الوليد بن يزيد

الوليد بن يزيد

فلما استخلف الوليد بن يزيد امر صاحب شرطه سعيد بن غيلان بأخذ خالد بالمال الذى عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه، وقال: اسمعنى صياحه.
فاقبل سعيد بن غيلان الى خالد وهو في منزله، فاخرجه، فانطلق به الى السجن، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب، فلم يكلمه خالد بحرف.
وقال الاشعث بن القينى فيما نال خالدا:
الا ان خيرا الناس نفسا ووالدا … اسير قريش عندها في السلاسل
لعمري، لقد اعمرتم السجن خالدا … واوطاتموه وطأة المتثاقل
فان تحبسوا القسرى لا تحبسوا اسمه … ولا تحبسوا معروفه في القبائل
وقدم يوسف بن عمر الثقفى بمال العراقين على الوليد، فجلس الوليد للناس، واذن لهم إذنا عاما.
فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمرى، وكان معاندا لخالد، فقال: يا امير المؤمنين، على محاسبه خالد بخمسه آلاف الف درهم، فسلمه الى.
فأرسل الوليد الى خالد وهو في السجن ان زياد بن عبد الرحمن قد اعطى بمحاسبتك خمسه آلاف الف درهم، فان صححتها لنا، والا دفعناك اليه.
فأرسل له خالد: ان عهدي بالعرب لاتباع، وبالله لو سألتني ان اضمن لك هذا، ورفع عود من الارض، ما فعلت.
فلما راى الوليد بن زيد تقاعد خالد بما عليه من المال امر به، فسلم الى يوسف ابن عمر، وقال: انطلق به الى العراق، واستاده جميع ما عليه من المال.
فحمله يوسف بن عمر معه الى واسط [1] ، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه، ثم يرده الى الحبس، فاخرجه ذات يوم، وقال: ما هذا التقاعد يا ابن المائقه [2] .
فقال له خالد: ما ذكرك الأمهات، لعنك الله؟ والله لا اكلمك بكلمة ابدا.
فغضب يوسف بن عمر من ذلك، فوضع على خالد المضرسه [3] ، وجعل يعذبه بها حتى قتله، فدفنه ليلا في عباءه كانت عليه.
فأنشأ الوليد بن يزيد:
الم تهتج فتذكر الوصالا … وحبلا كان متصلا فزالا
بلى، فالدمع منك له سجال … كماء الغرب ينهمل انهمالا
فدع عنك ادكارك آل سعدى … فنحن الاكثرون حصى ومالا
ونحن المالكون الناس قسرا … نسومهم المذلة والنكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلا … وما نالوهم الا خبالا [4]
وطئنا الاشعرين بكل أرض … ولم يك وطؤنا ان يستقالا
وكنده والسكون قد استعاذوا … نسومهم المذلة والخبالا
شددنا ملكنا ببني نزار … وقومنا بهم من كان مالا
وهذا خالد فينا قتيلا … الا منعوه ان كانوا رجالا
ولو كانت بنو قحطان عربا … لما ذهبت صنائعه ضلالا
ولا تركوه مسلوبا أسيرا … نحمله سلاسلنا الثقالا
ولكن المذلة ضعضعتهم … فلم يجدوا لذلتهم مقالا
فلما سمع من كان باقطار الشام من اليمانيه هذا الشعر انفوا أنفا شديدا، فاجتمعوا من مدن الشام، وساروا نحو الوليد بن يزيد.
__________
[1] موضع بين البصره والكوفه.
[2] الموق هو الحمق في غباوة.
[3] حجر غليظ جدا خشن الوطء.
[4] الخبال هو الهلاك والعناء.
وبلغ الوليد مسيرهم، فامر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق.
واقبلت اليمانيه، وخرج اليهم الوليد بمضر مستعدا للحرب، فالتقوا، واقتتلوا، وأثخنت اليمانيه القتل في مضر، فانهزمت مضر، وأخذوا نحو دمشق، ودخل الوليد قصره، فتحصن فيه.
واقبلت اليمانيه حتى دخلت دمشق، واخرجوا محمد بن خالد من محبسه، وراسوه عليهم.
فأرسل محمد بن خالد الى ابن عم الوليد بن يزيد، وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فجاء به، فبايعوه جميعا، وارسل الى اشراف المضريين، فبايعوه طوعا وكرها.
وخلعوا الوليد بن يزيد، فلبث مخلوعا أياما كثيره، وهو خليع بنى اميه.

يزيد بن الوليد

فقام يزيد بن الوليد بالخلافة، ووضع للناس العطاء، وفرق في اليمانيه الصلات والجوائز.
واقبل محمد بن خالد الى قصر الوليد بن يزيد، وامر بالاوهاق [1] ، فالقيت في شرف القصر، وتسلقوا، فعلوه، ونادوا: يا وليد، يا لوطي، يا شارب الخمر، ثم نزلوا اليه، فقتلوه.
واستدف [2] الملك ليزيد بن الوليد.
وان محمد بن خالد وجه منصور بن جمهور في خيل الى العراق، وامره ان يقصد الى مدينه واسط، فيأخذ الناس بالبيعه ليزيد بن الوليد، فإذا بايعوا دعا بيوسف بن عمر، فضرب عنقه.
__________
[1] الحبال جمع وهق.
[2] استتب واستقام.
فسار منصور بن جمهور، فبدا بالكوفه واخذهم بالبيعه ليزيد بن الوليد، فلما بايعوا سار منها الى واسط، فاجتمع اليه الناس، فبايعوا ليزيد، فلما فرغ دعا بيوسف ابن عمر، فقال له:
أنت القاتل سيد العرب خالد بن عبد الله؟
قال يوسف: كنت مأمورا، وما لي في ذلك من ذنب، فهل لك ان تعفيني من القتل، وأعطيك ديتي عشره آلاف درهم، فضحك منه، ثم حمله حتى اتى به محمد بن خالد بالشام، فقال له محمد:
اما زعمك انى كنت مأمورا فقد صدقت، وقد قتلت قاتل ابى، وانما اقتلك بعبده غزوان، ثم قدمه، فضرب عنقه.
فملك يزيد بن الوليد سته اشهر، ثم مات.

ابراهيم بن الوليد

وقام بالملك من بعده اخوه ابراهيم بن الوليد، فبايعه الناس بالشام، وجميع الافاق، وجعل ولى العهد من بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان، واستعمل على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، فسار ابن هبيرة حتى نزل المكان الذى الى اليوم يسمى قصر ابن هبيرة وبنى فيه قصرا، واتخذ ذلك المكان منزلا له ولجنوده.
قالوا: وان المضرية تلاومت فيما كان من غلبه اليمانيه عليها، وقتلهم الخليفة الوليد بن يزيد، فدب بعضهم الى بعض، واجتمعوا من اقطار الارض وساروا حتى وافوا مدينه حمص [1] ، وبها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وكان يومئذ شيخ بنى اميه وكبيرهم، وكان ذا ادب كامل وراى فاضل، فاستخرجوه
__________
[1] بلد مشهور في الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحده، في طرفه القبلي قلعه حصينة على تل عال كبير، بين دمشق وحلب، في نصف الطريق، وقد سمى باسم من احدثه، وهو حمص ابن مكنف العمليقى، وبه قبر خالد بن الوليد.
من داره، وبايعوه، وقالوا له: أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثار ابن عمك الوليد بن يزيد.
فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانه، وسائر قبائل مضر، وسار نحو مدينه دمشق.
وبلغ ذلك ابراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره.
ودخل مروان بن محمد دمشق، فاخذ ابراهيم بن الوليد وولى عهده عبد العزيز ابن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسرى نحو العراق حتى اتى الكوفه، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي، فاستخفى فيها، وعلى الكوفه يومئذ زياد بن صالح الحارثى، عاملا ليزيد بن عمر بن هبيرة.

مروان بن محمد

واستدف الملك لمروان بن محمد، واعطاه اهل البلدان الطاعة، ثم ان العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانيه.
وكان سبب ذلك، ان جديع بن على المعروف بالكرمانى كان سيد من بأرض خراسان من اليمانيه، وكان نصر بن سيار متعصبا على اليمانيه، مبغضا لهم، فكان لا يستعين بأحد منهم، وعادى أيضا ربيعه لميلها الى اليمانيه، فعاتبه الكرماني في ذلك.
فقال له نصر: ما أنت وذاك؟
قال الكرماني: انما اريد بذلك صلاح امرك، فانى اخاف ان تفسد عليك سلطانك، وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعنى المسودة [1] .
قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت.
فاسمعه الكرماني كلاما غليظا، فغضب نصر، وامر بالكرمانى الى الحبس، فحبس في القهندر، وهي القلعة العتيقة.
__________
[1] المسودة هم العباسيون، لسواد أغطية رءوسهم.
فغضب احياء العرب للكرمانى، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع الى نصر المضرية، فطابقوه وشايعوه.
وكان للكرمانى مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربه، وكان يخدمه في محبسه، وكان الكرماني رجلا ضخما عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له مولاه:
اتوطن نفسك على الشده والمخاطره حتى اخرجك من الحبس؟
قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟
قال: انى قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر الى الفارقين، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب.
قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما اردت.
فخرج مولاه الى اليمانيه، فواطاهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل، ونام الاحراس اقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، واقبل الكرماني حتى ادخل راسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفى مولاه، فاجتذبه اجتذابه شديده، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانيه حتى انتهى به الى النصف، فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: بذبخت، مار مار اى حيه قد عرضت، فقال مولاه: بكز بكز اى عضها، ثم اجتذبه الثالثه، فاخرجه، فقال لمولاه: أمهلني ساعه، حتى افيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ.
فلما رجعت الى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، واتى بدابه ركبها حتى انتهى الى منزله، واجتمعت اليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانيه، وانحازت ربيعه معهم.
وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن ان ذلك كان بمواطاة منه.
ثم قال لسلم بن احوز المازنى، وكان على شرطه: انطلق الى الكرماني، فاعلمه: انى لم ارد به مكروها، وانما اردت تأديبه لما استقبلني به، ومره ان يصير الى آمنا، لاناظره في بعض الأمر.
فصار سلم اليه، فإذا هو بمحمد بن المثنى الربعي جالسا على الباب في سبعمائة رجل من ربيعه، فدخل عليه، فابلغه الرسالة، فقال الكرماني: لا، ولا كرامة، ما له عندي الا السيف.
فابلغ ذلك نصرا.
فأرسل نصر بعصمه بن عبد الله الأزدي، وكان من خاصته، فقال له: انطلق الى ابن عمك، فآمنه، ومره ان يصير الى آمنا، لاناظره في بعض ما قد دهمنا من هذا العدو.
فقال الكرماني لعصمه، حين ابلغه رساله نصر: يا ابن الخبيثة، وما أنت وذاك؟
وقد ذكر لي عمك، انك لغير ابيك الذى تنسب اليه، انما تريد ان تتقرب الى ابن الأقطع يعنى نصرا اما لو كنت صحيح النسب لم تفارق قومك، وتميل الى من لا رحم بينه وبينك.
فانصرف عصمه الى نصر، وابلغه قوله.
ثم ان الكرماني كتب الى عمر بن ابراهيم، من ولد أبرهة بن الصباح، ملك حمير، وكان آخر ملوكهم، وكان مستوطنا الكوفه، يسأله ان يوجه اليه بنسخه حلف اليمن وربيعه، الذى كان بينهم في الجاهلية، ليحييه، ويجدده، وانما اراد بذلك ان يستدعى ربيعه الى مكانفته.
فأرسل به اليه.
فجمع الكرماني اليه اشراف اليمن وعظماء ربيعه، وقرأ عليهم نسخه الحلف.
وكانت النسخه:
بسم الله العلى الأعظم، الماجد المنعم، هذا ما احتلف عليه آل قحطان وربيعه
الاخوان، احتلفوا على السواء السوا، والأواصر والإخاء، ما احتذى رجل حذا، وما راح راكب واغتدى، يحمله الصغار عن الكبار، والاشرار عن الاخيار. آخر الدهر والأبد، الى انقضاء مده الأمد، وانقراض الآباء والولد، حلف يوطأ ويثب، ما طلع نجم وغرب، خلطوا عليه دماهم، عند ملك ارضاهم، خلطها بخمر وسقاهم، جز من نوصيهم اشعارهم، وقلم عن أناملهم اظفارهم، فجمع ذلك في صر، ودفنه تحت ماء غمر، في جوف قعر بحر آخر الدهر، لا سهو فيه ولا نسيان، ولا غدر ولا خذلان، بعقد موكد شديد، الى آخر الدهر الابيد، ما دعا صبى أباه، وما حلب عبد في أناة، تحمل عليه الحوامل، وتقبل عليه القوابل، ما حل بعد عام قابل، عليه المحيا والممات، حتى ييبس الفرات، وكتب في الشهر الأصم [1] عند ملك أخي ذمم، تبع بن ملكيكرب، معدن الفضل والحسب، عليهم جميعا كفل، وشهد الله الأجل، الذى ما شاء فعل، عقله من عقل، وجهله من جهل.
فلما قرئ عليهم هذا الكتاب تواقفوا على ان ينصر بعضهم بعضا، ويكون امرهم واحدا.
فأرسل الكرماني الى نصر: ان كنت تريد المحاربة فابرز الى خارج المدينة. فنادى نصر في جنوده من مضر.
وخرج، فعسكر ناحيه من الصحراء، وفعل الكرماني مثل ذلك. وخندق كل واحد منهما في عسكره، ويسمى ذلك المكان الى اليوم الخندقين.
ووجه الكرماني محمد بن المثنى، وأبا الميلاء الربعيين، في الف فارس، من ربيعه، وامرهما ان يتقدما الى عسكر نصر بن سيار.
فاقبلا، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم:
اخرج الى القوم في الف فارس من قيس وتميم.
__________
[1] الشهر الأصم: هو رجب، وسمى بذلك في الجاهلية لعدم سماع السلاح فيه.
فانتخب الف فارس، ثم خرج، فالتقوا، واقتتلوا، وحمل محمد بن المثنى الربعي على تميم بن نصر، فتضاربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئا، لكمال لامتيهما، فلما راى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم، فعانقه، فسقطا جميعا الى الارض، وصار محمد فوق تميم، فانحنى على حلقه بالسيف، فذبحه.
وقال نصر بن سيار يرثى ابنه تميما:
نفى عنى العزاء وكنت جلدا … غداه جلى الفوارس عن تميم
وما قصرت يداه عن الأعادي … ولا اضحى بمنزله اللئيم
وفاء للخليفة وابتذالا … لمهجته يدافع عن حريم
فمن يك سائلا عنى فإني … انا الشيخ الغضنفر ذو الكليم
نمتنى من خزيمة باذخات … بواسق ينتمين الى صميم
قالوا: فمكثوا بذلك عشرين شهرا، ينهض بعضهم الى بعض كل ايام، فيقتتلون هويا، ثم ينصرفون، وقد انتصف بعضهم من بعض.
وشغلهم ذلك عن طلب ابى مسلم واصحابه حتى قوى امره، واشتد ركنه، وعلن شانه في جميع كور خراسان.
فقال عقيل بن معقل الليثى لنصر بن سيار: ان هذه العصبية قد تمادت بيننا وبين هؤلاء القوم، وقد شغلتك عن جميع اعمالك، وضبط سلطانك، وقد اظلك هذا العدو الكلب، فأنشدك الله ان تشام [1] نفسك وعشيرتك، قارب هذا الشيخ يعنى الكرماني بعض المقاربة، فقد انتقض الأمر على الامام مروان بن محمد.
فقال نصر: يا ابن عم، قد فهمت ما ذكرت، ولكن هذا الملاح قد ساعدته
__________
[1] يعنى ان تأخذ بهم نحو الشام.
عشيرته، وظافرتهم على امرهم ربيعه، فقد عدا من اجل ذلك طوره، فلا ينوى صلحا، ولا ينيب الى أمان، فانطلق يا ابن عم ان شئت، فسله ذلك، وأعطه عنى ما اراد.
فمضى عقيل بن معقل حتى استاذن على الكرماني، فدخل فسلم.
ثم قال له:
انك شيخ العرب وسيدها بهذه الارض، فابق عليها، قد تمادت هذه العصبية بيننا وبينكم، وقد قتل منا ومنكم ما لا يحصيه احد، وقد أرسلني نصر إليك، وجعل لك حكم الصبى على ابويه، على ان ترجع الى طاعته، لتتآزرا على إطفاء هذه النار المضطرمة في جميع كور خراسان، قبل ان يكاشفوا يعنى المسودة.
قال الكرماني: قد فهمت ما ذكرت، وكنت كارها لهذا الأمر، فأبى ابن عمك يعنى نصرا الا البذخ والتطاول حتى حبسنى في سجنه، وبعثني على نفسه وقومه.
قال له عقيل: فما الذى عندك في إطفاء هذه النائرة [1] ، وحقن هذه الدماء؟
قال الكرماني: عندي من ذلك ان نعتزل انا وهو الأمر، ونولي جميعا امرنا رجلا من ربيعه، فيقوم بالتدبير، ونساعده جميعا، ونتشمر لطلب هؤلاء المسودة قبل ان يجتمعوا، فلا نقوى بهم، ولو احلب عليهم معنا جميع العرب.
قال عقيل: ان هذا ما لا يرضى به الامام مروان بن محمد، ولكن الأمير نصرا يجعل الأمر لك، تولى من شئت، وتعزل من شئت، وتدبر في هؤلاء المسودة ما شئت، ويتزوج إليك، وتتزوج اليه.
قال الكرماني: كيف يتزوج الى. وليس لي بكفء؟
قال عقيل: اتقول هذا لرجل له بيت كنانه؟
__________
[1] النائرة: الحقد والعداوة، تقع بين القوم.
قال الكرماني: لو كان من مصاص [1] كنانه ما فعلت، فكيف وهو ملصق فيهم؟ فاما قولك، انه يجعل الأمر الى، اولى، واعزل من اريد، فلا، ولا كرامة، ان أكون تبعا له، او اقاره على السلطان.
فانصرف عقيل الى نصر، فقال: انك كنت بهذا الملاح ابصر منى.
ثم اخبره بما دار بينهما كله.
فكتب نصر بن سيار، الى الامام مروان بن محمد، يخبره بخروج الكرماني عليه، ومحاربته اياه، واشتغاله بذلك عن طلب ابى مسلم واصحابه، حتى قد عظم امرهم، وان المحصى المقلل لهم يزعم، انه قد بايعه مائتا الف رجل، من اقطار خراسان، فتدارك يا امير المؤمنين امرك، وابعث الى بجنود من قبلك يقو بهم ركني، واستعن بهم على محاربه من خالفني.
ثم كتب في اسفل كتابه:
ارى تحت الرماد وميض جمر … ويوشك ان يكون له ضرام
فان النار بالعودين تذكى … وان الشر مبدؤه كلام
وقلت من التعجب، ليت شعري … اايقاظ اميه أم نيام؟
فان يقظت، فذاك بقاء ملك … وان رقدت، فانى لا الام
فان يك أصبحوا، وثووا نياما … پفقل قوموا، فقد حان القيام
فلما وصل كتابه الى مروان كتب الى معاويه بن الوليد، بن عبد الملك، وكان عامله على دمشق، ومروان حينئذ بمدينه حمص، يأمره ان يكتب الى عامله بالبلقاء [2] ، ان يسير الى الحميمه [3] ، فيأخذ ابراهيم بن محمد بن على، فيشده وثاقا، ويرسل به اليه.
__________
[1] مصاص القوم: اصل منبتهم.
[2] ارض بالشام.
[3] بلد من اعمال عمان في اطراف الشام كانت منزل بنى العباس.
فاتى ابراهيم، وهو جالس في مسجده، فلف راسه، وحمل الى مروان، واتبعه من اهل بيته عبد الله بن على، وعيسى بن موسى بن على، ونفر من مواليه.
فلما دخل على مروان قال له: ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك الخلافه؟
قال له ابراهيم: ما لي بشيء من ذلك علم، فان كنت انما تريد التجنى علينا فدونك وما تريد.
ثم بسط لسانه على مروان، فامر به، فحبس.
قال الهيثم: فأخبرني ابو عبيده، قال: كنت آتى ابراهيم في محبسه، ومعه فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فاسلم عليه، وأظل عامه نهاري عنده، وربما جننى الليل عنده، فأبيت معه، فبينا انا ذات ليله عنده، وقد بت معه في الحبس، فانا نائم في سقيفه فيه، إذ قيل، مولى لمروان، فاستفتح الباب، ففتح له، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلا من موالي مروان، فلبثوا ساعه، ثم خرجوا، ولم اسمع لأحد صوتا.
فلما اصبحت دخلت البيت لاسلم عليها، فإذا هما قتيلان، فظننت انهما خنقا.
ولما قتل ابراهيم بن محمد خاف اخواه: ابو جعفر، وابو العباس على أنفسهما، فخرجا من الحميمه هاربين من العراق، ومعهما عبد الله، واسماعيل، وعيسى، وداود بنو على بن عبد الله بن عباس، حتى قدموا الكوفه، ونزلوا على ابى سلمه الداعي، الذى كان داعيه أبيهما، محمد بن على بأرض العراق.
فانزلهم جميعا دار الوليد بن سعد، التي في بنى أود، والزمهم مساورا القصاب، ويقطينا الابزارى، وكانا من كبار الشيعة، وقد كانا لقيا محمد بن على في حياته، فامرهما ان يعينا أبا سلمه على امره.
وكان ابو سلمه خلالا [1] ، فكان إذا امسوا اقبل مساور بشقه لحم، واقبل ابو سلمه بخل، واقبل يقطين بالابزار، فيطبخون، ويأكلون.
وفي ذلك يقول ابو جعفر:
لحم مساور، وخل ابى سلمه … وابزار يقطين، وطابت المرقه
فلم يزل ابو العباس، وابو جعفر مستخفين بالكوفه الى ان قدم قحطبه بن شبيب العراق.
قالوا: وبلغ أبا مسلم قتل الامام ابراهيم بن محمد، وهرب ابى العباس، وابى جعفر من الشام، واستخفاؤهما بالكوفه عند ابى سلمه.
فسار من خراسان حتى قدم الكوفه، ودخل عليهما، فعزاهما بأخيهما، ابراهيم الامام.
ثم قال لأبي العباس: مد يدك ابايعك.
فمد يده، فبايعه.
ثم سار الى مكة.
ثم انصرف إليهما.
فتقدم اليه ابو العباس، الا يدع بخراسان عربيا لا يدخل في امره الا ضرب عنقه.
ثم انصرف ابو مسلم الى خراسان، فجعل يدورها، كوره كوره، ورستاقا رستاقا، فيواعدهم اليوم الذى يظهرون فيه، ويأمرهم بتهيئه السلاح والدواب لمن قدر.
قالوا: ولما اعيت نصر بن سيار الحيل في امر الكرماني، وخاف ازوف ابى مسلم كتب الى مروان:
__________
[1] يمتهن بيع الخل.
يا ايها الملك الوانى بنصرته … قد آن للامر ان يأتيك من كثب
اضحت خراسان، قد باضت صقورتها … وفرخت في نواحيها بلا رهب
فان يطرن، ولم يحتل لهن بها … يلهبن نيران حرب أيما لهب
فلما وصلت هذه الأبيات الى مروان كتب الى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله [1] على العراقين، يأمره ان ينتخب من جنوده اثنا عشر رجلا، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفه والبصره، ويولى عليهم رجلا حازما، يرضى عقله واقدامه، ويوجه بهم الى نصر بن سيار.
فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة الى مروان: ان من معه من الجنود لا يفون باثنى عشر ألفا، ويعلمه ان فرض الشام افضل من فرض العراق، لان عرب العراق ليست لهم نصيحه للخلفاء من بنى اميه، وفي قلوبهم احن.
ولما أبطأ عن نصر الغوث اعاد الى مروان:
من مبلغ عنى الامام الذى … قام بأمر بين ساطع
انى نذير لك من دوله … قام بها ذو رحم قاطع
والثوب ان انهج فيه البلى … اعيى على ذي الحيله الصانع
كنا نداريها، فقد مزقت … واتسع الخرق على الراقع
فلم يجد عند مروان شيئا.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *