تاريخ العجم والتاريخ النبوي

تاريخ العجم والتاريخ النبوي

وولد رسول الله ص في آخر ملك انوشروان، فأقام بمكة الى ان بعث بعد اربعين سنه، منها سبع سنين بقيت من ملك انوشروان، وتسع عشره سنه ملكها هرمز بن كسرى انوشروان، وبعث وقد مضى من ملك كسرى ابرويز ست عشره سنه، فأقام بمكة في نبوته صلى الله عليه وسلم وعلى عترته [1] ثلاث عشره سنه، وهاجر الى المدينة، وقد مضى من ملك ابرويز تسع وعشرون سنه، فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفى ص تسليما بعد موت كسرى ابرويز، فكان عمره ص ثلاثا وستين سنه.
وزعموا ان بنات آوى ظهرت بالعراق في آخر ملك انوشروان، وكانت سقطت إليها من بلاد الاتراك، واستفظع الناس ذلك، وتعجبوا منه، وبلغ ذلك كسرى فقال للموبذ [2] : قد كثر تعجبي من هذه السباع التي غزت أرضنا فقال الموبذ: بلغنى ايها الملك فيما يؤثر من اخبار الأولين، ان كل ارض يغلب جورها عدلها تغزوها السباع. فلما سمع ذلك ارتاب بسيره عماله، فوجه ثلاثة عشر رجلا من امنائه الذين لا يكتمونه شيئا الى آفاق مملكته متنكرين، لا يعرفون، فانصرفوا، فاخبروه عن سوء سيره عماله ما غمه، فأرسل الى تسعين رجلا منهم، ذكروا بسوء السيرة، فضرب أعناقهم، فضبط عماله انفسهم، ولزموا عدل السيرة.
ملك هرمزد
وكان لكسرى انوشروان عده بنين، وكانوا جميعا اولاد سوقه وإماء الا ابنه هرمزد بن كسرى الذى ملك بعده، فان أمه كانت ابنه خاقان الترك، وأم أمه
__________
[1] العترة: نسل الرجل ورهطه، وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر.
[2] الموبذ او الموبذان هو الحكيم من الفرس.
خاتون الملكه، فعزم أبوه على تمليكه من بعده، فوضع عليه عيونا، يأتونه باخباره، فكان يأتيه عنه ما يحبه، فكتب له عهدا، واستودعه رئيس نساكهم في دينهم، فلما تم لملكه ثمان واربعون سنه مات.
فلما مات انوشروان ملك ابنه هرمزد بن كسرى، فقال يوم ملك: الحلم عماد الملك، والعقل عماد الدين، والرفق ملاك الأمر، والفطنة ملاك الفكره، ايها الناس، ان الله خصنا بالملك، وعمكم بالعبودية، وكرم ملكتنا فاعتقكم بها، وأعزنا، واعزكم بعزنا، وقلدنا الحكومة فيكم، والزمكم الانقياد لأمرنا، وقد اصبحتم فرقتين: إحداهما اهل قوه، والاخرى اهل ضعه، فلا يستاكلن منكم قوى ضعيفا، ولا يغشن ضعيف قويا، ولا تتوقن نفس احد من الغلبه الى ضيم احد من اهل الضعة، فان في ذلك وهنا لملكنا، ولا يرومن اهل من اهل الضعة الأخذ بماخذ الغلبه، فان في ذلك انتثار ما نحب نظامه وزوال ما نحاول قوامه، وفوت ما نحاول دركه، واعلموا ايها الناس، ان من سوسنا العطف على الأقوياء من الغلبه، ورفع مراتبهم، والرحمه على الضعفاء، والذب عنهم، وحسم الأقوياء عن ظلمهم والتعدى عليهم، واعلموا ايها الناس ان حاجتكم إلينا في نفس حاجتنا إليكم، وحاجتنا إليكم هي مسد لحاجتكم إلينا، وان الثقيل مما أنتم منزلوه بنا من أموركم عندنا خفيف، والخفيف مما نحن مجشموكم ثقيل لعجزكم عما نحن مضطلعون به، واضطلاعنا لما أنتم عنه عاجزون، وانما تحمدون حسن ملكتنا إياكم، وفضل سيرتنا فيكم إذا حسمتم انفسكم عما نهيناكم عنه، ولزمتم ما أمرناكم به.
ايها الناس، ميلوا بين الأمور المتشابهات، ولا تسموا النسك رياء، ولا الرياء مراقبه، ولا الشراره شجاعة، ولا الظلم حزما، ولا رحمه الله نقمه، ولا مخوف الفوت هوينا، ولا البر بالقربى ملقا، ولا العقوق موجده، ولا الشك براء، ولا الإنصاف ضعفا، ولا الكرم معجزه، ولا التبرم عاده، ولا الأخذ
بالفضل ذلا، ولا الأدب عقلا، ولا العماية غفله، ولا الغدر ضرورة، ولا النزاهة تضييعا، ولا التصنع عفافا، ولا الورع رهبه، ولا الحذر جبنا، ولا الشره اجتهادا، ولا الجناية غنما، ولا القصد تقتيرا، ولا البخل اقتصادا، ولا السرف توسعا، ولا السخاء سرفا، ولا الصلف بعد همه، ولا النبل صلفا، ولا البذخ تجلدا، ولا الحرمان استحقاقا، ولا رفع الأنذال صنيعه، ولا المجون ظرفا، ولا التخلف تثبتا، ولا التثبت بلاده، ولا النميمة وسيله، ولا السعاية دركا، ولا اللين ضعفا، ولا الفحش انتصافا، ولا الهذر [1] بلاغه، ولا البلاغة تفقيعا [2] ، ولا الميل في هوى الاشرار شكرا، ولا المداهنه مواتاه، ولا الإعانة على الظلم حفاظا. ولا الزهو مروءة، ولا اللهو فكاهة، ولا الحيف استقصاء، ولا الاستطالة عزا، ولا حسن الظن تفريطا، ولا ايطاء العشوة نصيحه، ولا الغش كيسا، ولا الرياء تعطفا، ولا التوانى تؤده، ولا الحياء مهابه، ولا السفه صرامه، ولا الدغل [3] استقامه، ولا البغى استعاذه، ولا الحسد شفاء، ولا العجب كمالا، ولا الفتك حميه، ولا الحقد مكرمه، ولا الضيق احتياطا، ولا التعسف انكماشا، ولا النزق تيقظا، ولا الأدب حرفه، ولا المعاتبه مفاسده، ولا بعد القدر سموا، ولا مجاري التقادير اسباب الذنوب، ولا ما لا يكون كائنا، ولا كائنا ما لا يكون.
اجتنبوا المرذولات من هذه الأمور المتشابهات، وثابروا على ما تحظون به عندنا، فان وقوفكم عند امرنا منجاه لكم من سخطنا، وتنكبكم معصيتنا سلامه لكم من عقابنا، فاما العدل الذى نحن عليه مقتصرون، وبه نصلح وتصلحون، فأنتم فيه عندنا مستوون، ستعرفون ذلك إذا قمعنا اهل القوه عن اهل الضعف، وتولينا بأنفسنا امر المضطهدين الملهوفين، واخضعنا اهل الضعة لأهل العلا بانزالنا إياهم منازلهم، ورددنا من رام من اهل الضعة مرتبه لا يستوجبها الا المستحقون منهم الحباء والشرف لنجده توجد عنده، او بلاء حسن يظهر منه.
__________
[1] سقط الكلام.
[2] التشدق في الكلام.
[3] الدخول في الأمور بما يفسدها.
واعلموا ايها الناس، انا فارقون بين سوطنا وسيفنا، ومستعملوهما بتثبت وحسن رويه، فمن غمط نعمتنا وخالف امرنا، وحاول ما نهيناه عنه، فانا لا نكاد نصلح رعايانا، ونضبط أمورنا الا بتنكيل من خالف امرنا، وتعدى سيرتنا، وسعى في فساد سلطاننا، ولا يطمعن احد في رخصه منا، ولا يرجون هواده عندنا، فانا غير مداهنين في حق الله الذى قلدنا، فوطنوا انفسكم على احدى خلتين: اما استقامه بما تصلحون، واما مخافه على ما تتلفون، فان الصلاح حجتان معتدان لكم عندنا من تدبير ملكنا، وضبطنا سلطاننا، فلا تستصغروا وعيدنا، وتهددنا، ولا تحسبوا ان فعلنا يقصر عن قولنا، وانما أحببنا ان نعلمكم رأينا في اجتناب الرخص والمحاباه، وحرصنا على الاعتذار قبل الإيقاع، والأخذ بقصد السيرة والعدل في الرعية، واختيار طاعتكم التي بها تكون ألفتكم واستقامتكم، فثقوا بما بدأنا به من وعد، وخافوا ما أظهرنا من وعيد، ونحن نسأل الله ان يعصمكم من استدراج الشيطان وضلاله، وان يسددكم لما يقرب من طاعته، وبلوغ مرضاته، والسلام عليكم.
فلما سمع الناس ذلك تباشر به الضعفاء واهل الضعة، وفت ذلك في اعضاد العليه وساءهم، فتنكبوا ما كانوا فيه من الاستطالة على الضعفاء، والقهر لأهل الضعة،.
وكان هرمزد ملكا متحريا لحسن السيرة، مثابرا على استصلاح الرعية، رحيما بالضعفاء، شديدا على الأقوياء، وبلغ من عدله وتحريه الحق انه كان يسير في كل عام الى ارض الماهين [1] فيصيف بها، وكان يأمر عند مسيره إليها مناديه، فينادى في عسكره ان يتحاموا الاضرار بالدهاقين [2] ، ويوكل بتعهد ذلك ومعاقبه من تعدى امره فيه رجلا من ثقاته.
__________
[1] الماهان: الدينور ونهاوند، إحداهما ماه الكوفه، والاخرى ماه البصره.
[2] الدهاقين جمع دهقان وهو المزارع او الفلاح.
وكان ابنه كسرى الذى ملك من بعده، ويسمى ابرويز، معه في مسيره، فعار [1] ذات يوم مركب من مراكبه، فوقع في زرع على طريقه، فرتع فيه، وافسد، فاخذ صاحب الزرع ذلك المركب، فدفعه الى الموكل بذلك الأمر، فلم يمكنه معاقبه كسرى، فرقى امره الى ابيه، فامر ان يجدع إذنا الفرس، ويحذف ذنبه، ويغرم ابنه مقدار مائه ضعف مما افسد الفرس من ذلك الزرع.
فخرج الموكل بذلك من عند الملك لينفذ امر الملك، فوجه كسرى رهطا من المرازبه والاشراف الى الموكل بذلك، ليسالوه التغييب عن ذلك ويدفع الف ضعف مما افسد مركبه، لما في جدع اذن الفرس وتبتير ذنبه من الطيرة، فلم يجبهم الموكل الى ذلك، وامر بالمركب فجدعت أذناه، وبتر ذنبه، وغرم كسرى ما أصاب صاحب الزرع كنحو ما كان يغرم سائر الناس، فلم يكن للملك هرمزد بن كسرى همه ولا نهمه الا استصلاح الضعفاء، وانصافهم من الأقوياء، فاستوى في ملكه القوى والضعيف.
وكان هرمزد منصورا مظفرا لا يروم تناول شيء الا ناله، لم يهزم له جيش قط، وكان اكثر دهره غائبا عن المدائن. اما بالسواد متشتيا، واما بالماه متصيفا.
فلما كانت سنه احدى عشره من ملكه حدق به الأعداء من كل وجه فاكتنفوه اكتناف الوتر سيتى [2] القوس، اما من ناحيه الشرق فان شاهنشاه الترك اقبل حتى صار الى هراة [3] ، وطرد عمال هرمزد، واما من قبل المغرب فان ملك الروم اقبل حتى شارف نصيبين ليسترد آمد [4] وميافارقين [5]
__________
[1] عار الفرس يعير ذهب كأنه منفلت.
[2] سيتا القوس: طرفاه.
[3] مدينه في افغانستان سكانها سنيوس وبينهم طائفه من الشيعة، وينسب بناؤها الى الاسكندر، وهي مشهوره بجامعها القديم وفيها تصنع الطنافس.
[4] آمد وهي ديار بكر، مدينه على الشاطئ الأيسر لنهر دجلة، فتحها عياض بن غنام النهري.
[5] ميافارقين: قاعده بلاد ديار بكر بين الجزيرة وأرمينية، وقد سميت قديما مارتيروپوليس او مدينه الشهداء لما جمع فيها من عظام الفرس المسيحيين.
ودارا ونصيبين [1] ، واما من قبل أرمينية فان ملك الخزر اقبل حتى اوغل في اذربيجان، فبث الغارات فيها.
فلما انتهى ذلك الى هرمزد بدا بقيصر، فرد عليه المدن التي كان أبوه اغتصبه إياها، وساله الصلح والموادعة، فأجابه قيصر الى ذلك، فانصرف، ثم كتب الى عماله بإرمينية واذربيجان، فاجتمعوا وصمدوا صمد صاحب الخزر، حتى نفوه عن ارضه.
فلما فرغ من ذلك كله صرف همه الى صاحب الترك، وكان أشد الأعداء عليه، فكتب الى بهرام بن بهرام جشنش، عامله على ثغر آذربيجان وأرمينية، وهو الملقب ببهرام شوبين، يأمره بالقدوم عليه، فما لبث ان قدم، فاذن له، فدخل عليه، فرفع مجلسه، واظهر كرامته، وخلا به، واخبره بالأمر الذى اراده له، من التوجه الى شاهنشاه الترك.
فسارع بهرام الى طاعته واتباع امره، فامر هرمزد ان يسلط بهرام على بيوت الأموال والسلاح، وان يسلم اليه ديوان الجند، ليختار من أحب على عينه، فاحضر بهرام الديوان، وجمع اليه المرازبه والاشراف، فانتخب اثنى عشر الف رجل من الفرسان، ليس فيهم الا من اناف الأربعين.
وبلغ ذلك الملك، فقال له: لم لم تنتخب الا هذا المقدار، وانما تريد ان تسير بهم الى ثلاثمائه الف رجل؟. فقال بهرام: الم تعلم ايها الملك ان قابوس حين اسر فحبس في حصن ما سفرى انما سار اليه رستم في اثنى عشر ألفا، فاستنقذه من أيدي مائتي الف، وان اسفندياد انما سار الى ارجاسف ليطلب منه الوتر الذى كان له عنده في اثنى عشر ألفا، وان كيخسرو انما ارسل جودرز ليطلب بدم ابيه سياوش في اثنى عشر ألفا، فظهر على ثلاثمائه ألف؟ فأي جيش لا يفل باثنى عشر ألفا لا يفل بشيء ابدا.
__________
[1] نصيبين مدينه فيما بين النهرين، اشتهرت قديما بمدرستها السريانية.
فلما فصل بهرام بالجنود من المدائن ودعه الملك، وقال له: إياك والبغى، فان البغى مصرعه بصاحبه، وعليك بالوفاء، فان فيه نجاه لمحاوله، وإياك ان تسير الا على تعبئة الحرب، فإذا نزلت فاحرس عسكرك بنفسك، وامنع جنودك من العيث والفساد، وإياك ان تعزم حتى تروى، ولا تروى حتى تستشير اهل النصح والأمانة، ثم انصرف الملك، ومضى بهرام، فاخذ على طريق الاهواز.
وبلغ ملك الترك قدوم الجيش لمحاربته، وقد كان الملك هرمزد وجه الى ملك الترك رجلا من مرازبته يسمى هرمزد جرابزين، وكان من ادهى العجم، واشدهم خلابة وكيدا، وامره ان يعلمه انه رسول الملك، ارسله لمصالحته، واعطائه الرضى، فأتاه هرمزد جرابزين، فاستعمل فيها الخديعة، وكفه بها عن الفساد في ارض خراسان، فلما علم هرمزد ان بهرام قد دنا من هراة خرج ليلا، فلحق ببهرام.
ولما بلغ ملك الاتراك ورود الجيش قال لصاحب حرسه: انطلق فائتنى بهذا الفارس الخداع، فطلبوه، فوجدوه قد هرب في جوف الليل.
وخرج خاقان من مدينه هراة للقاء بهرام، وعلى مقدمته اربعون ألفا.
فلما التقوا ارسل الى بهرام: ان انضم الى حتى املكك على ايران شهر، واجعلك اخص الناس بي.
فأرسل اليه بهرام كيف تملكني على ايران شهر، وانما ملكها لأهل بيت فينا لا يجوز ان يعدوهم الى غيرهم، ولكن هلم الى الحرب.
فغضب ملك الترك من ذلك، وامر، فضرب بوق الحرب، وتزاحف الفريقان، وملك الترك على سرير من ذهب فوق رابيه، يشرف على الفريقين.
فلما استمرت الحرب قصد بهرام للتل في مائه فارس من ابطال جنوده، فانفض عنه من حول ملك الترك، فلما راى الملك ذلك دعا بمركبه، واستبان لبهرام،
فرماه بنشابه نفذته، فخر صريعا، وانهزم الاتراك، وقد كان شاهنشاه خلف على ملكه ابنه يلتكين فلما أتاه مقتل ابيه استجاش [1] الترك، واقبل في دهم داهم من امم الاتراك، وانضم اليه الفل.
وبلغ بهرام الخبر، فأرسل في اقطار خراسان، فاجتمع اليه بشر كثير فسار مستقبلا ليلتكين، فالتقوا على شاطئ النهر الأعظم مما يلى الترمذ، وهاب كل واحد منهما صاحبه، وجرت بينهما السفراء في الصلح.
وارسل بهرام اليه انكم معاشر الخاقانيه قتلتم ملكنا فيروز، فاهدرنا دمه، وقبلنا الصلح منكم، فكذلك، فافعلوا بنا.
فأجابه يلتكين الى الصلح على حكم هرمزد الملك، وأقاما بمكانهما.
فكتب بهرام الى هرمزد بذلك، فكتب اليه هرمزد: ان توجه الى يلتكين مكرما في خاصه طراخنته [2] وعظماء جنوده.
فتوجه يلتكين الى العراق، فلما دنا من المدائن خرج هرمزد ملتقيا له، وترجل كل واحد منهما لصاحبه، واظهر هرمزد اكرام يلتكين، وانزله معه في قصره، وأخذ كل واحد منهما عهدا وكيدا على صاحبه بالمسألة ما بقيا، ثم اذن له، فانصرف الى مملكته.
ولما وغل في خراسان استقبله بهرام في جنوده، وسار معه الى حد مملكته، وانصرف بهرام حتى اتى مدينه بلخ، فنزلها، ووجه الى الملك هرمزد ما كان غنمه من عسكر شاهنشاه، ووجه اليه بذلك السرير الذهب، فبلغ ما وجه اليه وقر [3] ثلاثمائه بعير.
فلما وصلت الغنائم الى هرمزد، وعرضت عليه، وحوله وزراؤه وعظماء
__________
[1] طلب الجيوش منهم.
[2] جمع طرخان وهو الرئيس، ويلقب به الأعيان في خراسان.
[3] الوقر بالكسر: الحمل الثقيل.
مرازبته، قال يزدان جشنس رئيس وزرائه: ايها الملك، ما كان اعظم المائدة التي منها هذه اللقمة، فوقعت هذه الكلمه في قلب هرمزد، وارتاب بامانه بهرام، وظن ان الأمر كما قال يزدان جشنس، فانظر كم داهيه دهياء وحروب وبلاء جرت هذه الكلمه.
ودخل هرمزد منها الغضب والغيظ على بهرام ما انساه حسن بلائه، فأرسل الى بهرام بجامعه ومنطق امراه ومغزل، وكتب اليه انه قد صح عندي انك لم تبعث الى من تلك الغنائم الا قليلا من كثير، والذنب لي في تشريفى إياك، وقد بعثت إليك بجامعه، فضمها في عنقك، ومنطق امراه، فتنطق بها، ومغزل، فليكن في يدك، فان الغدر والكفران من اخلاق النساء.
فلما وصل ذلك الى بهرام كظم غيظه، وعلم انه انما اتى من الوشاة، فوضع الجامعه في عنقه، وصير المنطق في وسطه، وأخذ المغزل في يده، ثم اذن لعظماء اصحابه، فدخلوا عليه، ثم اقراهم كتاب الملك اليه، فلما سمع اصحابه ذلك يئسوا من خير الملك، وعملوا انه لم يشكر لهم حسن بلائهم، فقالوا: نقول كما قال أولو خوارجنا لاردشير: ملك ولا يزدان. ونحن نقول: لا هرمزد ملك، ولا يزدان جشنس وزير.
وكانت قصه اولى خوارجهم: ان أردشير بابكان كان صار اليه بعض الحواريين، فاستجاب له، ودخل في دين المسيح ص، وكان في عصره، وشايعه على ذلك وزيره يزدان، فغضب العجم لذلك، وهموا بخلع أردشير حتى اظهر لهم الرجوع عما هم به من ذلك، فأقروه على الملك.
فقال اصحاب بهرام لبهرام: ان أنت تابعتنا على خلع هرمزد والخروج عليه، والا خلعناك، وراسنا غيرك، فلما راى اجتماعهم على ذلك أجابهم على اسف وهم وكراهية.
وخرج هرمزد جرابزين ويزدك الكاتب من معسكر بهرام ليلا حتى قدما المدائن، وأخبرا هرمزد الخبر.
ثم ان بهرام سار في جنوده نحو العراق لمحاربه هرمزد الملك حتى ورد مدينه الري فأقام، واتخذ سكه للدراهم بتمثال كسرى ابرويز ابن الملك، وصورته، واسمه، وضرب عليه عشره آلاف درهم، وامر بالدراهم، فحملت سرا حتى القيت بالمدائن، ففشت في أيدي الناس.
وبلغ ذلك الملك هرمزد، فلم يشك ان ابنه كسرى يحاول الملك، وانه الذى امر بضرب تلك الدراهم، وذلك الذى اراد بهرام بما فعل، فهم الملك بقتل ابنه كسرى، فهرب كسرى من المدائن ليلا نحو اذربيجان حتى أتاها، واقام بها، ودعا الملك بندويه وبسطاما، وكانا خالي كسرى، فسألهما عن كسرى، فقالا لا علم لنا به، فارتاب بهما، فامر بحبسهما.
ثم ان الملك جمع نصحاءه، فاستشار هم، فقالوا: ايها الملك، انك عجلت في امر بهرام، وقد رأينا ان توجه الى بهرام بيزدان جشنس، فليس بهرام بقاتله، إذا أتاه فاعتذر اليه، وباء بذنبه عنده، وتكون قد طيبت نفس بهرام، ورددته الى الطاعة، وحقنت بذلك الدماء، فقبل الملك ذلك.
وبعث بيزدان جشنس الوزير، فلما تهيأ للمسير ارسل اليه ابن عم له كان محبوسا في حبس الملك ببعض الجرائم، يسأله ان يستوهبه من الملك، ويخرجه معه، فان عنده غناء ومعونه في الأمور، ففعل يزدان جشنس واخرجه معه.
فلما صار بمدينه همذان ارتاب بابن عمه ذلك، وكتب كتابا الى الملك يعلمه: انه قد رده اليه، ليأمر بقتله، او يرده الى محبسه، فانه فاجر فتاك، وقال له: انى قد كتبت الى الملك كتابا في بعض الأمور، فاغذ السير به حتى تدفعه اليه، ولا تطلعن على ذلك أحدا.
فارتاب الرجل بذلك، فلما تغيب عن يزدان جشنس، وفك الكتاب، وقراه فإذا فيه حتفه، فرجع الى يزدان جشنس، وهو مستخل، فضربه حتى قتله، وأخذ راسه، فانطلق به الى بهرام، وهو بالري، فالقاه بين يديه، وقال: هذا راس عدوك يزدان جشنس الذى وشى بك الى الملك، وافسد قلبه عليك، فقال له بهرام: يا فاسق، اقتلت يزدان جشنس في شرفه وفضله، وقد كان خرج نحوى ليعتذر الى مما كان منه، ويصلح بيني وبين الملك؟. ثم امر به، فضربت عنقه.
وبلغ من بباب الملك من العظماء والاشراف والمرازبه مقتل يزدان جشنس، وكان عظيما فيهم، فمشى بعضهم الى بعض، وعزموا على خلع الملك، وتمليك ابنه كسرى، وكان الذى زين لهم ذلك، وحملهم عليه بندويه وبسطام خالا كسرى. وكانا محتبسين، فأرسلا الى العظماء، ان أريحوا انفسكم من ابن التركية، يعنيان الملك هرمزد، وقد قتل خيارنا، واباد سراتنا، وذلك انه كان مولعا بالعلية من اجل استطالتهم على اهل الضعف، فقتل منهم خلقا كثيرا، فاتفقوا على يوم يجتمعون فيه لذلك، فاقبلوا جميعا حتى اخرجوا بندويه وبسطاما من الحبس، وجميع من كان فيه.
توليه كسرى ابرويز
ثم أقبلوا الى الملك هرمزد فنكسوه عن سريره، وأخذوا تاجه ومنطقته وسيفه وقباءه، فأرسلوا بها الى كسرى، وهو باذربيجان.
فلما انتهى ذلك اليه سار مقبلا حتى ورد المدائن، ودخل الإيوان، واجتمع اليه العظماء، فقام فيهم خطيبا، فكان مما قال: المقادير ترى المرء ما لا يخطر بباله، والأسباب تأتي على خلاف الهوى، والبغى مصرعه لأهله، والخائب من اورطته رغبته، والحازم من قنع بما قضى له ولم تتق نفسه الى اكثر منه. ايها الناس: ثابروا على ما يقربكم إلينا من طاعتنا ومناصحتنا، وإياكم
ومخالفه امرنا، والبغى علينا، فانا لكم بمنزله العرى والأركان.
فلما تفرق الناس عنه قام يمشى حتى دخل على ابيه، وهو في بيت من بيوت القصر، فقبل يديه ورجليه، وقال: يا أبت، ما احببت هذا الأمر في حياتك، ولا اردته، ولو لم اقبله لصرف منا، وازيل عنا الى غيرنا.
فقال له أبوه: صدقت وقد قبلت عذرك، فدونك الأمر، فقم به، وقد عرضت لي إليك حاجه.
قال: يا أبت، وما عسى ان يعرض لك الى؟.
قال: تنظر الذين تولوا نكسى عن السرير، وأخذوا التاج عن راسى، واستخفوا بي، وهم فلان وفلان، وسماهم، فعجل قتلهم، واطلب لأبيك بثاره منهم.
قال كسرى: هذا لا يمكن يومنا هذا حتى يقتل الله عدونا بهرام، ويستدف [1] لنا الأمر، فتنظر عند ذلك كيف ابيرهم [2] وانتقم لك منهم.
فرضى أبوه بذلك منه، وخرج كسرى من عنده، فجلس مجلس الملك.
وبلغ بهرام ما جرى، وهو بالري، وما كان من الأمر، فغضب لهرمزد غضبا شديدا، وأدركته له حميه ورقه، وذهب عنه الحقد، فسار في جنوده جادا مجدا ليقتل كسرى ومن والاه على امره، ويرد هرمزد الى ملكه.
وبلغ كسرى فصوله من الري، وما يهم به، فكتم ذلك عن ابيه، وسار ملتقيا لبهرام في جنوده، وقدم رجلا من ثقاته، وامره ان ياتى عسكر بهرام متنكرا، فينظر سيرته، ويعرف له كنه امره.
فسار الرجل، فاستقبل بهرام بهمذان، فأقام في عسكره حتى عرف جميع امره، ثم انصرف الى كسرى، فاخبره: ان بهرام إذا سار كان عن يمينه مردان سينه الرويدشتى، وعن يساره يزدجشنس بن الحلبان، وان أحدا
__________
[1] يستدف يستقيم.
[2] ابيرهم اهلكهم.
من جنوده لا يطمع نفسه في اغتصاب احد من الرعية مقدار حبه فما فوقها، وانه إذا نزل المنزل دعا بكتاب كليله ودمنه، فلا يزال منكبا عليه طول نهاره.
فقال كسرى لخاليه بندويه وبسطام: ما خفت بهرام قط كخوفى منه الساعة، حين اخبرت بإدمانه النظر في كتاب كليله ودمنه، لان كتاب كليله ودمنه يفتح للمرء رايا افضل من رايه، وحزما اكثر من حزمه، لما فيه من الآداب والفطن.
وان كسرى وبهرام توقفا بالنهروان، فعسكر كل منهما باصحابه في ناحيه، وخندق على نفسه، ثم ان بهرام عقد جسرا، وعبر الى كسرى، فلما تواقف الجمعان بدر بهرام حتى دنا من صفوف كسرى، ثم صاح باعلى صوته تبا لكم يا معشر العجم، في خلعكم ملككم، ايها الناس: توبوا الى ربكم مما فعلتم، وانحازوا الى بجماعتكم حتى نرد السلطان على ملككم قبل ان ينزل الله نقمته عليكم.
فلما سمع اصحاب كسرى ذلك قال بعضهم لبعض قد والله صدق بهرام، وان الأمر لعلى ما قال، فهلموا بنا نتلاف امرنا، ونصلح ما كان منا بإجابة بهرام الى ما راى.
وانحازوا جميعا، فانضموا الى بهرام، ولم يبق مع كسرى الا خالاه، بندويه وبسطام، وهرمزد جرابزين، والنخارجان، وسابور بن ابركان، ويزدك كاتب الجند، وباد بن فيروز، وشروين بن كامجار، وكردى بن بهرام جشنس أخو بهرام شوبين لأبيه وأمه، وكان من ثقات كسرى واحبائه.
فقال [1] هؤلاء لكسرى: ايها الملك، ما تفعل؟ الا ترى الى جميع الناس قد فارقوك، وانحازوا الى عدوك. فمضى نحو المدائن حتى إذا انتهى الى قنطره جوذرز التفت وراءه، فإذا هو ببهرام وحده، قد ترك الناس خلفه حتى
__________
[1] في الأصل: فقالوا.
دنا منه ومن اصحابه، فوقف له كسرى على طرف القنطرة، ووتر قوسه، وكان من رماه الناس، فوضع فيها نشابه، وخاف ان يعمد برميته بهرام، فلا يعمل السهم فيه لجوده درعه، فاراد ان يعمد وجهه، فلم يامن ان يتترس بدرقته [1] او يميل وجهه عن سهمه، فرمى جبهه فرسه، فلم يخطئ وسط جبهته، واستدار الفرس من شده الرميه، ثم سقط.
وبقي بهرام راجلا، فأمعن كسرى ركضا حتى دخل المدائن، واتى أباه، ولم يعلمه ان بهرام انما يحاول رد الملك اليه غير انه قال له: ان اصحابى جميعا مالوا اليه ثم قال ما الذى ترى؟ قال ارى لك ان تلحق بقيصر، فانه سينجدك، وينصرك حتى يسترجع لك ملكك.
فقبل كسرى يدي ابيه ورجليه، وودعه، وسار نحو البحر في اصحابه، وكانوا تسعه، هو عاشرهم، فقال بعضهم لبعض: ان بهرام يوافى المدائن اليوم او غدا، فيملك هرمزد، فيكون ملكا كما لم يزل، ثم يكتب هرمزد الى قيصر، فيردنا اليه، فيقتلنا جميعا، وليس كسرى بملك ما دام أبوه حيا. فقال بندويه وبسطام خالا كسرى نحن نكفيكم ذلك.
فانصرفا على المقبض، ثم اقبلا حتى دخلا قصر المملكة، وولجا على هرمزد البيت الذى كان فيه، وقد شغل الحشم بالبكاء والعويل، لهرب كسرى من عدوه، فألقيا عمامة في عنقه، فخنقاه حتى مات.
ثم لحقا بكسرى، ولم يخبراه بذلك، وساروا بالركض الشديد يومهم، مخافه الطلب، ومن الغد حتى شارفوا مدينه هيت [2] ، وانتهوا الى دير رهبان، فنزلوه، فاتوهم بخبز شعير، فبلوه بالماء، واكلوه، وأتوهم بخل، فمزجوه بماء، وشربوا منه، واتكأ كسرى على خاله بسطام، فنام لشدة ما اصابه من التعب، فبيناهم كذلك إذ ناداهم الراهب من صومعته: ايها النفر، قد أتتكم الخيل، وهم بالبعد.
__________
[1] الدرقة معرب دريجه، والدرق بالفتح الصلب من كل شيء، والدرقة كالدرع يتخذها المحارب ليحمى نفسه من النشاب والسهام.
[2] بلده على الفرات، فوق الأنبار على جهة البريه، وقد سميت باسم بانيها.
وقد كان بهرام، حين وافى المدائن، فصادف هرمزد الملك قتيلا، ازداد غيظا على كسرى وحنقا، فوجه بهرام بن سياوشان في الف فارس على الخيل العتاق. فلما نظر كسرى واصحابه الى الخيل سقط في ايديهم، وايسوا من انفسهم، فقال بندويه لكسرى: انا أخلصك بحيلتي، غير انى اغرر بنفسي.
قال له كسرى: يا خال، انك ان وقيتني بنفسك سلمت او قتلت، فكفاك بذلك ذكرا باقيا وشرفا عاليا، فقد خاطر ارسناس بنفسه في امر منوشهر، واتى فراسياب ملك الاتراك، وهو في وسط جنوده، فرماه بسهم فقتله، واراح زاب الملك منه، فأصاب بثار منوشهر، فقتل، فبعد صيته في الناس، وعظم ذكره، وقد خاطر جوذرز بنفسه بسبب سابور ذي الاكتاف حين قام بتدبير ملكه، وضبط سلطانه، فحسده الناس لذلك، فلما ادرك سابور ملكه على جميع أموره، وفوض اليه سلطانه.
قال له بندويه قم، فالق عنك قباءك، ومنطقتك، وحل عنك سيفك، وضع تاجك، واركب في سائر أصحابك، فتبطنوا هذا الوادى، فاغذوا فيه السير، ودعوني والقوم.
ففعل كسرى ما امره، وتبطن الوادى، وسار في بقية اصحابه، وعمد بندويه الى قباء كسرى فلبسه، وتنطق بمنطقته، ووضع التاج على راسه. ثم قال للرهبان عليكم بالجبل، فألحقوا به الى ان ينصرف هذا الخيل، والا لم آمن ان يقتلوكم. عن آخركم. فتركوا الصومعة جميعا، وخرجوا عن الدير.
وصعد بندويه، فصار على سطح الدير، وقد اغلق عليه الباب، وهو لابس بزه كسرى، فقام على رجليه قائما، حتى علم ان القوم قد راوه جميعا، ثم نزل الى الدير، فخلع بزه كسرى، ولبس بزه نفسه، ثم عاد الى سطح الدير، وقد حدقت به الخيل، فقال يا قوم، من اميركم؟ فاتى بهرام بن سياوشيان وقال انا أميرهم، ما تشاء يا بندويه؟
قال: ان الملك يقرئك السلام، ويقول، انا انما نزلنا آنفا [1] ، وقد كللنا، وتعبنا، وليس عليك منا فوت، فدعنا على حالنا في هذا الدير الى العشاء، لنخرج إليك، وننطلق معك الى بهرام، فيحكم فينا بما يرى.
قال بهرام بن سياوشان ذلك له، وعزازه.
ثم نزل بندويه، والقوم محدقون بالدير، فلما امسوا عاد بندويه الى سطح الدير، وقال لبهرام بن سياوشان: ان الملك يقول لك: هذا المساء، وليست لنا اجنحه نطير بها، وقد حدقتم بالدير، فدعنا ليلتنا هذه لنستريح، وامتن علينا بذلك، فإذا أصبحنا خرجنا إليك، ومضينا معك.
قال بهرام وذلك له، وحبا وكرامة. ثم امر اصحابه ان يكونوا فرقتين، فرقه تنام، واخرى تحرس نوائب.
فلما اصبح بندويه فتح الباب وخرج الى القوم وقال: ان كسرى قد فارقنى لمنذ أمس، هذا الوقت، ولو كنتم على نجائب كالريح ما لحقتموه، وانما كان ما سمعتم منى مكيده وحيله. فلم يصدقوه، ودخلوا الدير، ففتشوه بيتا بيتا، فسقط في يد بهرام بن سياوشان، ولم يدر ما يعتذر به الى بهرام شوبين. فحمل بندويه، وانصرف حتى دخل على بهرام شوبين، واخبره بالحيلة التي احتالها بندويه، فدعا به بهرام، وقال: لم ترض بما كان منك من قتل الملك هرمزد، حتى خلصت الفاسق كسرى، فنجا مني؟ قال بندويه اما قتلى هرمزد فلست اعتذر منه، إذ طغى وبغى، وقتل صناديد العجم، والقى بأسهم بينهم، وفرق كلمتهم، واما حيلتي في تخليص ابن أختي كسرى فلا لوم على في ذلك، إذ كان ولدى.
قال بهرام: اما انه ليس يمنعني من تعجيل قتلك الا ما أرجو من ظفري بالفاسق كسرى، فاقتله، واقتلك على اثره، ثم قال لبهرام بن سياوشان احبسه عندك مقيدا الى ان ادعوك به.
__________
[1] اى منذ ساعه.
ثم ان بهرام جمع اليه وجوه المملكة، فقال: قد علمتم ما ارتكب كسرى من الوزر العظيم بقتل ابيه، وقد مضى هاربا، فهل ترضون ان اقوم بتدبير هذا الملك حتى يدرك شهريار بن هرمزد مدرك الرجال، فاسلمه اليه. فرضى بذلك فريق، وأباه فريق. فممن ابى موسيل الأرمني، وكان من عظماء المرازبه، وقال لبهرام: ايها الاسبهبد [1] ، ليس لك ان تقوم بشيء من ذلك، وكسرى صاحب الملك ووراثه في الأحياء، فقال بهرام: من لم يرض فليرتحل عن المدائن، فانى ان صادفت بعد ثالثه أحدا ممن لم يرض ثاويا بالمدائن ضربت عنقه.
فارتحل موسيل الأرمني فيمن كان على رايه، وكانوا زهاء عشرين الف رجل، فساروا الى اذربيجان، فنزلوها ينتظرون قدوم كسرى من الروم، ولم يزل بندويه محتبسا عند بهرام بن سياوشان، فكان بهرام بن سياوشان يحسن اليه في المطعم والمشرب ليتخذ بذلك زلفه عنده، لما ظن ان كسرى سينصرف، ويرجع اليه الملك، وكان إذا جن عليه الليل اخرجه من محبسه، فاجلسه معه على شرابه، فقال بندويه ذات ليله لبهرام: يا بهرام، ان ما أنتم فيه سيضمحل، ويذهب لظلم بهرام شوبين واعتدائه. فقال بهرام: والله لاعرف ما تقول، وانى لاهم بأمر. قال بندويه: وما هو؟ قال: اقتل غدا بهرام شوبين، واريح الناس منه، ليرجع الملك الى نظامه وعنصره قال بندويه: اما إذ كان رأيك، فاطلقنى من قيدي، ورد على دابتى وسلاحي، ففعل.
ولما اصبح بهرام بن سياوشان تدرع تحت ثيابه درعا، واشتمل على السيف، فابصرت ذلك امراته، وكانت بنت اخت بهرام شوبين، فاسترابت به، وبعثت الى بهرام تعلمه ذلك.
وابتكر بهرام الى الميدان، فكان لا يمر به احد من اصحابه الا ضرب جنبه بالصولجان، فلم يسمع حس [2] الدرع من احد منهم، حتى مر به بهرام
__________
[1] كلمه فارسيه Ispehbed معناها قائد، وفي الأصل اصبهبذ، وهو تحريف، فاصبهبذ مدينه في بلاد الديلم.
[2] الحس بالكسر: الحركة والصوت.
ابن سياوشان فضرب جنبه بالصولجان، فلما سمع حس الدرع استل سيفه وضربه حتى قتله.
وتنادى الناس: قتل بهرام في الميدان، فظن بندويه ان بهرام شوبين المقتول، فركب دابته، ومضى نحو الميدان، فلما علم ان المقتول صاحبه خرج متنكرا، يسير الليل، ويكمن النهار، حتى اتى اذربيجان، فأقام مع موسيل واصحابه هناك.
ولما سار كسرى من الدير سار يوما وليله، وتلقاهم اعرابى، فوقفوا عليه، فسأله كسرى، وكان يحسن بالعربية شيئا، من هو؟ فاخبر انه من طيّئ، وان اسمه اياس بن قبيصة، فقال له: اين الحى؟، فقال: قريب، قال: فهل من قرى، فقد بلغ منا الجوع؟، قال: نعم، فعدلوا معه الى الحى، فنزلوا به، وسرحوا خيلهم ترتع، وأقاموا عنده يومهم، فاحسن قراهم، وزودهم، وخرج بهم حين امسوا يدلهم الطريق، حتى اخرجهم لثلاث بيالس [1] من شاطئ الفرات. ثم انصرف.
وسار كسرى حتى انتهى الى اليرموك، فخرج اليه خالد بن جبله الغساني، فقراه، ووجه معه خيلا حتى بلغ قيصر، فدخل عليه، وابثه شانه، وما توجه له، فوجده بحيث امل من نصره، ومعونته.
فقال له بطارقته: ايها الملك قد علمت ما لقى من كان قبلك من آبائك من هؤلاء، منذ زمان الاسكندر، وكان آخر ما لقينا منهم اغتصاب جد هذا إيانا مدن الشام التي لم تزل في أيدينا ارثا من آبائنا منذ الف عام، فردها عليك ابو هذا حين اجلبت بخيلك ورجلك، فدع القوم يشتغل بعضهم ببعض، فان حرب العدو بعضهم بعضا فتح عظيم.
فقال قيصر لعظيم الأساقفة: ما تقول أنت يا كبيرنا؟.
فقال: لا يحل لك خذلانه، إذ كان مبغيا عليه، والرأي ان تنصره، ليكون لك سلما ما بقيت وبقي.
__________
[1] مراحل السفر.
قال قيصر: وهل يجوز للملوك ان يستجار بهم فلا يجيروا؟.
فاخذ على كسرى العهود والمواثيق بالمسالمه، وزوجه ابنته مريم، ثم عقد لابنه ثيادوس في ابطال جنوده، وفيهم عشره رجال من الهزار مردين [1] ، وقواهم بالأموال والعتاد، وامرهم بالمسير معه، وشيعهم ثلاثة ايام.
فسار كسرى بالجيش، فاخذ على أرمينية حتى إذا صار باذربيجان انضم اليه خاله بندويه وموسيل الأرمني ومن معه من مرازبته ومرازبه فارس.
وبلغ خبره بهرام شوبين، فسار جادا بالجنود حتى وافاه باذربيجان، فعسكر على فرسخ من معسكر كسرى. ثم تزاحفوا، ونصب لكسرى وثيادوس سرير من ذهب فوق رابيه تشرف بهما على مجتلد القوم، ولما تواقفت الخيلان اقبل رجل من الهزار مردين حتى دنا من كسرى، فقال: ارنى هذا الذى غلبك على ملكك. فدخلت كسرى انفه من تعييره اياه بذلك، فكظمها، غير انه أراه بهرام شوبين، فقال: هو صاحب الفرس الأبلق المعتجر [2] بالعمامة الحمراء، الواقف امام اصحابه.
فمضى الرومي نحو بهرام شوبين، فناداه: ان هلم الى المبارزه، فخرج اليه بهرام، فاختلفا ضربتين، فلم يصنع سيف الرومي شيئا في بهرام، لجوده درعه، وضربه بهرام على مفرق راسه، وعليه البيضه، فقد البيضه، وافضى السيف الى صدر الرومي، فقده حتى وقع نصفين، عن يمين وشمال.
وابصر ذلك كسرى، فاستغرب ضحكا، فغضب ثيادوس، وقال: ترى رجلا من اصحابى يعد بألف رجل قد قتل فتضحك، كأنك مسرور بقتل الروم، فقال كسرى: ان ضحكى لم يكن سرورا منى بقتله، غير انه عيرنى بما قد سمعت، فاحببت ان يعلم ان الذى غلبني على ملكي، وهربت منه إليكم، هذه ضربته.
__________
[1] جماعه من المحاربين المختارين، وكانت عدتهم ألفا.
[2] الاعتجار: لف العمامه دون التلحى.
وان القوم اقتتلوا يومين، فلما كان في اليوم الثالث دعا بهرام كسرى الى المبارزه، فهم كسرى ان يفعل، فمنعه ثيادوس، وابى كسرى، فخرج الى بهرام، فتطاردا ساعه.
ثم ان كسرى ولى منهزما، وعارضه بهرام فاقتطعه عن اصحابه، ومضى كسرى نحو جبل، وبهرام في اثره يهتف به، وبيده السيف، وهو يقول: الى اين يا فاسق؟. فجمع كسرى نفسه، فساعدته القوه على تسنم الجبل، فلما نظر بهرام الى كسرى قد علا ذروه الجبل علم انه قد نصر عليه، فانصرف خاسئا، وهبط كسرى من جانب آخر حتى اتى اصحابه، ثم ابتكر [1] الفريقان على مصافهم في اليوم الرابع، فاقتتلوا، فكان الظفر لكسرى.
وانصرف بهرام في جنوده منهزما الى معسكره، فقال بندويه لكسرى: ايها الملك، ان الجنود الذين مع بهرام لو قد امنوك على انفسهم انحازوا إليك، فائذن لي ان أعطيهم الامان عنك، فاذن له.
فلما امسى بندويه اقبل حتى وقف على رابيه مشرفه على معسكر بهرام، ثم نادى باعلى صوته: ايها الناس، انا بندويه بن سابور، وقد أمرني الملك كسرى ان أعطيكم الامان، فمن انحاز إلينا منكم في هذه الليلة فهو آمن على نفسه واهله وماله. ثم انصرف.
فلما اظلم الليل على اصحاب بهرام تحملوا حتى لحقوا بمعسكر كسرى الا مقدار اربعه آلاف رجل، فإنهم أقاموا مع بهرام.
ولما اصبح بهرام نظر الى معسكره خاليا قال: الان حسن الفرار.
فارتحل في اصحابه الذين أقاموا معه، وفيهم مردان سينه ويزدجشنس، وكانا من فرسان العجم.
فوجه كسرى في طلبه سابور بن ابركان في عشره آلاف فارس، فلحقه،
__________
[1] ابتكرو بكر وباكره بمعنى اى أتاه بكره.
وعطف عليه بهرام في اصحابه، فاقتتلوا، فانهزم سابور، ومضى بهرام على وجهه، فمر في طريقه بقرية، فنزلها، ونزل هو ومردان سينه ويزدجشنس بيت عجوز، فاخرجوا طعاما لهم، فتعشوا وأطعموا فضلته العجوز، ثم اخرجوا شرابا، فقال بهرام للعجوز: اما عندك شيء نشرب فيه؟، قالت: عندي قرعه صغيره، فاتتهم بها، فجبوا راسها، وجعلوا يشربون فيها، ثم اخرجوا نقلا [1] ، وقالوا للعجوز: اما عندك شيء يجعل عليه النقل؟ فاتتهم بمنسف [2] ، فألقوا فيه ذلك النقل، فامر بهرام، فسقيت العجوز، ثم قال لها: ما عندك من الخبر أيتها العجوز؟، قالت: الخبر عندنا ان كسرى اقبل بجيش من الروم، فحارب بهرام، فغلبه، واسترد منه ملكه، قال بهرام: فما قولك في بهرام؟، قالت: جاهل، احمق، يدعى الملك، وليس من اهل بيت المملكة.
قال بهرام: فمن اجل ذلك يشرب في القرع، ويتنقل من المنسف.
فجرى مثلا في العجم يتمثلون به.
وسار بهرام حتى انتهى الى ارض قومس [3] ، وبها قارن الجبلي النهاوندي وكان والى خراسان على حربها وخراجها، وعلى قومس وجرجان، وكان شيخا كبيرا قد اناف على المائه، وكان على تلك الناحية من قبل كسرى انوشروان. ثم اقره هرمزد بن كسرى، فلما افضى الأمر الى بهرام عرف له قدره في العجم، وفضله، فاقره مكانه.
فلما انتهى بهرام اليه وجه قارن ابنه في عشره آلاف فارس، فحالوا بين بهرام وبين النفوذ، فأرسل اليه بهرام ما هذا جزائي منك، إذ اقررتك على عملك؟ فأرسل اليه قارن: ان ما على من حق الملك كسرى وحق
__________
[1] النقل بفتح النون وقد تضم وسكون القاف ما يتنقل به على الشراب.
[2] المنسف كمنبر ما ينفض به الحب، وهو شيء طويل منصوب الصدر، اعلاه مرتفع.
[3] قومس، تعريب كومس وهي كوره كبيره واسعه قرب جبل طبرستان.
آبائه اعظم مما على من حقك، وكذلك عليك، لو عرفت، إذ شرفك، فكافاته، ان خلعت طاعته، وسعرت مملكه العجم نارا وحربا، فكان قصاراك ان رجعت خائبا حسيرا، وصرت احدوثه لجميع الأمم.
فأرسل اليه بهرام: ان العنز يساوى درهمين مرتين: إذا كان عناقا صغيرا، وإذا هرم وسقطت اسنانه لم يساو أيضا الا درهمين، وكذلك أنت في هرمك ونقصان عقلك.
فلما أتت قارن هذه الرسالة، غضب وخرج في ثلاثين الف فارس ورجل من جنوده، وتهيأ الفريقان للحرب. فلما التقوا قتل ابن قارن، فانهزم اصحابه، حتى لحقوا بمدينه قومس. ومضى بهرام على خوارزم، فعبر النهر، ووغل في بلاد الترك من ذلك الوجه يؤم خاقان ليستجير به فيجيره، ويمنع عنه.
وبلغ خاقان قدوم بهرام عليه، فامر طراخنته، فاستقبلوه، واقبل حتى دخل على خاقان، فحياه بتحية الملك، وقال: انى اتيتك ايها الملك مستجيرا بك من كسرى واهل مملكته لتمنعنى واصحابى، فقال له خاقان: لك ولأصحابك عندي الحماية والجوار والمواساه.
ثم ابتنى له مدينه، وبنى في وسطها قصرا، فانزله واصحابه فيها، ودون لهم، وفرض الاعطيات، فكان بهرام يدخل على خاقان كل يوم، فيجلس منه مجلس اخوته، وخاص اقاربه.
وكان لخاقان أخ يسمى بغاوير وكانت له نجده وفروسيه، فرآه بهرام يتذرع في منطقته غير هائب من الملك، ولا موقرا لمجلسه، فقال ذات يوم لخاقان: ايها الملك، انى ارى اخاك بغاوير يتذرع في الكلام، ولا يرعى لمجلسك ما يجب ان يرعى لمجلس الملوك، وعهدنا بالملوك لا يتكلم اخوتهم وأولادهم عندهم الا بما يسألون عنه. فقال خاقان: ان بغاوير قد اعطى نجده في الحروب وفروسيه، فهو يدل بذلك، على انه يتربص بي الدوائر، ويضمر لي الحسد والعداوة. قال له بهرام: افتحب ايها الملك ان اريحك منه.
قال: بماذا؟. قال: بقتله. قال: نعم، ان امكنك ذلك من وجه لا يكون على فيه مسبه. قال بهرام: سآتي من ذلك ما لا يلزمك فيه عار ولا عيب.
فلما أصبحوا من غد اقبل بهرام، فجلس عند خاقان مجلسه الذى كان يجلس فيه، فاقبل بغاوير، فجلس وجعل يتذرع في كلامه.
فقال له بهرام: يا أخي، لم لا توفى الملك حقه، وتظهر للناس هيبته واجلاله.
فقال له بغاوير: وما أنت وذلك ايها الفارس الطريد الشريد؟! قال له بهرام: كأنك تصول بفروسيه لست فيها باكثر منى.
قال له بغاوير: فهل لك الى مبارزتي، فاعرفك نفسك.
قال له بهرام: اما انا فلا أحب ذلك، فانى متى غلبتك لم اقتلك لمكانك من الملك.
قال بغاوير: لكنى ان غلبتك قتلتك، فاخرج بنا الى الصحراء.
قال بهرام: على النصفه إذا قال الملك ذلك، وعلى ان لا قود على ان قتلتك، ولا لائمه من الملك وطراخنته.
قال: نعم.
فقال خاقان: ما لك ولهذا الرجل المستجير بنا، العائذ بجوارنا؟
قال بغاوير: ادعوه الى النصفه.
قال: واى نصفة؟
قال: يقف لي واقف له على مائتي ذراع، فارميه، ويرميني، فأينا قتل صاحبه لم يكن عليه لوم ولا عقل [1] .
قال له خاقان: اربع [2] على نفسك، لا أم لك.
__________
[1] ديه.
[2] كف وارفق.
قال: والله ليفعلن او لافتكن به بين يديك.
قال: فدونك اذن.
فخرج بغاوير وبهرام في نفر من الطراخنه ينظرون، ووقف بغاوير من بهرام على مائتي ذراع، فقال بهرام للطراخنه: لا تلوموني ان انا قتلته، فقد بغى على كما ترون.
فقالوا: ليس عليك لوم.
فصاح بغاوير ببهرام، اتبدا أنت، أم ابدا انا؟
فناداه بهرام: بل ابدا أنت، فارم، فأنت الباغى الظالم.
فوتر بغاوير قوسه، ووضع فيها نشابه، ثم نزع حتى اغرقها، ثم أرسلها، فصكت بهرام اسفل من سرته في وسط منطقته، فنفذت المنطقه والدرع وسائر اللباس حتى انتهت الى صفاق [1] بطنه الظاهر، واثرت فيه.
وبادر بهرام فنزعها، ووقف هنيهة لا يضرب بيده الى قوسه من شده ما اصابه من الم الرميه، وظن بغاوير بان قد قتله، فركض نحوه، فصاح بهرام: ان ارجع الى مكانك، فقف لي كما وقفت لك، فانصرف الى مكانه، فوقف، واخرج بهرام قوسه، فوترها [2] ، وكان لا يوترها سواه، ثم وضع فيها نشابه، ونزع حتى اغرقها، ثم أرسلها، فوقعت من بغاوير في مثل الموضع الذى وقعت نشابته من بهرام، في وسط المنطقه والدرع وسائر اللباس، ومرقت من الجانب الآخر، لم يذهب شيء من ريشها ولا عقبها، وسقط بغاوير ميتا.
وبلغ ذلك خاقان، فقال: لا يبعد الله غيره، قد نهيته عن البغى، فأبى، ثم تقدم الى طراخنته واهل بيته، فقال: لا اعلمن أحدا منكم نوى لبهرام سوءا ولا مكروها.
__________
[1] جلد.
[2] اى جعل لها وترا، والوتر محركه شرعه القوس ومعلقها.
فلما خلا بهرام بخاقان شكر له ما كان منه، وقال: لقد ارحتنى ممن كان يتمنى موتى، ليستبد بالملك دون ولدى، ثم زاده إكراما ومنزله وبرا، وعظم قدر بهرام بأرض الترك، واتخذ ميدانا على باب قصره، واتخذ الجوارى والقيان [1] والجوارح [2] .، وكان من اكرم الناس على خاقان.
وان كسرى عند انهزام بهرام وهربه اكرم ثيادوس، ومن معه، فاحسن جوائزهم وصلاتهم، وسرحهم الى بلادهم، وولى خاله بندويه دواوينه وبيوت أمواله، ونفذ امره في جميع المملكة، وولى خاله بسطام ارض خراسان وقومس وجرجان وطبرستان، ووجه عماله في الافاق، ووضع عن الناس نصف الخراج.
ولما بلغ كسرى عظيم قدر بهرام عند خاقان وجسيم منزلته ببلاد الترك خافه ان يستجيش ويعود الى محاربته، فوجه هرمزد جرابزين الى خاقان وافدا في تجديد العهد، ووجه معه بالطاف وطرف، وامره ان يتلطف بخاقان حتى يفسد قلبه على بهرام.
فسار هرمزد جرابزين حتى دخل على خاقان، ومعه كتاب كسرى، واوصل اليه هدايا كسرى والطافه، فقبلها خاقان، وامره بالمقام ليقضى حوائجه، فكان هرمزد يدخل على خاقان مع وفود الملوك، فيحييه بتحية الملك.
ثم انه دخل ذات يوم، فرآه جالسا، فقال: ايها الملك، انى أراك قد استصفيت بهرام واسنيت منزلته، ولم تفعل به من ذلك شيئا الا وما كان فعل به ملكنا اكثر منه، فكان جزاؤه منه ان خلعه، واراد سفك دمه
__________
[1] القينة: هي الجاريه بيضاء اللون مغنيه كانت او غير مغنيه، وقيل تختص بالمغنيه.
[2] جمع جارحه وهي الطير والسباع الكواسب التي تتخذ في الصيد، وتطلق الجارحه على الذكر والأنثى
وخرج على ابنه كسرى حتى نفاه من مملكته، وما احسب قصارى امرك منه الا الغدر ونكث العهد، فاحذره ايها الملك، لا يفسد عليك ملكك.
فلما سمع خاقان منه ذلك غضب غضبا شديدا، وقال: لولا انك وافد ورسول لمنعتك من الدخول الى لما استبان لي من خرقك وعيبك بحضرتى أخي وصفى، فلا تعودن لمثل هذا.
فقال هرمزد جرابزين: اما إذ كان ايها الملك هذا رأيك فيه، فاسالك ان تكتم على، لا يبلغه ذلك، فيقتلني، فقال: هذا لك.
فخرج هرمزد آيسا منه، فاندس الى امراته خاتون ومن النساء السخافة وكفران النعم فدخل عليها ذات يوم، فلم يصادف عندها أحدا يخافه، فقال لها: أيتها الملكه، انكم قد اصطفيتم بهرام، ورفعتموه فوق قدره، وليس بمأمون ان يفسد عليكم ملككم كما افسده على هرمزد ملكنا، ثم قص عليها ما كان منه، وقال: أيتها الملكه، اقد نسيت قتله عمك شاهان شاه واحتواءه على سريره وخزائنه؟ فلم يزل يذكرها هذا، وأشباهه حتى اوقع في قلبها بغض بهرام والخوف منه على زوجها وولدها.
قالت: ويحك، وما الذى يمكنني في امره، ومنزلته من الملك منزلته؟.
قال: الرأي ان تدسى اليه من يقتله، فتامنى على زوجك وولدك.
فأمرت غلاما لها قد عرفته بالفتك والاقدام، فقالت له: انطلق الساعة حتى تدخل على بهرام وتتلطف لتقتله، ولا تأتني الا بعد الفراغ منه.
فانطلق الغلام حتى استاذن على بهرام، وفي حجزته خنجر، قد ستره، وكان ذلك اليوم يوم ورهام روز.
قالوا: وقد كان المنجمون قالوا في مولده، ان منيته في ورهام روز [1] ،
__________
[1] روز بالفارسيه بمعنى يوم. ويوم ورهام واحد من الأيام المعروفه عند الفرس.
فكان لا يخرج ذلك اليوم من منزله، ولا يأذن لأحد الا لثقاته وخاصته، فدخل الاذن، فاعلمه ان رسول الملكه يطلب الاذن، فاذن له، فدخل، فحيا بهرام وقال: ان الملكه قد وجهتني إليك برسالة، فأخلني.
فقام من عند بهرام، فخرجوا. ودنا التركى منه، كأنه يريد ان يساره، ثم استل الخنجر فبعجه [1] به، وخرج، فركب دابته، ومضى.
ودخل اصحاب بهرام عليه، فصادفوه يستدمى، وبيده ثوب ينشف به الدم، فلما راوه بتلك الحال بهتوا، وقالوا: كيف لم تهتف بنا، فنأخذه؟، فقال: انما كان كلبا امر بشيء فنفذ له، وقال لهم: إذا جاء القدر لم يغن الحذر، وقد خلفت عليكم أخي مردان سينه، فأطيعوا امره.
وارسل الى خاقان يعلمه امره، فاقبل خاقان نحوه والها [2] فواراه في ناووس [3] ، وهم بقتل خاتون، فحجز عن ذلك لمكان ولده منها.
وان اصحاب بهرام تناظروا فيما بينهم، فقالوا: ما لنا عند هؤلاء خير، وما الرأي الا الخروج عن ارضهم، فإنهم غدره بالعهد، كفره للإحسان، والانتقال الى بلاد الديلم، فإنها اقرب الى بلادنا، وامكن للطلب بثارنا من ملوكنا الذين شردونا، فسألوا خاقان الاذن لهم في الانصراف، فاذن لهم، واحسن اليهم، وقواهم، وبذرقهم [4] الى حدود ارضه.
وكان مع بهرام اخته كرديه، وكانت من اجمل نساء العجم، وابرعهن براعه، وأكملهن خلقا، وافرسهن فروسيه، فخرج اصحاب بهرام وكرديه امامهم على دابه بهرام متسلحه بسلاحه، حتى انتهوا الى نهر جيحون مما يلى خوارزم، فعبروا هناك، وانصرف عنهم الطراخنه، وأخذ اصحاب بهرام
__________
[1] بعجة: شق بطنه.
[2] غضبان قد ذهب عقله من شده الحزن.، فصادفه قد مات.
[3] الناووس: مقابر النصارى.
[4] خفرهم والمبذرق الخفير.
على شاطئ النهر، ثم انحطوا الى جرجان، وسلكوا طبرستان، ثم لزموا ساحل البحر حتى انتهوا الى بلاد الديلم، فسألوهم السكنى معهم في بلادهم، فاجابوهم اليه، وكتبوا بينهم كتابا: الا يتأذى احد بأحد، فأقاموا آمنين، واتخذوا المعايش والقرى والمزارع، وايديهم مع أيدي الديلم في كل امر.
فلما قتل بهرام راى كسرى ان قد صفا له الملك، فلم يكن له همه الا الطلب بثار ابيه هرمزد، وأحب ان يبدأ بخاليه بندويه وبسطام، ونسى ايادى بندويه عنده، فمكث كسرى يكاشرهما [1] عشر سنين، وانه خرج في ايام الربيع كعادته، يريد الجبل ليصيف فيه، فنزل حلوان [2] وبندويه معه، فامر ان يضرب له قبة على الميدان، لينظر الى المرازبه إذا لعبوا الكره.
فجلس على تلك القبه، فراى شيرزاد بن البهبوذان يضرب بالكره ويجيد، فكان كلما ضرب، فأجاد، قال له كسرى زه سوار [3] ، فاحصى الموكل ذلك مائه مره قالها.
فكتب له الى بندويه بأربعمائة الف درهم، لكل مره اربعه آلاف درهم، فلما وصل الصك الى بندويه قذفه من يده، وقال: ان بيوت الأموال لا تقوم لهذا التبذير.
وبلغ كسرى قوله، فجعل ذلك ذريعه الى الوثوب به، فامر صاحب حرسه ان يأتيه، فيقطع يديه ورجليه، فاقبل صاحب الحرس لينفذ فيه امر كسرى، فاستقبله بندويه يريد الميدان، فامر به، فنكس عن دابته، وقطع يديه ورجليه، وتركه متشحطا في دمه بمكانه.
__________
[1] يظهر لهما الرضى، والكشر بسكون الشين: التبسم، وكشر عن اسنانه ابداها، ويكون في الضحك وغيره.
[2] قريه بالعراق.
[3] زه كلمه للاستحسان بمعنى مرحبا او بارك الله، وسوار معناها فارس، وهو تعبير فارسي
فجعل بندويه يشتم كسرى، ويشتم أباه، ويذكر غدر آل ساسان، ونكثهم، ويقال كل ذلك لكسرى، فقال لمن حوله من وزرائه: يزعم بندويه ان آل ساسان غدره نكثه، وينسى نفسه في غدره بالملك، أبينا، حين دخل عليه مع أخيه بسطام، فألقيا العمامه في عنقه، ثم خنقاه بها ظلما وعدوا، ليتقربا بذلك الى، كأنه ليس لي بوالد.
ثم ركب الى الميدان، فمر ببندويه، وهو ملقى على قارعه الطريق، فامر الناس ان يرجموه بالحجارة، فرجموه حتى مات. وقال: هذه، حتى تأتي أختها.
يعنى ما اراد من الحاق بسطام بأخيه بندويه، ثم امر كاتب السر ان يكتب الى بسطام ليخلف على عمله ثقه، ويقدم مستخفيا ليناظره في بعض الأمر، ففعل بسطام ذلك، واقبل على البريد، فلما انتهى الى حد قومس استقبله مردان به قهرمان أخيه بندويه، فلما نظر اليه من بعيد رفع صوته بالبكاء والعويل، فقال له بسطام: ما وراءك؟ فاخبره بمقتل أخيه، فلم يجد مذهبا في الارض، فعدل الى من بالديلم من اصحاب بهرام.
وبلغ مردان سينه رئيس اصحاب بهرام قدوم بسطام عليه، ففرح بذلك، وخرج متلقيا له في جميع اصحابه، لشرف بسطام في العجم، وفضله، ثم أقبلوا به حتى انزلوه منزلا بهيا، وركب اليه اشراف تلك البلاد، فأقام عندهم آمنا، ثم ان مردان سينه ويزد جشنس والعظماء قالوا لبسطام: ما بال كسرى أحق بالملك منك، وأنت ابن سابور بن خربنداد من صميم ولد بهمن بن اسفندياذ، وانكم لاخوه بنى ساسان وشركاؤهم، فهلم نبايعك ونزوجك كرديه اخت بهرام، ومعنا سرير ذهب قد كان حمله بهرام من المدائن، فاجلس عليه، وادع لنفسك، فان اهل بيتك من ولد دار ابن بهمن سينحلبون إليك، وإذا قويت شوكتك، وكثر جندك، سرت الى الغادر كسرى، فحاربته، وحاولت ملكه، فان نلت ما تريد فذاك الذى نحب وتحب، وان قتلت قتلت وأنت تحاول ملكا، وان ذلك ابعد لصوتك، وانبه لذكرك.
فلما سمع بسطام ذلك الكلام اصغى اليه، وأجابهم الى ما عرضوا عليه، فزوجوه كرديه، وأجلسوه على سرير الذهب، وعقدوا على راسه التاج، وبايعوه عن آخرهم، ودعوه ملكا، وتابعه اشراف البلاد، وانحلب اليه جيلان والبير والطيلسان [1] ، وقوم كثير من اهل بيته من ناحيه العراق ممن كان يهواه ويهوى أخاه، حتى صار في مائه الف رجل.
فخرج الى الدستبى [2] واقام بها، وبث السرايا في ارض الجبل، حتى بلغوا حلوان والصيمرة [3] وماسبذان، وهرب عمال كسرى، وتحصن الدهاقين في الحصون ورءوس الجبال.
وبلغ ذلك كسرى، فسقط في يده، وعلم انه لم يأخذ وجه الأمر في قتله بندويه، فاخذ الأمر من قبل الخديعة، فكتب الى بسطام: انه قد بلغنى مصيرك الى الغدره الفسقه، اصحاب الفاسق بهرام، وتزيينهم لك ما لا يليق بك، ثم حملوك على الخروج على المملكة والعيث فيها والفساد من غير ان تعلم ما انوى لك، وما انطوى عليه في بابك، فدع التمادي في الغى واقبل الى آمنا، ولا يوحشنك قتل أخيك بندويه.
فأجابه بسطام: ان قد أتاني كتابك بما خبرت به من خديعتك، وسطرت من مكيدتك، فمت بغيظك، وذق وبال امرك، واعلم انك لست بأحق بهذا الأمر منى، بل انا أحق به منك، لانى ابن دارا مقارع الاسكندر، غير انكم يا بنى ساسان غلبتمونا على حقنا وظلمتمونا، وانما كان أبوكم ساسان راعى غنم، ولو علم أبوه بهمن فيه خيرا ما زوى [4] عنه الملك الى اخته خمانى.
فلما ورد كتابه على كسرى علم الا طمع فيه، فوجه اليه ثلاثة قواد في ثلاثة عساكر، كل عسكر اثنا عشر الف رجل، فنفذ العسكر الاول، وعليه سابور
__________
[1] اقوام من سكان نواحي الديلم والخزر.
[2] كوره كبيره في دنباوند مقسومه بين الري وهمذان.
[3] بلد بين ديار الجبل وديار خوزستان.
[4] نحاه وازاله.
ابن ابركان، ثم اردفه بالعسكر الثانى، وعليه النخارجان، ثم اردفهما بالثالث، وعليه هرمزد جرابزين، فلما اتصل ببسطام فصول العساكر نحوه سار حتى اتى همذان، فأقام بها، ووجه الرجاله الى رءوس العقاب [1] ، ليمنعوا الناس من الصعود والنفوذ.
قال: فاقامت العساكر دون الجبل بمكان يدعى قلوص، وكتبوا الى كسرى يعلمونه ذلك، فخرج كسرى بنفسه في خمسين الف فارس، حتى وافى جنوده وهم معسكرون بقلوص، فأقام عندهم ريثما اراح، ثم سار على رستاق [2] يسمى شراه [3] ، فنفذ منه الى همذان في طريق لا جبل فيه ولا عقبه، حتى افضى الى بطن همذان، فعسكر هناك، وخندق على نفسه.
وسار اليه بسطام في جنوده، فاقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة ايام، لا ينهزم احد من الفريقين عن صاحبه، فلما راى كسرى ذلك، قال لكردى بن بهرام جشنس أخي بهرام شوبين لأبيه وأمه، وكان من انصح المرازبه لكسرى، واشدهم له ودا، وأسرعهم في طاعته نهوضا، فقال: قد ترى ما نحن فيه من شده هذه الحروب، وانى قد رجوت الراحة مما نحن فيه بباب لطيف. قال: وما هو ايها الملك؟ قال: ان أختك كرديه امراه بسطام متشوقه [4] لا محاله الى الرجوع الى أهلها ووطنها، وانا اعرف انها ان آثرت قتل بسطام قدرت لطمانينته إليها، ولما بلغنى من صرامتها وأقدامها، وان هي قتلته فلها على ذمه الله: ان أتزوجها واجعلها سيده نسائي، واجعل الملك من بعدي لولد، ان كان لي منها، وانا كاتب على ذلك بخطى، فأرسل إليها حتى تعرض ذلك عليها، وتنظر ما عندها فيه.
قال له كردى: ايها الملك، فاكتب لها بخطك ما تطمئن اليه، وتعرف صدق
__________
[1] جمع عقب وهو المرقى الصعب من الجبال.
[2] معرب رستا بضم الراء وسكون السين، وهو السواد والقرى.
[3] في الأصل: شرا،
[4] في نسخه اخرى متشوفه، والتشوف: التطلع والشوق.
قولك فيه، لأوجه إليها بالكتاب مع امراتى، فاننى لا أثق بسواها في كتمان السر.
فكتب لها كسرى بذلك، وأكد، فاخذ كردى الكتاب، ووجهه مع امراته الى كرديه. وقد كان بسطام خرج بها معه لشدة وجده بها.
فلما قرات كرديه كتاب كسرى عرفت وثاقته، فافضت بسرها الى ظئورتها وثقاتها، فزين لها ذلك لتشوقهن الى اوطانهن. ولم ينكر بسطام مجيء المرأة الى كرديه لما عرف من الف النساء وتزاورهن.
وان بسطام انصرف ذات عشاء الى مضربه الذى فيه كرديه تعبا قد مسه الكلال لشدة الحرب، فدعا بطعام، فنال منه، ثم دعا بشرابه، فجعلت كرديه تسقيه صرفا حتى غلبه السكر، فنام، فقامت الى سيفه، فوضعت ظبته [2] في ثندوته [3] ، وتحاملت عليه حتى خرج من ظهره، ثم خرجت من ساعتها، فتحملت في حشمها وظئورتها، وقد كان أخوها كردى وقف لها على الطريق في خيل، فلما انتهت اليه انطلق بها، فانزلها في رحله.
ولما اصبح اصحاب بسطام ووجدوه قتيلا ارتحلوا هاربين نحو بلاد الديلم، فوجه كسرى سابور بن ابركان في عشره آلاف فارس، وامره ان يقيم بقزوين، فتكون مسلحه هناك، وتمنع من اراد النفوذ من ارض الديلم الى مملكته، ثم تزوج كرديه، وضمها اليه، وانصرف الى المدائن، ونزلت كرديه من قلبه بموضع محبه شديده، وشكر لها ما كان منها، وزاح عن كسرى ما يجد في نفسه من الغضاضة بانتقامه من قتله ابيه، واطمان له ملكه وهدأ واستقر.
__________
[2] الظبة: حد السيف والسنان والخنجر وما اشبه ذلك.
[3] لحم الثدى او اصله.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

One thought on “تاريخ العجم والتاريخ النبوي

  1. Pingback: موقعة القادسية |

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *