بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَصَبَ الْأَصْنَامَ

بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَصَبَ الْأَصْنَامَ وَمَا كَانَ مِنْ كَسْرِهَا

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ” أَنَّ جُرْهُمًا، لَمَّا طَغَتْ فِي الْحَرَمِ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِامْرَأَةٍ مِنْهُمُ الْكَعْبَةَ، فَفَجَرَ بِهَا. وَيُقَالُ: إِنَّمَا قَبَّلَهَا فِيهَا فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ، اسْمُ الرَّجُلِ إِسَافُ بْنُ بُغَاءٍ، وَاسْمُ الْمَرْأَةِ نَائِلَةُ بِنْتُ ذِئْبٍ، فَأُخْرِجَا مِنَ الْكَعْبَةِ، فَنُصِبَ أَحَدُهُمَا عَلَى الصَّفَا، وَالْآخَرُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَإِنَّمَا نُصِبَا هُنَالِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا النَّاسُ، وَيَزْدَجِرُوا عَنْ مِثْلِ مَا ارْتَكَبَا؛ لِمَا يَرَوْنَ مِنَ الْحَالِ الَّتِي صَارَا

إِلَيْهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ يَدْرُسُ وَيَتَقَادَمُ حَتَّى صَارَا يُمْسَحَانِ، يَتَمَسَّحُ بِهِمَا مَنْ وَقَفَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ صَارَا وَثَنَيْنِ يُعْبَدَانِ، فَلَمَّا كَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِمَا وَالتَّمَسُّحِ بِهِمَا، وَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا. فَكَانَا كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، فَصَارَتْ إِلَيْهِ الْحِجَابَةُ وَأَمْرُ مَكَّةَ، فَحَوَّلَهُمَا مِنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا بِلَصْقِ الْكَعْبَةِ، وَجَعَلَ الْآخَرَ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ. وَيُقَالُ: جَعَلَهُمَا جَمِيعًا فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ، وَكَانَ يَنْحَرُ عِنْدَهُمَا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَمُرُّونَ بِإِسَافٍ وَنَائِلَةَ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِمَا، وَكَانَ الطَّائِفُ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ يَبْدَأُ بِإِسَافٍ فَيَسْتَلِمُهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ خَتَمَ بِنَائِلَةَ فَاسْتَلَمَهَا، فَكَانَا كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ، فَكَسَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا كُسِرَ مِنَ الْأَصْنَامِ “

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَدِينِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنِ ابْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: ” كَانَ إِسَافٌ وَنَائِلَةُ رَجُلًا وَامْرَأَةً، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ، فَأُخْرِجَا مِنْ جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا، فَجُعِِلَ أَحَدُهُمَا بِلَصْقِ الْكَعْبَةِ، وَالْآخَرُ عِنْدَ زَمْزَمَ، وَكَانَ يُطْرَحُ بَيْنَهُمَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ كَانَ يُسَمَّى الْحَطِيمَ، وَإِنَّمَا نُصِبَا هُنَالِكَ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا النَّاسُ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمَا يَدْرُسُ حَتَّى جُعِلَا وَثَنَيْنِ يُعْبَدَانِ، وَكَانَتْ ثِيَابُهُمَا كُلَّمَا بَلِيَتْ أَخْلَفُوا لَهُمَا ثِيَابًا، ثُمَّ أُخِذَ الَّذِي بِلَصْقِ الْكَعْبَةِ، فَجُعِلَ مَعَ الَّذِي عِنْدَ زَمْزَمَ، وَكَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُمَا، وَلَمْ تَكُنْ تَدْنُو مِنْهُمَا امْرَأَةٌ طَامِثٌ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ بِشْرُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْأَسَدِيُّ أَسَدُ خُزَيْمَةَ:
[البحر الوافر]
عَلَيْهِ الطَّيْرُ مَا يَدْنُونَ مِنْهُ … مَقَامَاتُ الْعَوَارِكِ مِنْ إِسَافِ “

حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَإِنَّ بِهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ [ص:121] صَنَمًا، قَدْ شَدَّهَا إِبْلِيسُ بِالرَّصَاصِ، وَكَانَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضِيبٌ، فَكَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» ثُمَّ يُشِيرُ إِلَيْهَا بِقَضِيبِهِ، فَتَتَسَاقَطُ عَلَى ظُهُورِهَا “

وَحَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا وَيَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الْحَقُّ، وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَلَا يُعِيدُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، مِنْهَا مَا قَدْ شُدَّ بِالرَّصَاصِ، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» . وَيُشِيرُ إِلَيْهَا، فَمَا مِنْهَا صَنَمٌ أَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ إِلَى وَقَعَ عَلَى دُبُرِهِ، وَلَا أَشَارَ إِلَى دُبُرِهِ إِلَّا وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى وَقَعَتْ كُلُّهَا ” وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «لَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَمَرَ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ كُلِّهَا، فَجُمِعَتْ، ثُمَّ حُرِقَتْ بِالنَّارِ وَكُسِرَتْ» وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فَضَالَةُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوِّحِ اللَّيْثِيُّ فِي ذِكْرِ يَوْمِ الْفَتْحِ:
[البحر الكامل]
أَوَمَا رَأَيْتَ مُحَمَّدًا وَجُنُودَهُ … بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الْأَصْنَامُ
لَرَأَيْتَ نُورَ اللَّهِ أَصْبَحَ بَيِّنًا … وَالشِّرْكَ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ

حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ” مَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يُشِيرَ بِالْقَضِيبِ إِلَى الصَّنَمِ، فَيَقَعَ لِوَجْهِهِ، فَطَافَ [ص:122] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ بِمِحْجَنِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سَبْعِهِ نَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَقَامِ، وَجَاءَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضْلَةَ، فَأَخْرَجَ رَاحِلَتَهُ، وَالدِّرْعُ عَلَيْهِ وَالْمِغْفَرُ، وَعِمَامَتُهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى زَمْزَمَ، فَاطَّلَعَ فِيهَا، وَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَغْلِبَ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَنَزَعْتُ مِنْهَا دَلْوًا» فَنَزَعَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دَلْوًا فَشَرِبَ، وَأَمَرَ بِهُبَلَ فَكُسِرَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: يَا أَبَا سُفْيَانَ، قَدْ كُسِرَ هُبَلُ، أَمَا إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ مِنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي غُرُورٍ حِينَ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: دَعْ هَذَا عَنْكَ يَا ابْنَ الْعَوَّامِ، فَقَدْ أَرَى أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ إِلَهِ مُحَمَّدٍ غَيْرُهُ لَكَانَ غَيْرُ مَا كَانَ “

حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالُوا: كَانَ إِسَافٌ وَنَائِلَةُ رَجُلًا وَامْرَأَةً، الرَّجُلُ إِسَافُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْمَرْأَةُ نَائِلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مِنْ جُرْهُمٍ، فَزَنَيَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ، فَاتَّخَذُوهُمَا يَعْبُدُونَهُمَا، وَكَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُمَا، وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَهُمَا إِذَا نُكِّسُوا، فَلَمَّا كُسِرَتِ الْأَصْنَامُ كَسْرًا، فَخَرَجَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ شَمْطَاءُ، تَخْمِشُ وَجْهَهَا، عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةُ الشَّعْرِ، تَدْعُو بِالْوَيْلِ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «تِلْكَ نَائِلَةُ، قَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلَادِكُمْ أَبَدًا» وَيُقَالُ: رَنَّ إِبْلِيسُ ثَلَاثَ رَنَّاتٍ: رَنَّةً حِينَ لُعِنَ فَتَغَيَّرَتْ صُورَتُهُ عَنْ صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَرَنَّةً حِينَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا بِمَكَّةَ يُصَلِّي، وَرَنَّةً حِينَ افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى

اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: أَيْئِسُوا أَنْ تَرُدُّوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى الشِّرْكِ بَعْدَ يَوْمِهِمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ أَفْشُوا فِيهِمُ النَّوْحَ وَالشِّعْرَ “

وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: ” نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَدَعَنَّ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ» فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَكْسِرُونَ تِلْكَ الْأَصْنَامَ ” قَالَ: وَكَانَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ حِينَ أَسْلَمَ لَا يَسْمَعُ بِصَنَمٍ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ قُرَيْشٍ إِلَّا مَشَى إِلَيْهِ حَتَّى يَكْسِرَهُ، وَكَانَ أَبَا تِجَارَةٍ، يَعْمَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَبِيعُهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي قُرَيْشٍ رَجُلٌ بِمَكَّةَ إِلَّا وَفِي بَيْتِهِ صَنَمٌ

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ بَعْضِ آلِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَتْرُكَنَّ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ وَأَحْرَقَهُ، وَثَمَنُهُ حَرَامٌ» قَالَ جُبَيْرٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى قَبْلَ ذَلِكَ الْأَصْنَامَ يُطَافُ بِهَا بِمَكَّةَ، فَيَشْتَرِيهَا أَهْلُ الْبَدْوِ، فَيَخْرُجُونَ بِهَا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وَفِي بَيْتِهِ صَنَمٌ، إِذَا دَخَلَ يَمْسَحُهُ، وَإِذَا خَرَجَ يَمْسَحُهُ؛ تَبَرُّكًا بِهِ

قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ جَعَلَتْ تَضْرِبُ صَنَمًا فِي بَيْتِهَا بِالْقَدُومِ فِلْذَةً فِلْذَةً، وَهِيَ تَقُولُ: «كُنَّا مِنْكَ فِي غُرُورٍ»

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَنْ نَصَبَهَا وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: «نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الْخَلَصَةَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَكَانُوا يُلْبِسُونَهَا الْقَلَائِدَ، وَيُهْدُونَ إِلَيْهَا الشَّعِيرَ وَالْحِنْطَةَ، وَيَصُبُّونَ عَلَيْهَا اللَّبَنَ، وَيَذْبَحُونَ لَهَا، وَيُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ، وَنَصَبَ عَلَى الصَّفَا صَنَمًا يُقَالُ لَهُ نَهِيكٌ مُجَاوِدُ الرِّيحِ، وَنَصَبَ عَلَى الْمَرْوَةِ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ مُطْعِمُ الطَّيْرِ»

مَا جَاءَ فِي مَنَاةَ وَأَوَّلِ مَنْ نَصَبَهَا

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ” أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، نَصَبَ مَنَاةَ

عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدًا، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ لِلْأَزْدِ وَغَسَّانَ، يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا، فَإِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى، لَمْ يَحْلِقُوا إِلَّا عِنْدَ مَنَاةَ، وَكَانُوا يُهِلُّونَ لَهَا، وَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِمَكَانِ الصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا: نَهِيكٍ مُجَاوِدِ الرِّيحِ، وَمُطْعِمِ الطَّيْرِ، فَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ يُهِلُّونَ بِمَنَاةَ، وَكَانُوا إِذَا أَهَلُّوا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَمْ يُظِلَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجَّتِهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَحْرَمَ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ تَسَوَّرَ مِنْ ظَهْرِ بَيْتِهِ؛ لِأَنْ لَا يَجُنُّ رِتَاجُ الْبَابِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَهُدِمَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: 189] . قَالَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَغَسَّانَ مِنَ الْأَزْدِ وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ “

وَحَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: «كَانَتْ مَنَاةُ صَخْرَةً لِهُذَيْلٍ، وَكَانَتْ بِقُدَيْدٍ»

بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَا جَاءَ فِي بُدُوِّهِمَا كَيْفَ كَانَ

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ

سَاجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ مَضَى كَانَ يَقْعُدُ عَلَى صَخْرَةٍ لِثَقِيفٍ يَبِيعُ السَّمْنَ مِنَ الْحَاجِّ إِذَا مَرُّوا، فَيَلُتُّ سَوِيقَهُمْ، وَكَانَ إِذَا غَنِمَ، فَسُمِّيَتْ صَخْرَةَ اللَّاتِ، فَمَاتَ، فَلَمَّا فَقْدَهُ النَّاسُ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ رَبَّكُمْ كَانَ اللَّاتَ، فَدَخَلَ فِي جَوْفِ الصَّخْرَةِ. وَكَانَ الْعُزَّى ثَلَاثَ شَجَرَاتٍ سَمُرَاتٍ بِنَخْلَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَعَا إِلَى عِبَادَتِهَا عَمْرُو بْنُ رَبِيعَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ رَبَّكُمْ يَتَصَيَّفُ بِاللَّاتِ لِبَرْدِ الطَّائِفِ، وَيَشْتُو بِالْعُزَّى لِحَرِّ تِهَامَةَ. وَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ شَيْطَانٌ يُعْبَدُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْدَ الْفَتْحِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى لِيَقْطَعَهَا فَقَطَعَهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا رَأَيْتَ فِيهِنَّ؟» قَالَ: لَا شَيْءَ. قَالَ: «مَا قَطَعْتَهُنَّ، فَارْجِعْ فَاقْطَعْ» . فَرَجَعَ فَقَطَعَ، فَوَجَدَ تَحْتَ أَصْلِهَا امْرَأَةً نَاشِرَةً شَعْرَهَا، قَائِمَةً عَلَيْهِنَّ، كَأَنَّهَا تَنُوحُ عَلَيْهِنَّ، فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: «صَدَقْتَ»

حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ اتَّخَذَ الْعُزَّى بِنَخْلَةَ، فَكَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ حَجِّهِمْ وَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى يَأْتُوا الْعُزَّى، فَيَطُوفُونَ بِهَا، وَيَحِلُّونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهَا يَوْمًا، وَكَانَتْ لِخُزَاعَةَ. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وَبَنُو كِنَانَةَ كُلُّهَا يُعَظِّمُ الْعُزَّى مَعَ خُزَاعَةَ وَجَمِيعِ مُضَرَ، وَكَانَ سَدَنَتَهَا الَّذِينَ يَحْجُبُونَهَا بَنُو شَيْبَانَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمٍ “

وَقَالَ عُثْمَانُ: وَأَخْبَرَنَا [ص:127] مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ قَالَ: كَانَتْ بَنُو نَصْرٍ وَجُشَمَ وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ وَهُمْ عَجُزُ هَوَازِنَ يَعْبُدُونَ الْعُزَّى. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَكَانَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانَةٌ تُكَلِّمُهُمْ وَتَرَاءَا لِلسَّدَنَةِ، وَهُمُ الْحَجَبَةُ، وَذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ إِبْلِيسَ وَأَمْرِهِ “

حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْهُذَلِيِّ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَبَثَّ السَّرَايَا فِي كُلِّ جِهَةٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَخَرَجَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِي فِي مِائَتَيْنِ قِبَلَ يَلَمْلَمَ، وَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي فِي ثَلَاثِمِائَةٍ قِبَلَ عُرَنَةَ، وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى يَهْدِمُهَا، فَخَرَجَ خَالِدٌ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْعُزَّى، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا فَهَدَمَهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَهَدَمْتَ» ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا، فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَاهْدِمْهَا» . فَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا جَرَّدَ سَيْفَهُ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا، فَجَعَلَ السَّادِنُ يَصِيحُ بِهَا. قَالَ خَالِدٌ: وَأَخَذَنِي اقْشِعْرَارٌ فِي ظَهْرِي، فَجَعَلَ يَصِيحُ بِهَا وَيَقُولُ:
[البحر الكامل]
أَعُزَّى شُدِّي شَدَّةً لَا تُكَذِّبِي … أَعُزَّى أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمِّرِي
أَعُزَّى إِنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَرْءَ خَالِدًا … فَبُوئِي بِإِثْمٍ عَاجِلٍ أَوْ تَنَصَّرِي
[ص:128]
فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالسَّيْفِ إِلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ … إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ
قَالَ: فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ، فَجَزَلَهَا بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «نَعَمْ، تِلْكَ الْعُزَّى، قَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلَادِكُمْ أَبَدًا» ثُمَّ قَالَ خَالِدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِكَ، وَأَنْقَذَنَا بِكَ مِنَ الْهَلَكَةِ، لَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَبِي يَأْتِي الْعُزَّى بِخَيْرِ مَالِهِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، فَيَذْبَحُهَا لِلْعُزَّى، وَيُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَيْنَا مَسْرُورًا، وَنَظَرْتُ إِلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَبِي، وَإِلَى ذَلِكَ الرَّأْيِ الَّذِي كَانَ يُعَاشُ فِي فَضْلِهِ، وَكَيْفَ خُدِعَ حَتَّى صَارَ يَذْبَحُ لِمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ يَسَّرَهُ لِلْهُدَى تَيَسَّرَ لَهُ، وَمَنْ يَسَّرَهُ لِلضَّلَالَةِ كَانَ فِيهَا» وَكَانَ هَدَمَهَا لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَكَانَ سَادِنُهَا أَفْلَحَ بْنَ النَّضْرِ السُّلَمِيَّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو لَهَبٍ يَعُودُهُ وَهُوَ حَزِينٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا لِي أَرَاكَ حَزِينًا؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَضِيعَ الْعُزَّى مِنْ بَعْدِي. قَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: فَلَا تَحْزَنْ، فَأَنَا أَقُومُ عَلَيْهَا بَعْدَكَ. فَجَعَلَ أَبُو لَهَبٍ يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَ: إِنْ تَظْهَرِ الْعُزَّى كُنْتُ قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَهَا يَدًا بِقِيَامِي عَلَيْهَا، وَإِنْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعُزَّى – وَمَا أَرَاهُ يَظْهَرُ – فَابْنُ أَخِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ

حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ايْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ؛ فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا. قَالَ: «قُلْ» . فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]

شَهِدْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَوَاتِ مِنْ عَلُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» . فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَأَنَّ أَبَا يَحْيَى وَيَحْيَى … كِلَيْهِمَا لَهُ عَمَلٌ فِي دِينِهِ مُتَقَبَّلُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَأَنَّ الَّذِي عَادَ الْيَهُودَ ابْنَ مَرْيَمٍ … رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُرْسَلُ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» . فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَأَنَّ أَخَا الْأَحْقَافِ إِذْ يَعْذِلُونَهُ … يُجَاهِدُ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَيَعْدِلُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» . فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَأَنَّ الَّتِي بِالْجِزْعِ مِنْ بَطْنِ نَخْلَةٍ … وَمَنْ دَانَهَا فَلٌّ عَنِ الْحَقِّ مُعْزَلُ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَشْهَدُ» .
قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي الْعُزَّى. وَأَمَّا مَنَاةُ، فَكَانَتْ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57

 

One thought on “بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَصَبَ الْأَصْنَامَ

  1. Pingback: ذِكْرُ الْفِيلِ حِينَ سَاقَتْهُ الْحَبَشَةُ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *