ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ

ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ

وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخَ بْنِ نَاخُورَ بْنِ سَارُوغَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالَغَ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، فَقِيلَ: وُلِدَ بِالسُّوسِ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ، وَقِيلَ: وُلِدَ بِبَابِلَ، وَقِيلَ: بِكُوثَى، وَقِيلَ: بَحَرَّانَ، وَلَكِنَّ أَبَاهُ نَقَلَهُ.
قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ مَوْلِدُهُ فِي عَهْدِ نُمْرُودَ بْنِ كُوشَ.
وَيَقُولُ عَامَّةُ أَهْلِ الْأَخْبَارِ: إِنَّ نُمْرُودَ كَانَ عَامِلًا لِلِازْدِهَاقَ الَّذِي زَعَمَ بَعْضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ نُوحًا أُرْسِلَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا جَمَاعَةُ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: كَانَ مَلِكًا بِرَأْسِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مُلْكُهُ قَدْ أَحَاطَ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَكَانَ بِبَابِلَ، قَالَ: وَيُقَالُ: لَمْ يَجْتَمِعْ مُلْكُ الْأَرْضِ إِلَّا لِثَلَاثَةِ مُلُوكٍ: نُمْرُودَ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَأَضَافَ غَيْرُهُ إِلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، وَسَنَذْكُرُ بُطْلَانَ هَذَا الْقَوْلِ.
فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِبْرَاهِيمَ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ وَرَسُولًا إِلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ نَبِيٌّ إِلَّا هُودٌ، وَصَالِحٌ، فَلَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ أَتَى أَصْحَابُ النُّجُومِ نُمْرُودَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نَجِدُ غُلَامًا يُولَدُ فِي قَرْيَتِكَ هَذِهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ يُفَارِقُ دِينَكُمْ وَيَكْسِرُ أَصْنَامَكُمْ فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا. فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الَّتِي ذَكَرُوا حَبَسَ نُمْرُودُ الْحَبَالَى عِنْدَهُ إِلَّا أُمَّ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَبَلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهَا أَثَرُهُ، فَذَبَحَ كُلَّ غُلَامٍ وُلِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَلَمَّا وَجَدَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إِلَى مَغَارَةٍ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهَا فَوَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْلُودِ، ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَغَارَةَ، ثُمَّ سَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا رَاجِعَةً، ثُمَّ كَانَتْ تُطَالِعُهُ لِتَنْظُرَ مَا فَعَلَ، فَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ مَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي الشَّهْرِ، وَكَانَتْ تَجِدُهُ حَيًّا يَمُصُّ إِبْهَامَهُ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِيهَا.
وَكَانَ آزَرُ سَأَلَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَمْلِهَا فَقَالَتْ: وَلَدْتُ غُلَامًا فَمَاتَ، فَصَدَّقَهَا، وَقِيلَ: بَلْ عَلِمَ آزَرُ بِوِلَادَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَمَهُ حَتَّى نَسِيَ الْمَلِكُ ذِكْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ آزَرُ: إِنَّ لِيَ ابْنًا قَدْ خَبَّأْتُهُ أَفَتَخَافُونَ عَلَيْهِ الْمَلِكَ إِنْ أَنَا جِئْتُ بِهِ؟ فَقَالُوا: لَا. فَانْطَلَقَ فَأَخْرَجَهُ مِنَ السَّرَبِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الدَّوَابِّ، وَإِلَى الْخَلْقِ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، جَعَلَ يَسْأَلُ أَبَاهُ عَمَّا يَرَاهُ، فَيَقُولُ أَبُوهُ: هَذَا بَعِيرٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَا لِهَؤُلَاءِ الْخَلْقِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَبٌّ! وَكَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِالْكَوْكَبِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76] . فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَابَ، فَقَالَ: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76] . وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلِهَذَا رَأَى الْكَوْكَبَ قَبْلَ الْقَمَرِ.
وَقِيلَ: كَانَ تَفَكَّرَ وَعُمُرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ لِأُمِّهِ وَهُوَ فِي الْمَغَارَةِ أَخْرِجِينِي أَنْظُرْ، فَأَخْرَجَتْهُ عِشَاءً فَنَظَرَ فَرَأَى الْكَوْكَبَ وَتَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ فِي الْكَوْكَبِ مَا تَقَدَّمَ، {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} [الأنعام: 77] . فَلَمَّا جَاءَ النَّهَارُ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ رَأَى نُورًا أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ مَا رَأَى فَقَالَ: {هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] . ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنَادِهِمْ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّهُ بِمَا كَانَتْ صَنَعَتْ مِنْ كِتْمَانِ حَالِهِ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ.
وَكَانَ آزَرُ يَصْنَعُ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَيُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمَ لِيَبِيعَهَا، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ؟ فَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْهُ أَحَدٌ، وَكَانَ يَأْخُذُهَا، وَيَنْطَلِقُ بِهَا إِلَى نَهْرٍ فَيُصَوِّبُ رُءُوسَهَا فِيهِ وَيَقُولُ: اشْرَبِي! اسْتِهْزَاءً بِقَوْمِهِ. حَتَّى فَشَا ذَلِكَ عَنْهُ فِي قَوْمِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ خَبَرُهُ نُمْرُودَ. فَلَمَّا بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ قَوْمَهُ إِلَى تَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى دَعَا أَبَاهُ إِلَى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَدَعَا قَوْمَهُ، فَقَالُوا: مَنْ تَعْبُدُ أَنْتَ؟ قَالَ: رَبَّ الْعَالَمِينَ. قَالُوا: نُمْرُودُ؟ قَالَ: بَلْ أَعْبُدُ الَّذِي خَلَقَنِي. فَظَهَرَ أَمْرُهُ. وَبَلَغَ نُمْرُودَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَرَادَ أَنْ يُرِيَ قَوْمَهُ ضَعْفَ الْأَصْنَامِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا لِيُلْزِمَهُمُ الْحُجَّةَ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّعُ فُرْصَةً يَنْتَهِي بِهَا لِيَفْعَلَ بِأَصْنَامِهِمْ ذَلِكَ، فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، أَيْ طَعِينٌ، لِيَهْرُبُوا مِنْهُ إِذَا سَمِعُوا بِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ إِبْرَاهِيمُ لِيَخْرُجُوا عَنْهُ لِيَبْلُغَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ. وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ جَمِيعُهُمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ إِلَى الْعِيدِ، وَخَالَفَ إِلَى أَصْنَامِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] فَسَمِعَهُ ضَعْفَى النَّاسِ وَمَنْ هُوَ فِي آخِرِهِمْ، وَرَجَعَ إِلَى الْأَصْنَامِ وَهِيَ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ لِكُلِّ صَنَمٍ يَلِيهِ أَصْغَرُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغُوا بَابَ الْبَهْوِ وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا بَيْنَ يَدَيْ آلِهَتِهِمْ، وَقَالُوا: نَتْرُكُ الْآلِهَةَ إِلَى حِينِ نَرْجِعُ فَتَأْكُلُهُ. فَلَمَّا نَظَرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ قَالَ: أَلَا تَأْكُلُونَ فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ قَالَ: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ – فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 92 – 93] ، فَكَسَرَهَا بِفَأْسٍ فِي يَدِهِ حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْظَمُ صَنَمٍ مِنْهَا رَبَطَ الْفَأْسَ بِيَدِهِ ثُمَّ تَرَكَهُنَّ.
فَلَمَّا رَجَعَ قَوْمُهُ، وَرَأَوْا مَا فُعِلَ بِأَصْنَامِهِمْ رَاعَهُمْ ذَلِكَ، وَأَعْظَمُوهُ، وَقَالُوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ – قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 59 – 60] يَعْنُونَ يَسُبُّهَا وَيَعِيبُهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الَّذِي نَظُنُّهُ صَنَعَ بِهَا هَذَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ نُمْرُودَ وَأَشْرَفَ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: {فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء: 61] مَا نَفْعَلُ بِهِ، وَقِيلَ: يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ، كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ، وَاجْتَمَعَ لَهُ قَوْمُهُ عِنْدَ مَلِكِهِمْ نُمْرُودَ، وَقَالُوا: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ – قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62 – 63] ، غَضِبَ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوا هَذِهِ الصِّغَارَ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا فَكَسَرَهَا،
فَارْعَوَوْا وَرَجَعُوا عَنْهُ فِيمَا ادَّعَوْا عَلَيْهِ مِنْ كَسْرِهَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: لَقَدْ ظَلَمْنَاهُ وَمَا نَرَاهُ إِلَّا كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالُوا، وَعَرَفُوا أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَبْطِشُ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 65] ، أَيْ لَا يَتَكَلَّمُونَ، فَتُخْبِرُنَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِهَا وَمَا تَبْطِشُ بِالْأَيْدِي فَنُصَدِّقُكَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} [الأنبياء: 65] فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ قَوْلِهِمْ ” مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ “: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 66]
ثُمَّ إِنَّ نُمْرُودَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: أَرَأَيْتَ إِلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُ وَتَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ مَا هُوَ؟ قَالَ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] . قَالَ نُمْرُودُ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: آخُذُ رَجُلَيْنِ قَدِ اسْتَوْجَبَا الْقَتْلَ فَأَقْتُلُ أَحَدَهُمَا فَأَكُونُ قَدْ أَمَتُّهُ، وَأَعْفُو عَنِ الْآخَرِ فَأَكُونُ قَدْ أَحْيَيْتُهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ} [البقرة: 258] عِنْدَ ذَلِكَ نُمْرُودُ وَلَمْ يُرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا. ثُمَّ إِنَّهُ وَأَصْحَابَهُ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالُوا: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 68]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَشَارَ بِتَحْرِيقِهِ رَجُلٌ مِنْ أَعْرَابِ فَارِسَ، قِيلَ لَهُ: وَلِلْفُرْسِ أَعْرَابٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْأَكْرَادُ هُمْ أَعْرَابُهُمْ. قِيلَ: كَانَ اسْمُهُ هِيزَنَ فَخُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَأَمَرَ نُمْرُودُ بِجَمْعِ الْحَطَبِ مِنْ أَصْنَافِ الْخَشَبِ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَنْذُرُ بِـ: إِنْ بَلَغَتْ مَا تَطْلُبُ لَتَحْتَطِبَ لِنَارِ إِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِيهَا قَدَّمُوهُ، وَأَشْعَلُوا النَّارَ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الطَّيْرُ لَتَمُرُّ بِهَا فَتَحْتَرِقُ مِنْ شِدَّتِهَا وَحَرِّهَا، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِقَذْفِهِ فِيهَا صَاحَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ إِلَى اللَّهِ صَيْحَةً وَاحِدَةً: أَيْ رَبَّنَا! إِبْرَاهِيمُ، لَيْسَ فِي أَرْضِكَ مَنْ يَعْبُدُكَ غَيْرُهُ يُحْرَقُ بِالنَّارِ فِيكَ فَأْذَنْ لَنَا فِي نَصْرِهِ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِ اسْتَغَاثَ بِشَيْءٍ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ وَإِنْ لَمْ يَدْعُ غَيْرِي فَأَنَا لَهُ. فَلَمَّا رَفَعُوهُ عَلَى رَأْسِ الْبُنْيَانِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْوَاحِدُ فِي السَّمَاءِ وَأَنْتَ الْوَاحِدُ فِي الْأَرْضِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَعَرَضَ لَهُ جَبْرَائِيلُ وَهُوَ يُوثَقُ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. فَقَذَفُوهُ فِي النَّارِ فَنَادَاهَا، فَقَالَ: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] . وَقِيلَ: نَادَاهَا جَبْرَائِيلُ، فَلَوْ لَمْ يَتْبَعْ بَرْدَهَا سَلَامٌ لَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِهَا، فَلَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ نَارٌ إِلَّا طُفِئَتْ ظَنَّتْ أَنَّهَا هِيَ. وَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الظِّلِّ فِي صُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَعَدَ فِيهَا إِلَى جَنْبِهِ يُؤْنِسُهُ.
فَمَكَثَ نُمْرُودُ أَيَّامًا لَا يَشُكُّ أَنَّ النَّارَ قَدْ أَكَلَتْ إِبْرَاهِيمَ، فَرَأَى كَأَنَّهُ نَظَرَ فِيهَا وَهِيَ تُحْرِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِبْرَاهِيمُ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِثْلُهُ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَيٌّ وَلَقَدْ شُبِّهَ عَلَيَّ، ابْنُوا لِي صَرْحًا يُشْرِفُ بِي عَلَى النَّارِ، فَبَنَوْا لَهُ وَأَشْرَفَ مِنْهُ فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ جَالِسًا وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ فِي صُورَتِهِ، فَنَادَاهُ نُمْرُودُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، كَبِيرٌ إِلَهُكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ وَعِزَّتُهُ أَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا أَرَى، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَخْشَى إِنْ أَقَمْتَ فِيهَا أَنْ تَضُرَّكَ؟ قَالَ: لَا. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ فَخَرَجَ مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُ مَعَكَ مِثْلَ صُورَتِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أَرْسَلَهُ إِلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي. قَالَ نُمْرُودُ: إِنِّي مُقَرِّبٌ مِنْ إِلَهِكَ قُرْبَانًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَمَا صَنَعَ بِكَ حِينَ أَبَيْتَ إِلَّا عِبَادَتَهُ.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْكَ مَا كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكَ. فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، لَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي. وَقَرَّبَ أَرْبَعَةَ آلَافِ بَقَرَةٍ وَكَفَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُ. وَآمَنَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ رَأَوْا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ نُمْرُودَ وَمَلَئِهِمْ، وَآمَنَ لَهُ لُوطُ بْنُ هَارَانَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ لَهُمْ أَخٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ نَاخُورُ بْنُ تَارِخَ، وَهُوَ أَبُو بِتْوِيلَ، وَبِتْوِيلُ أَبُو لَابَانَ وَأَبُو رَبْقَا امْرَأَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أُمِّ يَعْقُوبَ، وَلَابَانُ أَبُو لَيَّا وَرَاحِيلَ زَوْجَتَيْ يَعْقُوبَ. وَآمَنَتْ بِهِ سَارَةُ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ،
وَهِيَ سَارَةُ ابْنَةُ هَارَانَ الْأَكْبَرِ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: كَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِ حَرَّانَ. فَآمَنَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِبْرَاهِيمَ.

ذِكْرُ هِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ

ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوا أَمْرَهُ أَجْمَعُوا عَلَى فِرَاقِ قَوْمِهِمْ، فَخَرَجَ مُهَاجِرًا حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ وَبِهَا فِرْعَوْنُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ الْأُولَى كَانَ اسْمُهُ سِنَانَ بْنَ عِلْوَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَوْلَجَ بْنِ عِمْلَاقَ بْنِ لَاوُذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَقِيلَ: كَانَ أَخَا الضَّحَّاكِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مِصْرَ، وَكَانَتْ سَارَةُ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَجْهًا، وَكَانَتْ لَا تَعْصِي إِبْرَاهِيمَ شَيْئًا، فَلَمَّا وُصِفَتْ لِفِرْعَوْنَ أَرْسَلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، يَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ، وَتَخَوَّفَ إِنْ قَالَ هِيَ امْرَأَتِي أَنْ يَقْتُلَهُ. فَقَالَ لَهُ: زَيِّنْهَا وَأَرْسِلْهَا إِلَيَّ. فَأَمَرَ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ، فَتَزَيَّنَتْ، وَأَرْسَلَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَهْوَى بِيَدِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ أَرْسَلَهَا قَامَ يُصَلِّي، فَلَمَّا أَهْوَى إِلَيْهَا أُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ لَهُ، فَأُرْسِلَ فَأَهْوَى إِلَيْهَا، فَأُخِذَ أَخْذًا شَدِيدًا، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ لَهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَ الْمَرَّتَيْنِ، فَدَعَا أَدْنَى حُجَّابِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ وَإِنَّكَ أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ! أَخْرِجْهَا، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، فَفَعَلَ، فَأَقْبَلَتْ بِهَاجَرَ، فَلَمَّا أَحَسَّ إِبْرَاهِيمُ بِهَا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: مَهْيَمْ! فَقَالَتْ: كَفَى اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِينَ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ.
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، اثْنَتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ، وَقَوْلُهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] ، وَقَوْلُهُ فِي سَارَةَ: هِيَ أُخْتِي» .

ذِكْرُ وِلَادَةِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَمْلِهِ إِلَى مَكَّةَ

قِيلَ: كَانَتْ هَاجَرُ جَارِيَةً ذَاتَ هَيْئَةٍ فَوَهَبَتْهَا سَارَةُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَقَالَتْ: خُذْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُكَ مِنْهَا وَلَدًا، وَكَانَتْ سَارَةُ قَدْ مُنِعَتِ الْوَلَدَ حَتَّى أَسَنَّتْ، فَوَقَعَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى هَاجَرَ فَوَلَدَتْ إِسْمَاعِيلَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا اسْتَفْتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» ، يَعْنِي وِلَادَةَ هَاجَرَ.
فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ خَرَجَ بِهَا إِلَى الشَّامِ مِنْ مِصْرَ خَوْفًا مِنْ فِرْعَوْنَ، فَنَزَلَ السَّبْعَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَنَزَلَ لُوطٌ بِالْمُؤْتَفِكَةِ، وَهِيَ مِنَ السَّبْعِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدِ اتَّخَذَ بِالسَّبْعِ بِئْرًا وَمَسْجِدًا وَكَانَ مَاءُ الْبِئْرِ مَعِينًا طَاهِرًا، فَآذَاهُ أَهْلُ السَّبْعِ، فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ، فَنَضَبَ الْمَاءُ فَاتَّبَعُوهُ يَسْأَلُونَهُ الْعَوْدَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَعْطَاهُمْ سَبْعَةَ أَعْنُزٍ، وَقَالَ: إِذَا أَوْرَدْتُمُوهَا الْمَاءَ ظَهَرَ حَتَّى يَكُونَ مَعِينًا طَاهِرًا فَاشْرَبُوا مِنْهُ، وَلَا تَغْتَرِفْ مِنْهُ امْرَأَةٌ حَائِضٌ. فَخَرَجُوا بِالْأَعْنُزِ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى الْمَاءِ ظَهَرَ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهُ، إِلَى أَنْ غَرَفَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ طَامِثٌ فَعَادَ الْمَاءُ إِلَى الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ الرَّمْلَةِ، وَإِيلِيَا بِبَلَدٍ يُقَالُ لَهُ قَطُّ أَوْ قِطُّ.
قَالَ: فَلَمَّا وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ حَزِنَتْ سَارَةُ حُزْنًا شَدِيدًا، فَوَهَبَهَا اللَّهُ إِسْحَاقَ، وَعُمُرُهَا سَبْعُونَ سَنَةً، فَعُمُرُ إِبْرَاهِيمَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَلَمَّا كَبِرَ إِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ اخْتَصَمَا، فَغَضِبَتْ سَارَةُ عَلَى هَاجَرَ فَأَخْرَجَتْهَا، ثُمَّ أَعَادَتْهَا، فَغَارَتْ مِنْهَا فَأَخْرَجَتْهَا، وَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا بَضْعَةً، فَتَرَكَتْ أَنْفَهَا وَأُذُنَهَا لِئَلَّا تَشِينَهَا، ثُمَّ خَفَضَتْهَا، فَمِنْ ثَمَّ خَفْضُ النِّسَاءِ.
وَقِيلَ: كَانَ إِسْمَاعِيلُ صَغِيرًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَتْهَا سَارَةُ غَيْرَةً مِنْهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَتْ سَارَةُ: لَا تُسَاكِنُنِي فِي بَلَدٍ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَأْتِيَ بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ بِهَا يَوْمَئِذٍ نَبْتٌ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ فَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ بِمَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَلَمَّا مَضَى نَادَتْهُ هَاجَرُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَتْرُكَنَا بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا زَرْعٌ، وَلَا ضَرْعٌ، وَلَا مَاءٌ، وَلَا زَادٌ، وَلَا أَنِيسٌ؟ قَالَ: رَبِّي أَمَرَنِي. قَالَتْ: فَإِنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَنَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] الْآيَةَ.
فَلَمَّا ظَمِئَ إِسْمَاعِيلُ جَعَلَ يَدْحَضُ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ، فَانْطَلَقَتْ هَاجَرُ حَتَّى صَعِدَتِ الصَّفَا لِتَنْظُرَ هَلْ تَرَى شَيْئًا فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَانْحَدَرَتْ إِلَى الْوَادِي فَسَعَتْ حَتَّى أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَاسْتَشْرَفَتْ هَلْ تَرَى شَيْئًا فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَذَلِكَ أَصْلُ السَّعْيِ، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ يَدْحَضُ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْهِ وَقَدْ نَبَعَتِ الْعَيْنُ، وَهِيَ زَمْزَمُ، فَجَعَلَتْ تَفْحَصُ الْأَرْضَ بِيَدِهَا عَنِ الْمَاءِ، وَكُلَمَّا اجْتَمَعَ أَخَذَتْهُ وَجَعَلَتْهُ فِي سِقَائِهَا. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَرْحَمُهَا اللَّهُ! لَوْ تَرَكَتْهَا لَكَانَتْ عَيْنًا سَائِحَةً» .
وَكَانَتْ جُرْهُمُ بِوَادٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ وَلَزِمَتِ الطَّيْرُ الْوَادِيَ حِينَ رَأَتِ الْمَاءَ، فَلَمَّا رَأَتْ جُرْهُمُ الطَّيْرَ لَزِمَتِ الْوَادِيَ، قَالُوا: مَا لَزِمَتْهُ إِلَّا وَفِيهِ مَاءٌ، فَجَاءُوا إِلَى هَاجَرَ، فَقَالُوا: لَوْ شِئْتِ لَكُنَّا مَعَكِ فَآنَسْنَاكِ وَالْمَاءُ مَاؤُكِ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَكَانُوا مَعَهَا حَتَّى شَبَّ إِسْمَاعِيلُ وَمَاتَتْ هَاجَرُ، فَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ امْرَأَةً مِنْ جُرْهُمَ فَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ هُوَ وَأَوْلَادُهُ، فَهُمُ الْعَرَبُ الْمُتَعَرِّبَةُ.
وَاسْتَأْذَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ أَنْ يَأْتِيَ هَاجَرَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَلَا يَنْزِلَ، فَقَدِمَ وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ، فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: لَيْسَ هَهُنَا، ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ. وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ يَتَصَيَّدُ، ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: لَيْسَ عِنْدِي ضِيَافَةٌ وَمَا عِنْدِي أَحَدٌ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ، وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ.
وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ، وَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ فَوَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ أَحَدٌ؟
قَالَتْ: جَاءَنِي شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ، قَالَ: فَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ: أَقْرِئِي زَوْجَكِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ أُخْرَى.
فَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ. فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ لِيَتَصَيَّدَ وَهُوَ يَجِيءُ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهَا: فَعِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكِ خُبْزٌ، أَوْ بُرٌّ، أَوْ شَعِيرٌ، أَوْ تَمْرٌ؟ قَالَ: فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ، وَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئَذٍ بِخُبْزٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ لَكَانَتْ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتِ: انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ. فَلَمْ يَنْزِلْ. فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ بِالْإِنَاءِ فَوَضَعَتْهُ عِنْدَ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمِهِ فِيهِ، فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ حَوَّلَتِ الْمَقَامَ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَفَعَلَتْ بِهِ كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ عَنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ.
فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، شَيْخٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، فَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا. وَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ، وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمِهِ، وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ. قَالَ: ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَنْبَعَ الْمَاءَ جَبْرَائِيلُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ إِلَى هَاجَرَ وَهِيَ تَسْعَى فِي الْوَادِي فَسَمِعَتْ حِسَّهُ فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَنِي فَأَغِثْنِي فَقَدْ هَلَكْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي. فَجَاءَ بِهَا إِلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ، فَفَارَتْ عَيْنًا، فَتَعَجَّلَتْ، فَجَعَلَتْ تَفْرَغُ فِي شَنِّهَا. فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي الظَّمَأَ.

ذِكْرُ عِمَارَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ

قِيلَ: ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعًا فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجُ، وَهِيَ اللَّيِّنَةُ الْهُبُوبِ، لَهَا رَأْسَانِ، فَسَارَ مَعَهَا إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَتَطَوَّتْ عَلَيْهِ كَطَيِّ الْحُجْفَةِ، فَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ.
وَقِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ مِثْلَ الْغَمَامَةِ لَهُ رَأْسٌ فَكَلَّمَهُ وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، ابْنِ عَلَى ظِلِّي، أَوْ عَلَى قَدْرِي، وَلَا تَزِدْ، وَلَا تَنْقُصْ، فَبَنَى. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ نُقِلَا عَنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ هُوَ جَبْرَائِيلُ.
فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا وَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ وَرَاءَ زَمْزَمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَى بِنَائِهِ. قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلُ. فَقَامَ مَعَهُ فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ. ثُمَّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: إِيتِنِي بِحَجَرٍ حَسَنٍ أَضَعُهُ عَلَى الرُّكْنِ فَيَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَمًا. فَنَادَاهُ أَبُو قُبَيْسٍ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً، وَقِيلَ: بَلْ جَبْرَائِيلُ أَخْبَرَهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ، وَكَانَا كُلَمَّا بَنَيَا دَعَوَا اللَّهَ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .
فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ قَامَ عَلَى حَجَرٍ، وَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكَمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ! فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا مِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ مِمَّنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَحُجَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأُجِيبَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ! ثُمَّ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ مَعَهُ إِلَى التَّرْوِيَةِ فَنَزَلَ بِهِ مِنًى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِهِمْ هُنَاكَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، ثُمَّ رَاحَ بِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى الْأَرَاكِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَجَمَعَ بِهَا الصَّلَاتَيْنِ الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ يُرِيهِ، وَيُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَصْنَعُ، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَأَرَاهُ الْمَنْحَرَ، ثُمَّ نَحَرَ وَحَلَقَ، وَأَرَاهُ كَيْفَ يَطُوفُ، ثُمَّ عَادَ بِهِ إِلَى مِنًى لِيُرِيَهُ كَيْفَ رَمْيُ الْجِمَارِ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «أَنَّ جَبْرَائِيلَ هُوَ الَّذِي أَرَى إِبْرَاهِيمَ كَيْفَ يَحُجُّ» ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ.
وَلَمْ يَزَلِ الْبَيْتُ عَلَى مَا بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – إِلَى أَنْ هَدَمَتْهُ قُرَيْشٌ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ذِكْرُ قِصَّةِ الذَّبْحِ

وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الذَّبِيحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِسْحَاقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كِلَا الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا صَحِيحٌ لَمْ نَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ فَقَدْ رَوَى الْأَحْنَفُ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ: « {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] هُوَ إِسْحَاقُ» ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْعَبَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ فَقَدَ رَوَى الصُّنَابِحِيُّ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَذَكَرُوا الذَّبِيحَ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُمْ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عُدَّ عَلَيَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ، فَضَحِكَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ، وَمَا الذَّبِيحَانِ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ إِنْ سَهَّلَ اللَّهُ حَفْرَ زَمْزَمَ أَنْ يَذْبَحَ أَحَدَ أَوْلَادِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَفَدَاهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ» ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالذَّبِيحُ الثَّانِي إِسْمَاعِيلُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِسْحَاقُ
ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ عِكْرِمَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَعْبٌ، وَابْنُ سَابِطٍ، وَابْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، وَمَسْرُوقٌ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
حَدَّثَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَبِي أَسِيدِ بْنِ أَبِي جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَ إِسْحَاقَ قَالَ الشَّيْطَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَفْتَتِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، فَتَمَثَّلَ رَجُلًا يَعْرِفُونَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ دَخَلَ عَلَى سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أَصْبَحَ إِبْرَاهِيمُ غَادِيًا بِإِسْحَاقَ؟ قَالَتْ: لِبَعْضِ حَاجَتِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّمَا غَدَا بِهِ لِيَذْبَحَهُ! قَالَتْ سَارَةُ: لَمْ يَكُنْ لِيَذْبَحَ وَلَدَهُ. قَالَ الشَّيْطَانُ: بَلَى وَاللَّهِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ. قَالَتْ سَارَةُ: فَهَذَا أَحْسَنُ أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ، فَأَدْرَكَ إِسْحَاقَ وَهُوَ مَعَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَكَ. قَالَ إِسْحَاقُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ. قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ إِسْحَاقُ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِذَلِكَ لَيُطِيعَنَّهُ! فَتَرَكَهُ وَلَحِقَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَيْنَ أَصْبَحْتَ غَادِيًا بِابْنِكَ؟ قَالَ: لِبَعْضِ حَاجَتِي. قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّمَا تُرِيدُ ذَبْحَهُ! قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ.
فَلَمَّا أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ أَعْفَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَفَدَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْحَاقَ: إِنِّي مُعْطِيكَ دَعْوَةً أَسْتَجِيبُ لَكَ فِيهَا. قَالَ إِسْحَاقُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ.
قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ يَقُولُونَ يَا إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، فَبِمَ نَالُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَعْدِلْ بِي شَيْئًا قَطُّ إِلَّا اخْتَارَنِي، وَإِنَّ إِسْحَاقَ جَادَ لِي بِالذَّبْحِ وَهُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَجْوَدُ، وَإِنَّ يَعْقُوبَ كُلَمَّا زِدْتُهُ بَلَاءً زَادَنِي حُسْنَ ظَنٍّ بِي.
(أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَجَارِيَةُ بِالْجِيمِ) .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ: زَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ.
وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ، وَالشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ مِنْ بَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ، وَإِنَّا لِنَجِدُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَبْحِهِ ابْنَهُ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ فَرَغَ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ مِنِ ابْنِي إِبْرَاهِيمَ قَالَ: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] ، وَيَقُولُ: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا} [الصافات: 112] ، {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] بِابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ، وَلَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ – عَزَّ وَجَلَّ – مَا وَعَدَهُ، وَمَا الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ لِعُمُرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِيهِ وَإِنِّي لَأُرَاهُ كَمَا قُلْتَ.

 

ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِالذَّبْحِ وَصِفَةِ الذَّبْحِ

قِيلَ: أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – بِذَبْحِ ابْنِهِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا ذَكَرًا صَالِحًا، فَقَالَ: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] . فَلَمَّا بَشَّرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ قَالَ: إِذَنْ هُوَ ذَبِيحٌ. فَلَمَّا وُلِدَ الْغُلَامُ وَبَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قِيلَ لَهُ: أَوْفِ نَذْرَكَ الَّذِي نَذَرْتَ. وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ، وَقَائِلُ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالشَّامِ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ إِيلِيَا. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ فَيَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِابْنِهِ حِينَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ: يَا بُنَيَّ، خُذِ الْحَبْلَ وَالْمُدْيَةَ ثُمَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا الشِّعْبِ لِنَحْتَطِبَ لِأَهْلِكَ. فَلَمَّا تَوَجَّهَ اعْتَرَضَهُ إِبْلِيسُ لِيَصُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَوَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِأَمْرِ اللَّهِ! فَاعْتَرَضَ إِسْمَاعِيلَ فَأَعْلَمَهُ مَا يُرِيدُ إِبْرَاهِيمُ يَصْنَعُ بِهِ، فَقَالَ: سَمْعًا لِأَمْرِ رَبِّي وَطَاعَةً. فَذَهَبَ إِلَى هَاجَرَ فَأَعْلَمَهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ رَبُّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ. فَرَجَعَ بِغَيْظِهِ لَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ شَيْئًا.
فَلَمَّا خَلَا إِبْرَاهِيمُ بِالشِّعْبِ، وَهُوَ شِعْبُ ثَبِيرٍ، قَالَ لَهُ: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] .
ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَتِ إِنْ أَرَدْتَ ذَبْحِي فَاشْدُدْ رِبَاطِي لَا يُصِبْكَ مِنْ دَمِي شَيْءٌ فَيَنْتَقِصَ أَجْرِي، فَإِنَّ الْمَوْتَ شَدِيدٌ، وَاشَحَذْ شَفْرَتَكَ حَتَّى تُرِيحَنِي، فَإِذَا أَضْجَعْتَنِي فَكُبَّنِي عَلَى وَجْهِي فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ نَظَرْتَ فِي وَجْهِي أَنَّكَ تُدْرِكُ رَحْمَةً فَتَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّ قَمِيصِي إِلَى هَاجَرَ أُمِّي فَعَسَى أَنْ يَكُونَ أَسْلَى لَهَا عَنِّي، فَافْعَلْ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: نِعْمَ الْمُعِينُ أَنْتَ، أَيْ بُنَيَّ، عَلَى أَمْرِ اللَّهِ!
فَرَبَطَهُ كَمَا أَمَرَهُ، ثُمَّ حَدَّ شَفْرَتَهُ {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] ، ثُمَّ أَدْخَلَ الشَّفْرَةَ لِحَلْقِهِ، فَقَلَبَهَا اللَّهُ لِقَفَاهَا، ثُمَّ اجْتَذَبَهَا إِلَيْهِ لِيَفْرُغَ مِنْهُ، فَنُودِيَ: {أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104] ، هَذِهِ ذَبِيحَتُكَ فِدَاءً لِابْنِكَ فَاذْبَحْهَا.
وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَحِيفَةَ نُحَاسٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْشٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَدْ رَعَى فِيهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَقِيلَ: هُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هَابِيلُ، وَقَالَ عَلِيٌّ – عَلَيْهِ السَّلَامُ -: كَانَ كَبْشًا أَقْرَنَ أَعْيَنَ أَبْيَضَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا فُدِيَ إِسْمَاعِيلُ إِلَّا بِتَيْسٍ مِنَ الْأَرْوَى هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ فَذَبَحَهُ، قِيلَ بِالْمَقَامِ، وَقِيلَ: بِمِنًى فِي الْمَنْحَرِ.

ذِكْرُ مَا امْتَحَنَ اللَّهُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ

بَعْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِمَا كَانَ مِنْ نُمْرُودَ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ رَجَا نَفْعَهُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِهِنَّ فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] .
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] : لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ بِهَذَا الدِّينِ فَأَقَامَهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ اللَّهُ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] ، قَالَ: وَالْكَلِمَاتُ عَشْرٌ فِي ” بَرَاءَةٌ “، وَهِيَ: {الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} [التوبة: 112] الْآيَةَ، وَعَشْرٌ فِي ” الْأَحْزَابِ “، وَهِيَ {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] الْآيَةَ، وَعَشْرٌ فِي ” الْمُؤْمِنِينَ ” مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34] . وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَشْرُ خِصَالٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ: الْكَلِمَاتُ عَشْرٌ، وَهِيَ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ شَعَرِ الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، وَهِيَ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] وَهُوَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ، وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ سِتَّةٌ، وَهِيَ: الْكَوَاكِبُ، وَالْقَمَرُ، وَالشَّمْسُ، وَالنَّارُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْخِتَانُ.
وَذَبْحُ ابْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، قَالَ: ابْتَلَاهُ بِذَلِكَ فَعَرَفَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ فَوَجَّهَ وَجْهَهُ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهَاجَرَ مِنْ وَطَنِهِ، وَأَرَادَ ذَبْحَ ابْنِهِ وَخَتَنَ نَفْسَهُ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي التَّارِيخِ الْمُخْتَصَرِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْقَدْرَ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ فُصُولِ الْكِتَابِ.

ذِكْرُ عَدُوِّ اللَّهِ نُمْرُودَ وَهَلَاكِهِ

وَنَرْجِعُ الْآنَ إِلَى خَبَرِ عَدُوِّ اللَّهِ نُمْرُودَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فِي دُنْيَاهُ، وَتَمَرُّدِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُ، وَكَانَ أَوَّلَ جَبَّارٍ فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ إِحْرَاقُهُ إِبْرَاهِيمَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، فَأَخْرَجَ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – مِنْ مَدِينَتِهِ وَحَلَفَ أَنَّهُ يَطْلُبُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ أَرْبَعَةَ أَفْرُخِ نُسُورٍ فَرَبَّاهُنَّ بِاللَّحْمِ، وَالْخَمْرِ حَتَّى كَبِرْنَ، وَغَلُظْنَ، فَقَرَنَهُنَّ بِتَابُوتٍ وَقَعَدَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ فَأَخَذَ مَعَهُ رَجُلًا وَمَعَهُ لَحْمٌ لَهُنَّ، فَطِرْنَ بِهِ حَتَّى إِذَا ذَهَبْنَ أَشْرَفَ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ فَرَأَى الْجِبَالَ تَدِبُّ كَالنَّمْلِ، ثُمَّ رَفَعَ لَهُنَّ اللَّحْمَ وَنَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَآهَا يُحِيطُ بِهَا بَحْرٌ كَأَنَّهَا فَلَكٌ فِي مَاءٍ، ثُمَّ رَفَعَ طَوِيلًا فَوَقَعَ فِي ظُلْمَةٍ فَلَمْ يَرَ مَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ، فَفَزِعَ وَأَلْقَى اللَّحْمَ، فَاتَّبَعَتْهُ النُّسُورُ مُنْقَضَّاتٍ، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْجِبَالُ إِلَيْهِنَّ وَقَدْ أَقْبَلْنَ مُنْقَضَّاتٍ وَسَمِعْنَ حَفِيفَهُنَّ فَزِعَتِ الْجِبَالُ وَكَادَتْ تَزُولُ وَلَمْ يَفْعَلْنَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] . وَكَانَتْ طَيْرُورَتُهُنَّ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوُقُوعُهُنَّ فِي جَبَلِ الدُّخَانِ.
فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقُ شَيْئًا أَخَذَ فِي بُنْيَانِ الصَّرْحِ فَبَنَاهُ حَتَّى عَلَا وَارْتَقَى فَوْقَهُ يَنْظُرُ إِلَى إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ بِزَعْمِهِ وَأَحْدَثَ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ، وَأَخَذَ اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ مِنْ أَسَاسِ الصَّرْحِ فَسَقَطَ وَتَبَلْبَلَتِ الْأَلْسُنُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، وَكَانَ لِسَانُ النَّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ سُرْيَانِيًّا.
هَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الطَّبْعَ الْبَشَرِيَّ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ – صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ – وَهُمْ أَكْثَرُ اتِّصَالًا بِالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَأَشْرَفُ أَنْفُسًا، وَمَعَ هَذَا فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَبُولُونَ وَيَتَغَوَّطُونَ، فَلَوْ نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَى
لِشَرَفِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَ لِكَثْرَةِ مُلْكِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مُسْتَقِلًّا، وَلَوْ مَلَكَ مُسْتَقِلًّا لَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ أَكْثَرَ مُلْكًا مِنْهُ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَى نُمْرُودَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكًا يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَبَى، وَقَالَ: أَرَبٌّ غَيْرِي؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: اجْمَعْ جُمُوعَكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَجَمَعَ جُمُوعَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَرَوْهَا مِنْ كَثْرَتِهَا فَبَعَثَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَكَلَتْهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْعِظَامُ، وَالْمَلِكُ كَمَا هُوَ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ فَمَكَثَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالْمَطَارِقِ فَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ يَجْمَعُ يَدَيْهِ وَيَضْرِبُ بِهِمَا رَأْسَهُ، وَكَانَ مُلْكُهُ ذَلِكَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَمَاتَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الصَّرْحَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّ نُمْرُودَ بْنَ كَنْعَانَ مَلَكَ مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغْرِبَهَا، وَهَذَا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، وَأَخْبَارِ الْمُلُوكِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ مَوْلِدَ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أَيَّامَ الضَّحَّاكِ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْضَ أَخْبَارِهِ فِيمَا مَضَى، وَأَنَّهُ كَانَ مَلَكَ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّ الضَّحَّاكَ الَّذِي مَلَكَ الْأَرْضَ هُوَ نُمْرُودُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِينَ يَذْكُرُونَ أَنَّ نَسَبَ نُمْرُودَ فِي النَّبَطِ مَعْرُوفٌ، وَأَنَّ نَسَبَ الضَّحَّاكِ فِي الْفُرْسِ مَشْهُورٌ، وَإِنَّمَا الضَّحَّاكُ اسْتَعْمَلَ نُمْرُودَ عَلَى السَّوَادِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَجَعَلَهُ وَوَلَدَهُ عُمَّالًا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هُوَ يَتَنَقَّلُ فِي الْبِلَادِ، وَكَانَ وَطَنُهُ وَوَطَنُ أَجْدَادِهِ دُنْبَاوَنْدَ مِنْ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ، وَهُنَاكَ رَمَى بِهِ أَفْرِيدُونُ حِينَ ظَفِرَ بِهِ، وَكَذَلِكَ بُخْتُنَصَّرُ.
ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ إِصْبَهْبَذَ مَا بَيْنَ الْأَهْوَازَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ مِنْ غَرْبِيِّ دِجْلَةَ مِنْ قِبَلِ لَهُرَاسِبَ، لِأَنَّ لَهُرَاسِبَ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِتَالِ
التُّرْكِ مُقِيمًا بِإِزَائِهِمْ بِبَلْخَ، وَهُوَ بَنَاهَا لَمَّا تَطَاوَلَ مَقَامُهُ هُنَاكَ لِحَرْبِ التُّرْكِ، وَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنَ النَّبَطِ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَقِلًّا بِرَأْسِهِ فَكَيْفَ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا؟ ! وَإِنَّمَا تَطَاوَلَتْ مُدَّةُ نُمْرُودَ بِالسَّوَادِ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ دَخَلَ مِنْ نَسْلِهِ بَعْدَ هَلَاكِهِ جِيلٌ يُقَالُ لَهُ نَبَطُ بْنُ قَعُودٍ مَلَكَ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ كَدَاوُصُ بْنُ نَبَطٍ ثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَالَشُ بْنُ كَدَاوُصَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ نُمْرُودُ بْنُ بَالَشَ سَنَةً وَشَهْرًا، فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسَنَةٌ وَشَهِدَ أَيَّامَ الضَّحَّاكِ، وَظَنَّ النَّاسُ فِي نُمْرُودَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا مَلَكَ أَفْرِيدُونُ وَقَهَرَ الِازْدِهَاقَ قَتَلَ نُمْرُودَ بْنَ بَالَشَ وَشَرَّدَ النَّبَطَ وَقَتَلَ فِيهِمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *