ذِكْرُ أَوَّلِ عَرْضِ رَسُولِ اللَّهِ نَفْسَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ وَإِسْلَامِهِمْ

ذِكْرُ أَوَّلِ عَرْضِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نَفْسَهُ عَلَى الْأَنْصَارِ وَإِسْلَامِهِمْ

فَقَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ مِنَ الْأَوْسِ مَكَّةَ حَاجًّا وَمُعْتَمِرًا، وَكَانَ يُسَمَّى الْكَامِلَ لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَى … مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْرِي
مَقَالَتُهُ كَالشَّحْمِ مَا كَانَ شَاهِدًا … وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النَّحْرِ
يَسُرُّكَ بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيمِهِ … نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقِبَ الظَّهْرِ
تُبِينُ لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ … وَمَا جُنَّ بِالْبَغْضَاءِ وَالنَّظَرِ الشَّزْرِ
فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طَالَمَا قَدْ بَرَيْتَنِي … فَخَيْرُ الْمَوَالِي مَنْ يَرِيشُ وَلَا يَبْرِي
فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَهُ الْخَزْرَجُ، قُتِلَ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ: قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ.
(بُعَاثُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ)
وَقَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ مَكَّةَ مَعَ فِتْيَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسٌ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْنَا لَهُ. فَضَرَبَ وَجْهَهُ أَبُو الْحَيْسَرِ بِحَفْنَةٍ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَلَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا فَسَكَتَ إِيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَلَمْ يَلْبَثْ إِيَاسٌ أَنْ هَلَكَ، فَسَمِعَهُ قَوْمُهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا.

ذِكْرُ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَإِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ

فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِنْجَازَ وَعْدِهِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَقَدْ كَانَتْ يَهُودُ مَعَهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَهْلَ أَوْثَانٍ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ تَقُولُ الْيَهُودُ: إِنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ. فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ الْيَهُودُ، فَأَجَابُوهُ وَصَدَّقُوهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ بَيْنَ قَوْمِنَا شَرًّا، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ بِكَ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ، كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ، كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدِ بْنِ سَوَادٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ – سَلِمَةُ هَذَا بِكَسْرِ اللَّامِ – وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ مِنْ بَنِي غَنْمٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيَابٍ مِنْ بَنِي عُبَيْدَةَ.
(رِيَابٌ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِ وَالْيَاءِ الْمُوَحَّدَةِ) .
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذَكَرُوا لَهُمُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَلَقُوهُ بِالْعَقَبَةِ، وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ، وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ ابْنَا الْحَارِثِ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَجْلَانَ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزَمَةَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ بَلِيٍّ حَلِيفٍ لَهُمْ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ مِنْ بَنِي سَالِمٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَهَؤُلَاءِ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَشَهِدَهَا مِنَ الْأَوْسِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ.
فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَبَعَثَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ، فَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَخَرَجَ بِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَجَلَسَ فِي دَارِ بَنِي ظَفَرٍ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَسَمِعَ بِهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُمَا سَيِّدَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأُسَيْدٍ: انْطَلِقْ إِلَى هَذَيْنِ الَّذِينَ أَتَيَا دَارَنَا فَانْهَهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ ابْنُ خَالَتِي، كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، فَأَخَذَ أُسَيْدٌ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَا عَنَّا. فَقَالَ مُصْعَبٌ: أَوْ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ! فَقَالَ أَنْصَفْتَ. ثُمَّ جَلَسَ إِلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجَلَّهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثِيَابَكَ ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنْ تَبِعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْكُمَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا، سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ.
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوِمِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدٌ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ! فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا لِخَوْفِهِ مِمَّا ذَكَرَ لَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا مُطْمَئِنَّيْنِ عَرَفَ مَا أَرَادَ أُسَيْدٌ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي. فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعُ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ! فَعَرَضَ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ فَقَالَا لَهُ مَا قَالَا لِأُسَيْدٍ، فَأَسْلَمَ وَتَطَهَّرَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي مِنْكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا. قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً.
وَرَجَعَ مُصْعَبٌ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٌ، فَإِنَّهُمْ أَطَاعُوا أَبَا قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، وَعَادَ مُصْعَبٌ إِلَى مَكَّةَ.
(أُسَيْدٌ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ السِّينِ، وَحُضَيْرٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَسْكِينِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَفِيِ آخِرِهِ رَاءٌ) .

ذِكْرُ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ

لَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ فِي الْأَنْصَارِ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُسْتَخْفِينَ لَا يَشْعُرُ بِهِمْ أَحَدٌ، فَسَارُوا إِلَى مَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ كُفَّارِ قَوْمِهِمْ وَاجْتَمَعُوا بِهِ وَوَاعَدُوهُ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِالْعَقَبَةِ.
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجُوا بَعْدَ مُضِيِّ ثُلُثِهِ، مُسْتَخْفِينَ يَتَسَلَّلُونَ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِالْعَقَبَةِ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، مَعَهُمُ امْرَأَتَانِ: نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍأُمُّ عُمَارَةَ وَأَسْمَاءُ أُمُّ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ كَافِرٌ أَحَبَّ أَنْ يَتَوَثَّقَ لِابْنِ أَخِيهِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَزْرَجَ وَالْأَوْسَ بِهِ، إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ فَأَنْتُمْ وَذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ.
فَقَالَ الْأَنْصَارُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ وَرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ.
فَتَكَلَّمَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَالَ: «تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ» .
ثُمَّ أَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَهْلُ الْحَرْبِ.
فَاعْتَرَضَ الْكَلَامَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، يَعْنِي الْيَهُودَ، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَظْهَرَكَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ .
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ: بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” «أَخْرِجُوا إِلَيَّ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ» “، فَأَخْرَجُوهُمْ تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ.
وَقَالَ لَهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الْآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَايَعُوهُ.
وَمَا قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ إِلَّا لِيَشُدَّ الْعَقْدَ لَهُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: بَلْ قَالَهُ لِيُؤَخِّرَ الْأَمْرَ لِيَحْضُرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَيَكُونَ أَقْوَى لِأَمْرِ الْقَوْمِ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَقِيلَ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَقِيلَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ. ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ فَبَايَعُوا، فَلَمَّا بَايَعُوهُ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ، هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! ” ثُمَّ قَالَ: ” ارْفُضُوا إِلَى رِحَالِكُمْ ” فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ غَدًا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا. فَقَالَ: ” لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ “، فَرَجَعُوا.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَاءَهُمْ جُلَّةُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا تَسْتَخْرِجُونَهُ وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْحَرْبُ مِنْكُمْ. فَحَلَفَ مَنْ هُنَالِكَ مِنْ مُشْرِكِي الْأَنْصَارِ مَا كَانَ هَذَا شَيْءٌ.
فَلَمَّا سَارَ الْأَنْصَارُ مِنْ مَكَّةَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ! قَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا أَسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ فِي صَلَاتِي. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَسْتَقْبِلُ الشَّامَ، فَنَحْنُ لَا نُخَالِفُهُ، فَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَقَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا. فَرَجَعَ إِلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ. فَلَمَّا بَايَعُوهُ وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ قُدُومُهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ، وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقَدَمِهَا لِاثْنَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ.
وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ لَمَّا بَلَغَهُمْ إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، اشْتَدُّوا عَلَى مَنْ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَصُوا عَلَى أَنْ يَفْتِنُوهُمْ، فَأَصَابَهُمْ جُهْدٌ شَدِيدٌ، وَهِيَ الْفِتْنَةُ الْآخِرَةُ، وَأَمَّا الْأُولَى فَكَانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ.
وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ فِي هَذِهِ الْعَقَبَةِ عَلَى غَيْرِ الشُّرُوطِ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْأُولَى كَانَتْ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَهَذِهِ الْبَيْعَةُ كَانَتْ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ.
ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَصْحَابَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ قَبْلَ الْبَيْعَةِ بِسَنَةٍ، ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ مَعَ امْرَأَتِهِ لَيْلَى ابْنَةِ أَبِي حَثْمَةَ! ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَمَعَهُ أَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ وَجَمِيعُ أَهْلِهِ، فَأُغْلِقَتْ دَارُهُمْ، وَتَتَابَعَ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ هَاجَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَنَزَلَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إِلَى عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَنَّهَا لَا تَسْتَظِلُّ وَلَا تَمْتَشِطُ. فَرَقَّ لَهَا وَعَادَ. وَتَتَابَعَ الصَّحَابَةُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *