ذِكْرُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ

ذِكْرُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ

قِيلَ ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ابْنُهُ رُحُبْعُمُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ افْتَرَقَتْ مَمَالِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ رُحُبْعُمَ، فَمَلَكَ أَبِيَّا بْنُ رُحُبْعُمَ سِبْطَ يَهُوذَا وَبِنْيَامِينَ دُونَ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ، وَذَلِكَ أَنَّ سَائِرَ الْأَسْبَاطِ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ يُورَبْعَمَ بْنَ بَايِعَا عَبْدَ سُلَيْمَانَ بِسَبَبِ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانَتْ جَرَادَةُ زَوْجَةُ سُلَيْمَانَ فِيمَا زَعَمُوا قَرَّبَتْهُ فِي دَارِهِ لِلصَّنَمِ، فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَنْزِعَ بَعْضَ الْمُلْكِ عَنْ وَلَدِهِ، فَكَانَ مُلْكُ أَبِيَّا بْنِ رُحُبْعُمَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ أُسَّا بْنُ أَبِيَّا أَمْرَ السِّبْطَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ أَبُوهُ يَمْلِكُهُمَا إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ أَعْرَجَ.

ذِكْرُ مُحَارِبَةِ أُسَّا بْنِ أَبِيَّا وَرَزَحَ الْهِنْدِيِّ

قِيلَ: كَانَ أُسَّا بْنُ أَبِيَّا رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهَا، فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ أُسَّا أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْكُفْرَ قَدْ مَاتَ وَأَهْلُهُ، وَعَاشَ الْإِيمَانُ وَأَهْلُهُ، فَلَيْسَ كَافِرٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَطْلُعُ رَأْسُهُ بِكُفْرٍ إِلَّا قَتَلْتُهُ، فَإِنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يُغْرِقِ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا وَلَمْ يَخْسِفْ بِالْقُرَى وَلَمْ تُمْطَرِ الْحِجَارَةُ وَالنَّارُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِتَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِمَعْصِيَتِهِ! وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ.
فَأَتَى بَعْضُهُمْ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَيَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي إِلَى أُمِّ أُسَّا الْمَلِكِ، وَكَانَتْ تَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَشَكَوْا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ وَنَهَتْهُ عَمَّا كَانَ يَفَعَلُهُ وَبَالَغَتْ فِي زَجْرِهِ، فَلَمْ يُصْغِ إِلَى قَوْلِهَا بَلْ تَهَدَّدَهَا عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَأَظْهَرَ الْبَرَاءَةَ مِنْهَا، فَحِينَئِذٍ أَيِسَ النَّاسُ مِنْهُ وَانْتَزَحَ مَنْ كَانَ يَخَافُهُ وَسَارُوا إِلَى الْهِنْدِ.
وَكَانَ بِالْهِنْدِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ رَزَحُ، وَكَانَ جَبَّارًا عَاتِيًا عَظِيمَ السُّلْطَانِ قَدْ أَطَاعَهُ أَكْثَرُ الْبِلَادِ، وَكَانَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَلِكَهُمْ وَوَصَفُوا لَهُ الْبِلَادَ وَكَثْرَتَهَا وَقِلَّةَ عَسْكَرِهَا، وَضَعْفَ مَلِكِهَا، وَأَطْمَعُوهُ فِيهَا.
فَأَرْسَلَ الْجَوَاسِيسَ فَأَتَوْهُ بِأَخْبَارِهَا، فَلَمَّا تَيَقَّنَ الْخَيْرَ جَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَارَ إِلَى الشَّامِ فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: إِنَّ لِأُسَّا صَدِيقًا يَنْصُرُهُ وَيُعِينُهُ، قَالَ: فَأَيْنَ أُسَّا وَصَدِيقُهُ مِنْ كَثْرَةِ عَسَاكِرِي وَجُنُودِي!
وَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى أُسَّا، فَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ وَأَظْهَرَ الضَّعْفَ وَالْعَجْزَ عَنِ الْهِنْدِيِّ وَسَأَلَ اللَّهَ النُّصْرَةَ عَلَيْهِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَأَرَاهُ فِي الْمَنَامِ: إِنِّي سَأُظْهِرُ مِنْ قُدْرَتِي فِي رَزَحَ الْهِنْدِيِّ وَعَسَاكِرِهِ مَا أَكْفِيكَ شَرَّهُمْ وَأُغْنِمُكُمْ أَمْوَالَهُمْ حَتَّى يَعْلَمَ أَعْدَاؤُكَ أَنَّ صَدِيقَكَ لَا يُطَاقُ وَلِيُّهُ وَلَا يَنْهَزِمُ جُنْدُهُ.
ثُمَّ سَارَ رَزَحُ حَتَّى أَرْسَى بِالسَّاحِلِ، وَسَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهُ فَرَّقَ عَسَاكِرَهُ، فَامْتَلَأَتْ مِنْهُمْ تِلْكَ الْأَرْضُ وَمُلِئَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ رُعْبًا، وَبَعَثَ أُسَّا الْعُيُونَ فَعَادُوا وَأَخْبَرُوهُ مِنْ كَثْرَتِهِمْ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَسَمِعَ الْخَبَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَصَاحُوا، وَبَكَوْا، وَوَدَّعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى رَزَحَ وَيَسْتَسْلِمُوا إِلَيْهِ وَيَنْقَادُوا لَهُ. فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ: إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي بِالظَّفَرِ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، فَعَاوَدُوا الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ. فَفَعَلُوا وَدَعَوْا جَمِيعُهُمْ وَتَضَرَّعُوا، فَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ: يَا أُسَّا، إِنَّ الْحَبِيبَ لَا يُسْلِمُ حَبِيبَهُ، وَأَنَا الَّذِي أَكْفِيكَ عَدُوَّكَ فَإِنَّهُ لَا يَهُونُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ، وَلَا يَضْعُفُ مَنْ تَقَوَّى بِي وَقَدْ كُنْتَ تَذْكُرُنِي فِي الرَّخَاءِ فَلَا أُسْلِمُكَ فِي الشِّدَّةِ، وَسَأُرْسِلُ بَعْضَ الزَّبَانِيَةِ يَقْتُلُونَ أَعْدَائِي. فَاسْتَبْشِرْ وَأَخْبِرْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَاسْتَبْشَرُوا وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَكَذَّبُوهُ.
وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى رَزَحَ فِي عَسَاكِرِهِ، فَخَرَجَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَوَقَفُوا عَلَى رَابِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُونَ إِلَى عَسَاكِرِهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَزَحُ احْتَقَرَهُمْ وَاسْتَصْغَرَهُمْ وَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي وَجَمَعْتُ عَسَاكِرِي وَأَنْفَقْتُ أَمْوَالِي لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ! وَدَعَا النَّفَرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ، وَالْجَوَاسِيسَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ لِيَخْتَبِرُوا لَهُ وَقَالَ: كَذَبْتُمُونِي، وَأَخْبَرْتُمُونِي بِكَثْرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى جَمَعْتُ الْعَسَاكِرَ، وَفَرَّقْتُ أَمْوَالِي! ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا، وَأَرْسَلَ إِلَى أُسَّا يَقُولُ لَهُ: أَيْنَ صَدِيقُكَ الَّذِي يَنْصُرُكَ وَيُخَلِّصُكَ مِنْ سَطْوَتِي؟ فَأَجَابَهُ أُسَّا: يَا شَقِيُّ، إِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مَا تَقُولُ! أَتُرِيدُ أَنْ تُغَالِبَ اللَّهَ بِقُوَّتِكَ أَمْ تُكَاثِرُهُ بِقِلَّتِكَ؟ وَهُوَ مَعِي فِي مَوْقِفِي هَذَا، وَلَنْ يُغْلَبَ أَحَدٌ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ، وَسَتَعْلَمُ مَا يَحِلُّ بِكَ!
فَغَضِبَ رَزَحُ مِنْ قَوْلِهِ وَصَفَّ عَسَاكِرَهُ وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِ أُسَّا وَأَمَرَ الرُّمَاةَ فَرَمَوْهُمْ بِالسِّهَامِ، وَبَعَثَ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَدَدًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخَذُوا السِّهَامَ وَرَمَوْا بِهَا الْهُنُودَ، فَقَتَلَتْ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ نَشَّابَتُهُ، فَقُتِلَ جَمِيعُ الرُّمَاةِ، فَضَجَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ، وَتَرَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ لِلْهُنُودِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَزَحُ أَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قَلْبِهِ وَسُقِطَ فِي يَدِهِ وَنَادَى فِي عَسَاكِرِهِ يَأْمُرُهُمْ بِالْحَمْلَةِ عَلْيَهِمْ، فَفَعَلُوا فَقَتَلَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ رَزَحَ وَعَبِيدِهِ وَنِسَائِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وَلَّى هَارِبًا وَهُوَ يَقُولُ: قَتَلَنِي صَدِيقُ أُسَّا.
فَلَمَّا رَآهُ أُسَّا مُدْبِرًا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَمْ تُهْلِكْهُ اسْتَنْفِرْ عَلَيْنَا نَائِبَهُ. وَبَلَغَ رَزَحُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْبَحْرِ فَرَكِبُوا السُّفُنَ، فَلَمَّا سَارَتْ بِهِمْ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيَاحَ فَأَغْرَقَتْهُمْ أَجْمَعِينَ.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ أُسَّا ابْنُهُ سَافَاطُ إِلَى أَنْ هَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَتْ عَزْلِيَا بِنْتُ عَمْرَمَ أُمُّ أَخْزِيَا، وَكَانَتْ قَتَلَتْ أَوْلَادَ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا يُوَاشُ بْنُ أَخْزِيَا، وَهُوَ ابْنُ ابْنِهَا، فَإِنَّهُ سَتَرَ عَنْهَا، ثُمَّ قَتَلَهَا يُوَاشُ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ مَلَكَهَا سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ مَلَكَ يُوَاشُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ جَدَّتَهُ، ثُمَّ مَلَكَ عُوزِيَا بْنُ أَمْصِيَا بْنِ يُوَاشَ. وَيُقَالُ لَهُ غُوزِيَا، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ يُوثَامُ بْنُ عُوزِيَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ حِزْقِيَا بْنُ أَحَازَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ صَاحِبُ شَعْيَا الَّذِي أَعْلَمُهُ شَعْيَا انْقِضَاءَ عُمُرِهِ، فَتَضَرَّعَ إِلَى رَبِّهِ فَزَادَهُ، وَأَمَرَ شَعْيَا بِإِعْلَامِهِ ذَلِكَ، وَقِيلَ إِنَّ صَاحِبَ شَعْيَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ اسْمُهُ صِدْقِيَا، عَلَى مَا يَرِدُ ذِكْرُهُ.

ذِكْرُ شَعْيَا وَالْمَلِكِ الَّذِي مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَسِيرِ سَنْحَارِيبَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

قِيلَ: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَوْحَى إِلَى مُوسَى مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا – فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا – ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا – إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا – عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 4 – 8] .
فَكَثُرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَحْدَاثُ وَالذُّنُوبُ، وَكَانَ اللَّهُ يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لِذُنُوبِهِمْ أَنَّ مَلِكًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ صِدْقِيَةُ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا مَلَكَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ نَبِيًّا يُرْشِدُهُ وَيُوحِي إِلَيْهِ مَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، فَلَمَّا مَلَكَ صِدْقِيَةُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ شَعْيَا، وَهُوَ الَّذِي بَشَّرَ بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ – عَلَيْهِمَا السَّلَامُ – فَلَمَّا قَارَبَ أَنْ يَنْقَضِيَ مُلْكُهُ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَنْحَارِيبَ مَلِكَ بَابِلَ فِي عَسَاكِرَ يَغَصُّ بِهَا الْفَضَاءُ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَ بِهِ وَمَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرِيضٌ فِي سَاقِهِ قُرْحَةٌ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ شَعْيَا وَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُوصِيَ وَتَعْهَدَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ لَهُ إِلَى شَعْيَا أَنَّهُ قَدْ زَادَ فِي عُمُرِ الْمَلِكِ صِدْقِيَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَنْجَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ سَنْحَارِيبَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ زَالَ عَنْهُ الْأَلَمُ وَجَاءَتْهُ الصِّحَّةُ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَى عَسَاكِرِ سَنْحَارِيبَ مَلَكًا صَاحَ بِهِمْ فَمَاتُوا غَيْرَ سِتَّةِ نَفَرٍ، مِنْهُمْ: سَنْحَارِيبُ، وَخَمْسَةٌ مِنْ كُتَّابِهِ، أَحَدُهُمْ بُخْتُنَصَّرُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. فَخَرَجَ صِدْقِيَةُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَغَنِمُوا مَا فِيهِ وَالْتَمَسُوا سَنْحَارِيبَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَرْسَلَ الطَّلَبَ فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَخَذُوهُمْ وَقَيَّدُوهُمْ وَحَمَلُوهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِسَنْحَارِيبَ: كَيْفَ رَأَيْتَ صُنْعَ رَبِّنَا بِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ أَتَانِي خَبَرُ رَبِّكُمْ وَنَصْرَهُ إِيَّاكُمْ فَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ، فَطَافَ بِهِمْ حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ سَجَنَهُمْ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شَعْيَا يَأْمُرُ الْمَلِكَ بِإِطْلَاقِ سَنْحَارِيبَ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَطْلَقَهُمْ، فَعَادُوا إِلَى بَابِلَ وَأَخْبَرَهُمْ قَوْمُهُمْ بِمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ وَبِعَسَاكِرِهِمْ، وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَارَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ سَنْحَارِيبَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ كَفْرُو، وَكَانَ بُخْتُنَصَّرُ ابْنَ عَمِّهِ وَكَاتِبَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأَهْلَكَتْ جَيْشَهُ وَأَفْلَتَ هُوَ وَكَاتِبُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْبَابِلِيَّ قَتَلَهُ ابْنٌ لَهُ، وَأَنَّ بُخْتُنَصَّرَ غَضِبَ لِصَاحِبِهِ فَقَتَلَ ابْنَهُ الَّذِي قَتَلَهُ، وَأَنَّ سَنْحَارِيبَ سَارَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ مُلْكُهُ بِنِينَوَى وَغَزَا مَعَ مَلِكِ أَذْرَبِيجَانَ يَوْمَئِذٍ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ ثُمَّ اخْتَلَفَ سَنْحَارِيبُ وَمَلِكُ أَذْرَبِيجَانَ وَتَحَارَبَا حَتَّى تَفَانَى عَسْكَرُهُمَا، فَخَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ.
وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُ سَنْحَارِيبَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي حَصَرَهُ سَنْحَارِيبُ حِزْقِيَّا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ حِزْقِيَّا مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ مَنْشَى خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ آمُونُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ يُوشِّيَا إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِرْعَوْنُ مِصْرَ الْأَجْدَعُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يَاهُو أَحَازَ بْنُ يُوشِيَّا، فَعَزَلَهُ فِرْعَوْنُ الْأَجْدَعُ وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ يُويَاقِيمَ بْنَ يَاهُو أَحَازَ وَوَظَّفَ عَلَيْهِ خَرَاجًا يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يُويَاحِينُ، فَغَزَاهُ بُخْتُنَصَّرُ وَأَشْخَصَهُ إِلَى بَابِلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهِ، وَمَلَّكَ بَعْدَهُ يَقُونِيَّا ابْنَ عَمِّهِ، وَسَمَّاهُ صِدْقِيَةَ، وَخَالَفَهُ فَغَزَاهُ وَظَفِرَ بِهِ وَحَمَلَهُ إِلَى بَابِلَ وَذَبَحَ وَلَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَالْهَيْكَلَ، وَسَبَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى بَابِلَ، فَمَكَثُوا إِلَى أَنْ عَادُوا إِلَيْهِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِ صِدْقِيَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقِيلَ: إِنَّ شَعْيَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لِيَقُومَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُذَكِّرُهُمْ بِمَا يُوحِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ، فَفَعَلَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَلَقِيَتْهُ شَجَرَةٌ فَانْفَلَقَتْ لَهُ، فَدَخَلَهَا، وَأَخَذَ الشَّيْطَانُ بِهُدْبِ ثَوْبِهِ وَأَرَاهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ عَلَى الشَّجَرَةِ فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهُ فِي وَسَطِهَا.
وَقِيلَ فِي أَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، تَرَكْنَاهُ كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ وَلِعَدَمِ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ النَّقْلِ بِهِ.

ذِكْرُ مُلْكِ لَهْرَاسِبَ وَابْنِهِ بَشْتَاسِبَ وَظُهُورِ زَرَادُشْتَ

قَدْ ذَكَرْنَا أَنْ كَيْخِسْرُو لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عَهِدَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ لَهْرَاسِبَ بْنِ كَيُوخَى بْنِ كَيْكَاوُوسَ، فَهُوَ ابْنُ كَيْكَاوُوسَ، فَلَمَّا مَلَكَ اتَّخَذَ سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَلَّلَهُ بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ وَبُنِيَتْ لَهُ بِأَرْضِ خُرَاسَانَ مَدِينَةُ بَلْخَ وَسَمَّاهَا الْحَسْنَاءَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَقَوَّى مُلْكَهُ بِانْتِخَابِهِ الْجُنُودَ، وَعَمَّرَ الْأَرْضَ، وَجَبَى الْخَرَاجَ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ.
وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ التُّرْكِ فِي زَمَانِهِ فَنَزَلَ مَدِينَةَ بَلْخَ لِقِتَالِهِمْ، وَكَانَ مَحْمُودًا عِنْدَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ شَدِيدَ الْقَمْعِ لِأَعْدَائِهِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُ، شَدِيدَ التَّفَقُّدِ لِأَصْحَابِهِ، بَعِيدَ الْهِمَّةِ، عَظِيمَ الْبُنْيَانِ، وَشَقَّ عِدَّةَ أَنْهَارٍ، وَعَمَّرَ الْبِلَادَ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مُلُوكُ الْهِنْدِ، وَالرُّومِ، وَالْمَغْرِبِ الْخَرَاجَ، وَكَاتَبُوهُ بِالتَّمْلِيكِ هَيْبَةً لَهُ وَحَذَرًا مِنْهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَنَسَّكَ، وَفَارَقَ الْمُلْكَ، وَاشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ بَشْتَاسِبَ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ بَشْتَاسِبُ، وَفِي أَيَّامِهِ ظَهَرَ زَرَادُشْتُ بْنُ سَقِيمَانَ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَتَبِعَهُ الْمَجُوسُ.
وَكَانَ زَرَادُشْتُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ يَخْدُمُ لِبَعْضِ تَلَامِذَةِ إِرْمِيَا النَّبِيِّ خَاصًّا بِهِ، فَخَانَهُ وَكَذَبَ عَلَيْهِ، فَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهِ فَبَرِصَ وَلَحِقَ بِبِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ وَشَرَّعَ بِهَا دِينَ الْمَجُوسِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْعَجَمِ. وَصَنَّفَ كِتَابًا وَطَافَ بِهِ الْأَرْضَ، فَمَا عَرَفَ أَحَدٌ مَعْنَاهُ، وَزَعَمَ أَنَّهَا لُغَةٌ سَمَاوِيَّةٌ خُوطِبَ بِهَا، وَسَمَّاهُ: أَشْتَا، فَسَارَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ إِلَى فَارِسَ، فَلَمْ يَعْرِفُوا مَا فِيهِ وَلَمْ يَقْبَلُوهُ، فَسَارَ إِلَى الْهِنْدِ وَعَرَضَهُ عَلَى مُلُوكِهَا، ثُمَّ أَتَى الصِّينَ وَالتُّرْكَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَقَصَدَ فَرْغَانَةَ، فَأَرَادَ مَلِكُهَا أَنْ يَقْتُلَهُ فَهَرَبَ مِنْهَا وَقَصَدَ بَشْتَاسِبَ بْنَ لَهْرَاسِبَ، فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، فَحُبِسَ مُدَّةً.
وَشَرَحَ زَرَادُشْتُ كِتَابَهُ وَسَمَّاهُ: زَنْدَ، وَمَعْنَاهُ: التَّفْسِيرُ، ثُمَّ شَرَحَ الزَّنْدَ بِكِتَابٍ سَمَّاهُ: بَازَنْدَ، يَعْنِي: تَفْسِيرَ التَّفْسِيرِ. وَفِيهِ عُلُومٌ مُخْتَلِفَةٌ كَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَأَحْكَامِ النُّجُومِ، وَالطِّبِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ الَمَاضِيَةِ وَكُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ. وَفِي كِتَابِهِ: تَمَسَّكُوا بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ إِلَى أَنْ يَجِيئَكُمْ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، يَعْنِي مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَذَلِكَ عَلَى أَلْفِ سَنَةٍ وَسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ وَقَعَتِ الْبَغْضَاءُ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْعَرَبِ. ثُمَّ يَذْكُرُ عِنْدَ أَخْبَارِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِغَزْوِهِ الْعَرَبَ هَذَا الْقَوْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ بَشْتَاسِبَ أَحْضَرَ زَرَادُشْتَ، وَهُوَ بِبَلْخَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ شَرَّعَ لَهُ دِينَهُ، فَأَعْجَبَهُ وَاتَّبَعَهُ وَقَهَرَ النَّاسَ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا حَتَّى قَبِلُوهُ وَدَانُوا بِهِ.
وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ، وَأَنَّهُ نَزَلَ عَلَى الْمَلِكِ مِنْ سَقْفِ إِيوَانِهِ، وَبِيَدِهِ كُبَّةٌ مِنْ نَارٍ يَلْعَبُ بِهَا وَلَا تَحْرِقُهُ، وَكُلُّ مَنْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ لَمْ تَحْرِقْهُ، وَأَنَّهُ اتَّبَعَهُ الْمَلِكُ، وَدَانَ بِدِينِهِ، وَبَنَى بُيُوتَ النِّيرَانِ فِي الْبِلَادِ، وَأَشْعَلَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ فِي بُيُوتِ النِّيرَانِ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ النِّيرَانَ الَّتِي فِي بُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ مِنْ تِلْكَ إِلَى الْآنَ.
وَكَذَبُوا فَإِنَّ النَّارَ الَّتِي لِلْمَجُوسِ طُفِئَتْ فِي جَمِيعِ الْبُيُوتِ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَانَ ظُهُورُ زَرَادُشْتَ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِ بَشْتَاسِبَ، وَأَتَاهُ بِكِتَابٍ زَعَمَ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُتِبَ فِي جِلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ بَقَرَةٍ حَفْرًا وَنَقْشًا بِالذَّهَبِ، فَجَعَلَهُ بَشْتَاسِبُ فِي مَوْضِعٍ بِإِصْطَخْرَ وَمَنَعَ مِنْ تَعْلِيمِهِ الْعَامَّةَ.
وَكَانَ بَشْتَاسِبُ وَآبَاؤُهُ قَبْلَهُ يَدِينُونَ بِدِينِ الصَّابِئَةِ. وَسَيَرِدُ بَاقِي أَخْبَارِهِ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *