أَيَّامُ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، وَهِيَ بَيْنَ عَبْسٍ وَذُبْيَانَ

أَيَّامُ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، وَهِيَ بَيْنَ عَبْسٍ وَذُبْيَانَ

وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ الْعَبْسِيَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُجَهِّزَ لِقِتَالِ عَامِرٍ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى أُحَيْحَةَ بْنَ الْجُلَاحِ يَشْتَرِي مِنْهُ دِرْعًا مَوْصُوفَةً. فَقَالَ لَهُ: لَا أَبِيعُهَا وَلَوْلَا أَنْ تَذُمَّنِي بَنُو عَامِرٍ لَوَهَبْتُهَا مِنْكَ وَلَكِنِ اشْتَرِهَا بِابْنِ لَبُونٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ الدِّرْعَ، وَتُسَمَّى ذَاتِ الْحَوَاشِي، وَوَهَبَهُ أُحَيْحَةُ أَيْضًا أَدْرَاعًا، وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ جِهَازِهِ. فَاجْتَازَ بِالرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ فَدَعَاهُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ فِرَاقَهُ نَظَرَ الرَّبِيعُ إِلَى عَيْبَتِهِ فَقَالَ: مَا فِي حَقِيبَتِكَ؟ قَالَ: مَتَاعٌ عَجِيبٌ لَوْ أَبْصَرْتَهُ لَرَاعَكَ، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَأَخْرَجَ الدِّرْعَ مِنَ الْحَقِيبَةِ، فَأَبْصَرَهَا الرَّبِيعُ فَأَعْجَبَتْهُ وَلَبِسَهَا، فَكَانَتْ فِي طُولِهِ. فَمَنَعَهَا مِنْ قَيْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهَا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَجَّ قَيْسٌ فِي طَلَبِهَا، وَلَجَّ الرَّبِيعُ فِي مَنْعِهَا. فَلَمَّا طَالَتِ الْأَيَّامُ عَلَى ذَلِكَ سَيَّرَ قَيْسٌ أَهْلَهُ إِلَى مَكَّةَ وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ غِرَّةَ الرَّبِيعِ.
ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ سَيَّرَ إِبِلَهُ وَأَمْوَالَهُ إِلَى مَرْعًى كَثِيرِ الْكَلَإِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ فَظَعَنُوا، وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَسَارَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَيْسًا فَسَارَ فِي أَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَعَارَضَ ظَعَائِنَ الرَّبِيعِ، وَأَخَذَ زِمَامَ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخُرْشُبِ وَزِمَامَ زَوْجَتِهِ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ أُمُّ الرَّبِيعِ: مَا تُرِيدُ يَا قَيْسُ؟ قَالَ: أَذْهَبُ بِكُنَّ إِلَى مَكَّةَ فَأَبِيعُكُنَّ بِهَا بِسَبَبِ دِرْعِي. قَالَتْ: وَهِيَ فِي ضَمَانِي وَخَلِّ عَنَّا، فَفَعَلَ. فَلَمَّا جَاءَتْ إِلَى ابْنِهَا قَالَتْ لَهُ فِي مَعْنَى الدِّرْعِ، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الدِّرْعَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى قَيْسٍ أَعْلَمَتْهُ بِمَا قَالَ الرَّبِيعُ، فَأَغَارَ عَلَى نَعَمِ الرَّبِيعِ فَاسْتَاقَ مِنْهَا
أَرْبَعَمِائَةِ بَعِيرٍ وَسَارَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ فَبَاعَهَا وَاشْتَرَى بِهَا خَيْلًا، وَتَبِعَهُ الرَّبِيعُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ، فَكَانَ فِيمَا اشْتَرَى مِنَ الْخَيْلِ دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ.
وَقِيلَ: إِنَّ دَاحِسًا كَانَ مِنْ خَيْلِ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ أَخَذَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ يُقَالُ لَهُ أُنَيْفُ بْنُ جَبَلَةَ، وَكَانَ الْفَرَسُ يُسَمَّى السِّبْطَ، وَكَانَتْ أُمُّ دَاحِسٍ لِلْيَرْبُوعِيِّ، فَطَلَبَ الْيَرْبُوعِيُّ مِنَ الضَّبِّيِّ أَنْ يُنْزِيَ فَرَسَهُ عَلَى حِجْرِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ عَمَدَ الْيَرْبُوعِيُّ إِلَى فَرَسِ الضَّبِّيِّ فَأَخَذَهُ فَأَنْزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ، فَاسْتَيْقَظَ الضَّبِّيُّ فَلَمْ يُرَ فَرَسُهُ فَنَادَى فِي قَوْمِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْيَرْبُوعِيِّ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَغَضِبَ ضَبَّةُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا، دُونَكُمْ نُطْفَةُ فَرَسِكُمْ فَخُذُوهَا. فَقَالَ الْقَوْمُ: قَدْ أَنْصَفَ. فَسَطَا عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَدَسَّ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا فَأَخَذَ مَا فِيهَا، فَلَمْ تَزِدِ الْفَرَسُ إِلَّا لِقَاحًا فَنَتَجَتْ مُهْرًا فَسُمِّيَ دَاحِسًا بِهَذَا السَّبَبِ.
فَكَانَ عِنْدَ الْيَرْبُوعِيِّ ابْنَانِ لَهُ، وَأَغَارَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ فَنَهَبَ وَسَبَى، وَرَأَى الْغُلَامَيْنِ أَحَدَهُمَا عَلَى دَاحِسٍ وَالْآخِرَ عَلَى الْغَبْرَاءِ فَطَلَبَهُمَا فَلَمْ يَلْحَقْهُمَا، فَرَجَعَ وَفِي السَّبْيِ أُمُّ الْغُلَامَيْنِ وَأُخْتَانِ لَهُمَا وَقَدْ وَقَعَ دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ فِي قَلْبِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِيعِ مَا وَقَعَ. ثُمَّ جَاءَ وَفْدُ بَنِي يَرْبُوعٍ فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى وَالسَّبْيِ، فَأَطْلَقَ الْجَمِيعَ إِلَّا أُمَّ الْغُلَامَيْنِ وَأُخْتَيْهِمَا وَقَالَ: إِنْ أَتَانِي الْغُلَامَانِ بِالْمُهْرِ وَالْفَرَسِ الْغَبْرَاءِ وَإِلَّا فَلَا. فَامْتَنَعَ الْغُلَامَانِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ كَانَ أَسِيرًا عِنْدَ قَيْسٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْغُلَامَيْنِ، وَهِيَ:
إِنَّ مُهْرًا فَدَى الرِّبَابَ وَجُمْلًا … وَسُعَادًا لَخَيْرُ مُهْرِ أُنَاسِ
ادْفَعُوا دَاحِسًا بِهِنَّ سِرَاعًا … إِنَّهَا مِنْ فِعَالِهَا الْأَكْيَاسِ
دُونَهَا وَالَّذِي يَحُجُّ لَهُ النَّا … سُ سَبَايَا يُبَعْنَ بِالْأَفْرَاسِ
إِنَّ قَيْسًا يَرَى الْجَوَادَ مِنَ الْخَيْ … لِ حَيَاةً فِي مُتْلِفِ الْأَنْفَاسِ
يَشْتَرِي الطِّرْفَ بِالْجَرَاجِرَةِ الْجِ … لَّةِ يُعْطِي عَفْوًا بِغَيْرِ مِكَاسِ
فَلَمَّا انْتَهَتِ الْأَبْيَاتُ إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ قَادُوا الْفَرَسَيْنِ إِلَى قَيْسٍ وَأَخَذُوا النِّسَاءَ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا أَنْزَى دَاحِسًا عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَجَاءَتْ بِمُهْرَةٍ فَسَمَّاهَا الْغَبْرَاءَ.
ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا أَقَامَ بِمَكَّةَ فَكَانَ أَهْلُهَا يُفَاخِرُونَهُ، وَكَانَ فَخُورًا، فَقَالَ لَهُمْ: نَحُّوا كَعْبَتَكُمْ عَنَّا
وَحَرَمَكُمْ وَهَاتُوا مَا شِئْتُمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ: إِذَا لَمْ نُفَاخِرْكَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَبِالْحَرَمِ الْآمِنِ فَبِمَ نُفَاخِرُكَ؟ فَمَلَّ قَيْسٌ مُفَاخَرَتَهُمْ وَعَزَمَ عَلَى الرِّحْلَةِ عَنْهُمْ، وَسَرَّ ذَلِكَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا كَرِهُوا مُفَاخَرَتَهُ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهِ: ارْحَلُوا بِنَا مِنْ عِنْدِهِمْ أَوَّلًا وَإِلَّا تَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَالْحَقُوا بِبَنِي بَدْرٍ فَإِنَّهُمْ أَكْفَاؤُنَا فِي الْحَسَبِ، وَبَنُو عَمِّنَا فِي النَّسَبِ، وَأَشْرَافُ قَوْمِنَا فِي الْكَرَمِ، وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الرَّبِيعُ أَنْ يَتَنَاوَلَنَا مَعَهُمْ. فَلَحِقَ قَيْسٌ وَإِخْوَتُهُ بِبَنِي بَدْرٍ، وَقَالَ فِي مَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ:
أَسِيرُ إِلَى بَنِي بَدْرٍ بِأَمْرٍ … هُمُ فِيهِ عَلَيْنَا بِالْخِيَارِ
فَإِنْ قَبِلُوا الْجِوَارَ فَخَيْرُ قَوْمٍ … وَإِنْ كَرِهُوا الْجِوَارَ فَغَيْرُ عَارِ
أَتَيْنَا الْحَارِثَ الْخَيْرَ بْنَ كَعْبٍ … بِنَجْرَانَ وَأَيُّ لَجًا بِجَارِ
فَجَاوَرْنَا الَّذِينَ إِذَا أَتَاهُمْ … غَرِيبٌ حَلَّ فِي سَعَةِ الْقَرَارِ
فَيَأْمَنُ فِيهِمُ وَيَكُونُ مِنْهُمْ … بِمَنْزِلَةِ الشِّعَارِ مِنَ الدِّثَارِ
وَإِنْ نُفْرَدْ بِحَرْبِ بَنِي أَبِينَا … بِلَا جَارٍ فَإِنَّ اللَّهَ جَارِي
ثُمَّ نَزَلَ بِبَنِي بَدْرٍ فَنَزَلَ بِحُذَيْفَةَ، فَأَجَارَهُ هُوَ وَأَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ، وَأَقَامَ فِيهِمْ، وَكَانَ مَعَهُ أَفْرَاسٌ لَهُ وَلِإِخْوَتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ مِثْلُهَا، وَكَانَ حُذَيْفَةُ يَغْدُو وَيَرُوحُ إِلَى قَيْسٍ فَيَنْظُرُ إِلَى خَيْلِهِ فَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا وَيَكْتُمُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَأَقَامَ قَيْسٌ فِيهِمْ زَمَانًا يُكْرِمُونَهُ وَإِخْوَتَهُ، فَغَضِبَ الرَّبِيعُ وَنَقِمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَلَا أَبْلِغْ بَنِي بَدْرٍ رَسُولًا … عَلَى مَا كَانَ مِنْ شَنَإٍ وَوَتْرِ
بِأَنِّي لَمْ أَزَلْ لَكُمُ صَدِيقًا … أُدَافِعُ عَنْ فَزَارَةَ كُلَّ أَمْرِ
أُسَالِمُ سِلْمَكُمْ وَأَرُدُّ عَنْكُمْ … فَوَارِسَ أَهْلِ نَجْرَانَ وَحَجْرِ
وَكَانَ أَبِي ابْنُ عَمِّكُمُ زِيَادٌ … صَفِيَّ أَبِيكُمُ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو
فَأَلْجَأْتُمُ أَخَا الْغَدَرَاتِ قَيْسًا … فَقَدْ أَفْعَمْتُمُ إِيغَارَ صَدْرِي
فَحَسْبِي مِنْ حُذَيْفَةَ ضَمُّ قَيْسٍ … وَكَانَ الْبَدْءُ مِنْ حَمَلِ بْنِ بَدْرِ
فَإِمَّا تَرْجِعُوا أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ … وَإِنْ تَأْبَوْا فَقَدْ أَوْسَعْتُ عُذْرِي
فَلَمْ يَتَغَيَّرُوا عَنْ جِوَارِ قَيْسٍ. فَغَضِبَ الرَّبِيعُ وَغَضِبَتْ عَبْسٌ لِغَضَبِهِ، ثُمَّ إِنَّ حُذَيْفَةَ كَرِهَ قَيْسًا وَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَجِدْ حُجَّةً، وَعَزَمَ قَيْسٌ عَلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِيَّاكُمْ أَنْ تُلَابِسُوا حُذَيْفَةَ بِشَيْءٍ، وَاحْتَمِلُوا عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى حَاجَتِهِ مِنْكُمْ إِلَّا أَنْ تُرَاهِنُوهُ عَلَى الْخَيْلِ. وَكَانَ ذَا رَأْيٍ لَا يُخْطِئُ فِي مَا يُرِيدُهُ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ.
ثُمَّ إِنَّ فَتًى مِنْ عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ وَرْدُ بْنُ مَالِكٍ أَتَى حُذَيْفَةَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ وَرْدٌ: لَوِ
اتَّخَذْتَ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ فَحْلًا يَكُونُ أَصْلًا لِخَيْلِكَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: خَيْلِي خَيْرٌ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ، وَلَجَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَرَاهَنَا عَلَى فَرَسَيْنِ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ وَفَرَسَيْنِ مِنْ خَيْلِ حُذَيْفَةَ، وَالرَّهْنُ عَشْرَةُ أَذْوَادٍ.
وَسَارَ وَرْدٌ فَقَدِمَ عَلَى قَيْسٍ بِمَكَّةَ فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَقَالَ لَهُ: أَرَاكَ قَدْ أَوْقَعْتَنِي فِي بَنِي بَدْرٍ وَوَقَعْتَ مَعِي، وَحُذَيْفَةُ ظَلُومٌ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِحَقٍّ، وَنَحْنُ لَا نُقِرُّ لَهُ بِضَيْمٍ. وَرَجَعَ قَيْسٌ مِنَ الْعُمْرَةِ، فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَرَكِبَ إِلَى حُذَيْفَةَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَفُكَّ الرَّهْنَ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَسَأَلَهُ جَمَاعَةُ فَزَارَةَ وَعَبْسٍ فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ أَقَرَّ قَيْسٌ أَنَّ السَّبْقَ لِي وَإِلَّا فَلَا، فَقَالَ أَبُو جَعْدَةَ الْفَزَارِيُّ:
آلَ بَدْرٍ دَعُوا الرِّهَانَ فَإِنَّا … قَدْ مَلِلْنَا اللَّجَاجَ عِنْدَ الرِّهَانِ
وَدَعُوا الْمَرْءَ فِي فَزَارَةَ جَارًا … إِنَّ مَا غَابَ عَنْكُمُ كَالْعِيَانِ
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ هَاشِمٍ وَحُصَيْنٍ … وَابْنِ عَوْفٍ وَحَارِثٍ وَسِنَانِ
حِينَ يَأْتِيهِمُ لَجَاجُكَ قَيْسًا … رَأْيَ صَاحٍ أَتَيْتَ أَمْ نَشْوَانِ
وَسَأَلَ حُذَيْفَةُ إِخْوَتَهُ وَسَادَاتِ أَصْحَابِهِ فِي تَرْكِ الرِّهَانِ وَلَجَّ فِيهِ، وَقَالَ قَيْسٌ: عَلَامَ تُرَاهِنُنِي؟ قَالَ: عَلَى فَرَسَيْكَ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ وَفَرَسِي الْخَطَّارِ وَالْحَنْفَاءِ، وَقِيلَ: كَانَ الرَّهْنُ عَلَى فَرَسَيْ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ. قَالَ قَيْسٌ: دَاحِسٌ أَسْرَعُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْغَبْرَاءُ أَسْرَعُ، وَقَالَ لِقَيْسٍ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّمَكَ أَنَّ بَصَرِي بِالْخَيْلِ أَثْقَبُ مِنْ بَصَرِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: نَفِّسْ فِي الْغَايَةِ وَارْفَعْ فِي السَّبْقِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْغَايَةُ مِنْ أُبْلَى إِلَى ذَاتِ الْإِصَادِ، وَهُوَ قَدْرُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ غَلْوَةً، وَالسَّبْقُ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَضَمَّرُوا الْخَيْلَ. فَلَمَّا فَرَغُوا قَادُوا الْخَيْلَ إِلَى الْغَايَةِ وَحَشَدُوا وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَتَرَكُوا السَّبْقَ عَلَى يَدِ عِقَالِ ابْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْقَيْسِيِّ، وَأَعَدُّوا الْأُمَنَاءَ عَلَى إِرْسَالِ الْخَيْلِ.
وَأَقَامَ حُذَيْفَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ فِي الطَّرِيقِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْقَى دَاحِسًا فِي وَادِي ذَاتِ
الْإِصَادِ إِنْ مَرَّ بِهِ سَابِقًا فَيَرْمِي بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْوَادِي.
فَلَمَّا أُرْسِلَتِ الْخَيْلُ سَبَقَهَا دَاحِسٌ سَبْقًا بَيِّنًا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَقَيْسٌ وَحُذَيْفَةُ عَلَى رَأْسِ الْغَايَةِ فِي جَمِيعِ قَوْمِهِمَا. فَلَمَّا هَبَطَ دَاحِسٌ فِي الْوَادِي عَارَضَهُ الْأَسَدِيُّ فَلَطَمَ وَجْهَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَكَادَ يَغْرَقُ هُوَ وَرَاكِبُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا وَقَدْ فَاتَتْهُ الْخَيْلُ. وَأَمَّا رَاكِبُ الْغَبْرَاءِ فَإِنَّهُ خَالَفَ طَرِيقَ دَاحِسٍ لَمَّا رَآهُ قَدْ أَبْطَأَ وَعَادَ إِلَى الطَّرِيقِ وَاجْتَمَعَ مَعَ فَرَسَيْ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ سَقَطَتِ الْحَنْفَاءُ وَبَقِيَ الْغَبْرَاءُ وَالْخَطَّارُ، فَكَانَا إِذَا أَحْزَنَا سَبَقَ الْخَطَّارُ وَإِذَا أَسْهَلَا سَبَقَتِ الْغَبْرَاءُ. فَلَمَّا قَرُبَا مِنَ النَّاسِ وَهُمَا فِي وَعْثٍ مِنَ الْأَرْضِ تَقَدَّمَ الْخَطَّارُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَبَقَكَ يَا قَيْسُ. ” فَقَالَ رُوَيْدَكَ يَعْلُونَ الْجُدُدَ “، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِمَا الْأَرْضُ قَالَ حُذَيْفَةُ: خَدَعَ وَاللَّهِ صَاحِبُنَا. فَقَالَ قَيْسٌ: ” تَرَكَ الْخِدَاعَ مَنْ أَجْرَى مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ “، فَذَهَبَتْ مَثَلًا.
ثُمَّ إِنَّ الْغَبْرَاءَ جَاءَتْ سَابِقَةً وَتَبِعَهَا الْخَطَّارُ فَرَسُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ الْحَنْفَاءُ لَهُ أَيْضًا، ثُمَّ جَاءَ دَاحِسٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْغُلَامُ يَسِيرُ بِهِ عَلَى رِسْلِهِ، فَأَخْبَرَ الْغُلَامُ قَيْسًا بِمَا صُنِعَ بِفَرَسِهِ، فَأَنْكَرَ حُذَيْفَةُ ذَلِكَ وَادَّعَى السَّبْقَ ظَالِمًا، وَقَالَ: جَاءَ فَرَسَايَ مُتَتَابِعَيْنِ، وَمَضَى قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ حَبَسُوا دَاحِسًا وَاخْتَلَفُوا.
وَبَلَغَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ خَبَرُهُمْ فَسَّرَهُ ذَلِكَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلَكَ وَاللَّهِ قَيْسٌ، وَكَأَنِّي بِهِ إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ حُذَيْفَةُ وَقَدْ أَتَاكُمْ يَطْلُبُ مِنْكُمُ الْجِوَارَ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ مَا لَنَا مِنْ ضَمِّهِ مِنْ بُدٍّ.
ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدِيَّ نَدِمَ عَلَى حَبْسِ دَاحِسٍ فَجَاءَ إِلَى قَيْسٍ وَاعْتَرَفَ بِمَا صَنَعَ فَسَبَّهُ حُذَيْفَةُ
ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَدْرٍ قَصَرُوا بِقَيْسٍ وَإِخْوَتِهِ وَآذُوهُمْ بِالْكَلَامِ، فَعَاتَبَهُمْ قَيْسٌ، فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا بَغْيًا عَلَيْهِ

وَإِيذَاءً لَهُ.
ثُمَّ  إِنَّ قَيْسًا وَحُذَيْفَةَ تَنَاكَرَا فِي السَّبْقِ حَتَّى هَمَّا بِالْمُؤَاخَذَةِ، فَمَنَعَهُمَا النَّاسُ، وَظَهَرَ لَهُمْ بَغْيُ حُذَيْفَةَ وَظُلْمُهُ، وَلَجَّ فِي طَلَبِ السَّبْقِ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ نُدْبَةَ إِلَى قَيْسٍ يُطَالِبُهُ بِهِ، فَلَمَّا أَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ طَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَعَادَتْ فَرَسُهُ إِلَى أَبِيهِ، وَنَادَى قَيْسٌ: يَا بَنِي عَبْسٍ الرَّحِيلَ! فَرَحَلُوا كُلُّهُمْ، وَلَمَّا أَتَتِ الْفَرَسُ حُذَيْفَةَ عَلِمَ أَنَّ وَلَدَهُ قُتِلَ، فَصَاحَ فِي النَّاسِ وَرَكِبَ فِي مَنْ مَعَهُ وَأَتَى مَنَازِلَ بَنِي عَبْسٍ فَرَآهَا خَالِيَةً وَرَأَى ابْنَهُ قَتِيلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَدَفَنُوهُ.
وَكَانَ مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ أَخُو قَيْسٍ مُتَزَوِّجًا فِي فَزَارَةَ وَهُوَ نَازِلٌ فِيهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ:
أَنِّي قَدْ قَتَلْتُ نُدْبَةَ بْنَ حُذَيْفَةَ وَرَحَلْتُ فَالْحَقْ بِنَا وَإِلَّا قُتِلْتَ. فَقَالَ: إِنَّمَا ذَنْبُ قَيْسٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْحَلْ فَأَرْسَلَ قَيْسٌ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ يَطْلُبُ مِنْهُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ وَالْمُقَامَ مَعَهُ إِذْ هُمْ عَشِيرَةٌ وَأَهْلٌ، فَلَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَكَانَ مُفَكِّرًا فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَدْرٍ قَتَلُوا مَالِكَ بْنَ زُهَيْرٍ أَخَا قَيْسٍ، وَكَانَ نَازِلًا فِيهِمْ، فَبَلَغَ مَقْتَلُهُ بَنِي عَبْسٍ وَالرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَرْسَلَ الرَّبِيعُ إِلَى قَيْسٍ عَيْنًا يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ:
أَيَنْجُوا بَنُو بَدْرٍ بِمَقْتَلِ مَالِكٍ … وَيَخْذُلُنَا فِي النَّائِبَاتِ رَبِيعُ
وَكَانَ زِيَادٌ قَبْلَهُ يُتَّقَى بِهِ … مِنَ الدَّهْرِ إِنْ يَوْمٌ أَلَمَّ فَظِيعُ
فَقُلْ لِرَبِيعٍ يَحْتَذِي فِعْلَ شَيْخِهِ … وَمَا النَّاسُ إِلَّا حَافِظٌ وَمُضِيعُ
وَإِلَّا فَمَا لِي فِي الْبِلَادِ إِقَامَةٌ … وَأَمْرُ بَنِي بَدْرٍ عَلَيَّ جَمِيعُ
فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّبِيعِ فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى الرَّبِيعُ عَلَى مَالِكٍ وَقَالَ:
مَنَعَ الرُّقَادَ فَمَا أُغَمِّضُ سَاعَةً … جَزَعًا مِنَ الْخَبَرِ الْعَظِيمِ السَّارِي
أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ … يَرْجُو النِّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ … فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ … وَيَقُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ
يَضْرِبْنَ حُرَّ وُجُوهِهِنَّ عَلَى فَتًى … ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ غَيْرِ مَا خَوَّارِ
قَدْ كُنَّ يُكْنِنَّ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا … فَالْيَوْمَ حِينَ بَرَزْنَ لِلنُّظَّارِ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
فَسَمِعَهَا قَيْسٌ فَرَكِبَ هُوَ وَأَهْلُهُ وَقَصَدُوا الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ وَهُوَ يُصْلِحُ سِلَاحَهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ وَقَامَ الرَّبِيعُ فَاعْتَنَقَا وَبَكَيَا، وَأَظْهَرَا الْجَزَعَ لِمُصَابِ مَالِكٍ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَنَزَلُوا. فَقَالَ قَيْسٌ لِلرَّبِيعِ: إِنَّهُ لَمْ يَهْرُبْ مِنْكَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْكَ مَنِ اسْتَعَانَ بِكَ، وَقَدْ كَانَ لَكَ شَرُّ يَوْمَيَّ فَلْيَكُنْ لِي خَيْرُ يَوْمَيْكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِقَوْمِي وَقَوْمِي بِكَ، وَقَدْ أَصَابَ الْقَوْمُ مَالِكًا، وَلَسْتُ أَهِمُّ بِسُوءٍ لِأَنِّي إِنْ حَارَبْتُ بَنِي بَدْرٍ نَصَرَتْهُمْ بَنُو ذُبْيَانَ، وَإِنْ حَارَبَتْنِي خَذَلَنِي بَنُو عَبْسٍ إِلَّا أَنَّ تَجَمُّعَهُمْ عَلَيَّ، وَأَنَا وَالْقَوْمُ فِي الدِّمَاءِ سَوَاءٌ، قَتَلْتُ ابْنَهُمْ وَقَتَلُوا أَخِي، فَإِنْ نَصَرْتَنِي طَمِعْتُ فِيهِمْ، وَإِنْ خَذَلْتَنِي طَمِعُوا فِيَّ. فَقَالَ الرَّبِيعُ: يَا قَيْسُ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُنِي أَنْ أَرَى لَكَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَا أَرَاهُ لِي، وَلَا يَنْفَعُكَ أَنْ تَرَى لِي مَا لَا أَرَاهُ لَكَ، وَقَدْ مَالَ عَلَيَّ مَالِكٌ وَأَنْتَ ظَالِمٌ وَمَظْلُومٌ، ظَلَمُوكَ فِي جَوَادِكَ وَظَلَمْتَهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَقَتَلُوا أَخَاكَ بِابْنِهِمْ، فَإِنْ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ فَعَسَى أَنْ تَلْقَحَ الْحَرْبُ أُقِمْ مَعَكَ، وَأَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ مُسَالَمَتُهُمْ وَنَخْلُو بِحَرْبِ هَوَازِنَ. وَبَعَثَ قَيْسٌ إِلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءُوا وَنَزَلُوا مَعَ الرَّبِيعِ، وَأَنْشَدَهُمْ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدَّادٍ مَرْثِيَّتَهُ فِي مَالِكٍ:
فَلِلَّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَ مَالِكٍ … عَقِيرَةَ قَوْمٍ أَنْ جَرَى فَرَسَانِ
فَلَيْتَهُمَا لَمْ يَطْعَمَا الدَّهْرَ بَعْدَهَا … وَلَيْتَهُمَا لَمْ يُجْمَعَا لِرِهَانِ
وَلَيْتَهُمَا مَاتَا جَمِيعًا بِبَلْدَةٍ … وَأَخْطَاهُمَا قَيْسٌ فَلَا يُرَيَانِ
لَقَدْ جَلَبَا جَلْبًا لِمَصْرَعِ مَالِكٍ … وَكَانَ كَرِيمًا مَاجِدًا لِهِجَانِ
وَكَانَ إِذَا مَا كَانَ يَوْمُ كَرِيهَةٍ … فَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي وَهُوَ فَتَيَانِ
وَكُنَّا لَدَى الْهَيْجَاءِ نَحْمِي نِسَاءَنَا … وَنَضْرِبُ عِنْدَ الْكَرْبِ كُلَّ بَنَانِ
فَسَوْفَ تَرَى إِنْ كُنْتُ بَعْدَكَ بَاقِيًا … وَأَمْكَنَنِي دَهْرِي وَطُولُ زَمَانِي
فَأُقْسِمُ حَقًّا لَوْ بَقِيتَ لِنَظْرَةٍ … لَقَرَّتْ بِهَا عَيْنَاكَ حِينَ تَرَانِي
وَبَلَغَ حُذَيْفَةَ أَنَّ الرَّبِيعَ وَقَيْسًا اتَّفَقَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاسْتَعَدَّ لِلْبَلَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّ بِلَادَ عَبْسٍ كَانَتْ قَدْ أَجْدَبَتْ فَانْتَجَعَ أَهْلُهَا بِلَادَ فَزَارَةَ، وَأَخَذَ الرَّبِيعُ جِوَارًا مِنْ حُذَيْفَةَ وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ مَالِكٍ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: لِي ذِمَّتِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ذَلِكَ لَكَ. فَانْتَقَلَ الرَّبِيعُ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ أَخِيهِ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ قَتَلْتَ مَالِكًا وَخَلَّيْتَ سَبِيلَ الرَّبِيعِ! وَاللَّهِ لَيُضْرِمُنَّهَا عَلَيْكَ نَارًا! فَرَكِبَا فِي طَلَبِ الرَّبِيعِ، فَفَاتَهُمَا، فَعَلِمَا أَنَّهُ قَدْ أَضْمَرَ الشَّرَّ.
وَاتَّفَقَ الرَّبِيعُ وَقَيْسٌ، وَجَمَعَ حُذَيْفَةُ قَوْمَهُ وَتَعَاقَدُوا عَلَى عَبْسٍ، وَجَمَعَ الرَّبِيعُ وَقَيْسٌ قَوْمَهُمَا وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ، فَأَغَارَتْ فَزَارَةُ عَلَى بَنِي عَبْسٍ فَأَصَابُوا نَعَمًا وَرِجَالًا، فَحَمِيَتْ عَبْسٌ وَاجْتَمَعَتْ لِلْغَارَةِ، فَنُذِرَتْ بِهِمْ فَزَارَةُ. فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ فَالْتَقَوْا عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْعَذْقُ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ عَوْفُ بْنُ يَزِيدَ، قَتَلَهُ جُنْدُبُ بْنُ خَلَفٍ الْعَبْسِيُّ. وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَقُتِّلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَسَرَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ حُذَيْفَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَكَانَ حُرُّ بْنُ الْحَارِثِ الْعَبْسِيُّ قَدْ نَذَرَ إِنْ قَدَرَ عَلَى حُذَيْفَةَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وَلَهُ سَيْفٌ قَاطِعٌ يُسَمَّى الْأَصْرَمَ، فَأَرَادَ ضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ لَمَّا أُسِرَ وَفَاءً بِنَذْرِهِ، فَأَرْسَلَ الرَّبِيعُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَغَيَّبَتْ سَيْفَهُ وَنَهَوْهُ عَنْ قَتْلِهِ وَحَذَّرُوهُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَأَبَى إِلَّا ضَرْبَهُ، فَوَضَعُوا عَلَيْهِ الرِّجَالَ، فَضَرَبَهُ، فَلَمْ يَصْنَعِ السَّيْفُ شَيْئًا وَبَقِيَ حُذَيْفَةُ أَسِيرًا.
فَاجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ وَسَعَوْا فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُهْدِرُوا دَمَ بَدْرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بِدَمِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَيَعْقِلُوا عَوْفَ بْنَ بَدْرٍ، وَيُعْطُوا حُذَيْفَةَ عَنْ ضَرْبَتِهِ الَّتِي ضَرَبَهُ حُرٌّ مِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَنْ يَجْعَلُوهَا عُشَارًا كُلَّهَا، وَأَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ، وَأَهْدَرَ حُذَيْفَةُ دِمَاءَ مَنْ قُتِلَ مِنْ فَزَارَةَ فِي الْوَقْعَةِ وَأُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ.
فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ وَسَاءَتْ مَقَالَتُهُ فِي بَنِي عَبْسٍ، وَرَكِبَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ فَمَضَيَا إِلَى حُذَيْفَةَ وَتَحَدَّثَا مَعَهُ. فَأَجَابَهُمَا إِلَى الِاتِّفَاقِ وَأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا الْإِبِلَ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُمَا، وَكَانَتْ تَوَالَدَتْ عِنْدَهُ. فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ سِنَانُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ فَقَبَّحَ رَأْيَ حُذَيْفَةَ فِي الصُّلْحِ وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا
فَأَعْطِهِمْ إِبِلًا عِجَافًا مَكَانَ إِبِلِهِمْ وَاحْبِسْ أَوْلَادَهَا. فَوَافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ حُذَيْفَةَ، فَأَبَى قَيْسٌ وَعِمَارَةُ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْإِبِلَ الَّتِي طَلَبُوهَا مِنْهُ هِيَ إِبِلٌ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا سَبْقًا مِنْ قَيْسٍ. وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ مَالِكَ بْنَ زُهَيْرٍ قُتِلَ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ بَدْرٍ فِي ذَلِكَ:
قَتَلْنَا بِعَوْفٍ مَالِكًا وَهْوَ ثَأْرُنَا … وَمَنْ يَبْتَدِعْ شَيْئًا سِوَى الْحَقِّ يَظْلِمِ
وَجَعَلَ سِنَانٌ يَحُثُّ حُذَيْفَةَ عَلَى الْحَرْبِ، فَتَيَسَّرُوا لَهَا.
ثُمَّ إِنَّ الْأَنْصَارَ بَلَغَهُمْ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْإِطْنَابَةِ، وَمَالِكُ بْنُ عَجْلَانَ، وَأُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ، وَقَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ، وَغَيْرُهُمْ، وَسَارُوا لِيُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِمْ وَتَرَدَّدُوا فِي الِاتِّفَاقِ، فَلَمْ يُجِبْ حُذَيْفَةُ إِلَى ذَلِكَ وَظَهَرَ لَهُمْ بَغْيُهُ، فَحَذَّرُوهُ عَاقِبَتَهُ وَعَادُوا عَنْهُ.
وَأَغَارَ حُذَيْفَةُ عَلَى عَبْسٍ، وَأَغَارَتْ عَبْسٌ عَلَى فَزَارَةَ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَأَرْسَلَ حُذَيْفَةُ أَخَاهُ حَمَلًا فَأَغَارَ وَأَسَرَ رَيَّانَ بْنَ الْأَسْلَعِ بْنِ سُفْيَانَ وَشَدَّهُ وَثَاقًا وَحَمَلَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ فَأَطْلَقَهُ لِيَرْهَنَهُ ابْنَيْهِ وَجُبَيْرَ بْنَ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْلَعِ، فَفَعَلَ رَيَّانُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ قَيْسٌ إِلَى فَزَارَةَ فَلَقِيَ مِنْهُمْ جَمْعًا فِيهِمْ مَالِكُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ، فَأَخَذَ حِينَئِذٍ حُذَيْفَةُ وَلَدَيْ رَيَّانَ فَقَتَلَهُمَا وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ: يَا أَبَتَاهُ! حَتَّى مَاتَا، وَأَمَّا ابْنُ أَخِيهِ فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ.
وَلَمَّا قُتِلَ مَالِكٌ وَالْغُلَامَانِ اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَكْثَرُهَا فِي فَزَارَةَ وَمَنْ مَعَهَا. فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ الْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ،
وَأَبْصَرَ رَيَّانُ بْنُ الْأَسْلَعِ زَيْدَ بْنَ حُذَيْفَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَذُبْيَانُ، وَأُدْرِكَ الْحَارِثُ بْنُ بَدْرٍ فَقُتِلَ، وَرَجَعَتْ عَبْسٌ سَالِمَةً لَمْ يُصَبْ مِنْهَا أَحَدٌ. فَلَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ وَالْحَارِثُ جَمَعَ حُذَيْفَةُ جَمِيعَ بَنِي ذُبْيَانَ وَبَعَثَ إِلَى أَشْجَعَ وَأَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَجَمَعَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي عَبْسٍ فَضَمُّوا أَطْرَافَهُمْ، وَأَشَارَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ بِالسَّبْقِ إِلَى مَاءِ الْعَقِيقَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ حُذَيْفَةُ فِي جُمُوعِهِ إِلَى عَبْسٍ، وَمَشَى السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمْ، فَحَلَفَ حُذَيْفَةُ: أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْعَقِيقَةِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ مِنْهُ فِي سِقَاءٍ وَقَالَ: لَا أَتْرُكُ حُذَيْفَةَ
يَخْدَعُنِي. وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تُعْطِيَ بَنُو عَبْسٍ حُذَيْفَةَ دِيَاتِ مَنْ قُتِلَ لَهُ، وَوَضَعُوا الرَّهَائِنَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ يَجْمَعُوا الدِّيَاتِ، وَهِيَ عَشْرٌ، وَكَانَتِ الرَّهَائِنُ ابْنًا لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَابْنًا لِلرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ، فَوَضَعُوا أَحَدَهُمَا عِنْدَ قُطْبَةَ بْنِ سِنَانٍ وَالْآخَرَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَعْمَى. فَعَيَّرَ بَعْضُ النَّاسِ حُذَيْفَةَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ، فَحَضَرَ هُوَ وَأَخُوهُ حَمَلٌ عِنْدَ قُطْبَةَ بْنِ سِنَانٍ وَالْبِكْرِيِّ وَقَالَا: ادْفَعَا إِلَيْنَا الْغُلَامَيْنِ لِنَكْسُوَهُمَا وَنُسَرِّحَهُمَا إِلَى أَهْلِهِمَا. فَأَمَّا قُطْبَةُ فَدَفَعَ إِلَيْهِمَا الْغُلَامَ الَّذِي عِنْدَهُ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ، وَأَمَّا الْبَكْرِيُّ فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ مَنْ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَخَذَا ابْنَ قَيْسٍ عَادَا فَلَقِيَا فِي الطَّرِيقِ ابْنًا لِعُمَارَةَ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ وَابْنَ عَمٍّ لَهُ، فَأَخَذَاهُمَا وَقَتَلَاهُمَا مَعَ ابْنِ قَيْسٍ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ بَنِي عَبْسٍ أَخَذُوا مَا كَانُوا جَمَعُوا مِنَ الدِّيَاتِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ الرِّجَالَ وَاشْتَرَوُا السِّلَاحَ. ثُمَّ خَرَجَ قَيْسٌ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَقُوا ابْنًا لِحُذَيْفَةَ وَمَعَهُ فَوَارِسُ مِنْ ذُبْيَانَ فَقَتَلُوهُمْ. فَجَمَعَ حُذَيْفَةُ وَسَارَ إِلَى عَبْسٍ، وَهُوَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ عَرَاعِرُ، فَاقْتَتَلُوا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِفَزَارَةَ وَرَجَعَتْ سَالِمَةً.
وَجَدَّ حُذَيْفَةُ فِي الْحَرْبِ وَكَرِهَهَا أَخُوهُ حَمَلٌ وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ، وَقَالَ لِأَخِيهِ فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْجُمُوعَ مِنْ أَسَدٍ وَذُبْيَانَ وَسَائِرِ بُطُونِ غَطَفَانَ وَسَارَ نَحْوَ بَنِي عَبْسٍ، فَاجْتَمَعَتْ عَبْسٌ وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ وَلَيْسَ لِبَنِي بَدْرٍ إِلَّا دِمَاؤُكُمْ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلَا يُرِيدُونَ غَيْرَ الْأَمْوَالِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَتْرُكُ الْأَمْوَالَ بِمَكَانِهَا وَنَتْرُكُ مَعَهَا فَارِسَيْنِ عَلَى دَاحِسٍ وَعَلَى فَرَسٍ آخَرَ جَوَادٍ وَنَرْحَلُ نَحْنُ وَنَكُونُ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ إِلَى الْأَمْوَالِ سَارَ إِلَيْنَا الْفَارِسَانِ فَأَعْلَمَانَا وُصُولَهُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَشْتَغِلُونَ بِالنَّهْبِ وَحِيَازَةِ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ نَهَاهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَامَّةَ تُخَالِفُهُمْ وَتَنْتَقِضُ تَعْبِيَتُهُمْ، وَيَشْتَغِلُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِحِفْظِ مَا غَنِمَ وَيُعَلِّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْإِبِلِ وَيَأْمَنُونَ. فَنَعُودُ نَحْنُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ وُصُولِ الْفَارِسَيْنِ فَنُدْرِكُهُمْ وَهُمْ عَلَى حَالِ تَفَرُّقٍ وَتَشَتُّتٍ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ هِمَّةٌ إِلَّا نَفْسَهُ.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَجَاءَ حُذَيْفَةُ وَمَنْ مَعَهُ فَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ، فَنَهَاهُمْ حُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَكَانُوا عَلَى الْحَالِ الَّذِي وَصَفَ قَيْسٌ. وَعَادَتْ بَنُو عَبْسٍ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَسَدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَبَقِيَ بَنُو فَزَارَةَ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ فَقُتِلَ مَالِكُ بْنُ
سَبِيعٍ التَّغْلِبِيُّ سَيِّدُ غَطَفَانَ، وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَحُذَيْفَةُ مَعَهُمْ وَانْفَرَدَ فِي خَمْسَةِ فَوَارِسَ وَجَدَّ فِي الْهَرَبِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ بَنِي عَبْسٍ، فَتَبِعَهُ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ، وَقِرْوَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَسْلَعِ، وَرَيَّانُ بْنُ الْأَسْلَعِ الَّذِي قَتَلَ حُذَيْفَةُ ابْنَيْهِ، وَتَبِعُوا أَثَرَهُمْ فِي اللَّيْلِ وَقَالَ قَيْسٌ: كَأَنِّي بِالْقَوْمِ وَقَدْ وَرَدُوا جَفْرَ الْهَبَاءَةِ وَنَزَلُوا فِيهِ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ كُلَّهَا حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي جَفْرِ الْهَبَاءَةِ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ أَرْسَلُوا خُيُولَهُمْ فَأَخَذُوا بِجَمْعِهَا، فَحَالَ قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَكَانَ مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْجَفْرِ أَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ وَابْنُهُ حِصْنُ بْنُ حُذَيْفَةَ وَغَيْرُهُمْ. فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ وَالرَّبِيعُ وَمَنْ مَعَهُمَا وَهُمْ يُنَادُونَ: لَبَّيْكُمُ لَبَّيْكُمُ! يَعْنِي أَنَّهُمْ يُجِيبُونَ نِدَاءَ الصَّبِيَّانِ لَمَّا قُتِلُوا يُنَادُونَ: يَا أَبَتَاهُ! فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: يَا بَنِي بَكْرٍ كَيْفَ رَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الْبَغْيِ؟ فَنَاشَدُوهُمُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ. وَدَارَ قِرْوَاشُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَ خَلْفَ حُذَيْفَةَ فَضَرَبَهُ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَكَانَ قِرْوَاشُ قَدْ رَبَّاهُ حُذَيْفَةُ حَتَّى كَبِرَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ، وَقَتَلُوا حَمَلًا أَخَاهُ وَقَطَعُوا رَأْسَيْهِمَا وَاسْتَبْقُوا حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ لِصِبَاهُ.
وَكَانَ عَدَدُ مَنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ فَزَارَةَ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ قَتِيلٍ، وَقُتِلَ مِنْ عَبْسٍ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ قَتِيلًا، وَكَانَتْ فَزَارَةُ تُسَمِّي هَذِهِ الْوَقْعَةَ الْبَوَارَ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:
أَقَامَ عَلَى الْهَبَاءَةِ خَيْرُ مَيْتٍ … وَأَكْرَمُهُ حُذَيْفَةُ لَا يَرِيمُ
لَقَدْ فُجِعَتْ بِهِ قَيْسٌ جَمِيعًا … مَوَالِي الْقَوْمِ وَالْقَوْمُ الصَّمِيمُ
وَعُمَّ بِهِ لِمَقْتَلِهِ بَعِيدٌ … وَخَصَّ بِهِ لِمَقْتَلِهِ حَمِيمُ
وَهِيَ طَوِيلَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَمْسَى … عَلَى جَفْرِ الْهَبَاءَةِ لَا يَرِيمُ
فَلَوْلَا ظُلْمُهُ مَا زِلْتُ أَبْكِي … عَلَيْهِ الدَّهْرَ مَا طَلَعَ النُّجُومُ
وَلَكِنَّ الْفَتَى حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ … بَغَى وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ
وَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ فِي يَوْمِ الْهَبَاءَةِ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْسًا نَدِمَتْ عَلَى مَا فَعَلَتْ يَوْمَ الْهَبَاءَةِ، وَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاجْتَمَعَتْ فَزَارَةُ إِلَى سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا نَزَلْ بِهِمْ، فَأَعْظَمَهُ وَذَمَّ عَبْسًا، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ الْعَرَبَ وَيَأْخُذَ بِثَأْرِ بَنِي بَدْرٍ وَفَزَارَةَ وَبَثَّ رُسُلَهُ. فَاجْتَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصُونَ، وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ وَالْغَنِيمَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَسَارُوا إِلَى بَنِي عَبْسٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُمْ إِلَيْهِمْ قَالَ قَيْسٌ: الرَّأْيُ أَنَّنَا لَا نَلْقَاهُمْ، فَإِنَّنَا قَدْ وَتَرْنَاهُمْ فَهُمْ يُطَالِبُونَنَا بِالذُّحُولِ وَالطَّوَائِلِ، وَقَدْ رَأَوْا مَا نَالَهُمْ بِالْأَمْسِ بِاشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ وَالْمَالِ فَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ إِلَيْهِ الْآنَ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَفْعَلُهُ أَنَّنَا نُرْسِلُ الظَّعَائِنَ وَالْأَمْوَالَ إِلَى بَنِي عَامِرٍ، فَإِنَّ الدَّمَ لَنَا قَبْلَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَكُمْ، وَيَبْقَى أُولُو الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَنُمَاطِلُهُمُ الْقِتَالَ، فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الْقِتَالَ كُنَّا قَدْ أَحْرَزْنَا أَهْلِينَا وَأَمْوَالَنَا وَقَاتَلْنَاهُمْ وَصَبَرْنَا لَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْنَا فَهُوَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنَّا قَدِ احْتَرَزْنَا وَلَحِقْنَا بِأَمْوَالِنَا وَنَحْنُ عَلَى حَامِيَةٍ.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَتْ ذُبْيَانُ وَمَنْ مَعَهَا فَلَحِقُوا بَنِي عَبْسٍ عَلَى ذَاتِ الْجُرَاجِرِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ وَافْتَرَقُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَادُوا إِلَى اللِّقَاءِ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَظَهَرَتْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ شَجَاعَةُ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ شِدَّةَ الْقِتَالِ وَكَثْرَةَ الْقَتْلَى لَامُوا سِنَانَ بْنَ أَبِي حَارِثَةَ عَلَى مَنْعِهِ حُذَيْفَةَ عَنِ الصُّلْحِ، وَتَطَيَّرُوا مِنْهُ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَمُرَاجَعَةِ السِّلْمِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَرَادَ مُرَاجَعَةَ الْحَرْبِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. فَلَمَّا رَأَى فُتُورَ أَصْحَابِهِ وَرُكُونَهُمْ إِلَى السِّلْمِ رَحَلَ عَائِدًا. فَلَمَّا عَادَ عَنْهُمْ رَحَلَ قَيْسٌ وَبَنُو عَبْسٍ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ بْنِ بَكْرٍ وَجَاوَرُوهُمْ وَبَقَوْا مَعَهُمْ مُدَّةً، فَرَأَى قَيْسٌ مِنْ غِلْمَانِ شَيْبَانَ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَرَحَلَا عَنْهُمْ، فَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ مِنْ شَيْبَانَ، فَلَقِيَتْهُمْ بَنُو عَبْسٍ وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ شَيْبَانُ وَسَارَتْ عَبْسٌ إِلَى هَجَرَ لِيُحَالِفُوا مَلِكَهُمْ، وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ، فَعَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ لَيْلًا، فَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَسَارُوا عَنْهُ مُجِدِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ مُجِدًّا فِي أَثَرِهِمْ، فَتَاهَ بِهِمُ الدَّلِيلُ عَلَى عَمْدٍ لِئَلَّا يُدْرِكُوا عَبْسًا إِلَّا وَهُمْ قَدْ لَحِقَهُمْ وَدَوَابَّهُمُ النَّصَبُ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِالْفُرُوقِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا
فَانْهَزَمَ مُعَاوِيَةُ وَأَهْلُ هَجَرَ، وَتَبِعَتْهُمْ عَبْسٌ فَأَخَذَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا، وَرَجَعُوا سَائِرِينَ فَنَزَلُوا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ عَرَاعِرُ عَلَيْهِ حَيٌّ مِنْ كَلْبٍ، فَرَكِبُوا لِيُقَاتِلُوا بَنِي عَبْسٍ، فَبَرَزَ الرَّبِيعُ وَطَلَبَ رَئِيسَهُمْ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، وَاسْمُهُ مَسْعُودُ بْنُ مَصَادٍ. فَاقْتَتَلَا حَتَّى سَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَأَرَادَ مَسْعُودٌ قَتْلَ الرَّبِيعِ، فَانْحَسَرَتِ الْبَيْضَةُ عَنْ رَقَبَتِهِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَثَارَ بِهِ الرَّبِيعُ فَقَطَعَ رَأْسَهُ، وَحَمَلَتْ عَبْسٌ عَلَى كَلْبٍ وَالرَّأْسُ عَلَى رُمْحٍ، فَانْهَزَمَتْ كَلْبٌ وَغَنِمَتْ عَبْسٌ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَهُمْ، فَسَارُوا إِلَى الْيَمَامَةِ فَحَالَفُوا أَهْلَهَا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَأَقَامُوا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يُحْسِنُوا جِوَارَهُمْ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ فَسَارُوا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ وَوَتَرَهُمُ الْعَرَبُ، فَرَاسَلَتْهُمْ بَنُو ضَبَّةَ وَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَى حَرْبِ تَمِيمٍ، فَفَعَلُوا وَجَاوَرُوهُمْ.
فَلَمَّا انْقَضَى الْأَمْرُ بَيْنَ ضَبَّةَ وَتَمِيمٍ تَغَيَّرَتْ ضَبَّةُ لَعَبْسٍ وَأَرَادُوا اقْتِطَاعَهُمْ، فَحَارَبَتْهُمْ عَبْسٌ فَظَفِرَتْ وَغَنِمَتْ مِنْ أَمْوَالِ ضَبَّةَ، وَسَارَتْ إِلَى بَنِي عَامِرٍ وَحَالَفُوا الْأَحْوَصَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، فَسُرَّ بِهِمْ لِيَقْوَى بِهِمْ عَلَى حَرْبِ بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُ كَانَ بَلَغَهُ أَنَّ لَقِيطَ بْنَ زُرَارَةَ يُرِيدُ غَزْوَ بَنِي عَامِرٍ وَالْأَخْذَ بِثَأْرِ أَخِيهِ مَعْبَدٍ، فَأَقَامَتْ عَبْسٌ عِنْدَ بَنِي عَامِرٍ، فَقَصَدَتْهُمْ تَمِيمٌ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ شِعْبِ جَبَلَةَ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ إِنَّ ذُبْيَانَ غَزَوْا بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَفِيهِمْ بَنُو عَبْسٍ فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَتْ عَامِرٌ وَأُسِرَ قِرْوَاشُ بْنُ هُنِيٍّ الْعَبْسِيُّ وَلَمْ يُعْرَفْ، فَلَمَّا قَدِمُوا بِهِ الْحَيَّ عَرَفَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ سَلَّمُوهُ إِلَى حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ رَحَلَتْ عَبْسٌ عَنْ عَامِرٍ وَنَزَلَتْ بِتَيْمِ الرِّبَابِ، فَبَغَتْ تَيْمٌ عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِمْ تَيْمٌ فَقَتَلُوا مَنْ عَبْسٍ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً.
وَرَحَلَتْ عَبْسٌ وَقَدْ مَلَّتِ الْحَرْبَ وَقَلَّتِ الرِّجَالُ وَالْأَمْوَالُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: مَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرْجِعُ إِلَى أَخْوَالِنَا مِنْ ذُبْيَانَ فَالْمَوْتُ مَعَهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْبَقَاءِ مَعَ غَيْرِهِمْ. فَسَارُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ، وَقِيلَ: عَلَى هَرِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ لَيْلًا، وَكَانَ عِنْدَ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ. فَلَمَّا عَادَ وَرَآهُمْ رَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: إِخْوَانُكَ بَنُو عَبْسٍ، وَذَكَرُوا حَاجَتَهُمْ. فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ أُعْلِمُ حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ. فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَالَ: طُرِقْتَ فِي حَاجَةٍ، قَالَ: أَعْطَيْتُهَا. قَالَ: بَنُو عَبْسٍ وَجَدْتُ وُفُودَهُمْ فِي مَنْزِلِي. قَالَ حِصْنٌ: صَالِحُوا قَوْمَكُمْ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَدِي وَلَا أَتَّدِي، قَدْ قَتَلَ آبَائِي وَعُمُومَتِي عِشْرِينَ مِنْ عَبْسٍ، فَعَادَ إِلَى عَبْسٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِقَوْلِ حِصْنٍ وَأَخَذَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ قَيْسٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ: نَحْنُ رُكْبَانُ الْمَوْتِ. قَالَ: بَلْ رُكْبَانُ السِّلْمِ، إِنْ تَكُونُوا اخْتَلَلْتُمْ إِلَى قَوْمِكُمْ فَقَدِ اخْتَلَّ قَوْمُكُمْ إِلَيْكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمْ حَتَّى أَتَوْا سِنَانًا فَقَالَ لَهُ: قُمْ بِأَمْرِ عَشِيرَتِكَ وَأَصْلِحْ بَيْنَهُمْ فَإِنِّي سَأُعِينُكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَتَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَعَادَتْ عَبْسٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ زُهَيْرٍ لَمْ يَسِرْ مَعَ عَبْسٍ إِلَى ذُبْيَانَ وَقَالَ: لَا تَرَانِي غَطَفَانِيَّةٌ أَبَدًا وَقَدْ قَتَلْتُ أَخَاهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ وَلَدَهَا أَوِ ابْنَ عَمِّهَا، وَلَكِنِّي سَأَتُوبُ إِلَى رَبِّي، فَتَنَصَّرَ وَسَاحَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عُمَانَ فَتَرَهَّبَ بِهَا زَمَانًا، فَلَقِيَهُ حَوْجُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ فَعَرَفَهُ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ لَا رَحِمَنِي اللَّهُ إِنْ رَحِمْتُكَ.
وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا تَزَوَّجَ فِي النُّمَيْرِ بْنِ قَاسِطٍ لَمَّا عَادَتْ عَبْسٌ إِلَى ذُبْيَانَ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ فَضَالَةُ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَعَقَدَ لَهُ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانُوا تِسْعَةً وَهُوَ عَاشِرُهُمْ.
انْقَضَى حَرْبُ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

يَوْمَ شِعْبِ جَبَلَةَ

كَانَ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ قَدْ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَوْتَهُ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا. فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَجَهَّزُ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِحِلْفِ بَنِي عَبْسٍ وَبَنِي عَامِرٍ، فَلَمْ يَطْمَعْ فِي الْقَوْمِ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْسٍ ذَحْلٌ يَسْأَلُهُ الْحِلْفَ وَالتَّظَافُرَ عَلَى غَزْوِ عَبْسٍ وَعَامِرٍ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَعَمْرُو بْنُ الْجَوْنِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ وَاسْتَوْثَقُوا وَاسْتَكْثَرُوا وَسَارُوا، فَعَقَدَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ الْأَلْوِيَةَ، فَكَانَ بَنُو أَسَدٍ وَبَنُو فَزَارَةَ بِلِوَاءٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْجَوْنِ، وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مَعَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ وَعَقَدَ لِلرِّبَابِ مَعَ حَسَّانَ بْنِ هَمَّامٍ، وَعَقَدَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ بُطُونِ تَمِيمٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ، وَعَقَدَ لِحَنْظَلَةَ بِأَسْرِهَا مَعَ لَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ مَعَ لَقِيطٍ ابْنَتُهُ دَخْتَنُوسُ، وَكَانَ يَغْزُو بِهَا مَعَهُ وَيَرْجِعُ إِلَى رَأْيِهَا.
وَسَارُوا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ لَا يَشُكُّونَ فِي قَتْلِ عَبْسٍ وَعَامِرٍ وَإِدْرَاكِ ثَأْرِهِمْ. فَلَقِيَ لَقِيطٌ فِي طَرِيقِهِ كَرِبَ بْنَ صَفْوَانَ بْنِ الْحُبَابِ السَّعْدِيَّ، وَكَانَ شَرِيفًا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسِيرَ مَعَنَا فِي غَزَاتِنَا؟ قَالَ: أَنَا مَشْغُولٌ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لِي. قَالَ: لَا بَلْ تُرِيدُ أَنْ تُنْذِرَ بِنَا الْقَوْمَ، وَلَا أَتْرُكُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنَّكَ لَا تُخْبِرُهُمْ، فَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ سَارَ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ. فَلَمَّا دَنَا مِنْ عَامِرٍ أَخَذَ خِرْقَةً فَصَرَّ بِهَا حَنْظَلَةً وَشَوْكًا وَتُرَابًا وَخِرْقَتَيْنِ يَمَانِيَّتَيْنِ وَخِرْقَةً حَمْرَاءَ وَعَشَرَةَ أَحْجَارٍ سُودٍ ثُمَّ رَمَى بِهَا حَيْثُ يَسْقُونَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ. فَأَخَذَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُشَيْرٍ، فَأَتَى بِهَا حَيْثُ الْأَحْوَصُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا أَلْقَاهَا وَهُمْ يَسْقُونَ. فَقَالَ الْأَحْوَصُ لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ: مَا تَرَى فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَنَا، هَذَا رَجُلٌ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ عَهْدٌ أَنْ لَا يُكَلِّمَكُمْ فَأَخْبَرَكُمْ أَنَّ أَعْدَاءَكُمْ قَدْ غَزَوْكُمْ عَدَدَ التُّرَابِ، وَأَنَّ شَوْكَتَهُمْ شَدِيدَةٌ، وَأَمَّا الْحَنْظَلَةُ فَهِيَ رُؤَسَاءُ الْقَوْمِ، وَأَمَّا الْخِرْقَتَانِ الْيَمَانِيَّتَانِ فَهُمَا حَيَّانِ مِنَ الْيَمَنِ مَعَهُمْ، وَأَمَّا الْخِرْقَةُ الْحَمْرَاءُ فَهِيَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ، وَأَمَّا الْأَحْجَارُ فَهِيَ عَشْرُ لَيَالٍ يَأْتِيكُمُ الْقَوْمُ إِلَيْهَا، قَدْ أَنْذَرْتُكُمْ فَكُونُوا أَحْرَارًا فَاصْبِرُوا كَمَا يَصْبِرُ الْأَحْرَارُ الْكِرَامُ.
قَالَ الْأَحْوَصُ: فَإِنَّا فَاعِلُونَ وَآخِذُونَ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ تَنْزِلْ بِكَ شِدَّةٌ إِلَّا رَأَيْتَ الْمَخْرَجَ مِنْهَا. قَالَ: فَإِذْ قَدْ رَجَعْتُمْ إِلَى رَأْيِي فَأَدْخِلُوا نَعَمَكُمْ شِعْبَ جَبَلَةَ ثُمَّ أَظْمِئُوهَا هَذِهِ الْأَيَّامَ وَلَا تُورِدُوهَا الْمَاءَ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ أَخْرِجُوا عَلَيْهِمُ الْإِبِلَ وَانْخَسُوهَا بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ فَتَخْرُجَ مَذَاعِيرَ عِطَاشًا فَتَشْغَلَهُمْ وَتُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ وَاخْرُجُوا أَنْتُمْ فِي آثَارِهَا وَاشْفُوا نُفُوسَكُمْ. فَفَعَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ.
وَعَادَ كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ فَلَقِيَ لَقِيطًا فَقَالَ لَهُ: أَنْذَرْتَ الْقَوْمَ؟ فَأَعَادَ الْحَلِفَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَخَلَّى عَنْهُ. فَقَالَتْ دَخْتَنُوسُ ابْنَةُ لَقِيطٍ لِأَبِيهَا: رُدَّنِي إِلَى أَهْلِي، وَلَا تُعَرِّضْنِي لَعَبْسٍ وَعَامِرٍ فَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لَا مَحَالَةَ، فَاسْتَحْمَقَهَا وَسَاءَهُ كَلَامُهَا وَرَدَّهَا. وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ بِعَسَاكِرَ جَرَّارَةٍ كَثِيرَةِ الصَّوَاهِلِ وَلَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا الْمَاءَ، فَقَصَدُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: أَخْرِجُوا عَلَيْهِمُ الْآنَ الْإِبِلَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الْإِبِلُ مَذَاعِيرَ عِطَاشًا وَهُمْ فِي أَعْرَاضِهَا وَأَدْبَارِهَا، فَخَبَطَتْ تَمِيمًا وَمَنْ مَعَهَا وَقَطَّعَتْهُمْ، وَكَانُوا فِي الشِّعْبِ، وَأَبْرَزَتْهُمْ إِلَى الصَّحْرَاءِ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ. وَشُغِلُوا عَنْ الِاجْتِمَاعِ إِلَى أَلْوِيَتِهِمْ، وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ عَبْسٌ وَعَامِرٌ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي تَمِيمٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْجَوْنِ، وَأُسِرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ وَعَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ زَوْجُ تَخْتَنُوسْ بِنْتِ لَقِيطٍ، وَأُسِرَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ، وَانْحَازَ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ، فَدَعَا قَوْمَهُ وَقَدْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَتَحَرَّزَ بِرَايَتِهِ فَوْقَ جُرْفٍ ثُمَّ حَمَلَ فَقَتَلَ فِيهِمْ وَرَجَعَ وَصَاحَ: أَنَا لَقِيطٌ، وَحَمَلَ ثَانِيَةً فَقَتَلَ وَجَرَحَ وَعَادَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَانْحَطَّ الْجُرْفُ بِفَرَسِهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَنْتَرَةُ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً قَصَمَ بِهَا صُلْبَهُ، وَضَرَبَهُ قَيْسٌ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَاهُ مُتَشَحِّطًا فِي دَمِهِ، فَذَكَرَ ابْنَتَهُ دَخْتَنُوسَ فَقَالَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْكِ دَخْتَنُوسُ إِذَا أَتَاهَا الْخَبَرُ الْمَرْمُوسُ
أَتَحْلِقُ الْقُرُونَ أَمْ تَمِيسُ لَا بَلْ تَمِيسُ إِنَّهَا عَرُوسُ
ثُمَّ مَاتَ وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى تَمِيمٍ وَغَطَفَانَ، ثُمَّ فَدَوْا حَاجِبًا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَادَ مَنْ سَلِمَ إِلَى أَهْلِهِ. وَقَالَتْ دَخْتَنُوسُ تَرْثِي أَبَاهَا قَصَائِدَ، مِنْهَا:
عَثَرَ الْأَغَرُّ بِخَيْرِ خِنْ … دِفَ كَهْلِهَا وَشَبَابِهَا
وَأَضَرِّهَا لِعَدُوِّهَا … وَأَفَكِّهَا لِرِقَابِهَا
وَقَرِيعِهَا وَنَجِيبِهَا … فِي الْمُطْبِقَاتِ وَنَابِهَا
وَرَئِيسِهَا عِنْدَ الْمُلُو … كِ وَزَيْنِ يَوْمِ خِطَابِهَا
وَأَتَمِّهَا نَسَبًا إِذَا … رَجَعَتْ إِلَى أَنْسَابِهَا
فَرَعَى عَمُودًا لِلْعَشِي
رَةِ رَافِعًا لِنِصَابِهَا … وَيَعُولُهَا وَيَحُوطُهَا
وَيَذُبُّ عَنْ أَحْسَابِهَا … وَيَطَا مَوَاطِنَ لِلْعَدُ
وِّ فَكَانَ لَا يَمْشِي بِهَا … فِعْلَ الْمُدِلِّ مِنَ الْأُسُو
دِ لِحَيْنِهَا وَتَبَابِهَا … كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي
سَمَاءَ لَا يَخْفَى بِهَا … عَبَثَ الْأَغَرُّ بِهِ وَكُ
لُّ مَنِيَّةٍ لِكِتَابِهَا … فَرَّتْ بَنُو أَسَدٍ فِرَا
رَ الطَّيْرِ عَنْ أَرْبَابِهَا … وَهَوَازِنٌ أَصْحَابُهُمْ
كَالْفَأْرِ فِي أَذْنَابِهَا
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي يَوْمِ جَبَلَةَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، قَالَ: كَانَ سَبَبَهُ أَنَّ بَنِي خِنْدِفٍ كَانَ لَهُمْ عَلَى قَيْسٍ أَكْلٌ تَأْكُلُهُ الْقُعْدُدُ مِنْ خِنْدِفٍ، فَكَانَ يَنْتَقِلُ فِيهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى تَمِيمٍ، ثُمَّ مِنْ تَمِيمٍ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَهُمْ أَقَلُّ بَطْنٍ مِنْهُمْ وَأَذَلُّهُ، فَأَبَتْ قَيْسٌ أَنْ تُعْطِيَ الْأَكْلَ وَامْتَنَعَتْ مِنْهُ، فَجَمَعَتْ تَمِيمٌ وَحَالَفَتْ غَيْرَهَا مِنَ الْعَرَبِ وَسَارُوا إِلَى قَيْسٍ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَخَالَفَ فِي الْبَعْضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ.
وَفِي هَذَا الْيَوْمِ وُلِدَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ كَانَ يَدِينُ بِهَا بَعْضُ الْعَرَبِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ زُرَارَةُ بْنُ عُدَسٍ وَابْنَاهُ حَاجِبٌ وَلَقِيطٌ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَغَيْرُهُمْ مَجُوسًا، وَإِنَّ لَقِيطًا تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ دَخْتَنُوسَ وَسَمَّاهَا بِهَذَا الِاسْمِ الْفَارِسِيِّ، وَإِنَّهُ قُتِلَ وَهِيَ تَحْتُهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْكِ دَخْتَنُوسُ
الْأَبْيَاتَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

يَوْمُ ذَاتِ نَكِيفٍ

كَانَ بَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مُبْغِضِينَ لِقُرَيْشٍ مُضْطَغِنِينَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ مِنْ قُصَيٍّ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ مَكَّةَ مَعَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قَسَّمَهَا رِبَاعًا وَخُطَطًا بَيْنَ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا كَانُوا عَلَى عَهْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ قُرَيْشٍ مِنَ الْحَرَمِ، وَأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَغْلِبُوهُمْ عَلَيْهِ. وَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى نَعَمٍ لِبَنِي الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَاطَّرَدُوهَا، ثُمَّ جَمَعُوا جُمُوعَهُمْ وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ جُمُوعَهُمْ وَاسْتَعَدَّتْ، وَعَقَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْحِلْفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَحَابِيشِ، وَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَبَنُو الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَلَقُوا بَنِي بَكْرٍ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ، وَعَلَى النَّاسِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَاقْتَتَلُوا بِذَاتِ نَكِيفٍ، فَانْهَزَمَ بَنُو بَكْرٍ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا فَلَمْ يَعُودُوا لِحَرْبِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ شُعْلَةَ الْفِهْرِيُّ:
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ عِصَابَةٍ … غَوَتْ غَيَّ بَكْرٍ يَوْمَ ذَاتِ نَكِيفِ
أَنَاخُوا إِلَى أَبْيَاتِنَا وَنِسَائِنَا … فَكَانُوا لَنَا ضَيْفًا بِشَرِّ مَضِيفِ
فَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ بْنُ السَّفَّاحِ الْقَارِيُّ مِنَ الْقَارَةِ قَتَادَةَ بْنَ قَيْسٍ أَخَا بَلْعَاءَ بْنِ قَيْسٍ، وَاسْمُ بَلْعَاءَ مُسَاحِقٌ. وَيَوْمَئِذٍ قِيلَ: قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا، وَالْقَارَةُ مِنْ وَلَدِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَضَلَ بْنِ الدِّيشِ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ:
دَعُونَا قَارَةً لَا تُنْفِرُونَا … فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ
وَقِيلَ بِهَذَا الْبَيْتِ سُمُّوا قَارَةً، وَكَانَ يُقَالُ لِلْقَارَةِ رُمَاةُ الْحَدَقِ.

ذِكْرُ الْفِجَارِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي

أَمَّا الْفِجَارُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَثِيرُ أَمْرٍ لِيُذْكَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِئَلَّا يُرَى ذِكْرُ الْفِجَارِ الثَّانِي وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ فَيُظَنُّ أَنَّ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ وَقَدْ أَهْمَلْنَاهُ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الْفِجَارُ الْأَوَّلُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ كِنَانَةَ كُلِّهَا وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ. وَسَبَبُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنَانَةَ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، فَأُعْدِمَ الْكِنَانِيُّ، فَوَافَى النَّصْرِيُّ سُوقَ عُكَاظَ بِقِرْدٍ وَقَالَ: مَنْ يَبِيعُنِي مِثْلَ هَذَا بِمَا لِي عَلَى فُلَانٍ الْكِنَانِيِّ؟ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِلْكِنَانِيِّ وَقَوْمِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَضَرَبَ الْقِرْدَ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ أَنَفَةً مِمَّا قَالَ النَّصْرِيُّ، فَصَرَخَ النَّصْرِيُّ فِي قَيْسٍ، وَصَرَخَ الْكِنَانِيُّ فِي كِنَانَةَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَحَاوَرُوا حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا.
وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ فِتْيَةً مِنْ قُرَيْشٍ قَعَدُوا إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَهِيَ وَضِيئَةٌ عَلَيْهَا بُرْقُعٌ، فَقَالُوا لَهَا: اسْفِرِي لِنَنْظُرَ إِلَى وَجْهِكِ، فَلَمْ تَفْعَلْ. فَقَامَ غُلَامٌ مِنْهُمْ فَشَكَّ ذَيْلَ دِرْعِهَا إِلَى ظَهْرِهَا وَلَمْ تَشْعُرْ، فَلَمَّا قَامَتِ انْكَشَفَتْ دُبُرُهَا، فَضَحِكُوا وَقَالُوا: مَنَعْتِنَا النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكِ فَقَدْ نَظَرْنَا إِلَى دُبُرِكِ. فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ: يَا بَنِي عَامِرٍ فُضِحْتُ! فَأَتَاهَا النَّاسُ وَاشْتَجَرُوا حَتَّى كَادَ يَكُونُ قِتَالٌ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ يَسِيرٌ فَاصْطَلَحُوا. وَقِيلَ: بَلْ قَعَدَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَعْشَرِ بْنُ مِكْرِزٍ، وَكَانَ عَازِمًا مَنِيعًا فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ بِسُوقِ عُكَاظَ، فَمَدَّ رِجْلَهُ ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ بَنُو مُدْرِكَةَ بْنِ خِنْدِفْ مَنْ يَطْعَنُوا فِي عَيْنِهِ لَا يَطْرِفْ
وَمَنْ يَكُونُوا قَوْمَهُ يُغَطْرَفْ كَأَنَّهُ لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدِفْ
أَنَا وَاللَّهِ أَعَزُّ الْعَرَبِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَعَزُّ مِنِّي فَلْيَضْرِبْهَا بِالسَّيْفِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ بْنُ مَازِنٍ فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ فَخَرَشَهَا خَرْشًا غَيْرَ كَثِيرٍ، فَاخْتَصَمَ النَّاسُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا. – بَنُو نَصْرٍ بِالنُّونِ -.
وَأَمَّا الْفِجَارُ الثَّانِي، وَكَانَ بَعْدَ الْفِيلِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ أَشْهَرُ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفِجَارَ لِمَا اسْتَحَلَّ الْحَيَّانِ كِنَانَةُ وَقَيْسٌ فِيهِ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَكَانَ قَبْلَهُ يَوْمُ جَبَلَةَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَالْفِجَارُ أَعْظَمُ مِنْهُ.
وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْبَرَّاضَ بْنَ قَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْكِنَانِيَّ ثُمَّ الضَّمْرِيَّ كَانَ رَجُلًا فَاتِكًا خَلِيعًا قَدْ خَلَعَهُ قَوْمُهُ لِكَثْرَةِ شَرِّهِ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِفَتْكِهِ فَيُقَالُ: أَفْتَكُ مِنَ الْبَرَّاضِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَتَى مَنْ تَعَرَّفَتْهُ اللَّيَالِي فَهْوَ فِيهَا كَالْحَيَّةِ النَّضْنَاضِ
كُلَّ يَوْمٍ لَهُ بِصِرْفِ اللَّيَالِي فَتْكَةٌ مِثْلُ فَتْكَةِ الْبَرَّاضِ
فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ يَبْعَثُ كُلَّ عَامٍ بِلَطِيمَةٍ لِلتِّجَارَةِ إِلَى عُكَاظَ تُبَاعُ لَهُ هُنَاكَ، وَكَانَ عُكَاظُ وَذُو الْمَجَازِ وَمَجَنَّةُ أَسْوَاقًا تَجْتَمِعُ بِهَا الْعَرَبُ كُلَّ عَامٍ إِذَا حَضَرَ الْمَوْسِمُ، فَيَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُهَا، وَكَانَتْ مَجَنَّةُ بِالظَّهْرَانِ، وَكَانَتْ عُكَاظُ بَيْنَ نَخْلَةَ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ ذُو الْمَجَازِ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ إِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْمَوْقِفِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ، وَعِنْدَهُ الْبَرَّاضُ وَعُرْوَةُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ الْمَعْرُوفُ بِالرَّحَّالِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ رِحْلَتِهِ إِلَى الْمُلُوكِ -: مَنْ يُجِيزُ لِي لَطِيمَتِي هَذِهِ حَتَّى يُبْلِغَهَا عُكَاظَ؟ فَقَالَ الْبَرَّاضُ: أَنَا أُجِيزُهَا، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، عَلَى كِنَانَةَ. فَقَالَ النُّعْمَانُ: إِنَّمَا أُرِيدُ مَنْ يُجِيزُهَا عَلَى كِنَانَةَ وَقَيْسٍ! فَقَالَ عُرْوَةُ: أَكَلْبٌ خَلِيعٌ يُجِيزُهَا لَكَ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ! أَنَا أُجِيزُهَا عَلَى أَهْلِ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ وَأَهْلِ نَجْدٍ. فَقَالَ الْبَرَّاضُ، وَغَضِبَ: وَعَلَى كِنَانَةَ تُجِيزُهَا يَا عُرْوَةُ؟ قَالَ عُرْوَةُ: وَعَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ.
فَدَفَعَ النُّعْمَانُ اللَّطِيمَةَ إِلَى عُرْوَةَ الرَّحَّالِ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ بِهَا، وَخَرَجَ الْبَرَّاضُ يَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَعُرْوَةُ يَرَى مَكَانَهُ وَلَا يَخْشَى مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عُرْوَةُ بَيْنَ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ تَيْمَنُ بِنَوَاحِي فَدَكَ أَدْرَكَهُ الْبَرَّاضُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْرَجَ قِدَاحَهُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا فِي قَتْلِ عُرْوَةَ، فَمَرَّ بِهِ عُرْوَةُ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ يَا بَرَّاضُ؟ فَقَالَ: أَسْتَقْسِمُ فِي قَتْلِكَ أَيُؤْذَنُ لِي أَمْ لَا. فَقَالَ عُرْوَةُ: اسْتُكَ أَضْيَقُ مِنْ ذَلِكَ! فَوَثَبَ إِلَيْهِ الْبَرَّاضُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَآهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى الْعِيرِ وَالْأَحْمَالِ قَتِيلًا انْهَزَمُوا، فَاسْتَاقَ الْبَرَّاضُ الْعِيرَ وَسَارَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى خَيْبَرَ، وَتَبِعَهُ رَجُلَانِ مِنْ قَيْسٍ لِيَأْخُذَاهُ، أَحَدُهُمَا غَنَوِيٌّ وَالْآخَرُ غَطْفَانِيٌّ، وَاسْمُ الْغَنَوِيِّ أَسَدُ بْنُ جُوَيْنٍ، وَاسْمُ الْغَطَفَانِيِّ مُسَاوِرُ بْنُ مَالِكٍ، فَلَقِيَهُمَا الْبَرَّاضُ بِخَيْبَرَ أَوَّلَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُمَا: مَنِ الرَّجُلَانِ؟ قَالَا: مِنْ قَيْسٍ قَدِمْنَا لِنَقْتُلَ الْبَرَّاضَ. فَأَنْزَلَهُمَا وَعَقَلَ رَاحِلَتَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمَا أَجْرَأُ عَلَيْهِ وَأَجْوَدُ سَيْفًا؟ قَالَ الْغَطَفَانِيُّ: أَنَا. فَأَخَذَهُ وَمَشَى مَعَهُ لِيَدُلَّهُ بِزَعْمِهِ عَلَى الْبَرَّاضِ، فَقَالَ لِلْغَنَوِيِّ: احْفَظْ رَاحِلَتَيْكُمَا، فَفَعَلَ، وَانْطَلَقَ الْبَرَّاضُ بِالْغَطَفَانِيِّ حَتَّى أَخْرَجَهُ إِلَى خَرِبَةٍ فِي جَانِبِ خَيْبَرَ خَارِجًا مِنَ الْبُيُوتِ، فَقَالَ لِلْغَطَفَانِيِّ: هُوَ فِي هَذِهِ الْخَرِبَةِ إِلَيْهَا يَأْوِي فَأَمْهِلْنِي حَتَّى أَنْظُرَ أَهُوَ فِيهَا. فَوَقَفَ وَدَخَلَ الْبَرَّاضُ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: هُوَ فِيهَا وَهُوَ نَائِمٌ، فَأَرِنِي سَيْفَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ أَضَارِبٌ هُوَ أَمْ لَا، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ ثُمَّ أَخْفَى السَّيْفَ، وَعَادَ إِلَى الْغَنَوِيِّ فَقَالَ لَهُ: لَمْ أَرَ رَجُلًا أَجْبَنَ مِنْ صَاحِبِكَ، تَرَكْتُهُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْبَرَّاضُ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: انْظُرْ لِي مَنْ يَحْفَظُ الرَّاحِلَتَيْنِ حَتَّى أَمْضِيَ إِلَيْهِ فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ: دَعْهُمَا وَهُمَا عَلَيَّ، ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَهُ وَسَارَ بِالْعِيرِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ لَهُ الْبَرَّاضُ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ أَجْعَلَ لَكَ جَعْلًا عَلَى أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَقَوْمِي فَإِنَّهُمْ قَوْمِي وَقَوْمُكَ، لِأَنَّ أَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ مِنْ خِنْدِفٍ أَيْضًا، فَتُخْبِرَهُمْ أَنَّ الْبَرَّاضَ بْنَ قَيْسٍ قَتَلَ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ، فَلْيَحْذَرُوا قَيْسًا! وَجَعَلَ لَهُ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ. فَخَرَجَ الْأَسَدِيُّ حَتَّى أَتَى عُكَاظَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَتَى حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ وَإِلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَذَوِي السِّنِّ مِنْهُمْ، وَإِلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَحْضَرَ مِنْهَا رَجُلًا، وَإِلَى الْحُلَيْسِ بْنِ يَزِيدَ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا. فَتَشَاوَرُوا وَقَالُوا: نَخْشَى مِنْ قَيْسٍ أَنْ يَطْلُبُوا ثَأْرَ صَاحِبِهِمْ مِنَّا فَإِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَقْتُلُوا بِهِ خَلِيعًا مِنْ بَنِي ضِمْرَةَ. فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوا أَبَا بَرَاءٍ عَامِرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَيْسٍ وَشَرِيفُهَا، فَيَقُولُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ حَدَثٌ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ وَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عِلْمُهُ فَأَجُزُّ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى تَعْلَمَ وَتُعْلِمَ.
فَأَتَوْهُ وَقَالُوا لَهُ ذَلِكَ، فَأَجَازَ بَيْنَ النَّاسِ وَأَعْلَمَ قَوْمَهُ مَا قِيلَ لَهُ، ثُمَّ قَامَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ عُكَاظَ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِي قَوْمِنَا بِمَكَّةَ حَدَثٌ أَتَانَا خَبَرُهُ، وَنَخْشَى إِنْ تَخَلَّفْنَا عَنْهُمْ أَنْ يَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، فَلَا يُرَوِّعَنَّكُمْ تَحَمُّلُنَا. ثُمَّ رَكِبُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرَ الْيَوْمِ أَتَى عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ الْخَبَرُ فَقَالَ: غَدَرَتْ قُرَيْشٌ وَخَدَعَنِي حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَاللَّهِ لَا تَنْزِلُ كِنَانَةُ عُكَاظَ أَبَدًا. ثُمَّ رَكِبُوا فِي طَلَبِهِمْ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ بِنَخْلَةَ فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ، فَاشْتَعَلَتْ قُرَيْشٌ فَكَادَتْ قُرَيْشٌ تَنْهَزِمُ إِلَّا أَنَّهَا عَلَى حَامِيَتِهَا تُبَادِرُ دُخُولَ الْحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ. فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلُوا الْحَرَمَ مَعَ اللَّيْلِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَهُمْ، وَعُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَعْدَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ يَنْهَزِمُ أَصْحَابُهُ وَيُقْتَلُونَ، وَإِذَا كَانَ فِي جَمْعٍ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَانْهَزَمُوا فَغَيْرُ بَعِيدٍ.
وَلَمَّا دَخَلَتْ قُرَيْشٌ الْحَرَمَ عَادَتْ عَنْهُمْ قَيْسٌ وَقَالُوا لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّا لَا نَتْرُكُ دَمَ عُرْوَةَ وَمِيعَادُنَا عُكَاظُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَانْصَرَفَتْ إِلَى بِلَادِهَا يُحَرِّضُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَبْكُونَ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ.
ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا جَمَعَتْ جُمُوعَهَا، وَمَعَهَا ثَقِيفٌ وَغَيْرُهَا، وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ جُمُوعَهَا، مِنْهُمْ كِنَانَةُ جَمِيعُهَا وَالْأَحَابِيشُ وَأَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ السِّلَاحَ فِي النَّاسِ، فَأَعْطَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ مِائَةَ رَجُلٍ سِلَاحًا تَامًّا، وَفَعَلَ الْبَاقُونَ مِثْلَهُ.
وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَوْعِدِ، عَلَى كُلِّ بَطْنٍ مِنْهَا رَئِيسٌ، فَكَانَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ: الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَإِخْوَتُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَعَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَأَحْلَافِهَا: حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ. وَعَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: عِكْرِمَةُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. وَعَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: خُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ. وَعَلَى بَنِي مَخْزُومٍ: هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَبُو أَبِي جَهْلٍ. وَعَلَى بَنِي تَيْمٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ. وَعَلَى بَنِي جُمَحَ: مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ. وَعَلَى بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ. وَعَلَى بَنِي عَدِيٍّ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. وَعَلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَالِدُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وَعَلَى بَنِي فِهْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ وَالِدُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَعَلَى الْأَحَابِيشِ: الْحُلَيْسُ بْنُ يَزِيدَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ هُمَا قَائِدَاهُمْ، وَالْأَحَابِيشُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ: كِنَانَةُ وَعَضَلُ وَالْقَارَةُ وَالدِّيشُ مِنْ بَنِي الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَالْمُصْطَلِقِ بْنِ خُزَاعَةَ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِحَلِفِهِمْ بَنِي الْحَارِثِ، وَالتَّحَبُّشُ التَّجَمُّعُ. وَعَلَى بَنِي بَكْرٍ: بَلْعَاءُ بْنُ قَيْسٍ. وَعَلَى بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ مِنْ كِنَانَةَ: عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ جِذْلُ الطِّعَانِ. وَعَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: بِشْرُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. وَكَانَ عَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ لِمَكَانِهِ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ سِنًّا وَمَنْزِلَةً.
وَكَانَتْ قَيْسٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ إِلَى عُكَاظَ قَبْلَ قُرَيْشٍ، فَعَلَى بَنِي عَامِرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ: أَبُو بَرَاءٍ. وَعَلَى بَنِي نَصْرٍ سَعْدٍ وَثَقِيفٍ: سُبَيْعُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَعَلَى بَنِي جُشَمَ: الصِّمَّةُ وَالِدُ دُرَيْدٍ. وَعَلَى غَطَفَانَ: عَوْفُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ. وَعَلَى بَنِي سُلَيْمٍ: عَبَّاسُ بْنُ زَعْلِ بْنِ هَنِيِّ بْنِ أَنَسٍ. وَعَلَى فَهْمٍ وَعَدْوَانَ: كِدَامُ بْنُ عَمْرٍو.
وَسَارَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ عُكَاظَ وَبِهَا قَيْسٌ. وَكَانَ مَعَ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ إِخْوَتُهُ: سُفْيَانُ وَأَبُو سُفْيَانَ وَالْعَاصُ وَأَبُو الْعَاصِ بَنُو أُمَيَّةَ، فَعَقَلَ حَرْبٌ نَفْسَهُ وَقَيَّدَ سُفْيَانُ وَأَبُو الْعَاصِ نَفْسَيْهِمَا وَقَالُوا: لَنْ يَبْرَحَ رَجُلٌ مِنَّا مَكَانَهُ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ نَظْفَرَ، فَيَوْمَئِذٍ سُمُّوا الْعَنَابِسَ، وَالْعَنْبَسُ الْأَسَدُ.
وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَرُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِقَيْسٍ، وَانْهَزَمَ كَثِيرٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَقُرَيْشٍ. فَانْهَزَمَ بَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو عَدِيٍّ، وَقُتِلَ مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ، وَانْهَزَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ، وَثَبَتَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَسَائِرُ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَزَلِ الظَّفَرُ لِقَيْسٍ عَلَى قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ. ثُمَّ عَادَ الظَّفَرُ لِقُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ فَقَتَلُوا مِنْ قَيْسٍ فَأَكْثَرُوا، وَحَمِيَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَ رَايَةِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِائَةُ رَجُلٍ وَهُمْ صَابِرُونَ، فَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ عَبَّاسُ بْنُ زَعْلٍ السُّلَمِيُّ وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو السَّيِّدِ عَمُّ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ مَا تَصْنَعُ كِنَانَةُ مِنَ الْقَتْلِ نَادَى: يَا مَعْشَرَ بَنِي كِنَانَةَ أَسْرَفْتُمْ فِي الْقَتْلِ. فَقَالَ ابْنُ جُدْعَانَ: إِنَّا مَعْشَرٌ يُسْرِفُ.
وَلَمَّا رَأَى سُبَيْعُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَزِيمَةَ قَبَائِلِ قَيْسٍ عَقَلَ نَفْسَهُ وَاضْطَجَعَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي نَصْرٍ قَاتِلُوا عَنِّي أَوْ ذَرُوا. فَعَطَفَتْ عَلَيْهِ بَنُو نَصْرٍ، وَجُشَمَ، وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَفَهْمٍ، وَعَدْوَانَ، وَانْهَزَمَ بَاقِي قَبَائِلِ قَيْسٍ، فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَعُدُّوا الْقَتْلَى فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ فَضَلَ لَهُ قَتْلَى أَخَذَ دِيَتَهُ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَتَعَادُّوا الْقَتْلَى فَوَجَدُوا قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ قَدْ أَفْضَلُوا عَلَى قَيْسٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، فَرَهَنَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ يَوْمَئِذٍ ابْنَهُ أَبَا سُفْيَانَ فِي دِيَاتِ الْقَوْمِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَرَهَنَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَوَضَعُوا الْحَرْبَ وَهَدَمُوا مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْذِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْبَرَّاضِ وَعُرْوَةَ.

يَوْمُ ذِي نَجَبٍ

وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ يَوْمِ ذِي نَجَبٍ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ لَمَّا أَصَابُوا مِنْ تَمِيمٍ مَا أَصَابُوا يَوْمَ جَبَلَةَ رَجَوْا أَنْ يَسْتَأْصِلُوهُمْ، فَكَاتَبُوا حَسَّانَ بْنَ كَبْشَةَ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ، وَهُوَ حَسَّانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُجْرٍ فَدَعَوْهُ إِلَى أَنْ يَغْزُوَ مَعَهُمْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِنْ تَمِيمٍ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا فُرْسَانَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، فَأَقْبَلَ مَعَهُمْ بِصَنَائِعِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ. فَلَمَّا أَتَى بَنِي حَنْظَلَةَ خَبَرُ مَسِيرِهِمْ قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو: يَا بَنِي مَالِكٍ إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهَذَا الْمَلِكِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْعَدَدِ، فَانْتَقِلُوا مِنْ مَكَانِكُمْ، وَكَانُوا فِي أَعَالِي الْوَادِي مِمَّا يَلِي مَجِيءَ الْقَوْمِ، وَكَانَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ بِأَسْفَلِهِ، فَتَحَوَّلَتْ بَنُو مَالِكٍ حَتَّى نَزَلَتْ خَلْفَ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَصَارَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ تَلِي الْمَلِكَ.
فَلَمَّا رَأَوْا مَا صَنَعَ بَنُو مَالِكٍ اسْتَعَدُّوا وَتَقَدَّمُوا إِلَى طَرِيقِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ وَصَلَ ابْنُ كَبْشَةَ فِيمَنْ مَعَهُ وَقَدِ اسْتَعَدَّ الْقَوْمُ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ بَنُو مَالِكٍ وَصَبْرَهُمْ فِي الْقِتَالِ سَارُوا إِلَيْهِمْ وَشَهِدُوا مَعَهُمُ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا فَضَرَبَ حُشَيْشُ بْنُ نِمْرَانَ الرِّيَاحِيُّ ابْنَ كَبْشَةَ الْمَلِكَ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَهُ، فَمَاتَ، وَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَانْهَزَمَ طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى فَرَسِهِ قُرْزُلَ، وَقُتِلَ عَمْرُو بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَانَ رَئِيسَ عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ بَنُو عَامِرٍ وَصَنَائِعُ ابْنِ كَبْشَةَ.
قَالَ جَرِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ يَذْكُرُ الْيَوْمَ بِذِي نَجَبٍ: بِذِي نَجَبٍ ذُدْنَا وَوَاكَلَ مَالِكٌ أَخًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطِّعَانِ بِوَاكِلِ
وَكَانَ يَوْمُ ذِي نَجَبٍ بَعْدَ يَوْمِ ذِي جَبَلَةَ بِسَنَةٍ.
وَبَقِيَ الْأَحْوَصُ بَعْدَ ابْنِهِ عَمْرٍو يَسِيرًا وَهَلَكَ أَسَفًا عَلَيْهِ.

يَوْمُ نَعْفِ قُشَاوَةَ

وَهُوَ يَوْمٌ لَشَيْبَانَ عَلَى تَمِيمٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ مِنْ تَمِيمٍ وَهُوَ بِنَعْفِ قُشَاوَةَ، فَأَتَاهُمْ ضُحًى، وَهُوَ يَوْمُ رِيحٍ وَمَطَرٍ، فَوَافَقَ النَّعَمَ حِينَ سُرِّحَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا، وَتَدَاعَتْ عَلَيْهِ بَنُو يَرْبُوعٍ فَلَحِقُوهُ وَفِيهِمْ عُمَارَةُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ، فَكَرَّ عَلَيْهِ بِسْطَامٌ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَهُمْ مَالِكُ بْنُ حِطَّانَ الْيَرْبُوعِيُّ فَقَتَلَهُ، وَأَتَاهُمْ أَيْضًا بِجُبَيْرِ بْنِ أَبِي مُلَيْلٍ فَقَتَلَهُ بِسْطَامٌ، وَقَتَلُوا مِنْ يَرْبُوعٍ جَمْعًا وَأَسَرُوا آخَرِينَ، مِنْهُمْ: مُلَيْلُ بْنُ أَبِي مُلَيْلٍ، وَسَلِمُوا وَعَادُوا غَانِمِينَ. فَقَالَ بَعْضُ الْأَسْرَى لِبِسْطَامٍ: أَيَسُرُّكَ أَنَّ أَبَا مُلَيْلٍ مَكَانِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ أَتُطْلِقُنِي الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ ابْنَهُ بُجَيْرًا كَانَ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ وَسَتَجِدُهُ الْآنَ مُنْكَبًّا عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ فَخُذْهُ أَسِيرًا. فَعَادَ بِسْطَامٌ فَرَآهُ كَمَا قَالَ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا وَأَطْلَقَ الْيَرْبُوعِيَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُلَيْلٍ: قَتَلْتَ بُجَيْرًا وَأَسَرْتَنِي وَابْنِي مُلَيْلًا! وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ الطَّعَامَ أَبَدًا وَأَنَا مُوثَقٌ. فَخَشِيَ بِسْطَامٌ أَنْ يَمُوتَ فَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ عَلَى أَنْ يُفَادِيَ مُلَيْلًا، وَعَلَى أَنْ لَا يَتْبَعَهُ بِدَمِ ابْنِهِ بُجَيْرٍ، وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً، وَلَا يَدُلُّ لَهُ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يُغِيرُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَوْمِهِ أَبَدًا، وَعَاهَدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَهُ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَأَرَادَ الْغَدْرَ بِبِسْطَامٍ وَالنَّكْثَ بِهِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ بَنِي يَرْبُوعٍ إِلَى بِسْطَامٍ بِخَبَرِهِ، فَحَذَّرَهُ، وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ: أَبْلِغْ شِهَابَ بَنِي بَكْرٍ وَسَيِّدَهَا عَنِّي بِذَاكَ أَبَا الصَّهْبَاءِ بِسْطَامَا
أُرْوِي الْأَسِنَّةَ مِنْ قَوْمِي فَأُنْهِلُهَا … فَأَصْبَحُوا فِي بَقِيعِ الْأَرْضِ نُوَّامَا
لَا يُطْبِقُونَ إِذَا هَبَّ النِّيَامُ وَلَا
فِي مَرْقَدٍ يَحْلُمُونَ الدَّهْرَ أَحْلَامَا … أُشْجِي تَمِيمَبْنَ مُرٍّ لَا مُكَايَدَةً
حَتَّى اسْتَعَادُوا لَهُ أَسْرَى وَأَنْعَامَا … هَلَّا أَسِيرًا فَدَتْكَ النَّفْسُ تُطْعِمُهُ
مِمَّا أَرَادَ وَقِدْمًا كُنْتَ مِطْعَامَا
وَهِيَ أَبْيَاتٌ عِدَّةٌ.

يَوْمُ الْغَبِيطِ

وَهُوَ يَوْمٌ كَانَتِ الْحَرْبُ فِيهِ بَيْنَ بَنِي شَيْبَانَ وَتَمِيمٍ، وَأُسِرَ فِيهِ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسٍ وَالْحَوْفَزَانَ بْنَ شَرِيكٍ وَمَفْرُوقَ بْنَ عَمْرٍو سَارُوا فِي جَمْعٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ إِلَى بِلَادِ تَمِيمٍ، فَأَغَارُوا عَلَى ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ، وَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ بِصَحْرَاءِ فَلْجٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الثَّعَالِبَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَغَنِمَ بَنُو شَيْبَانَ أَمْوَالَهُمْ، وَمَرُّوا عَلَى بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمْ بَيْنَ صَحْرَاءِ فَلْجٍ وَغَبِيطِ الْمَدَرَةِ فَاسْتَاقُوا إِبِلَهُمْ. فَرَكِبَتْ إِلَيْهِمْ بَنُو مَالِكٍ يَقْدُمُهُمْ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ الْيَرْبُوعِيُّ وَفُرْسَانُ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَسَارُوا فِي أَثَرِ بَنِي شَيْبَانَ، وَمَعَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ تَمِيمٍ الْأُحَيْمِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأُسَيْدُ بْنُ جُبَاةَ وَحُرُّ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِغَبِيطِ الْمَدَرَةِ فَقَاتَلُوهُمْ. وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَتْ شَيْبَانُ وَاسْتَعَادَتْ تَمِيمٌ مَا كَانُوا غَنِمُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتَلَتْ بَنُو شَيْبَانَ أَبَا مَرْحَبٍ رَبِيعَةَ بْنَ حَصِيَّةَ، وَأَلَحَّ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ عَلَى بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَأَدْرَكَهُ فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْسِرْ أَبَا الصَّهْبَاءِ فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْفَلَاةِ وَالْعَطَشِ، فَاسْتَأْسَرَ لَهُ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ. فَقَالَ بَنُو ثَعْلَبَةَ لِعُتْبَةَ: إِنَّ أَبَا مَرْحَبٍ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ أَسَرْتَ بِسْطَامًا، وَهُوَ قَاتِلُ مُلَيْلٍ وَبُجَيْرٍ ابْنَيْ أَبِي مُلَيْلٍ وَمَالِكِ بْنِ حِطَّانَ وَغَيْرِهِمْ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: إِنِّي مُعِيلٌ وَأَنَا أُحِبُّ اللَّبَنَ. قَالُوا: إِنَّكَ تُفَادِيهِ فَيَعُودُ فَيَحْرُبُنَا مَالَنَا، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَسَارَ بِهِ إِلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ لِئَلَّا يُؤْخَذَ فَيُقْتَلَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ عَامِرًا لِأَنَّ عَمَّتَهُ خَوْلَةُ بِنْتُ شِهَابٍ كَانَتْ نَاكِحًا فِيهِمْ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي ذَلِكَ:
لِلَّهِ عَتَّابُ بْنُ مَيَّةَ إِذْ … رَأَى إِلَى ثَأْرِنَا فِي كَفِّهِ يَتَلَدَّدُ
أَتُحْيِي امْرَأً أَرْدَى بُجَيْرًا وَمَالِكًا … وَأَتْوَى حُرَيْثًا بَعْدَمَا كَانَ يَقْصِدُ
وَنَحْنُ ثَأَرْنَا قَبْلَ ذَاكَ ابْنَ أُمِّهِ … غَدَاةَ الْكُلَابِيِّينَ وَالْجَمْعُ يَشْهَدُ
فَلَمَّا تَوَسَّطَ عُتَيْبَةُ بُيُوتَ بَنِي عَامِرٍ صَاحَ بِسْطَامٌ: وَا شَيْبَانَاهُ! وَلَا شَيْبَانَ لِيَ الْيَوْمَ! فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْجَأَ إِلَى قُبَّتِي فَافْعَلْ فَإِنِّي سَأَمْنَعُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاقْذِفْ نَفْسَكَ فِي الرَّكِيِّ. فَأَتَى عُتَيْبَةُ تَابِعَهُ مِنَ الْجِنِّ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِبَيْتِهِ فَقُوِّضَ. فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَخَذَ سِلَاحَهُ ثُمَّ أَتَى مَجْلِسَ بَنِي جَعْفَرٍ، وَفِيهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْغَنَوِيُّ، فَحَيَّاهُمْ وَقَالَ: يَا عَامِرُ قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَى بِسْطَامٍ فَأَنَا مُخَيِّرُكَ فِيهِ خِصَالًا ثَلَاثًا. فَقَالَ عَامِرٌ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي خَلْعَتَكَ وَخَلْعَةَ أَهْلِ بَيْتِكَ حَتَّى أُطْلِقَهُ لَكَ، فَلَيْسَتْ خَلَعَتُكَ وَخَلْعَةُ أَهْلِ بَيْتِكَ بِشَرٍّ مِنْ خَلْعَتِهِ وَخَلْعَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ. فَقَالَ عَامِرٌ: هَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. قَالَ عُتَيْبَةُ: ضَعْ رِجْلَكَ مَكَانَ رِجْلِهِ فَلَسْتَ عِنْدِي بِشَرٍّ مِنْهُ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. قَالَ عُتَيْبَةُ: تَتْبَعُنِي إِذَا جَاوَزْتُ هَذِهِ الرَّابِيَةَ فَتُقَارِعُنِي عَنْهُ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ عَامِرٌ: هَذِهِ أَبْغَضُهُنَّ إِلَيَّ. فَانْصَرَفَ بِهِ عُتَيْبَةُ إِلَى بَنِي عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَرَأَى بِسْطَامٌ مَرْكَبَ أُمِّ عُتَيْبَةَ رَثًّا فَقَالَ: يَا عُتَيْبَةُ هَذَا رَحْلُ أُمِّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَحْلَ أُمِّ سَيِّدٍ قَطُّ مِثْلَ هَذَا. فَقَالَ عُتَيْبَةُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا أُطْلِقُكَ حَتَّى تَأْتِنِي أُمُّكَ بِحِدْجِهَا، وَكَانَ كَبِيرًا ذَا ثَمَنٍ كَثِيرٍ، وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ بِسْطَامٌ لِيَرْغَبَ فِيهِ فَلَا يَقْتُلَهُ. فَأَرْسَلَ بِسْطَامٌ فَأَحْضَرَ حِدْجَ أُمِّهِ وَفَادَى نَفْسَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَقِيلَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَهَوْدَجِ أُمِّهِ وَحِدْجِهَا، وَخَلَصَ مِنَ الْأَسْرِ. فَلَمَّا خَلَصَ مِنَ الْأَسْرِ أَذْكَى الْعُيُونَ عَلَى عُتَيْبَةَ وَإِبِلِهِ، فَعَادَتْ إِلَيْهِ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَابٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَأَخَذَ الْإِبِلَ كُلَّهَا وَمَا لَهُمْ مَعَهَا.
(عُتَيْبَةُ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ سَاكِنَةً، وَفِي آخِرِهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ) .

يَوْمٌ لِشَيْبَانَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَأَخُوهُ فِرَاسٌ التَّمِيمِيَّانِ، وَهُمَا الْأَقْرَعَانِ، فِي بَنِي مُجَاشِعٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمَا يُرِيدَانِ الْغَارَةَ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَمَعَهُمَا الْبَرُوكُ أَبُو جَعْلٍ، فَلَقِيَهُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ وَعِمْرَانُ بْنُ مُرَّةَ فِي بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِزُبَالَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَتْ فِيهِ بَكْرٌ وَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ، وَأُسِرَ الْأَقْرَعَانِ وَأَبُو جَعْلٍ وَنَاسٌ كَثِيرٌ، وَافْتَدَى الْأَقْرَعَانِ نَفْسَيْهِمَا مِنْ بِسْطَامٍ، وَعَاهَدَاهُ عَلَى إِرْسَالِ الْفِدَاءِ، فَأَطْلَقَهُمَا، فَبَعُدَا وَلَمْ يُرْسِلَا شَيْئًا، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى إِنْسَانٌ مِنْ يَرْبُوعٍ فَسَمِعَهُ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ فِي اللَّيْلِ يَقُولُ: فِدًى بِوَالِدَةٍ عَلَيَّ شَفِيقَةٍ فَكَأَنَّهَا حَرَضٌ عَلَى الْأَسْقَامِ
لَوْ أَنَّهَا عَلِمَتْ فَيَسْكُنُ جَأْشُهَا … أَنِّي سَقَطْتُ عَلَى الْفَتَى الْمِنْعَامِ
إِنَّ الَّذِي تَرْجِينَ ثَمَّ إِيَابَهُ سَقَطَ … الْعِشَاءُ بِهِ عَلَى بِسْطَامِ
سَقَطَ الْعِشَاءُ بِهِ عَلَى مُتَنَعِّمِ … سَمْحِ الْيَدَيْنِ مُعَاوِدِ الْإِقْدَامِ
فَلَمَّا سَمِعَ بِسْطَامُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: وَأَبِيكَ لَا يُخْبِرُ أُمَّكَ عَنْكَ غَيْرُكَ! وَأَطْلَقَهُ.
وَقَالَ ابْنُ رُمَيْضٍ الْعَنَزِيُّ: جَاءَتْ هَدَايَا مِنَ الرَّحْمَانِ مُرْسَلَةً حَتَّى أُنِيخَتْ لَدَى أَبْيَاتِ بِسْطَامِ
جَيْشُ الْهُذَيْلِ وَجَيْشُ الْأَقْرَعَيْنِ … مَعًا وَكُبَّةُ الْخَيْلِ وَالْأَذْوَادِ فِي عَامِ
مُسَوِّمٌ خَيْلَهُ تَعْدُو مَقَانِبُهُ … عَلَى الذَّوَائِبِ مِنْ أَوْلَادِ هَمَّامِ
وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
وَصَبَّحَنَا عَارٌ طَوِيلٌ بِنَاؤُهُ نُسَبُّ … بِهِ مَا لَاحَ فِي الْأُفْقِ كَوْكَبُ
فَلَمْ أَرَ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا … وَوَجْهًا تُرَى فِيهِ الْكَآبَةُ تَجْنُبُ
أَصَابُوا الْبَرُوكَ وَابْنَ حَابِسَ عَنْوَةً … فَظَلَّ لَهُمْ بِالْقَاعِ يَوْمٌ عَصَبْصَبُ
وَإِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى … إِذَا ازْوَرَّتِ الْأَبْطَالُ لَيْثٌ مُجَرَّبُ
وَأَبُو الصَّهْبَاءِ: هُوَ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي مَدْحِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا.
(حَجَرٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ) .

يَوْمُ مَبَائِضَ

وَهُوَ لِشَيْبَانَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: حَجَّ طَرِيفُ بْنُ تَمِيمٍ الْعَنْبَرِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا يُلَقَّبُ مُجَدِّعًا، وَهُوَ فَارِسُ قَوْمِهِ، وَلَقِيَهُ حَمْصِيصَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الشَّيْبَانِيُّ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ شَابٌّ قَوِيٌّ شُجَاعٌ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَأَطَالَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ طَرِيفٌ: لِمَ تَشُدُّ نَظَرَكَ إِلَيَّ؟ قَالَ حَمْصِيصَةُ: أُرِيدُ أَنْ أُثْبِتَكَ لَعَلِّي أَنْ أَلْقَاكَ فِي جَيْشٍ فَأَقْتُلَكَ. فَقَالَ طَرِيفٌ: اللَّهُمَّ لَا تُحَوِّلِ الْحَوْلَ حَتَّى أَلْقَاهُ! وَدَعَا حَمْصِيصَةُ مِثْلَهُ، فَقَالَ طَرِيفٌ:
أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ … بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ
لَا تُنْكِرُونِي إِنَّنِي أَنَا ذَاكُمُ شَاكِي … السِّلَاحِ وَفِي الْحَوَادِثِ مُعْلَمُ
حَوْلِي فَوَارِسُ مِنْ أُسَيْدٍ شُجْعَةٌ
وَمِنَ الْهَجِيمِ وَحَوْلَ بَيْتِيَ خُصَّمُ … تَحْتِي الْأَغَرُّ وَفَوْقَ جِلْدِيَ نَثْرَةٌ
زَعْفٌ تَرُدُّ السَّيْفَ وَهُوَ مُثَلَّمُ
فِي أَبْيَاتٍ.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَبَنِي مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ وَخِصَامٌ فَاقْتَتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ دَمٌ. فَقَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ، رَئِيسُ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، لِقَوْمِهِ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَنَا، فَارْتَحَلَ بِهِمْ فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ مَبَائِضُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ أَشْهُرًا، وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: هَذَا حَيٌّ مُنْفَرِدٌ وَإِنِ اصْطَلَمْتُمُوهُمْ أَوْهَنْتُمْ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ.
وَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا عَلَى ثَلَاثَةِ رُؤَسَاءَ: أَبُو الْجَدْعَاءِ الطَّهْوِيُّ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَابْنُ فَدْكَى الْمِنْقَرِيُّ عَلَى بَنِي سَعْدٍ، وَطَرِيفُ بْنُ تَمِيمٍ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ. فَلَمَّا قَارَبُوا بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ بَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَاسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَخَطَبَهُمْ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ: إِذَا أَتَوْكُمْ فَقَاتِلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ انْحَازُوا عَنْهُمْ، فَإِذَا اشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ فَعُودُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّكُمْ تُصِيبُونَ مِنْهُمْ حَاجَتَكُمْ.
وَصَبَّحَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ وَالْقَوْمُ حَذِرُونَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَفَعَلَتْ بَنُو شَيْبَانَ مَا أَمَرَهُمْ هَانِئٌ. فَاشْتَغَلَتْ تَمِيمٌ بِالْغَنِيمَةِ، وَمَرَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِابْنٍ لِهَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ صَبِيٍّ فَأَخَذَهُ وَقَالَ: حَسْبِي هَذَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَسَارَ بِهِ وَبَقِيَتْ تَمِيمٌ مَعَ الْغَنِيمَةِ وَالسَّبْيِ. فَعَادَتْ شَيْبَانُ عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَلَمْ تُصَبْ تَمِيمٌ بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَمْ يَلْوِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَانْهَزَمَ طَرِيفٌ فَاتَّبَعَهُ حَمْصِيصَةُ فَقَتَلَهُ. وَاسْتَرَدَّتْ شَيْبَانُ الْأَهْلَ وَالْمَالَ وَأَخَذُوا مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَفَادَى هَانِئُ ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنَهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَقَالَ بَعْضُ شَيْبَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ:
وَلَقَدْ دَعَوْتَ طَرِيفُ دَعْوَةَ جَاهِلٍ … غِرٍّ وَأَنْتَ بِمَنْظَرٍ لَا تُعْلَمُ
وَأَتَيْتَ حَيًّا فِي الْحُرُوبِ مَحَلَّهُمْ … وَالْجَيْشُ بِاسْمِ أَبِيهِمُ يَسْتَهْزِمُ
فَوَجَدْتَهُمْ يَرْعَوْنَ حَوْلَ دِيَارِهِمْ … بُسْلًا إِذَا حَامَ الْفَوَارِسُ أَقْدَمُوا
وَإِذَا اعْتَزَوْا بِأَبِي رَبِيعَةَ أَقْبَلُوا … بِكَتِيبَةٍ مِثْلَ النُّجُومِ تُلَمْلِمُ
سَامُوكَ دِرْعَكَ وَالْأَغَرَّ كِلَيْهِمَا … وَبَنُو أُسَيْدٍ أَسْلَمُوكَ وَخُصَّمُ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ يَرْثِي طَرِيفًا:
لَا تَبْعُدَنْ يَا خَيْرَ عَمْرِو بْنِ جُنْدَبٍ … لَعَمْرِي لَمَنْ زَارَ الْقُبُورَ لَيَبْعُدَا
عَظِيمُ رَمَادِ النَّارِ لَا مُتَعَبِّسًا … وَلَا مُؤْيِسًا مِنْهَا إِذَا هُوَ أَوْقَدَا
وَمَا كَانَ وَقَّافًا إِذَا الْخَيْلُ أَحْجَمَتْ … وَمَا كَانَ مِبْطَانًا إِذَا مَا تَجَرَّدَا

يَوْمُ الزُّوَيْرَيْنِ

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ قَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ فَانْتَجَعُوا بِلَادَ تَمِيمٍ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَهَجَرَ،

فَلَمَّا تَدَانَوْا جَعَلُوا لَا يَلْقَى بَكْرِيٌّ تَمِيمِيًّا إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَا يَلْقَى تَمِيمِيٌّ بَكْرِيًّا إِلَّا قَتَلَهُ، إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ أَخَذَهُ،

حَتَّى تَفَاقَمَ الشَّرُّ وَعَظُمَ، فَخَرَجَ الْحَوْفَزَانُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْوَادِكُ بْنُ الْحَارِثِ الشَّيْبَانِيَّانِ لِيُغِيرَا عَلَى بَنِي دَارِمٍ،

فَاتَّفَقَ أَنَّ تَمِيمًا فِي تِلْكَ الْحَالِ اجْتَمَعَتْ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ عَمْرِو بْنِ حَنْظَلَةَ وَالرِّبَابِ وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا وَسَارَتْ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَعَلَى تَمِيمٍ أَبُو الرَّئِيسِ الْحَنْظَلِيُّ. فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ فَتَقَدَّمُوا وَعَلَيْهِمُ الْأَصَمُّ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ أَبُو مَفْرُوقٍ وَحَنْظَلَةُ بْنُ سَيَّارٍ الْعِجْلِيُّ وَحُمْرَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعَبْسِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَوْا جَعَلَتْ تَمِيمٌ وَالرِّبَابُ بَعِيرَيْنِ وَجَلَّلُوهُمَا، وَجَعَلُوا عِنْدَهُمَا مَنْ يَحْفَظُهُمَا، وَتَرَكُوهُمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَعْقُولَيْنِ وَسَمُّوهُمَا زُوَيْرَيْنِ، يَعْنِي إِلَهَيْنِ، وَقَالُوا: لَا نَفِرُّ حَتَّى يَفِرَّ هَذَانِ الْبَعِيرَانِ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَفْرُوقٍ الْبَعِيرَيْنِ سَأَلَ عَنْهُمَا فَأُعْلِمَ حَالَهُمَا، فَقَالَ: أَنَا زُوَيْرُكُمْ، وَبَرَكَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقَالَ: قَاتِلُوا عَنِّي وَلَا تَفِرُّوا حَتَّى أَفِرَّ. فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَوَصَلَتْ شَيْبَانُ إِلَى الْبَعِيرَيْنِ فَأَخَذُوهُمَا فَذَبَحُوهُمَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِمَا، فَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ وَقُتِلَ أَبُو الرَّئِيسِ مُقَدِّمُهُمْ وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَاجْتَرَفَتْ بَكْرٌ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَسَرُوا أَسْرَى كَثِيرَةً، وَوَصَلَ الْحَوْفَزَانُ إِلَى النِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ سَالِمًا، وَقَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ:
يَا سَلْمَ لَا تَسْأَلِي عَنَّا فَلًا كُشِفَتْ … عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا سُودٌ مَقَارِيفُ
نَحْنُ الَّذِينَ هَزَمْنَا يَوْمَ صَبَّحْنَا … يَوْمَ الزُّوَيْرَيْنِ فِي جَمْعِ الْأَحَالِيفِ
ظَلُّوا وَظَلَّتْ تَكِرُّ الْخَيْلُ وَسْطَهُمُ … بِالشِّيبِ مِنَّا وَبِالْمُرْدِ الْغَطَارِيفِ
تَسْتَأْنِسُ الشَّرَفَ الْأَعْلَى بِأَعْيُنِهَا لَمْحَ … الصُّقُورِ عَلَتْ فَوْقَ الْأَظَالِيفِ
انْسَلَّ عَنْهَا بِسَيْلِ الصَّيْفِ فَانْجَرَدَتْ … تَحْتَ اللُّبُودِ مُتُونٌ كَالزَّحَالِيفِ
وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، لَا سِيَّمَا الْأَغْلَبُ الْعِجْلِيُّ، فَمِنْ ذَلِكَ أُرْجُوزَتُهُ أَوَّلُهَا:
إِنْ سَرَّكَ الْعِزُّ فَجَحْجِحْ بِجُشَمْ
يَقُولُ فِيهَا:
جَاءُوا بِزَوْرَيْهِمْ وَجِئْنَا بِالْأَصَمْ … شَيْخٍ لَنَا كَاللَّيْثِ مِنْ بَاقِي إِرَمْ
شَيْخٌ لَنَا مُعَاوِدٌ ضَرْبَ الْبُهُمْ … يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ إِذَا الرُّمْحُ انْقَصَمْ
هَلْ غَيْرُ غَارٍ صَكَّ غَارًا فَانْهَزَمْ
الْغَارَانِ: بَكْرٌ وَتَمِيمٌ.
وَلَهُ الْأُرْجُوزَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا:
يَا رُبَّ حَرْبٍ ثَرَّةِ الْأَخْلَافِ
يَذْكُرُ فِيهَا هَذَا الْيَوْمَ.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *