خلافة هرون الرشيد

خلافة هرون الرشيد

وفي ذلك العام استخلف هرون الرشيد، وحج، وانصرف الى المدينة، فوضع لأهلها العطاء، واجزل لهم.
واقبل الى العراق فوافى الكوفه، وعقد لأبي العباس الطوسى على خراسان، فلبث عليها عامين، ثم عزله.
واستعمل عليها محمد بن الاشعث.
وفي سنه اربع وسبعين ومائه وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية واليمانيه، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير.
وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد، وعبد الله، وكتب بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد، ومن بعده لعبد الله المأمون، وعلق الكتاب في جوف الكعبه، ثم انصرف الى مدينه السلام.
واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء.
قال على بن حمزه الكسائي: ولانى الرشيد تاديب محمد وعبد الله، فكنت اشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا، وبخاصه محمدا، فاتتنى ذات يوم خالصه جاريه أم جعفر.
فقالت: يا كسائي، ان السيده تقرا عليك السلام، وتقول لك، حاجتي إليك ان ترفق بابني محمد، فانه ثمره فؤادى وقره عيني، وانا ارق عليه رقه شديده.
فقلت لخالصه: ان محمدا مرشح للخلافة بعد ابيه، ولا يجوز التقصير في تأديبه.
فقالت خالصه: ان لرقة السيده سببا، انا مخبرتك به.
انها في الليلة التي ولدته اريت في منامها كان اربع نسوه اقبلن اليه، فاكتنفنه عن يمينه وشماله، وامامه وورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر، ضيق الصدر، عظيم الكبر، واهي الأمر، كثير الوزر، شديد الغدر،
وقالت التي من ورائه: ملك قصاف، مبذر متلاف، قليل الإنصاف، كثير الاسراف، وقالت التي عن يمينه: ملك ضخم، قليل الحلم، كثير الإثم، قطوع للرحم، وقالت التي عن يساره: ملك غدار، كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصه، وقالت: يا كسائي، وهل يغنى الحذر؟.
وذكر عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة، فأومأ الى بالجلوس قريبا منه، فجلست قليلا، ثم نهضت، فأومأ الى ان اجلس، فجلست، حتى خف الناس.
ثم قال لي:
يا أصمعي، الا تحب ان ترى محمدا وعبد الله؟
قلت: بلى يا امير المؤمنين، انى لاحب ذلك، وما اردت القيام الا إليهما، لاسلم عليهما.
قال: تكفى.
ثم قال: على بمحمد وعبد الله.
فانطلق الرسول.
وقال: أجيبا امير المؤمنين.
فاقبلا، كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما، وضربا ببصرهما الارض حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، وأومأ إليهما، فدنيا منه، فاجلس محمدا عن يمينه، وعبد الله عن شماله.
ثم أمرني بمطارحتهما، فكنت لا القى عليهما شيئا من فنون الأدب الا أجابا فيه وأصابا.
فقال: كيف ترى ادبهما؟
قلت: يا امير المؤمنين، ما رايت مثلهما في ذكائهما وجوده ذهنهما، فاطال الله بقاءهما، ورزق الامه من رأفتهما ومعطفتهما.
فضمهما الى صدره، وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه.
ثم اذن لهما، حتى إذا نهضا وخرجا، قال:
كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما، ووقع باسهما بينهما حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء انهم كانوا موتي؟
فقلت: يا امير المؤمنين، هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما، او شيء اثرته العلماء في أمرهما؟
قال: بل شيء اثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في امرهما.
قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد، فلذلك قال ما قال.
قال الأصمعي: وكان الرشيد يحب السمر، ويشتهى احاديث [1] الناس، فكان يرسل الى إذا نشط لذلك، وجن عليه الليل، فاسامره، فأتيت ذات ليله، ولم يكن عنده احد، فسامرته ساعه، ثم اطرق، وفكر، ثم قال:
يا غلام، على بالعباسى يعنى الفضل بن الربيع.
فحضر، ودخل، فاذن له بالجلوس.
فقال: يا عباسي، انى عنيت بتوليه العهد، ومثبت الأمر في محمد وعبد الله، وقد علمت انى ان وليت محمدا مع ركوبه هواه، وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية، وضيع الأمر، حتى يطمع فيه الأقاصي من اهل البغى والمعاصي، وان صرفت الأمر الى عبد الله ليسلكن بهم المحجة، وليصلحن المملكة، وان فيه لحزم المنصور وشجاعة المهدى، فما ترى؟
قال الفضل: يا امير المؤمنين، ان هذا امر خطير عظيم، والزلة فيه لا تستقال، وللكلام فيه مكان غير هذا.
فعلمت انهما يحبان الخلوه، فقمت عنهما، وجلست ناحيه من صحن الدار، فما زالا يتناظران الى ان أصبحا.
__________
[1] بياض في الأصل مكان ما بين الحاصرتين.
واتفق رأيهما على توليه محمد العهد، وتصيير عبد الله من بعده، وقسمه الأموال والجنود بينهما، وان يقيم محمد بدار الخلافه، ويتولى المأمون خراسان.
فلما اصبح امر بجميع القواد، فاجتمعوا اليه، فدعاهم الى بيعه محمد، ومن بعده الى بيعه المأمون، فأجابوا الى ذلك، وبايعوا.
وفي سنه ثمانين ومائه [1] عقد الرشيد لعلى بن عيسى بن ماهان على خراسان، وفي ذلك العام خرج الرشيد الى ارض الشام، وأخذ على الموصل، فلما وافاها امر بهدم مدينتها، وقد كانوا وثبوا بعامله.
وفي ذلك العام وثب اهل خراسان بعاملهم، فقتلوه، فأقام بالشام عامه ذلك، ثم خرج حاجا، فلما انصرف قصد الأنبار، فنزل به بمدينه ابى العباس، وهي من الأنبار على نصف فرسخ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء اهل خراسان، توالدوا بها حتى كثروا، فهم الى الان، فأقام بها شهرا، ثم توجه منها الى الرقة [2] فأقام بها شهرا.
وخرج منها غازيا الى ارض الروم، فافتتح مدينه من مدنهم، تسمى معصوف. ثم انصرف الى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك.
فلما كان أوان الحج، حج، فقضى نسكه، وجعل منصرفه على الرقة، فأقام بها، وولى يزيد بن مزيد أرمينية، ثم قدم من الرقة سنه اربع وثمانين ومائه حتى وافى مدينه السلام، ونزل قصره بالرصافة [3] ، وأخذ عماله بالبقايا، ثم سار من مدينه السلام في سنه خمس وثمانين ومائه عائدا الى الرقة، وقد كان استطابها.
فلما كان أوان الحج حج، فمر بالمدينة، فأعطاهم ثلاث اعطيات، واعطى اهل مكة عطاءين، ثم انصرف، فقصد الأنبار، فأقام بها شهرا، ثم انصرف الى مدينه السلام.
__________
[1] سنه 796 م.
[2] مدينه على نهر الفرات كان بها قصران لهشام بن عبد الملك.
[3] محله بالجانب الشرقى من بغداد، كان المهدى قد عسكر بها، فأمره المنصور ان يبنى فيها دورا، فالتحق بها الناس وعمروها، وفيها قبور جماعه من الخلفاء العباسيين.
ثم عقد البيعه لابنه القاسم بعد محمد وعبد الله، وولاه الشام، فوجه القاسم عليها عماله.
وحج الرشيد سنه ثمان وثمانين ومائه، وانصرف فنزل الحيرة [1] ، فأقام بها أياما، ثم دخل مدينه السلام.
وفي سنه تسع وثمانين سار الى الري فأقام بها شهرا، ثم انصرف نحو مدينه السلام، فضحى بقصر اللصوص [2] ، ثم دخل بغداد، ولم ينزلها، ومضى حتى انتهى الى السالحين [3] ، وهي من مدينه السلام على ثلاثة فراسخ، فبات بها ثم سار عامدا للرقه حتى وافاها، وامر عند ممره ببغداد بخشبه جعفر بن يحيى ان تحرق، واقام بالرقة بقية ذلك العام.
فلما دخلت سنه تسعين ومائه خرج غازيا لارض الروم حتى اوغل فيها وانتهى الى هرقله [4] ، فافتتحها.
وفي ذلك العام خرج رافع بن نصر بن سيار مغاضبا بأرض خراسان، وكان سبب خروجه ان على بن عيسى بن ماهان لما ولى خراسان أساء السيرة، وتحامل على من كان بها من العرب، واظهر الجور، فخرج عليه رافع، فواقعه وقعات، ثم انحاز فيمن اتبعه من اهل خراسان، وكانوا زهاء ثلاثين الف رجل في سمرقند، واقام بمدينتها.
وبلغ ذلك الرشيد، فعزل على بن عيسى عنها، واستعمل عليها هرثمة بن اعين. ثم انصرف الرشيد قافلا من الروم حتى نزل بمدينه السلام عامه ذلك، واستخلف ابنه محمدا على دار المملكة، وخرج عامدا لارض خراسان ليتولى حرب رافع بنفسه. ودخلت سنه اثنتين وتسعين ومائه وفيها خرجت الخرمية [5] بأرض الجبل
[1] مدينه كانت على ثلاثة اميال من الكوفه على النجف، وكانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية، النعمان وآباؤه، وسموها بالحيرة البيضاء لحسنها.
[2] سمى بذلك لان جيشا من المسلمين نزلوا به، فسرقت دوابهم.
[3] قريه من نهر عيسى ببغداد، وهي السيلحين التي بات بها المثنى بن حارثة وصبح، فاغار على سوق بغداد.
[4] مدينه ببلاد الروم، قرب صفين فتحها الرشيد وسبى أهلها وقد خربت، ولم يبق منها آثار عماره.
[5] طائفه تنسب الى بابك الخرمى، وتدين بما تدين الباطنية اولاد المجوس الذين تأولوا آيات القرآن وسنن النبي على موافقه أصواتهم.
في المره الاولى، فوجه اليهم محمد الامين بعبد الله بن مالك الخزاعي، فقتل منهم مقتله عظيمه، وشرد بقيتهم في البلدان.
وسار الرشيد حتى وافى مدينه طوس [1] ، فنزل في دار حميد الطوسى، ومرض بها مرضا شديدا، فجمع له الأطباء يعالجونه، فقال:
ان الطبيب بطبه ودوائه … لا يستطيع دفاع محذور جرى
ما للطبيب يموت بالداء الذي … قد كان يشفى مثله فيما مضى
فلما اشتد به الوجع قال للفضل بن الربيع:
يا عباسي، ما تقول الناس؟
قال:
يقولون، ان شأني امير المؤمنين قد مات.
فامر ان يسرج له حمار ليركبه، ويخرج، فاسرج له، وحمل حتى وضع على السرج، فاسترخت فخذاه ولم يستطع الثبوت.
فقال: ارى الناس قد صدقوا.
ثم توفى. وذلك في سنه ثلاث وتسعين ومائه يوم السبت، لخمس ليال خلون من جمادى الآخرة [2] ، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنه، وشهرا ونصفا.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *