ذِكْرُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ وَوَفَاةِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

ذِكْرُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ وَوَفَاةِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى – عَلَيْهِ السَّلَامُ – أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرِيحَا بَلَدِ الْجَبَّارِينَ، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَسَارُوا حَتَّى كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ مُوسَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ سَائِرِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسَارُوا لِيَأْتُوا بِخَبَرِ الْجَبَّارِينَ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ يُقَالُ لَهُ عَوْجُ بْنُ عِنَاقٍ فَأَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَحَمَلَهُمْ وَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا، وَأَرَادَ أَنْ يَطَأَهُمْ بِرِجْلِهِ، فَمَنَعَتْهُ امْرَأَتُهُ، وَقَالَتْ: أَطْلِقْهُمْ لِيَرْجِعُوا وَيُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِخَبَرِ هَؤُلَاءِ لَا يَقْدَمُوا عَلَيْهِمْ، فَاكْتُمُوا الْأَمْرَ عَنْهُمْ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَرَجَعُوا، فَنَكَثَ عَشَرَةٌ مِنْهُمُ الْعَهْدَ وَأَخْبَرُوا بِمَا رَأَوْا، وَكَتَمَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ، وَهَمَا: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا خَتَنُ مُوسَى، وَلَمْ يُخْبِرُوا إِلَّا مُوسَى وَهَارُونَ، فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْخَبَرَ عَنِ الْجَبَّارِينَ امْتَنَعُوا عَنِ الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ – قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ – قَالَ رَجُلَانِ} [المائدة: 21 – 23]- وَهُمَا يُوشَعُ، وَكَالَبُ – {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ – قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 23 – 24] .
فَغَضِبَ مُوسَى، فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] ، وَكَانَتْ عَجَلَةً مِنْ مُوسَى. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 26] . فَنَدِمَ مُوسَى حِينَئِذٍ. فَقَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ لَنَا بِالطَّعَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
فَأَمَّا الْمَنُّ فَقِيلَ هُوَ كَالصَّمْغِ وَطَعْمُهُ كَالشَّهْدِ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ، وَقِيلَ: هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقِيلَ: هُوَ الْخُبْزُ الرِّقَاقُ، وَقِيلَ: هُوَ عَسَلٌ كَانَ يَنْزِلُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ صَاعٌ، وَأَمَّا السَّلْوَى فَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى. فَقَالُوا: أَيْنَ الشَّرَابُ؟ فَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 60] لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ. فَقَالُوا: أَيْنَ الظِّلُّ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فَقَالُوا: أَيْنَ اللِّبَاسُ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَزَّقُ لَهُمْ ثَوْبٌ. ثُمَّ قَالُوا: {يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] . فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ رُفِعَ عَنْهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.
ثُمَّ إِنَّ مُوسَى الْتَقَى هُوَ وَعَوْجُ بْنُ عِنَاقٍ، فَوَثَبَ مُوسَى عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَتْ عَصَاهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَ طُولُهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، فَأَصَابَ كَعْبَ عَوْجٍ فَقَتَلَهُ. وَقِيلَ: عَاشَ عَوْجٌ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى: إِنِّي مُتَوَفٍّ هَارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقَا نَحْوَهُ فَإِذَا هُمْ فِيهِ بِشَجَرَةٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهَا وَفِيهِ بَيْتٌ مَبْنِيٌّ، وَسَرِيرٌ عَلَيْهِ فُرُشٌ، وَرِيحٌ طَيِّبَةٌ،
فَلَمَّا رَآهُ هَارُونُ أَعْجَبَهُ، قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنَامَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: نَمْ. قَالَ: إِنِّي أَخَافُ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ أَنْ يَأْتِيَ فَيَغْضَبَ عَلَيَّ. قَالَ مُوسَى: لَا تَخَفْ أَنَا أَكْفِيكَ. قَالَ: فَنَمْ مَعِي. فَلَمَّا نَامَا أَخَذَ هَارُونَ الْمَوْتُ، فَلَمَّا وَجَدَ حِسَّهُ قَالَ: يَا مُوسَى خَدَعْتَنِي! فَتُوُفِّيَ وَرُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ إِلَى السَّمَاءِ. وَرَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّكَ قَتَلْتَ هَارُونَ لِحُبِّنَا إِيَّاهُ. فَقَالَ: وَيَحْكَمُ أَفَتَرَوْنَ أَنِّي أَقْتُلُ أَخِي! فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ صَلَّى وَدَعَا اللَّهَ، فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَاتَ وَأَنَّ مُوسَى لَمْ يَقْتُلْهُ، فَصَدَّقُوهُ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي التِّيهِ.

ذِكْرُ وَفَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
قِيلَ: بَيْنَمَا مُوسَى – عَلَيْهِ السَّلَامُ – يَمْشِي وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَتَاهَ إِذْ أَقْبَلَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا يُوشَعُ ظَنَّ أَنَّهَا السَّاعَةُ، فَالْتَزَمَ مُوسَى، وَقَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَأَنَا مُلْتَزِمٌ نَبِيَّ اللَّهِ، فَاسْتُلَّ مُوسَى مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ وَبَقِيَ الْقَمِيصُ فِي يَدَيْ يُوشَعَ. فَلَمَّا جَاءَ يُوشَعُ بِالْقَمِيصِ أَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا: قَتَلْتَ نَبِيَّ اللَّهِ! فَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُ وَلَكِنَّهُ اسْتُلَّ مِنِّي. فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ. قَالَ: فَإِذَا لَمْ تُصَدِّقُونِي فَأَخِّرُونِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَوَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، فَدَعَا اللَّهَ، فَأَتَى كُلُّ رَجُلٍ كَانَ يَحْرُسُهُ فِي الْمَنَامِ فَأَخْبَرَ أَنَّ يُوشَعَ لَمْ يَقْتُلْ مُوسَى، وَأَنَّا قَدْ رَفَعْنَاهُ إِلَيْنَا، فَتَرَكُوهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى كَرِهَ الْمَوْتَ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيَرُوحُ، وَيَقُولُ لَهُ مُوسَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَمْ أَصْحَبْكَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، فَهَلْ كُنْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ؟ وَلَا يَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ كَرِهَ الْحَيَاةَ وَأَحَبَّ الْمَوْتَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مَرَّ مُنْفَرِدًا بِرَهْطٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفِرُونَ قَبْرًا، فَعَرَفَهُمْ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَ مَا فِيهِ مِنَ الْخُضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ، لِمَنْ تَحْفِرُونَ هَذَا الْقَبْرَ؟ فَقَالُوا: نَحْفِرُهُ لِعَبْدٍ كَرِيمٍ عَلَى رَبِّهِ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَهُ مَنْزِلٌ كَرِيمٌ مَا رَأَيْتُ مَضْجَعًا، وَلَا مَدْخَلًا مِثْلَهُ. فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَكَ؟ قَالَ: وَدِدْتُ. قَالُوا: فَانْزِلْ وَاضْطَجِعْ فِيهِ وَتَوَجَّهْ إِلَى رَبِّكَ وَتَنَفَّسْ أَسْهَلَ تَنَفُّسٍ تَتَنَفَّسُهُ. فَنَزَلَ فِيهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ، ثُمَّ تَنَفَّسَ، فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ، ثُمَّ سَوَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ التُّرَابَ.
وَكَانَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ يَسْتَظِلُّ فِي عَرِيشٍ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ نَقِيرٍ مِنْ حَجَرٍ تَوَاضُعًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مَلَكَ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَعَادَ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُحِبُّ الْمَوْتَ. قَالَ اللَّهُ: ارْجِعْ لَهُ وَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِ ثَوْرٍ وَلَهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ تَحْتَ يَدِهِ سَنَةٌ، وَخَيِّرْهُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الْآنَ. فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَخَيَّرَهُ، فَقَالَ لَهُ: فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْمَوْتُ. قَالَ: فَالْآنَ إِذَنْ. فَقَبَضَ رُوحَهُ» . وَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ قَدْ صَحَّ النَّقْلُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَكَانَ مَوْتُهُ فِي التِّيهِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: بَلْ هُوَ الَّذِي فَتَحَ مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ مُوسَى مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْ ذَلِكَ فِي مُلْكِ أَفْرِيدُونَ عِشْرُونَ، وَفِي مُلْكِ مِنُوجِهْرَ مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ فِي مُلْكِ مِنُوجِهْرَ.
ثُمَّ نُبِّئَ بَعْدَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَكَانَ فِي زَمَنِ مِنُوجِهْرَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَفِي زَمِنِ أَفْرَاسِيَابَ سَبْعَ سِنِينَ.

ذِكْرُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَتْحِ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ

لَمَّا تُوُفِّيَ بَعَثَ اللَّهُ يُوشَعَ بْنَ نُونِ بْنِ إِفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – نَبِيًّا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَرِيحَا مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَتْحِهَا عَلَى يَدِ مَنْ كَانَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُوسَى، وَهَارُونَ تُوُفِّيَا فِي التِّيهِ، وَتُوُفِّيَ فِيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَهُ، وَقَدْ جَاوَزَ الْعِشْرِينَ سَنَةً، غَيْرَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَكَالَبَ بْنِ يُوفَنَّا، فَلَمَّا انْقَضَى أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا وَفَتْحِهَا، فَفَتَحَهَا، وَمِثْلَهُ قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعِكْرِمَةُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ مُوسَى عَاشَ حَتَّى خَرَجَ مِنَ التِّيهِ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، وَعَلَى مَقْدَمَتِهِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَفَتَحَهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: سَارَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ لِقِتَالِ الْجَبَّارِينَ، فَقَدِمَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالَبُ بْنُ يُوفَنَّا، وَهُوَ صِهْرُهُ عَلَى أُخْتِهِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، فَلَمَّا بَلَغُوهَا اجْتَمَعَ الْجَبَّارُونَ إِلَى بُلْعُمَ بْنِ بَاعُورَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ لُوطٍ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ مُوسَى قَدْ جَاءَ لِيَقْتُلَنَا وَيُخْرِجَنَا مِنْ دِيَارِنَا فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ بُلْعُمُ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ أَدْعُو عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَمَعَهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! فَرَاجَعُوهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، فَأَتَوُا امْرَأَتَهُ وَأَهْدَوْا لَهَا هَدِيَّةً، فَقَبِلَتْهَا، وَطَلَبُوا إِلَيْهَا أَنْ تُحَسِّنَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَدْعُوَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: أَسْتَخِيرُ اللَّهَ. فَاسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى، فَنَهَاهُ فِي الْمَنَامِ، فَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ، فَقَالَتْ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَعَاوِدْ الِاسْتِخَارَةَ فَلَمْ يَرِدْ إِلَيْهِ جَوَابٌ. فَقَالَتْ: لَوْ أَرَادَ رَبُّكَ لَنَهَاكَ، وَلَمْ تَزَلْ تَخْدَعُهُ حَتَّى أَجَابَهُمْ، فَرَكِبَ حِمَارًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى جَبَلٍ مُشْرِفٍ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَقِفَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا سَارَ عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى رَبَضَ الْحِمَارُ، فَنَزَلَ عَنْهُ وَضَرَبَهُ حَتَّى قَامَ فَرَكِبَهُ فَسَارَ بِهِ قَلِيلًا فَبَرَكَ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ ضَرَبَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَنْطَقَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا بُلْعُمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ؟ أَمَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ تَرُدُّنِي؟ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأَطْلَقَ اللَّهُ الْحِمَارَ حِينَئِذٍ، فَسَارَ عَلَيْهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ يَنْصَرِفُ لِسَانُهُ إِلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ انْقَلَبَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ غَلَبَنَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ: الْآنَ قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّيَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْمَكْرِ وَالْحِيلَةِ.
وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُزَيِّنُوا نِسَاءَهُمْ وَيُعْطُوهُنَّ السِّلَعَ لِلْبَيْعِ وَيُرْسِلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَلَا تَمْنَعَ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِمَّنْ يُرِيدُهَا. وَقَالَ: إِنْ زَنَى مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ كُفِيتُمُوهُمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَدَخَلَ النِّسَاءُ عَسْكَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذَ رَمْزَى بْنُ شَلُومَ، وَهُوَ رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ بْنِ يَعْقُوبَ امْرَأَةً وَأَتَى بِهَا مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَظُنُّكَ تَقُولُ هَذَا حَرَامٌ فَوَاللَّهِ لَا نُطِيعُكَ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا خَيْمَتَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، وَكَانَ فَنْحَاصُ بْنُ الْعِزَارِ بْنِ هَارُونَ صَاحِبُ أَمْرِ عَمِّهِ مُوسَى غَائِبًا، فَلَمَّا جَاءَ رَأَى الطَّاعُونَ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأُخْبِرَ الْخَبَرَ، وَكَانَ ذَا قُوَّةٍ وَبَطْشٍ، فَقَصَدَ زَمْرَى فَرَآهُ وَهُوَ مُضَاجِعُ الْمَرْأَةِ، فَطَعَنَهَا بِحَرْبَةٍ فِي يَدِهِ فَانْتَظَمَهَا، وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، وَقَدْ هَلَكَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي بُلْعُمَ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] .
ثُمَّ إِنَّ مُوسَى قَدَّمَ يُوشَعَ إِلَى أَرِيحَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَخَلَهَا وَقَتَلَ بِهَا الْجَبَّارِينَ، وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، وَقَدْ قَارَبَتِ الشَّمْسُ الْغُرُوبَ، فَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ اللَّيْلُ فَيُعْجِزُوهُ، فَدَعَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْبِسَ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ، فَفَعَلَ وَحَبَسَهَا حَتَّى اسْتَأْصَلَهُمْ، وَدَخَلَهَا مُوسَى فَأَقَامَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، وَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ لَا يَعْلَمُ بِقَبْرِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ.
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يُوشَعَ بِالْمَسِيرِ إِلَى مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، فَسَارَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَفَارَقَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ بُلْعُمُ بْنُ بَاعُورَ، وَكَانَ يَعْرِفُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، وَسَاقَ مِنْ حَدِيثِهِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
فَلَمَّا ظَفِرَ يُوشَعُ بِالْجَبَّارِينَ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ الشَّمْسَ عَلَيْهِ وَزَادَ فِي النَّهَارِ سَاعَةً فَهَزَمَ الْجَبَّارِينَ وَدَخَلَ مَدْيَنَتَهُمْ، وَجَمَعَ غَنَائِمَهُمْ لِيَأْخُذَهَا الْقُرْبَانُ، فَلَمْ تَأْتِ النَّارُ، فَقَالَ يُوشَعُ: فِيكُمْ غُلُولٌ فَبَايِعُونِي، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُهُ فِي يَدِ مَنْ غَلَّ، فَأَتَاهُ بِرَأْسِ ثَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالْيَاقُوتِ فَجَعَلَهُ فِي الْقُرْبَانِ وَجَعَلَ الرَّجُلَ مَعَهُ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُمَا.
وَقِيلَ: بَلْ حَصَرَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّابِعُ تَقَدَّمُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَصَاحُوا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَسَقَطَ السُّورُ، فَدَخَلُوهَا وَهَزَمُوا الْجَبَّارِينَ، وَقَتَلُوا فِيهِمْ فَأَكْثَرُوا. ثُمَّ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُلُوكِ الشَّامِ، وَقَصَدُوا يُوشَعَ فَقَاتَلَهُمْ، وَهَزَمَهُمْ، وَهَرَبَ الْمُلُوكُ إِلَى غَارٍ، فَأَمَرَ بِهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَقُتِلُوا، وَصُلِبُوا. ثُمَّ مَلَكَ الشَّامَ جَمِيعَهُ فَصَارَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِيهِ. ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللَّهُ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالَبَ بْنَ يُوفَنَّا، وَكَانَ عُمُرُ يُوشَعَ مِائَةً وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ قِيَامُهُ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَى سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَأَمَّا مَنْ بَقِيَ مِنَ الْجَبَّارِينَ فَإِنَّ إِفْرِيقِشَ بْنَ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حِمْيَرَ بْنِ سَبَإِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ مَرَّ بِهِمْ مُتَوَجِّهًا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَاحْتَمَلَهُمْ مِنْ سَوَاحِلِ الشَّامِ فَقَدِمَ بِهِمْ إِفْرِيقِيَّةَ فَافْتَتَحَهَا، وَقَتَلَ مَلِكَهُ جُرْجِيرَ، وَأَسْكَنَهُمْ إِيَّاهَا، فَهُمُ الْبَرَابِرَةُ. وَأَقَامَ مِنْ حِمْيِرَ فِي الْبَرْبَرِ صَنْهَاجَةُ وَكُتَامَةُ، فَهُمْ فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ.

ذِكْرُ أَمْرِ قَارُونَ

وَكَانَ قَارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ، وَقِيلَ: كَانَ عَمَّ مُوسَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ عَظِيمَ الْمَالِ كَثِيرَ الْكُنُوزِ.
قِيلَ إِنَّ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا، فَبَغَى عَلَى قَوْمِهِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَوَعَظُوهُ، وَنَهَوْهُ، وَقَالُوا لَهُ مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ – وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 76 – 77] ، فَأَجَابَهُمْ جَوَابَ مُغْتَرٍّ لِحِلْمِ اللَّهِ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ – يَعْنِي الْمَالَ وَالْخَزَائِنَ – عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، قِيلَ عَلَى خَبَرٍ وَمَعْرِفَةٍ مِنِّي، وَقِيلَ: لَوْلَا رِضَا اللَّهِ عَنِّي وَمَعْرِفَتُهُ بِفَضْلِي مَا أَعْطَانِي هَذَا.
فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ وَلَكِنَّهُ تَمَادَى فِي طُغْيَانِهِ حَتَّى خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، وَهِيَ أَنَّهُ رَكِبَ بِرْذَوْنًا أَبْيَضَ بِمَرَاكِبِ الْأُرْجُوَانِ الْمُذَهَّبَةِ، وَعَلَيْهِ الثِّيَابُ الْمُعَصْفَرَةُ، وَقَدْ حَمَلَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ جَارِيَةٍ عَلَى مِثْلِ بِرْذَوْنِهِ وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَنَى دَارَهُ، وَضَرَبَ عَلَيْهَا صَفَائِحَ الذَّهَبِ، وَعَمِلَ لَهَا بَابًا مِنْ ذَهَبٍ، فَتَمَنَّى أَهْلُ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ مِثْلَ مَا لَهُ، فَنَهَاهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ.
وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالزَّكَاةِ، فَجَاءَ إِلَى مُوسَى مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارٌ، وَعَلَى هَذَا مِنْ كُلِّ أَلْفِ شَيْءٍ شَيْءٌ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَيْتِهِ وَجَدَهُ كَثِيرًا، فَجَمَعَ نَفَرًا يَثِقُ بِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ، وَهُوَ الْآنَ يُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِكُمْ. فَقَالُوا: أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ. فَقَالَ: آمُرُكُمْ أَنْ تُحْضِرُوا فُلَانَةً الْبَغِيَّ فَتَجْعَلُوا لَهَا جُعْلًا فَتَقْذِفُهُ بِنَفْسِهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَجَابَتْهُمْ إِلَيْهِ.
ثُمَّ أَتَى مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِتَأْمُرَهُمْ وَتَنْهَاهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَاهُ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ. فَقَالَ ادْعُوهَا فَإِنْ قَالَتْ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ.
فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ لَهَا مُوسَى: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِلَّا صَدَقْتِ: أَنَا فَعَلْتُ بِكِ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَتْ: لَا، كَذَبُوا، وَلَكِنْ جَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَقْذِفَكَ. فَسَجَدَ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ. فَقَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَلَغَ مُوسَى، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ. فَجَاءَ مُوسَى إِلَى قَارُونَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي. فَقَالَ مُوسَى: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ. فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ وَسَاخَتْ بِقَارُونَ، وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي. قَالَ يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ. فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْطِفُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، حَتَّى خُسِفَ بِهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: مَا أَفَظَّكَ! أَمَا وَعِزَّتِي لَوْ إِيَّايَ نَادَى لَأَجَبْتُهُ، وَلَا أُعِيدُ الْأَرْضَ تُطِيعُ أَحَدًا أَبَدًا بَعْدَكَ، فَهُوَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ نِقْمَتَهُ حَمِدَ الْمُؤْمِنُونَ اللَّهَ، وَعَرَفَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ خَطَأَ أَنْفُسِهِمْ وَاسْتَغْفَرُوا، وَتَابُوا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *