ذِكْرُ أَمْرِ الْفِيلِ

ذِكْرُ أَمْرِ الْفِيلِ

لَمَا دَامَ مُلْكُ أَبْرَهَةَ بِالْيَمَنِ وَتَمَكَّنَ بِهِ، بَنَى الْقُلَّيْسَ بِصَنْعَاءَ، وَهِيَ كَنِيسَةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إِلَيْهَا حَاجَّ الْعَرَبِ.
فَلَمَّا تَحَدَّثَتِ الْعَرَبُ بِذَلِكَ غَضِبَ رَجُلٌ مِنَ النَّسَأَةِ مِنْ بَنِي فُقَيْمٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهَا فَقَعَدَ فِيهَا وَتَغَوَّطَ، ثُمَّ لَحِقَ بِأَهْلِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ فِعْلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، الَّذِي تَحُجُّهُ الْعَرَبُ بِمَكَّةَ، غَضِبَ لَمَّا سَمِعَ أَنَّكَ تُرِيدُ صَرْفَ الْحُجَّاجِ عَنْهُ فَفَعَلَ هَذَا.
فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إِلَى الْبَيْتِ فَيَهْدِمَهُ، وَأَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَجَهَّزَتْ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ وَاسْمُهُ مَحْمُودُ.
وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِيلًا وَهِيَ تَتْبَعُ مَحْمُودًا، وَإِنَّمَا وَحَّدَ اللَّهُ – سُبْحَانَهُ – الْفِيلَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ كَبِيرَهَا مَحْمُودًا، وَقِيلَ فِي عَدَدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَلَمَّا سَارَ سَمِعَتِ الْعَرَبُ بِهِ، فَأَعْظَمُوهُ وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ ذُو نَفَرٍ وَقَاتَلَهُ، فَهُزِمَ ذُو نَفَرٍ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأَرَادَ قَتْلَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ مَحْبُوسًا عِنْدَهُ، ثُمَّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ نُفَيْلٌ وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَضَمِنَ لِأَبْرَهَةَ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَتَرَكَهُ وَسَارَ حَتَّى إِذَا مَرَّ عَلَى الطَّائِفِ بَعَثَتْ مَعَهُ ثَقِيفٌ أَبَا رِغَالٍ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى أَنْزَلَهُ بِالْمُغَمَّسِ، فَلَمَّا نَزَلَهُ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ، فَرَجَمَتِ الْعَرَبُ قَبْرَهُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يُرْجَمُ.
وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ إِلَى مَكَّةَ، فَسَاقَ أَمْوَالَ أَهْلِهَا وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَبْرَهَةُ حَنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَقُلْ لَهُ: إِنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ إِنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ تَمْنَعُوا عَنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِقِتَالِكُمْ.
فَلَمَّا بَلَّغَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَا أَمَرَهُ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ يَمْنَعْهُ يَمْنَعْ بَيْتَهُ وَحَرَمَهُ، وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ دَفْعٍ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَلِكِ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفَرٍ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَدُلَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ غَنَاءٌ فِيمَا نَزَلَ بِنَا؟ فَقَالَ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ؟ وَلَكِنْ أَنِيسٌ سَائِسُ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي فَأُوصِيهِ بِكَ وَأُعَظِّمُ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَتُكَلِّمَهُ بِمَا تُرِيدُ، وَيَشْفَعَ لَكَ عِنْدَهُ إِنْ قَدَرَ. قَالَ: حَسْبِي. فَبَعَثَ ذُو نَفَرٍ إِلَى أُنَيْسٍ، فَحَضَرَهُ وَأَوْصَاهُ بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَيِّدُ قُرَيْشٍ. فَكَلَّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ وَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَسْتَأْذِنُ، فَأَذِنَ لَهُ.
وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَجُلًا عَظِيمًا وَسِيمًا، فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلَّهُ وَأَكْرَمَهُ وَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ إِلَيْهِ وَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى بِسَاطٍ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لَهُ التُّرْجُمَانُ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي. فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ قَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي إِبِلِكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ؟ . قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَمْنَعُهُ. قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْنَعَ مِنِّي، وَأَمَرَ بِرَدِّ إِبِلِهِ، فَلَمَّا أَخَذَهَا قَلَّدَهَا وَجَعَلَهَا هَدْيًا، وَبَثَّهَا فِي الْحَرَامِ لِكَيْ يُصَابَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَغْضَبَ اللَّهُ. وَانْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَرُّزِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ خَوْفًا مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ:
يَا رَبِّ لَا أَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا … يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا.

إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا
امْنَعْهُمْ أَنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكَا.
وَقَالَ أَيْضًا:
لَاهُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَمْنَعُ … رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلَالَكْ
لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ … وَمِحَالُهُمْ غَدْرًا مِحَالَكْ
وَلَئِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّهُ
أَمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعَالَكْ … أَنْتَ الَّذِي إِنْ جَاءَ بَا
غٍ نَرْتَجِيكَ لَهُ كَذَلِكْ … وَلَّوْا وَلَمْ يَحْوُوا سِوَى
خِزْيٍ وَتُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ … لَمْ أَسْتَمِعْ يَوْمًا بِأَرْجَسَ
مِنْهُمُ يَبْغُوا قِتَالَكْ … جَرُّوا جُمُوعَ بِلَادِهِمْ
وَالْفِيلَ كَيْ يَسْبُوا عِيَالَكْ … عَمَدُوا حِمَاكَ بِكَيْدِهِمْ
جَهْلًا وَمَا رَقَبُوا جَلَالَكْ
ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى شَعَفِ الْجِبَالِ، فَتَحَرَّزُوا بِهَا يَنْتَظِرُونَ مَا يَفْعَلُ أَبْرَهَةُ بِمَكَّةَ إِذَا دَخَلَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهَيَّأَ فِيلَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا، وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ وَالْعَوْدِ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فَمَسَكَ بِأُذُنِهِ وَقَالَ: ارْجِعْ مَحْمُودُ، ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ! ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ، فَأَلْقَى الْفِيلُ نَفْسَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَاشْتَدَّ نُفَيْلٌ فَصَعِدَ الْجَبَلَ، فَضَرَبُوا الْفِيلَ، فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ.
وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ مِنَ الْبَحْرِ، أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ، مَعَ كُلِّ طَيْرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ تَحْمِلُهَا، حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، فَقَذَفَتْهُمْ بِهَا وَهِيَ مِثْلُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا أَلْقَاهُمْ فِي الْبَحْرِ وَخَرَجَ مَنْ سَلِمَ مَعَ أَبْرَهَةَ هَارِبًا يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ:
أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ
وَقَالَ أَيْضًا:
أَلَا حُيِّيتَ عَنَّا يَا رُدَيْنَا … نَعِمْنَاكُمْ مِعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا
أَتَانَا قَابِسٌ مِنْكُمْ عِشَاءً … فَلَمْ يُقْدَرْ لِقَابِسِكُمْ لَدَيْنَا
رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ وَلَمْ تَرَيْهِ … لَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا
إِذًا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ رَأْيِي … وَلَمْ تَأْسَيْ لِمَا قَدْ فَاتَ بَيْنَا
حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ عَايَنْتُ طَيْرًا … وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا
وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ … كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا
وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ فَسَقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ عُضْوًا عُضْوًا، حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ الْفَرْخِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ.
فَلَمَّا هَلَكَ مَلَكَ ابْنُهُ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَذَلَّتْ حِمْيَرُ وَالْيَمَنُ لَهُ، وَنَكَحَتِ الْحَبَشَةُ نِسَاءَهُمْ وَقَتَلُوا رِجَالَهُمْ وَاتَّخَذُوا أَبْنَاءَهُمْ تَرَاجِمَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ.
وَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْحَبَشَةَ، وَعَادَ مَلِكُهُمْ وَمَعَهُ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ، وَنَزَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنَ الْغَدِ إِلَيْهِمْ لِيَنْظُرَ مَا يَصْنَعُونَ وَمَعَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمْ يَسْمَعَا حِسًّا، فَدَخَلَا مُعَسْكَرَهُمْ فَرَأَيَا الْقَوْمَ هَلْكَى، فَاحْتَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حُفْرَتَيْنِ مَلْأَهُمَا ذَهَبًا وَجَوْهَرًا لَهُ وَلِأَبِي مَسْعُودٍ وَنَادَى فِي النَّاسِ، فَتَرَاجَعُوا فَأَصَابُوا مِنْ فَضْلِهِمَا شَيْئًا كَثِيرًا، فَبَقِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي غِنًى مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ حَتَّى مَاتَ.
وَبَعَثَ اللَّهُ السَّيْلَ فَأَلْقَى الْحَبَشَةَ فِي الْبَحْرِ، وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنِ الْكَعْبَةِ
وَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ عَظَّمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: أَهْلُ اللَّهِ قَاتَلَ عَنْهُمْ. ثُمَّ مَاتَ يَكْسُومُ وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ مَسْرُوقٌ.

ذِكْرُ عَوْدِ الْيَمَنِ إِلَى حِمْيَرَ وَإِخْرَاجِ الْحَبَشَةِ عَنْهُ

لَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ مَلَكَ الْيَمَنَ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ وَهْرِزُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُرَّةَ، وَقِيلَ: كُنْيَةُ ذِي يَزَنٍ أَبُو مُرَّةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ، وَتَنَكَّبَ كِسْرَى لِإِبْطَائِهِ عَنْ نَصْرِ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَصَدَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ لَمَّا أُخِذَتْ زَوْجَتُهُ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى الْحَبَشَةِ، فَوَعَدَهُ، فَأَقَامَ ذُو يَزَنٍ عِنْدَهُ، فَمَاتَ عَلَى بَابِهِ. وَكَانَ ابْنُهُ سَيْفٌ مَعَ أُمِّهِ فِي حِجْرِ أَبْرَهَةَ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَسَبَّهُ وَلَدُ أَبْرَهَةَ وَسَبَّ أَبَاهُ فَسَأَلَ أُمَّهُ عَنْ أَبِيهِ فَأَعْلَمَتْهُ خَبَرَهُ بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَقَامَ حَتَّى مَاتَ أَبْرَهَةُ وَابْنُهُ يَكْسُومُ.
ثُمَّ سَارَ إِلَى الرُّومِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ مَلِكِهِمْ مَا يُحِبُّ لِمُوَافَقَتِهِ الْحَبَشَةَ فِي الدِّينِ، فَعَادَ إِلَى كِسْرَى، فَاعْتَرَضَهُ يَوْمًا وَقَدْ رَكِبَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي عِنْدَكَ مِيرَاثًا، فَدَعَا بِهِ كِسْرَى لَمَّا نَزَلَ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ وَمَا مِيرَاثُكَ؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ الشَّيْخِ الْيَمَانِيِّ الَّذِي وَعَدْتَهُ النُّصْرَةَ فَمَاتَ بِبَابِكَ، فَتِلْكَ الْعِدَةُ حَقٌّ لِي وَمِيرَاثٌ. فَرَقَّ كِسْرَى لَهُ وَقَالَ لَهُ: بَعُدَتْ بِلَادُكَ عَنَّا وَقَلَّ خَيْرُهَا وَالْمَسْلَكُ إِلَيْهَا وَعْرٌ وَلَسْتُ أُغَرِّرُ بِجَيْشِي. وَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، فَخَرَجَ وَجَعَلَ يَنْثُرُ الدَّرَاهِمَ، فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ، فَسَمِعَ كِسْرَى فَسَأَلَهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمْ آتِكَ لِلْمَالِ وَإِنَّمَا جِئْتُكَ لِلرِّجَالِ وَلِتَمْنَعَنِي مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَإِنَّ جِبَالَ بِلَادِنَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ.
فَأُعْجِبَ كِسْرَى بِقَوْلِهِ وَقَالَ: يَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّهُ أَعْرَفُ بِبِلَادِهِ مِنِّي، وَاسْتَشَارَ وُزَرَاءَهُ فِي تَوْجِيهِ الْجُنْدِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوبَذَانْ مُوبَذْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ: إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ حَقًّا بِنُزُوعِهِ إِلَيْكَ وَمَوْتِ أَبِيهِ بِبَابِكَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِدَتِهِ بِالنُّصْرَةِ، وَفِي سُجُونِكَ رِجَالٌ ذَوُو نَجْدَةٍ وَبَأْسٍ فَلَوْ أَنَّ الْمَلِكَ وَجَّهَهُمْ مَعَهُ فَإِنْ أَصَابُوا ظَفَرًا كَانَ لِلْمَلِكِ، وَإِنْ هَلَكُوا فَقَدِ اسْتَرَاحَ وَأَرَاحَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ مِنْهُمْ.
فَقَالَ كِسْرَى: هَذَا الرَّأْيُ. فَأَمَرَ بِمَنْ فِي السُّجُونِ، فَأُحْضِرُوا، فَكَانُوا ثَمَانِمِائَةٍ، فَقَوَّدَ عَلَيْهِمْ قَائِدًا مِنْ أَسَاوِرَتِهِ يُقَالُ لَهُ وَهْرِزُ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّجُونِ سَخِطَ عَلَيْهِ كِسْرَى لِحَدَثٍ أَحْدَثَهُ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ يَعْدِلُهُ بِأَلْفِ أَسْوَارٍ، وَأَمَرَ بِحَمْلِهِمْ فِي ثَمَانِي سُفُنٍ، فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، فَغَرِقَتْ سَفِينَتَانِ وَخَرَجُوا بِسَاحِلِ حَضْرَمَوْتَ، وَلَحِقَ بِابْنِ ذِي يَزَنٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ مَسْرُوقٌ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْحَبَشَةِ وَحِمْيَرَ وَالْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ وَهْرِزُ الْبَحْرَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَأَحْرَقَ السُّفُنَ لِئَلَّا يَطْمَعَ أَصْحَابُهُ فِي النَّجَاةِ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا مَعَهُمْ مِنْ زَادٍ وَكِسْوَةٍ إِلَّا مَا أَكَلُوا وَمَا عَلَى أَبْدَانِهِمْ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّمَا أَحْرَقْتُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَأْخُذَهُ الْحَبَشَةُ إِنْ ظَفِرُوا بِكُمْ، وَإِنْ نَحْنُ ظَفِرْنَا بِهِمْ فَسَنَأْخُذُ أَضْعَافَهُ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُقَاتِلُونَ مَعِي وَتَصْبِرُونَ أَعْلَمْتُمُونِي ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ اعْتَمَدْتُ عَلَى سَيْفِي حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي، فَانْظُرُوا مَا حَالُكُمْ إِذَا فَعَلَ رَئِيسُكُمْ هَذَا بِنَفْسِهِ. قَالُوا: بَلْ نُقَاتِلُ مَعَكَ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ نَظْفَرَ. وَقَالَ لِسَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنٍ: مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ مِنْ رَجُلٍ عَرَبِيٍّ وَسَيْفٍ عَرَبِيٍّ، ثُمَّ أَجْعَلُ رَجُلِي مَعَ رَجُلِكَ حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا أَوْ نَظْفَرَ جَمِيعًا. قَالَ: أَنْصَفْتَ.
فَجَمَعَ إِلَيْهِ سَيْفٌ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ قَوْمِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَهُ السَّكَاسِكَ مِنْ كِنْدَةَ، وَسَمِعَ بِهِمْ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ جُنْدَهُ، فَعَبَّأَ وَهْرِزُ أَصْحَابَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُوتِرُوا قِسِيَّهُمْ، وَقَالَ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالرَّمْيِ فَارْمُوا رَشْقًا.
وَأَقْبَلَ مَسْرُوقٌ فِي جَمْعٍ لَا يُرَى طَرَفَاهُ، وَهُوَ عَلَى فِيلٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ، وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ مِثْلُ الْبَيْضَةِ لَا يَرَى دُونَ الظَّفَرِ شَيْئًا.
وَكَانَ وَهْرِزُ كَلَّ بَصَرُهُ، فَقَالَ: أَرُونِي عَظِيمَهُمْ. فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُ الْفِيلِ، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسًا، فَقَالُوا: رَكِبَ فَرَسًا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى بَغْلَةٍ، فَقَالَ وَهْرِزُ: ذَلَّ وَذَلَّ مُلْكُهُ! وَقَالَ وَهْرِزُ: ارْفَعُوا لِي حَاجِبِي، وَكَانَ قَدْ سَقَطَا عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، فَرَفَعُوهُمَا لَهُ بِعِصَابَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَشَّابَةً فِي كَبِدِ فَرَسِهِ وَقَالَ: أَشِيرُوا إِلَى مَسْرُوقٍ، فَأَشَارُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: سَأَرْمِيهِ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَهُ وُقُوفًا لَمْ يَتَحَرَّكُوا فَاثْبُتُوا حَتَّى أُؤْذِنَكُمْ، فَإِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ الرَّجُلَ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ قَدِ اسْتَدَارُوا وَلَاثُوا بِهِ فَقَدْ أَصَبْتُهُ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ رَمَاهُ فَأَصَابَ السَّهْمَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَرَمَى أَصْحَابُهُ، فَقُتِلَ مَسْرُوقٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَدَارَتِ الْحَبَشَةُ بِمَسْرُوقٍ وَقَدْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَحَمَلَتِ الْفُرْسُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ دُونَ الْهَزِيمَةِ شَيْءٌ، وَغَنِمَ الْفُرْسُ مِنْ عَسْكَرِهِمْ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى.
وَقَالَ وَهْرِزُ: كُفُّوا عَنِ الْعَرَبِ وَاقْتُلُوا السُّودَانَ وَلَا تُبْقُوا مِنْهُمْ أَحَدًا. وَهَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى فِي جُعْبَتِهِ نَشَّابَةً فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ! أَبُعْدٌ أَمْ طُولُ مَسِيرٍ! .
وَسَارَ وَهْرِزُ حَتَّى دَخَلَ صَنْعَاءَ وَغَلَبَ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ وَأَرْسَلَ عُمَّالَهُ فِي الْمَخَالِيفِ.
وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ الْيَمَنَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، تَوَارَثَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ مُلُوكٍ: أَرْيَاطُ، ثُمَّ أَبْرَهَةُ، ثُمَّ ابْنُهُ يَكْسُومُ، ثُمَّ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ، وَقِيلَ: كَانَ مُلْكُهُمْ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
فَلَمَّا مَلَكَ وَهْرِزُ الْيَمَنَ، أَرْسَلَ إِلَى كِسْرَى يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَمْوَالٍ، وَكِتَبَ إِلَيْهِ كِسْرَى يَأْمُرُهُ أَنْ يُمَلِّكَ سَيْفَ بْنَ ذِي يَزَنٍ – وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْدِي كَرِبَ بْنَ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنٍ – عَلَى الْيَمَنِ وَأَرْضِهَا، وَفَرَضَ عَلَيْهِ كِسْرَى جِزْيَةً وَخَرَاجًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ عَامٍ، فَمَلَّكَهُ وَهْرِزُ وَانْصَرَفَ إِلَى كِسْرَى، وَأَقَامَ سَيْفٌ عَلَى الْيَمَنِ مَلِكًا يَقْتُلُ الْحَبَشَةَ، وَيَبْقُرُ بُطُونَ الْحَبَالَى عَنِ الْحَمْلِ، وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ جَعَلَهُمْ خَوَلًا، فَاتَّخَذَ مِنْهُمْ جَمَّازِينَ يَسْعَوْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْحِرَابِ، فَمَكَثَ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا وَالْحَبَشَةُ يَسْعَوْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِحِرَابِهِمْ فَضَرَبُوهُ بِالْحِرَابِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَكَانَ مُلْكُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَثَبَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ فَقَتَلَ بِالْيَمَنِ وَأَفْسَدَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كِسْرَى بَعَثَ إِلَيْهِمْ وَهْرِزَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَتْرُكَ بِالْيَمَنِ أَسْوَدَ وَلَا وَلَدَ عَرَبِيَّةٍ مِنْ أَسْوَدَ إِلَّا قَتَلَهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَلَا يَدَعَ رَجُلًا جَعْدًا قَطُّ شَرَكَ فِيهِ السُّودَانُ إِلَّا قَتَلَهُ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ الْيَمَنَ فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى يُخْبِرُهُ، فَأَقَرَّهُ عَلَى مُلْكِ الْيَمَنِ، فَكَانَ يَجْبِيهَا لِكِسْرَى حَتَّى هَلَكَ، وَأَمَّرَ بَعْدَهُ كِسْرَى ابْنَهُ الْمَرْزُبَانَ بْنَ وَهْرِزَ حَتَّى هَلَكَ، ثُمَّ أَمَّرَ بَعْدَهُ كِسْرَى التَّيْنَجَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ، ثُمَّ أَمَّرَ بَعْدَهُ خَرَّ خِسْرَهْ بْنَ التَّيْنَجَانِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ.
ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ غَضِبَ عَلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفًا كَانَ لِأَبِي كِسْرَى، فَأَجَارَهُ كِسْرَى بِذَلِكَ مِنَ الْقَتْلِ وَعَزَلَهُ عَنِ الْيَمَنِ، وَبَعَثَ بَاذَانَ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: إِنَّ أَنُوشِرْوَانَ اسْتَعْمَلَ بَعْدَ وَهْرِزَ زَرِينَ، وَكَانَ مُسْرِفًا، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ قَتَلَ قَتِيلًا ثُمَّ سَارَ بَيْنَ أَوْصَالِهِ، فَمَاتَ أَنُوشِرْوَانُ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ، فَعَزَلَهُ ابْنُهُ هُرْمُزُ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُلَاةِ الْيَمَنِ لِلْأَكَاسِرَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لَمْ أَرَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةً.

ذِكْرُ مَا أَحْدَثَهُ قُرَيْشٌ بَعْدَ الْفِيلِ

لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَصْحَابِ الْفِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَظُمَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَهْلُ اللَّهِ وَقَطَنُهُ يُحَامِي عَنْهُمْ، فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا وَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَأَهْلُ الْحَرَمِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ وَقَاطِنُو مَكَّةَ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا يَعْرِفُ الْعَرَبُ لِأَحَدٍ مِثْلَ مَا يُعْرَفُ لَنَا، فَهَلُمُّوا فَلْنَتَّفِقْ عَلَى ائْتِلَافٍ أَنَّنَا لَا نُعَظِّمُ شَيْئًا مِنَ الْحِلِّ كَمَا يُعَظَّمُ الْحَرَمُ، فَإِنَّنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَخَفَّتِ الْعَرَبُ بِنَا وَبِحَرَمِنَا وَقَالُوا: قَدْ عَظَّمَتْ قُرَيْشٌ مِنَ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمَتْ مِنَ الْحَرَمِ، فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنَ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجِّ وَدِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا.
وَقَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَا نُعَظِّمُ غَيْرَهُ، وَنَحْنُ الْحُمُسُ، وَأَصْلُ الْحَمَاسَةِ الشِّدَّةُ أَنَّهُمْ تَشَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ، وَجَعَلُوا لِمَنْ وَلَدَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ سَاكِنِي الْحِلِّ مِثْلَ مَا لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ وَعَامِرٌ لِوِلَادَةٍ لَهُمْ، ثُمَّ ابْتَدَعُوا فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْحُمُسِ أَنْ يَعْمَلُوا الْأَقِطَ، وَلَا يَسْلُأُوا السَّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا إِلَّا بُيُوتَ الْأُدُمِ مَا كَانُوا حُرُمًا.
وَقَالُوا: وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ فِي الْحَرَامِ إِذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ طَوَافَهُمْ إِذَا قَدِمُوا إِلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمُسِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ أَنِفَ أَحَدٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ أَنْ يَطُوفَ عُرْيَانًا إِذَا لَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمُسِ فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ أَلْقَاهَا إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ وَلَا يَمَسُّهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا اللِّقَى.
فَدَانَتِ الْعَرَبُ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَكَانُوا يَطُوفُونَ كَمَا شَرَعُوا لَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ أَزْوَادَهُمُ الَّتِي جَاءُوا بِهَا مِنَ الْحِلِّ، وَيَشْتَرُونَ مِنْ طَعَامِ الْحَرَمِ وَيَأْكُلُونَهُ.
هَذَا فِي الرِّجَالِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ ثِيَابَهَا كُلَّهَا إِلَّا دِرْعَهَا مُفْرَجًا ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أَحِلُّهُ
فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهَ مُحَمَّدًا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَنَسَخَهُ، فَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَطَافَ الْحُجَّاجُ بِالثِّيَابِ الَّتِي مَعَهُمْ مِنَ الْحِلِّ، وَأَكَلُوا مِنْ طَعَامِ الْحِلِّ، فِي الْحَرَمِ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] ، أَرَادَ بِالنَّاسِ الْعَرَبَ، أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يُفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ الَّذِي مِنَ الْحِلِّ وَتَرْكَهُمْ إِيَّاهُ فِي الْحَرَمِ: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31]- إِلَى قَوْلِهِ -: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) .

ذِكْرُ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ وَالْأَحْلَافِ

قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ قُصَيٌّ أَعْطَى وَلَدَهُ عَبْدَ الدَّارِ مِنَ الْحِجَابَةِ وَالسِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّدْوَةِ وَاللِّوَاءِ، ثُمَّ إِنَّ هَاشِمًا وَعَبْدَ شَمْسٍ وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ رَأَوْا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِشَرَفِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِفَضْلِهِمْ فِي قَوْمِهِمْ، وَأَرَادُوا أَخْذَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْشٌ، كَانَتْ طَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَطَائِفَةٌ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا كَانَ قُصَيٌّ جَعَلَهُ لَهُمْ ; إِذْ كَانَ أَمْرُ قُصَيٍّ فِيهِمْ شَرْعًا مُتَّبَعًا مَعْرِفَةً مِنْهُمْ لِفَضْلِهِ تَيَمُّنًا بِأَمْرِهِ.
وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ الَّذِي قَامَ فِي الْمَنْعِ عَنْهُمْ عَامِرُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، فَاجْتَمَعَ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَبَنُو زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَبَنُو تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ مَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَاجْتَمَعَ بَنُو مَخْزُومٍ، وَبَنُو سَهْمٍ، وَبَنُو جُمَحٍ، وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَخَرَجَتْ عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ وَمُحَارِبُ بْنُ فِهْرٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَعَقَدَ كُلُّ طَائِفَةٍ بَيْنَهُمْ حِلْفًا مُؤَكَّدًا عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، فَأَخْرَجَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا، قِيلَ: إِنَّ بَعْضَ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا فِي الْمَسْجِدِ وَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهَا وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا، وَمَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ الْمُطَيَّبِينَ.
وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْقَبَائِلِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ، ثُمَّ تَصَافُّوا لِلْقِتَالِ وَأَجْمَعُوا عَلَى الْحَرْبِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ تَدَاعَوْا لِلصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَاصْطَلَحُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ وَتَحَاجَزُوا عَنِ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( «مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ» ) .
فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ كَثِيرَ الْأَسْفَارِ قَلِيلَ الْمَالِ كَثِيرَ الْعِيَالِ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا جَوَادًا.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَذَا قَبْلَ الْفِيلِ وَمَا أَحْدَثَهُ قُرَيْشٌ، وَإِنَّمَا أَخَّرْنَاهُ لِلُزُومِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.

ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ كِسْرَى فِي أَمْرِ الْخَرَاجِ وَالْجُنْدِ

كَانَ مُلُوكُ الْفُرْسِ يَأْخُذُونَ مِنْ غَلَّاتِ كُوَرِهِمْ قَبْلَ مُلْكِ كِسْرَى الْخُمُسَ وَالسُّدُسَ، عَلَى قَدْرِ شَرْبِهَا وَعِمَارَتِهَا، وَمِنَ الْجِزْيَةِ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَأَمَرَ الْمَلِكُ قُبَاذُ بِمَسْحِ الْأَرَضِينَ لِيَصِحَّ الْخَرَاجُ عَلَيْهَا، فَمَاتَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ أَنُوشِرْوَانُ أَمَرَ بِاسْتِتْمَامِ ذَلِكَ، وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْكَرْمِ وَالرُّطَبِ وَالنَّخْلِ وَالزَّيْتُونِ وَالْأَرْزِ، عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ شَيْئًا مَعْلُومًا، وَيُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ فِي ثَلَاثِ أَنْجُمٍ، وَهِيَ الْوَضَائِعُ الَّتِي اقْتَدَى بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
وَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى الْقُضَاةِ فِي الْبِلَادِ نُسْخَةً بِالْخَرَاجِ، لِيَمْتَنِعَ الْعُمَّالُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَصَابَتْ غَلَّتَهُ جَائِحَةٌ بِقَدْرِ جَائِحَتِهِ، وَأَلْزَمُوا النَّاسَ الْجِزْيَةَ مَا خَلَا الْعُظَمَاءَ وَأَهْلَ الْبُيُوتَاتِ وَالْجُنْدَ وَالْهَرَابِذَةَ وَالْكُتَّابَ وَمَنْ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، كُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى قُدْرَتِهِ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، وَسِتَّةِ دَرَاهِمَ، وَأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. وَأَسْقَطَهَا عُمَرُ عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ جَاوَزَ خَمْسِينَ سَنَةً.
ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى وَلَّى رَجُلًا مِنَ الْكُتَّابِ – مِنَ الْكُفَاةِ وَالنُّبَلَاءِ اسْمُهُ بَابَكُ – عَرْضَ جَيْشِهِ، فَطَلَبَ مِنْ كِسْرَى التَّمَكُّنَ مِنْ شُغْلِهِ إِلَى ذَلِكَ، فَتَقَدَّمَ بِبِنَاءِ مَصْطَبَةٍ مَوْضِعَ عَرْضِ الْجَيْشِ وَفَرَشَهَا، ثُمَّ نَادَى أَنْ يَحْضُرَ الْجُنْدُ بِسِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ لِلْعَرْضِ، فَحَضَرُوا، فَحَيْثُ لَمْ يَرَ مَعَهُمْ كِسْرَى أَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ أَحَدٌ وَلَا مَنْ أُكْرِمَ بِتَاجٍ، فَسَمِعَ كِسْرَى فَحَضَرَ وَقَدْ لَبِسَ التَّاجَ وَالسِّلَاحَ، ثُمَّ أَتَى بَابَكَ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ، فَرَأَى سِلَاحَهُ تَامًّا مَا عَدَا وَتَرَيْنِ لِلْقَوْسِ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يَسْتَظْهِرُوا بِهِمَا، فَلَمْ يَرَهُمَا بَابَكُ مَعَهُ فَلَمْ يُجِزْ عَلَى اسْمِهِ وَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ كُلَّ مَا يَلْزَمُكَ. فَذَكَرَ كِسْرَى الْوَتَرَيْنِ فَتَعَلَّقَهُمَا، ثُمَّ نَادَى مُنَادِي بَابَكَ وَقَالَ: لِلْكَمِيِّ السَّيِّدِ، سَيِّدَةِ الْكُمَاةِ، أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَجَازَ عَلَى اسْمِهِ. فَلَمَّا قَامَ عَنْ مَجْلِسِهِ حَضَرَ عِنْدَ كِسْرَى يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِنْ غِلْظَتِهِ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَا فَعَلَ. فَقَالَ كِسْرَى: مَا غَلُظَ عَلَيْنَا أَمْرٌ نُرِيدُ بِهِ إِصْلَاحَ دَوْلَتِنَا.
وَمِنْ كَلَامِ كِسْرَى: الشُّكْرُ وَالنِّعْمَةُ كِفَّتَانِ كَكِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، أَيُّهُمَا رَجَحَ بِصَاحِبِهِ احْتَاجَ الْأَخَفَّ، إِلَّا أَنْ يُزَادَ فِيهِ حَتَّى يُعَادِلَ صَاحِبَهُ، فَإِذَا كَانَتِ النِّعَمُ كَثِيرَةً وَالشُّكْرُ قَلِيلًا انْقَطَعَ الْحَمْدُ، فَكَثِيرُ النِّعَمِ يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الشُّكْرِ، وَكُلَّمَا زِيدَ فِي الشُّكْرِ ازْدَادَتِ النِّعَمُ وَجَاوَزَتْهُ، وَنَظَرْتُ فِي الشُّكْرِ فَوَجَدْتُ بَعْضَهُ بِالْقَوْلِ وَبَعْضَهُ بِالْفِعْلِ، وَنَظَرْتُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ فَوَجَدْتُهُ الشَّيْءَ الَّذِي أَقَامَ بِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَرْسَى بِهِ الْجِبَالَ وَأَجْرَى بِهِ الْأَنْهَارَ وَبَرَأَ بِهِ الْبَرِيَّةَ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْعَدْلُ، فَلَزِمْتُهُ.
وَرَأَيْتُ ثَمَرَةَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ عِمَارَةَ الْبُلْدَانِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْحَيَاةِ لِلنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ. وَلَمَّا نَظَرْتُ فِي ذَلِكَ وَجَدْتُ الْمُقَاتِلَةَ أُجَرَاءَ لِأَهْلِ الْعِمَارَةِ، وَأَهْلَ الْعِمَارَةِ أُجَرَاءَ لِلْمُقَاتِلَةِ، فَأَمَّا الْمُقَاتِلَةُ فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أُجُورَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ وَسُكَّانِ الْبُلْدَانِ لِمُدَافَعَتِهِمْ عَنْهُمْ وَمُجَاهَدَتِهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَحَقَّ عَلَى أَهْلِ الْعِمَارَةِ أَنْ يُوَفُّوهُمْ أُجُورَهُمْ، فَإِنَّ الْعِمَارَةَ وَالْأَمْنَ وَالسَّلَامَةَ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِمْ.
وَرَأَيْتُ الْمُقَاتِلَةَ لَا يَتِمُّ لَهُمُ الْمُقَامُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَتَثْمِيرُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ إِلَّا بِأَهْلِ الْخَرَاجِ وَالْعِمَارَةِ، فَأَخَذْتُ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ مَا يَقُومُ بِأَوْدِهِمْ وَتَرَكْتُ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِمْ مَا يَقُومُ بِمَؤُونَتِهِمْ وَعِمَارَتِهِمْ وَلَمْ أُجْحِفْ بِوَاحِدٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَرَأَيْتُ الْمُقَاتِلَةَ وَأَهْلَ الْخَرَاجِ كَالْعَيْنَيْنِ الْمُبْصِرَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ الْمُتَسَاعِدَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَلَى أَيِّهِمَا دَخَلَ الضَّرَرُ تَعَدَّى إِلَى الْأُخْرَى.
وَنَظَرْنَا فِي سِيَرِ آبَائِنَا فَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا يَقْتَرِنُ بِالثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيلِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْمَصْلَحَةِ الشَّامِلَةِ لِلْجُنْدِ وَالرَّعِيَّةِ إِلَّا اعْتَمَدْنَاهُ، وَلَا فَسَادًا إِلَّا أَعْرَضْنَا عَنْهُ، وَلَمْ يَدْعُنَا إِلَى حُبِّ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ حُبُّ الْآبَاءِ.
وَنَظَرْتُ فِي سِيَرِ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالرُّومِ وَأَخَذْنَا مَحْمُودَهَا، وَلَمْ تُنَازِعْنَا أَنْفُسُنَا إِلَى مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ أَهْوَاؤُنَا، وَكَتَبْنَا بِذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَنُوَّابِنَا فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ.
فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَتَوَفُّرِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُضْرَبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْعَدْلِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَكَانَ لِكِسْرَى أَوْلَادٌ مُتَأَدِّبُونَ، فَجُعِلَ الْمُلْكُ مِنْ بَعْدِهِ لِابْنِهِ هُرْمُزَ.
وَكَانَ مَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَامَ الْفِيلِ، وَذَلِكَ لِمُضِيِّ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ، وَفِي هَذَا الْعَامِ كَانَ يَوْمُ ذِي جَبَلَةَ، وَهُوَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَذْكُورَةِ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *