَابَكَ أَبَدًا. فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَنَقَضْتُهَا. فَقَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ زُهَيْرٌ: ابْغِنَا ثَالِثًا، فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ لَهُ: أَرَضِيتَ أَنْ يَهْلَكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَلِكَ مُوَافِقٌ فِيهِ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا قَالَ: مَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: ابْغِنَا ثَالِثًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. قَالَ: ابْغِنَا رَابِعًا. فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ، قَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا وَزُهَيْرٌ وَالْمُطْعِمُ. قَالَ: ابْغِنَا خَامِسًا. فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ، قَالَ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مُعِينٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَمَّى لَهُ الْقَوْمَ، فَاتَّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ الَّذِي بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَأُكُمْ.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرٌ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يَبْتَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ. قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا بِهَا حِينَ كُتِبَتْ. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا. قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وَأَبُو طَالِبٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ.
فَقَامَ الْمُطْعِمُ إِلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا مَا كَانَ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَانَتْ تُفْتَتَحُ بِهَا كُتُبُهَا، وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ، فَشُلَّتْ يَدُهُ.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ أَنَّ الصَّحِيفَةَ لَمَّا كُتِبَتْ وَعُلِّقَتْ بِالْكَعْبَةِ اعْتَزَلَ النَّاسُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَبُو طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُمَا بِالشِّعْبِ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْأَرَضَةَ وَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنْ ظُلْمٍ وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَتَرَكَتْ مَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَاءَ جِبْرَائِيلُ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَشُكُّ فِي قَوْلِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الشِّعْبِ إِلَى الْحَرَمِ، فَاجْتَمَعَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَى صَحِيفَتِكُمُ الْأَرَضَةَ، فَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَظُلْمٍ، وَتَرَكَتِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَحْضِرُوهَا، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ ظَالِمُونَ لَنَا قَاطِعُونَ لِأَرْحَامِنَا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا عَلِمْنَا أَنَّكُمْ عَلَى حَقٍّ وَأَنَّا عَلَى بَاطِلٍ.
فَقَامُوا سِرَاعًا وَأَحْضَرُوهَا، فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَوِيَتْ نَفْسُ أَبِي طَالِبٍ وَاشْتَدَّ صَوْتُهُ وَقَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِالظُّلْمِ وَالْقَطِيعَةِ. فَنَكَّسُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ قَالُوا: إِنَّمَا يَأْتُونَنَا بِالسِّحْرِ وَالْبُهْتَانِ، وَقَامَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِي نَقْضِهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي أَمْرِ الصَّحِيفَةِ وَأَكْلِ الْأَرَضَةِ مَا فِيهَا مِنْ ظُلْمٍ وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
وَقَدْ كَانَ فِي أَمْرِ الصَّحِيفَةِ عِبْرَةٌ … مَتَى مَا يُخَبَّرُ غَائِبُ الْقَوْمِ يَعْجَبُ
مَحَا اللَّهُ مِنْهُمْ كُفْرَهُمْ وَعُقُوقَهُمْ … وَمَا نَقَمُوا مِنْ نَاطِقِ الْحَقِّ مُعْرِبُ
فَأَصْبَحَ مَا قَالُوا مِنَ الْأَمْرِ بَاطِلًا … وَمَنْ يَخْتَلِقْ مَا لَيْسَ بِالْحَقِّ يَكْذِبُ

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *